على امتداد سبعة وعشرين عاما، واجه المغرب سلسلة من الأزمات التي وضعت مؤسساته أمام اختبارات غير مسبوقة، تنوعت بين كوارث طبيعية وأزمات صحية وإنسانية. فمن زلزال الحسيمة سنة 2004 إلى زلزال الحوز سنة 2023، مرورا بفيضانات ضربت عددا من المناطق وجائحة كورونا التي أربكت العالم، برزت إدارة الأزمات كأحد أبرز ملامح تدبير “العهد الجديد” تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس.
وخلال هذه المحطات، لم يقتصر التدخل الملكي على إصدار التعليمات الاستعجالية، بل اتخذ طابعا ميدانيا ومؤسساتيا، من خلال تفقد المناطق المنكوبة، والإشراف على اجتماعات العمل، وإحداث آليات وصناديق خاصة للدعم، فضلا عن تتبع برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، بما كرس استمرارية الدولة وسرعة تعبئة مختلف أجهزتها في مواجهة الأزمات.
وبمناسبة عيد العرش، تقدم هذه المحطات صورة عن تطور المقاربة الملكية في مواجهة الكوارث، فقد انتقل التدخل تدريجيا من تدبير الوضع الاستعجالي إلى بناء برامج تجمع بين الإنقاذ، والتعويض، وإعادة الإعمار، وتأهيل البنيات الأساسية، مع وضع المواطن المتضرر في صلب القرارات.
ويبرز من خلال هذا المسار حضور عدد من الثوابت التي طبعت المقاربة الملكية في تدبير الأزمات، في مقدمتها سرعة التعبئة، والتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وعدم الفصل بين الإغاثة الفورية وإعادة بناء المناطق المنكوبة، إلى جانب تحويل كل أزمة إلى فرصة لإطلاق إصلاحات تعزز جاهزية الدولة لمواجهة المخاطر المستقبلية.
ولا تعكس هذه المحطات مجرد تعاقب لكوارث واجهها المغرب، بل تكشف عن تطور متواصل في فلسفة إدارة الأزمات، إذ يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن الاحتفال بعيد العرش يشكل مناسبة لاستحضار هذا التحول، حيث انتقلت مقاربة الدولة، خلال ربع قرن، من التركيز على التدخل بعد وقوع الكارثة إلى بناء رؤية متكاملة تقوم على الوقاية والاستجابة والتعافي وإعادة البناء.
ويضيف أن الخبرات التي راكمها المغرب، من زلزال الحسيمة إلى جائحة كورونا ثم زلزال الحوز، أسهمت في ترسيخ سياسة وطنية لتدبير المخاطر وتعزيز صمود الدولة، معتبرا أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بفعالية التنفيذ الترابي، وجاهزية المؤسسات، وقدرتها على حماية المواطنين، لا سيما في المناطق الأكثر هشاشة.
زلزال الحسيمة.. جلالة الملك ينتقل إلى قلب المنطقة المنكوبة
في الساعات الأولى من يوم 24 فبراير 2004، ضرب زلزال قوي إقليم الحسيمة وخلف مئات الضحايا وخسائر كبيرة في المساكن والتجهيزات، خصوصا في المناطق القروية. وأمام حجم الكارثة، صدرت التعليمات الملكية بتعبئة وسائل الإنقاذ والإسعاف وإيواء الأسر التي فقدت منازلها، قبل أن ينتقل الملك محمد السادس إلى المنطقة لمتابعة التدخلات ميدانيا.
لم تكن الزيارة الملكية إلى الحسيمة بروتوكولية أو محدودة في الزمن، إذ أعلن آنذاك أن الملك سيقيم بالمنطقة المنكوبة لمواكبة عمليات الإغاثة والوقوف على أوضاع السكان، في خطوة حملت دلالة سياسية وإنسانية واضحة: إدارة الكارثة من القرب والاستماع المباشرة إلى المتضررين.
