إصلاح الخصم عن الأعباء العائلية بالضريبة على الدخل

كُتب بواسطة

في

تشكل الجبايات، وضمنها الضرائب، أهم  وأكبر مداخيل ميزانية الدولة. لذلك عوّل عليها المشرع كثيرا من أجل توطيد أدوار الدولة في تحقيق الأمن والاستقرار داخل المجتمع.

وتتعدد وظائف الضريبة، بين الوظائف السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية، إلا أن ما سنحاول تناوله بهذا الصدد هو هذه الاخيرة، ليس فيما يخص توجيه إنفاقها، وإنما باعتبارها إحدى أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين الخاضعين للضريبة. ونقصد هنا، على وجه التحديد، مفهوم العدالة الجبائية، أي كيفية تحقيق المساواة بين الخاضعين أثناء عملية فرض الضريبة وتحصيلها.

ويُعد الخصم عن الأعباء العائلية إحدى الآليات الرئيسية لتحقيق هذه الغاية، وقد بلوره المشرع من خلال المادة 74 من المدونة العامة للضرائب، التي تعرضت لعدة تغييرات، كان آخرها بموجب قانون المالية لسنة 2026. وتنص المادة المذكورة على إمكانية خصم مبلغ 600 درهم من الواجب السنوي للضريبة على الدخل عن كل شخص يعيله الخاضع للضريبة، أي عن زوجته، أو عن أولاده أو أولاد غيره الذين يأويهم بصورة شرعية، شريطة ألا يتجاوز عمرهم 27 سنة، وألا يتجاوز دخلهم السنوي المبلغ المعفى من الضريبة على الدخل حسب الأسعار التصاعدية المنصوص عليها في المادة 73 من المدونة ذاتها، أي 40 ألف درهم. غير أن شرط السن لا يسري على المصابين بعاهة تحول دون كسب الموارد اللازمة لعيشهم. هذا وقد حُدد المبلغ الأقصى القابل للخصم من الواجب الضريبي في 3600 درهم، وهو ما يعني أن المشرع، من خلال هذا التسقيف، حصر عدد الأشخاص الذين يمكن للخاضع للضريبة أن يستفيد من الخصم عنهم في ستة أشخاص فقط.

بهذا المعنى، فإن الدولة تدعم عمليا بمبلغ 50 درهما شهريا كل شخص متزوج أو لديه أطفال أو يتكفل بأشخاص آخرين بطريقة شرعية، بغض النظر عن مستوى دخله، إذ إن هذا الخصم يُعد امتيازا ممنوحا لجميع الأشخاص الذاتيين الخاضعين للضريبة على الدخل. وتضيف المادة 74 أن الخاضعات للضريبة يستفدن كذلك من هذا الخصم، شريطة أن يكنّ منفقات على أزواجهن أو أولادهن، إذا كانت نفقتهم تجب عليهن شرعا.

في هذا الصدد، سنعمل على عرض 6 اقتراحات لتجويد آلية الخصم هذه، قصد تعزيز بُعد العدالة الجبائية فيها من جهة، وتحقيق مزيد من الضبط لشروط الاستفادة منها، لأجل رفع مردودية الضريبة على الدخل من جهة أخرى.

ويتعلق الاقتراح الأول باشتراط عدم تجاوز الدخل السنوي الخاضع للضريبة مبلغ 360.000 درهم، أي ما يعادل 30.000 درهم شهريا، للاستفادة من الخصم المذكور؛ إذ إن إقرار هذا الشرط سيساهم في توجيه الدعم الضريبي إلى الفئات التي تستحقه، بدل استفادة ذوي الدخول المرتفعة منه، الأمر الذي لا يتماشى مع فلسفة تشخيص الضريبة على الدخل، التي تهدف أساسا إلى مراعاة القدرة التكليفية للخاضعين، حتى لا يشكل الواجب الضريبي عبئا مرهقا لقدراتهم المالية. فمنح هذا الخصم لجميع الخاضعين للضريبة، دون تمييز على أساس مستوى الدخل، يبدو غير عادل وغير ناجع من الناحية الاجتماعية؛ إذ كيف يُتصور أن تخفض الدولة مبلغ الضريبة على الدخل لفائدة أشخاص من ذوي الدخول المرتفعة. ومن ثم، يثور التساؤل حول مدى جدوى دعم أشخاص من ذوي الدخول المرتفعة بهذا المبلغ، في الوقت الذي قد يتقاضون فيه دخولا شهرية تفوق 30.000 درهم، بل وقد تصل إلى 50.000 درهم أو أكثر.