وفي 25 مارس 2004، أي بعد شهر تقريبا من وقوع الزلزال، ألقى الملك بالحسيمة خطابا خصص جانبا أساسيا منه لإعادة إعمار المنطقة وتأهيلها، وتجاوز الخطاب منطق إعادة بناء ما تهدم، ليضع تصورا يجمع بين معالجة الحاجيات المستعجلة وإطلاق تنمية هيكلية لمنطقة الريف.
وأكد الملك خطابه ضرورة إعادة الإسكان والإعمار وفق المعايير اللازمة لمقاومة الزلازل، إلى جانب معالجة مظاهر العجز التي كانت تعاني منها المنطقة في التجهيزات والبنيات والخدمات، ليتحول زلزال الحسيمة من كارثة تتطلب تدخلا استعجاليا إلى مدخل لإعادة التفكير في البناء والتعمير والتنمية المجالية.
الفيضانات.. الأولوية للإنقاذ وإعادة ربط المناطق المعزولة
بعد زلزال الحسيمة، واجه المغرب موجات متكررة من الفيضانات، مست عددا من المناطق، خاصة الجنوب والجنوب الشرقي.
وشكلت فيضانات كلميم ومدن مجاورة في نونبر 2014 واحدة من أكثر هذه المحطات قسوة، بعدما أدت السيول إلى سقوط ضحايا ومحاصرة مواطنين وقطع محاور طرقية.
أمام الوضع، وتبعا للتعليمات الملكية السامية، جرت تعبئة السلطات المحلية والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي، مع إحداث مركز للطوارئ لتتبع تطورات الوضع بالمناطق المتضررة.
وأمر الملك محمد السادس بالتكفل بعلاج المصابين، فيما انصبت التدخلات الميدانية على إنقاذ المحاصرين وإجلائهم، وإعادة فتح الطرق، وإيصال المساعدات إلى القرى المعزولة.
وامتد التدخل إلى مواكبة الأسر المتضررة، خصوصا تلك التي فقدت مساكنها أو مواردها، وإعادة تأهيل بعض البنيات الأساسية.
ودفعت هذه الكوارث المتكررة إلى تعزيز الاهتمام بمخاطر الفيضانات، وبآليات اليقظة والوقاية، وبتمويل مشاريع حماية المدن والمراكز القروية، إذ تبعا للتوجيهات الملكية السامية، جرى تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتسريع إنجاز عدد من مشاريع الحماية من الفيضانات، وتقوية وسائل التدخل والإنقاذ، بما يرفع من جاهزية الدولة لمواجهة الكوارث الطبيعية.
كورونا.. صندوق ملكي لحماية الصحة والاقتصاد والمجتمع
مع ظهور جائحة كوفيد-19 سنة 2020، وجد المغرب نفسه أمام أزمة تختلف عن الزلازل والفيضانات، حيث لم تكن الكارثة محدودة في مجال جغرافي يمكن تطويقه، بل بأزمة صحية عالمية أصابت البلاد كلها، وأوقفت جزءا كبيرا من الأنشطة الاقتصادية، وهددت قدرة الأسر على توفير حاجياتها الأساسية.
وفي 15 مارس 2020، أعطى الملك محمد السادس تعليماته بإحداث صندوق خاص لتدبير جائحة فيروس كورونا، برصيد أولي بلغ 10 مليارات درهم، وتُرجم القرار قانونيا بصدور المرسوم رقم 2.20.269 بتاريخ 16 مارس 2020، لإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم “الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد-19”.
والصندوق أحد أبرز أدوات الاستجابة للأزمة؛ إذ وُجهت موارده إلى تأهيل المنظومة الصحية واقتناء المعدات والأدوية، وإحداث وحدات استشفائية إضافية، ودعم الأسر التي فقدت مداخيلها، إلى جانب مواكبة المقاولات المتضررة والحفاظ على جزء من مناصب الشغل.
وتحول الصندوق، بعد تبرع جلالة الملك محمد السادس بملياري درهم من حسابه الخاص، إلى إطار واسع للتضامن الوطني، بعد مساهمة مؤسسات عمومية وخاصة ومواطنين فيه، لتتحول مواجهة الوباء من مسؤولية القطاع الصحي وحده، إلى تعبئة وطنية جمعت بين القرار العمومي والتضامن المجتمعي.
وإلى جانب الصندوق، أعطى الملك تعليماته للقوات المسلحة الملكية بإقامة مستشفيات ميدانية، ووُضعت الإمكانات الطبية العسكرية رهن إشارة المنظومة الصحية، كما ترأس جلسات عمل لتتبع الوضع الوبائي وتأمين احتياجات البلاد من الأدوية والمعدات واللقاحات.
ويعتبر الحبيب استاتي زين الدين أن جائحة كورونا شكلت منعطفا نوعيا في تطور المقاربة الملكية، لأنها لم تكن أزمة صحية فحسب، بل مست مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ويوضح أن ما ميز التجربة المغربية هو السعي إلى تحقيق توازن بين حماية الحق في الحياة، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
ويرى المتحدث عينه أن إحداث الصندوق الخاص بتدبير الجائحة لم يكن مجرد آلية مالية استثنائية، بل جسد تصورا يربط الأمن الصحي بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، بعدما وفر الدعم للمنظومة الصحية، وساهم في مواكبة الأسر والأجراء والمقاولات، محولا التضامن إلى سياسة عمومية مؤسساتية.
من تأمين اللقاح إلى البحث عن السيادة الصحية
لم تقتصر المقاربة الملكية خلال جائحة كورونا على تدبير الإصابات اليومية، بل اتجهت مبكرا إلى تأمين اللقاحات للمغاربة، إذ أعطى جلالة الملك محمد السادس في 28 يناير 2021، الانطلاقة الفعلية للحملة الوطنية للتلقيح، بعد تلقيه الجرعة الأولى بالقصر الملكي في فاس.
وجاءت الحملة مجانية لجميع المواطنين، وفق التعليمات الملكية، وجرى توسيعها تدريجيا لتشمل مختلف الفئات العمرية والمهنية، ليمكن الإعداد المبكر من إطلاق التلقيح في مرحلة كانت فيها دول كثيرة تواجه صعوبات في الوصول إلى الجرعات.
غير أن الدرس الذي استخلصه المغرب من الجائحة لم يتوقف عند ضرورة اقتناء اللقاح، بل امتد إلى تقليص التبعية للخارج في المواد الطبية الحيوية، عبر إطلاق مشاريع لتطوير القدرة الوطنية على تصنيع اللقاحات والأدوية، باعتبار السيادة الصحية جزءا من الأمن الاستراتيجي للمملكة.
وهكذا تحولت أزمة كورونا إلى نقطة انطلاق لإصلاحات أوسع، شملت تقوية المنظومة الصحية، وتسريع ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وإعادة طرح قضية المخزون الاستراتيجي، والصناعة الدوائية، وقدرة الدولة على حماية الفئات التي تفقد دخلها في الظروف الاستثنائية.
زلزال الحوز.. جلسة عمل في اليوم التالي للكارثة
ليلة 8 شتنبر 2023، ضرب زلزال عنيف منطقة الحوز وامتدت آثاره إلى أقاليم مراكش وشيشاوة وتارودانت وورزازات.
وتسببت الطبيعة الجبلية للمناطق المتضررة في تعقيد عمليات الوصول إلى عدد من الدواوير، بعد انهيار الطرق أو انقطاعها.
في اليوم التالي مباشرة، 9 شتنبر 2023، ترأس الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، جلسة عمل خصصت لتدارس الوضع، وتم خلالها أمام الملك عرض آخر المعطيات المتعلقة بالمناطق المتضررة والإجراءات المتخذة للوصول إلى الدواوير المعزولة وإنقاذ الضحايا.
وأصدر الملك تعليماته لتعزيز وسائل وفرق البحث والإنقاذ، وتسريع إجلاء الجرحى، وتوفير مياه الشرب والمواد الغذائية والخيام والأغطية، مع مواصلة فتح الطرق وإعادة شبكات الكهرباء والاتصالات.
وشملت التعليمات التكفل الفوري بالأشخاص الذين فقدوا مساكنهم، خصوصا الأطفال والفئات الهشة، وإحداث لجنة وزارية لوضع برنامج استعجالي لإعادة التأهيل.
كما أعطيت التعليمات للقوات المسلحة الملكية بنشر وسائل بشرية ولوجستية مهمة، وإقامة مستشفيات طبية جراحية ميدانية، وتسخير الطائرات والمروحيات لنقل الجرحى والمساعدات إلى المناطق التي تعذر بلوغها عبر الطرق.
زيارة المصابين وتبرع ملكي بالدم
وفي 12 شتنبر 2023، انتقل الملك محمد السادس إلى المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش، حيث زار المصابين الذين كانوا يتلقون العلاج عقب الزلزال واطلع على ظروف التكفل بهم.
وخلال الزيارة، تبرع الملك بالدم، في خطوة حملت رمزية قوية وساهمت في دعم موجة التضامن التي عرفتها مختلف مدن المملكة، حيث توجه آلاف المواطنين إلى مراكز تحاقن الدم للمساهمة في إنقاذ المصابين.
وأظهرت الزيارة أن المتابعة الملكية لم تقتصر على الاجتماعات الرسمية، بل انتقلت إلى المستشفى والاحتكاك المباشر بالمصابين والأطر الصحية، كما شكلت امتدادا للنهج الذي ظهر عقب زلزال الحسيمة، والقائم على الحضور الميداني في قلب الأزمة.
14 شتنبر.. دعم شهري وتعويضات مباشرة لإعادة البناء
بعد خمسة أيام من جلسة العمل الأولى، ترأس الملك في 14 شتنبر 2023 بالقصر الملكي في الرباط اجتماعا ثانيا، خصص لتفعيل البرنامج الاستعجالي لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بالفئات الأكثر تضررا.
وأقر الاجتماع تقديم مساعدة استعجالية بقيمة 30 ألف درهم لكل أسرة متضررة، تُصرف على مدى سنة بمعدل 2500 درهم شهريا. كما تم تحديد مساعدات مباشرة قدرها 140 ألف درهم لإعادة بناء المسكن المنهار كليا، و80 ألف درهم لتأهيل المسكن المنهار جزئيا.
وشددت التوجيهات الملكية على ضرورة تنفيذ عمليات إعادة البناء وفق دفاتر تحملات تراعي الخصائص المعمارية والاجتماعية للمناطق، وتحترم معايير مقاومة الزلازل. كما شملت التدابير التكفل الفوري بالأطفال اليتامى الذين فقدوا أسرهم، وإحصاء المتضررين بدقة، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية والبنيات الأساسية.
وبذلك انتقل التدخل، في أقل من أسبوع، من مرحلة البحث عن الناجين وإيواء السكان إلى وضع آلية مالية واضحة للتعويض وإعادة البناء، وهو ما يعكس أهمية جلسات العمل الملكية في تقليص الزمن الفاصل بين تشخيص الأزمة واتخاذ القرار.
20 شتنبر.. 120 مليار درهم لإعادة إعمار وتنمية ستة أقاليم
في 20 شتنبر 2023، ترأس الملك جلسة عمل ثالثة خصصت لبرنامج إعادة البناء والتأهيل العام للمناطق المتضررة لنقل التدبير إلى مستوى أوسع من الإغاثة وإعادة المساكن.
وحدد البرنامج ميزانية تقديرية بلغت 120 مليار درهم على مدى خمس سنوات، واستهدف ساكنة تقدر بنحو 4.2 ملايين نسمة في ستة أقاليم وعمالات هي الحوز، مراكش، شيشاوة، تارودانت، ورزازات وأزيلال.
وقام البرنامج على محورين؛ الأول خصص لإعادة بناء المساكن وتأهيل البنيات التحتية المتضررة وفك العزلة، والثاني استهدف وضع مخطط لتنمية مناطق الأطلس الكبير، من خلال دعم الأنشطة الاقتصادية، وتأهيل المرافق والخدمات، وتحسين الجاذبية المجالية.
وتكشف هندسة هذا البرنامج أن الرؤية الملكية لم تنظر إلى الزلزال باعتباره ملفا تقنيا يقتصر على إصلاح المساكن المتضررة، بل باعتباره فرصة لمعالجة اختلالات تنموية كانت قائمة قبل الكارثة، إذ لم يكن الهدف إعادة القرى إلى وضعها السابق، وإنما تحسين شروط العيش، وفك العزلة، وتأهيل البنيات والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الحبيب استاتي زين الدين، أن تجربة زلزال الحوز عكست مستوى متقدما في تطور إدارة الأزمات بالمغرب، من خلال سرعة الانتقال من مرحلة الإنقاذ والإيواء إلى إعادة البناء والتأهيل الشامل.
ويوضح أن جلسات العمل الملكية أسهمت في تقليص الزمن الفاصل بين وقوع الزلزال واتخاذ القرار، عبر توحيد تشخيص الوضع وتحديد الأولويات والآجال قبل إطلاق برامج التعويض وإعادة الإعمار، معتبرا أن القيمة الحقيقية لهذه المقاربة لا تكمن فقط في سرعة اتخاذ القرار، بل في قدرتها على تحويل الخبرة المتراكمة إلى مؤسسات وسياسات دائمة، تجعل من إعادة الإعمار مدخلا للتنمية وتعزيز صمود المجالات الترابية.
الصندوق رقم 126.. التضامن يتحول إلى آلية مؤسساتية
بموازاة برنامج إعادة البناء، أحدث الحساب الخاص رقم 126 لتدبير الآثار المترتبة على زلزال الحوز، وفتح أمام المساهمات التضامنية للمؤسسات والمقاولات والمواطنين.
حيث ساهم الملك محمد السادس بمبلغ مليار درهم في الصندوق، من ماله الخاص، في خطوة عززت التعبئة الوطنية وشجعت مختلف الفاعلين على الانخراط في تمويل جهود الإعمار.
وقد مكن الصندوق من تجميع الموارد وتوجيهها نحو البرامج المخصصة للمتضررين، وأكد مرة أخرى حضور الصناديق الاستثنائية باعتبارها إحدى أدوات التدبير الملكي للأزمات؛ من صندوق كورونا الذي جمع بين حماية الصحة ودعم المجتمع والاقتصاد، إلى صندوق الزلزال الموجه إلى الإيواء وإعادة الإعمار.
من آسفي إلى الغرب واللوكوس.. توجيهات ملكية تقود الإغاثة وإعادة الإعمار
شهدت مدينة آسفي يوم 14 دجنبر 2025 تساقطات مطرية استثنائية خلفت أضرارا بعدد من الأحياء والبنيات التحتية. وفي إطار العناية الملكية الموصولة بالمواطنين، وتنفيذا للتعليمات السامية للملك محمد السادس، أُطلق برنامج استعجالي لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، مع تعبئة مختلف القطاعات للتدخل السريع وإصلاح التجهيزات الأساسية.
وبعد أسابيع، عرفت مناطق الغرب واللوكوس خلال يناير وفبراير 2026 فيضانات قوية استدعت تعبئة شاملة، حيث جرى، بتوجيهات ملكية سامية، تسخير القوات المسلحة الملكية، والسلطات الترابية، والوقاية المدنية، والدرك الملكي، لتنفيذ عمليات الإنقاذ والإجلاء، وتأمين مراكز الإيواء، وإيصال المساعدات إلى المتضررين.
وفي تجسيد للرؤية الملكية التي تجعل مواكبة المتضررين جزءا من تدبير الأزمات، لم تقتصر التوجيهات الملكية على مرحلة الإغاثة، بل شملت إطلاق برنامج استثنائي لإعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة بغلاف مالي ناهز 3 مليارات درهم، خُصص لإصلاح البنيات الأساسية، وتعويض الأسر، ودعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن المقاربة الملكية الرامية إلى الانتقال من التدخل الاستعجالي إلى إعادة الإعمار والتنمية، بما يضمن حماية المواطنين، واستعادة الحياة الطبيعية، وتعزيز صمود المجالات الترابية في مواجهة الكوارث.
من تدبير الأزمات إلى بناء دولة أكثر صمودا
من زلزال الحسيمة إلى زلزال الحوز، ومن الفيضانات إلى جائحة كورونا، تكشف مختلف هذه المحطات أن تدبير الأزمات في المغرب يقوم على رؤية ملكية استباقية لا تقتصر على مواجهة تداعيات الكارثة، بل تمتد إلى بناء مقومات الصمود وتعزيز جاهزية الدولة للمستقبل، فالتوجيهات الملكية كانت تنطلق منذ الساعات الأولى للأزمة، قبل أن تترجم إلى برامج للإغاثة، وصناديق للدعم، ومشاريع لإعادة الإعمار والتنمية.
ولم يقتصر هذا النهج على اتخاذ القرار من داخل المؤسسات، بل برز أيضا في الحضور الميداني للملك محمد السادس، من خلال زيارة المناطق المنكوبة، والاطلاع المباشر على أوضاع المتضررين، وزيارة الجرحى بالمستشفيات، وهو ما أضفى بعدا إنسانيا على تدبير الأزمات، وجعل المواطن في صلب الاهتمام إلى جانب سرعة التدخل وفعالية المؤسسات.
وبمناسبة عيد العرش، تعكس هذه المحطات جانبا من المشروع الملكي الذي يجمع بين الرؤية بعيدة المدى والبعد الإنساني، حيث لا يقاس نجاح التدخل فقط بحجم الإمكانات المرصودة، بل بمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها، واستعادة الحياة بالمناطق المتضررة، وتحويل كل أزمة إلى فرصة لتعزيز جاهزية المغرب وصمود مؤسساته ومجتمعه.
بعد دولي.. من حماية الداخل إلى إغاثة الخارج
لم تقتصر المقاربة الملكية في تدبير الأزمات على مواجهة الكوارث داخل المغرب، بل امتدت إلى ترسيخ ثقافة التضامن الدولي مع الدول الصديقة، ففي 18 شتنبر 2024، وبتعليمات من الملك محمد السادس، شاركت القوات المسلحة الملكية في إخماد حرائق الغابات التي اجتاحت البرتغال، عبر إرسال طائرتين من نوع “كانادير” وطائرة دعم لوجستي، إلى جانب أربعة أطقم جوية وفريق تقني.
واندرجت هذه المهمة ضمن تعاون متواصل، بعدما سبق للطائرات المغربية أن شاركت في عمليات مماثلة بالبرتغال سنتي 2016 و2017.
وجسد المغرب هذا النهج أيضا خلال الفيضانات التي ضربت منطقة فالنسيا الإسبانية عقب إعصار “دانا” في 29 أكتوبر 2024، والذي خلف أكثر من 220 قتيلا وخسائر مادية واسعة.
وتنفيذاً للتعليمات الملكية السامية للملك محمد السادس، انطلقت في 12 نونبر 2024 عملية إغاثة شملت إرسال 70 عنصرا من فرق التدخل إلى إسبانيا، مدعومين بـ24 شاحنة وآلية متخصصة لإزالة الأوحال والأنقاض وفتح الطرق، في واحدة من أكبر عمليات الدعم الدولي التي شهدتها إسبانيا عقب الكارثة.
وتعكس هذه المحطات أن المقاربة الملكية في تدبير الأزمات لم تعد تقتصر على حماية المواطنين داخل المملكة، بل أصبحت تمتد إلى دعم الدول الصديقة عند مواجهة الكوارث الطبيعية.

Leave a Reply