هذا و يقترح أيضا ضبط هذا الخصم وعدم جعله وسيلة لخفض الواجبات الضريبية بشكل حاد، أو تصفيرها في حالات عديدة؛ مثل الوضعية التي يكون فيها المبلغ السنوي المستحق للضريبة، على سبيل المثال، 2000 درهم، بالنسبة لخاضع للضريبة متزوج وله ثلاثة أبناء تتوفر فيهم الشروط سالفة الإشارة. ففي هذه الحالة، سؤدي تطبيق الخصم إلى نتيجة سالبة، وبالتالي عدم تادية الخاضع للضريبة.

وهو ما لا يجسد بصورة فعلية مبدأ المواطنة الضريبية وتحمل التكاليف العمومية التي تتطلبها تنمية البلاد، كما يؤكد على ذلك الفصل 39 من دستور المملكة. لذا، ينبغي في هذا الصدد التنصيص على عدم منح حق الخصم للخاضعين الذين تساوي واجباتهم الضريبية أو تقل عن 1000 درهم، إضافة إلى منع خفض الخصم ذاته للمبالغ المستحقة كضرائب على الدخل إلى ما دون 1000 درهم.

الى جانب ما تقدم،  يقترح ايضا حصر حق الاستفادة من هذا الخصم بالنسبة إلى الأشخاص الذاتيين في واجب ضريبي واحد، دون إمكانية تمتيعهم به بشأن واجبات أخرى ضمن الضريبة على الدخل؛ ذلك أن الخصم المذكور أُقرّ أساسا بهدف تخفيف العبء الضريبي على الأشخاص الذاتيين. فلا يتصور، بهذا الصدد، أن تتحول هذه الآلية من أداء هذا الدور إلى لعب دور سلبي يتجسد في تخفيض مردودية الضريبة على الدخل لفائدة أشخاص متعددِي الدخول.

 ويُقترح على جانب اخر، ضم فئة المكفولين في إطار أسر الخاضعات للضريبة إلى قائمة الأشخاص الذين يمكن أن تستفيد الخاضعة من الخصم عنهم، على غرار أولادهن من أصلابهن. وذلك لرفع الحيف عن الخاضعات المنفقات على أسرهن التي تضم مكفولين، لاجل إحداث انسجام وتكامل بين قواعد الخصم المتعلقة بالخاضعين من الرجال وتلك المتعلقة بالخاضعات من النساء في إطار المادة 74 من المدونة المذكورة، تجسيدا لمبدأ المساواة بين الجنسين، باعتباره أحد ركائز العدالة الجبائية والاجتماعية.

وعلاوة على ذلك، تُرى  ضرورة توضيح شروط الخصم بالنسبة إلى الخاضعة المتزوجة فيما يخص زوجها؛ في ظل الابهام الذي يطبع الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 74 سالفة بخصوص شروط منح حق الخصم ذاك، حيث تحيل هذه المادة الشروط المتعلقة بهذا الصدد إلى الشرع، أي الشريعة الإسلامية، إلا أن ذلك قد يخلق تفسيرات مختلفة، من شأنها الإضرار بمبدأ الأمن القانوني الذي يتطلب وضوح ومقروئية النص القانوني، وضمنه الضريبي.

لذا، يُقترح في هذا الإطار، اعتماد شرطين محددين؛ أولهما يتعلق بعدم قدرة الزوج على العمل، وينبغي إثبات ذلك بشهادة طبية صادرة عن طبيب مختص بالحالة الصحية للمعني بالأمر، تُرفق بالإقرار السنوي بالضريبة من طرف الخاضعة أو من يحجز الضريبة عنها. كما يتوجب تقديم الشهادة الطبية المذكورة كل خمس سنوات، مع إمكانية إحالة الادارة الضريبية الزوج إلى مستشفى عمومي قصد التحقق من حالته الصحية.

أما الشرط الثاني، فيخص عدم تجاوز الدخل السنوي للزوج مبلغ 40.000 درهم من جهة، وألا يكون خاضعا بأي شكل من الأشكال للضريبة على الدخل بصورة متصلة تحت أي صنف من أصناف الدخولمن جهة اخرى. وينبغي أن تدلي الخاضعة، أو من يحجز الضريبة عنها في اطار الإقرار السنوي لدخلها، بشهادة تثبت عدم خضوع الزوج للضريبة على الدخل. كما ينبغي إلزام الخاضعة بإبلاغ الإدارة فورا بأي مستجد من شأنه إسقاط حقها في الخصم، تحت طائلة استرجاع الإدارة للمبالغ التي سبق خصمها لفائدتها بصورة غير مشروعة.

باحث في القانون العام (*)

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *