الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية.. رهان مغربي لتحويل الدعم إلى التزام دائم

لم يعد مؤشر التقدّم في ملف الصحراء المغربية يُقاس كما كان الحال في السابق، بعدد البلاغات الرسمية المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، أو بمواقف العواصم الأجنبية داخل المحافل الدولية، فمنذ سنوات قليلة، برز مؤشر أكثر دلالة وأعمق أثرا بتمثل في تحوّل عدد من الدول الداعمة للموقف المغربي من موقف التصريح السياسي إلى فعل الحضور الاقتصادي، عبر خطوط تمويل مباشرة وزيارات متكررة لوفود اقتصادية ومشاريع في قطاع الطاقة واتفاقيات استثمار وتعاون تُوقَّع هذه المرة على أرض الأقاليم الجنوبية نفسها.

القراءة الدبلوماسية لهذا التحوّل تكشف عن معادلة مغربية واضحة، مفادها أنه لا استبدال للسياسي بالاقتصادي بل ربط محسوب بين الاثنين، فالمنطق الذي يحكم هذا التوجّه بسيط في ظاهره الاستثمارات الضخمة والشراكات الممتدة على مدى سنوات تُنتج مصالح متبادلة يصعب التراجع عنها، بخلاف البلاغات السياسية التي تبقى، وإن كانت مهمة رهينة بالسياق وبموازين القوى اللحظية. من هنا، ينتقل الرهان المغربي، خطوة بخطوة، من هدف توسيع دائرة الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، إلى هدف أكثر عملية هو دفع هذه الدول الشريكة إلى إدراج الأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن خرائطها الاستثمارية والاقتصادية الفعلية، لا الرمزية فقط.

وما يفسّر هذا المنعطف هو تغير لافت في عقيدة تدبير الملف برمّته. فبعد عقد كامل كرّسه المغرب للدفاع عن مغربية الصحراء وكسب المعارك الدبلوماسية واحدة تلو الأخرى، جاء الوقت لتثبيت هذه المكاسب بمشاريع قائمة وملموسة على الأرض، وهذا ما يفسّر وتيرة تهيئة الأقاليم الجنوبية بمشاريع استراتيجية كبرى تهم مختلف القطاعات بما فيها الموانئ الكبرى، وشبكات طرقية، ومحطات للطاقة المتجددة، ومناطق صناعية ولوجيستية، تحوّل الاعتراف الدبلوماسي بمرور الوقت إلى شراكة اقتصادية يصعب فكّ عقدها.

من مبادرة الحكم الذاتي إلى توسيع دائرة الدعم

قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007، معتزما منح سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية، عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية منتخبة تحت السيادة الترابية للمملكة.

ومنذ ذلك التاريخ، شكل توسيع دائرة التأييد الدولي للمبادرة أحد المحاور الأساسية للدبلوماسية المغربية، لكن التحول الأكبر بدأ يظهر بصورة أوضح منذ نهاية سنة 2020، عندما أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وبعد ذلك توالت مواقف دول وازنة.

وفي مارس 2022، أعلنت إسبانيا تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي معتبرة إياها بمثابة “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف”، قبل أن تؤكد فرنسا من جانبها في يوليوز 2024 أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الإطار الذي ينبغي أن تتم في ظله تسوية الملف، وهو موقف الدولة ذاته الذي جدد تأكيده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموقف نفسه أمام البرلمان المغربي في أكتوبر 2024.

وفي يونيو 2025، أعلنت المملكة المتحدة بدورها أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق للتوصل إلى حل دائم للنزاع، في تحول مهم بالنظر إلى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وثقلها الاقتصادي والدبلوماسي، لكن البيان البريطاني لم يتوقف عند الجانب السياسي، بل أدرج أيضا إمكانية دعم مشاريع اقتصادية داخل الأقاليم الجنوبية.

وبحسب الأرقام التي قدمها المغرب داخل الأمم المتحدة، تحظى مبادرة الحكم الذاتي بدعم أكثر من 118 دولة من مختلف مناطق العالم، من بينها ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ما يعكس اتساعا متواصلا في دائرة التأييد الدولي للمقترح المغربي، وترسخ القناعة بواقعيته وجديته ومصداقيته باعتباره الأساس الأكثر قابلية للتطبيق من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

ويؤكد هذا الزخم الدبلوماسي نجاح المغرب في الدفاع عن حقوقه المشروعة، وترسيخ حقيقة أن الصحراء مغربية، في إطار وحدة وطنية وسيادة غير قابلتين للمساومة.

وإلى جانب هذا الدعم، افتتحت أكثر من 30 دولة قنصليات عامة في الأقاليم الجنوبية، وهو الواقع الذي تنظر إليه الرباط بوصفها تعبيرا سياسيا عمليا يتجاوز البيانات، لأنها تمنح الدول المعنية حضورا دبلوماسيا دائما داخل المنطقة.

وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، بعدما أكد أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الحل الأكثر جدوى وواقعية وقابلية للتطبيق، وجعلها الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه المسار السياسي والمفاوضات المستقبلية. ويعكس هذا القرار التحول الذي عرفه التعاطي الأممي مع القضية، حيث باتت مبادرة الحكم الذاتي تشكل المرجعية الأكثر حضورا داخل الأمم المتحدة، بما يعزز الموقف المغربي ويكرس سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، لكن بالنسبة إلى المغرب، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الدعم يطرح سؤال المرحلة المقبلة: ماذا بعد الاعترافات والمواقف السياسية؟

من تجميع المواقف إلى بناء المصالح

يبدو أن الإجابة المغربية بدأت تتشكل من خلال دفع الدول الداعمة إلى ترجمة مواقفها إلى شراكات اقتصادية، فافتتاح قنصلية في العيون أو الداخلة يحمل قيمة رمزية وسياسية، لكن دخول شركة أجنبية للاستثمار في الطاقة أو اللوجستيك أو تحلية مياه البحر ينقل العلاقة إلى مستوى آخر، لأن المشروع يخلق وظائف وعقودا والتزامات مالية ومصالح ممتدة في الزمن.

وتقوم هذه المقاربة على فكرة أساسية مفادها أن تثبيت الموقف السياسي يحتاج إلى قاعدة من المصالح المشتركة، فكلما أصبحت شركات ومؤسسات مالية دولية مرتبطة بمشاريع داخل الأقاليم الجنوبية، تحول وجودها إلى عامل إضافي في إدماج المنطقة ضمن العلاقات الاقتصادية العادية للمغرب مع شركائه.

ويثير هذا التحول تساؤلات حول الأبعاد الاستراتيجية لانتقال المغرب من التركيز على كسب الدعم السياسي إلى ترسيخه عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية، وما إذا كان هذا التوجه يؤشر على مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، يرى البشير الخريف، المحلل السياسي المتخصص في قضية الصحراء المغربية، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن السياسة الخارجية للمغرب شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملموسا، انتقلت معه من مرحلة حشد الدعم الدبلوماسي وتعزيز الثقة في شرعية الموقف المغربي، إلى مرحلة ترسيخ هذا الدعم من خلال شراكات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، خصوصا في الأقاليم الجنوبية.

وأوضح الخريف أن المرحلة الأولى من هذا المسار تميزت بعدد من المحطات الدبلوماسية الحاسمة، من بينها عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وتزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إلى جانب افتتاح أكثر من 31 قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، فضلا عن تعزيز الانفتاح على الدول الإفريقية وتوسيع شبكة الشراكات السياسية والاقتصادية مع عدد من الفاعلين الدوليين.

وأضاف أن المغرب انتقل، في مرحلة لاحقة، إلى العمل على تحويل هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي إلى مصالح اقتصادية ملموسة، انطلاقا من قناعة مفادها أن العلاقات بين الدول تصبح أكثر استدامة عندما تقوم على منافع متبادلة تشمل الاستثمار، والتبادل التجاري، والبنيات التحتية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعاون السياسي.

وأشار إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الرهان المغربي على تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، من خلال إطلاق مشاريع كبرى، من بينها الطريق السريع تزنيت-الداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب توسيع العرض الجامعي، وتقوية الخدمات الأساسية، وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة، بما يترجم التوجيهات الملكية التي تجعل الإنسان في صلب أي سياسة تنموية، معتبرا أن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 من مدينة العيون شكل محطة أساسية في هذا المسار.

وسجل الخريف أن توجيه الاستثمارات نحو الأقاليم الجنوبية، واستقطاب شركاء دوليين للمشاركة في مشاريع تنموية واقتصادية، لا يقتصر أثره على الجانب المالي أو التجاري، بل يسهم أيضا في تعزيز الارتباط العملي بهذه المناطق، ويمنح العلاقات الدبلوماسية بعدا اقتصاديا أكثر رسوخا واستمرارية.

وبخصوص ما إذا كانت المصالح الاقتصادية طويلة الأمد قادرة على جعل الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي أكثر ثباتا، أوضح أن تشابك المصالح الاقتصادية يمكن أن يسهم في استقرار مواقف الدول، لأن الحكومات تأخذ بعين الاعتبار مصالح شركاتها واستثماراتها وشبكاتها التجارية عند صياغة سياساتها الخارجية.

غير أنه شدد على أن العامل الاقتصادي، رغم أهميته، لا يمكنه وحده أن يحسم المواقف الدولية، باعتبار أن السياسة الخارجية تظل نتاجا لتفاعل عدة عناصر، من بينها الاعتبارات القانونية، والتحالفات الإقليمية والدولية، والرهانات الأمنية، فضلا عن التحولات السياسية الداخلية التي تعرفها كل دولة.

وأكد أن هذه المقاربة تنسجم مع مبدأ “رابح – رابح” الذي شدد عليه الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، والذي يقوم على بناء شراكات تحقق منفعة متبادلة لجميع الأطراف، بعيدا عن منطق الربح الأحادي أو العلاقة غير المتوازنة، وبما يضمن استدامة التعاون الاقتصادي والسياسي.

وخلص البشير الخريف إلى أن الدعم السياسي المعزز بمصالح اقتصادية ملموسة يكون، في الغالب، أكثر قابلية للاستمرار من الدعم القائم على الاعتبارات السياسية وحدها، غير أن استدامته تظل مرتبطة بقدرة هذه الشراكات على تحقيق نتائج فعلية ومنافع مشتركة، وبمدى انسجامها مع أولويات الدول المعنية والتحولات التي تعرفها البيئة الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تشكل المملكة المتحدة نموذجا للتحول الذي يشهده تعامل الدول الداعمة للمغرب مع ملف الصحراء، حيث لم يعد الدعم يقتصر على المواقف السياسية، بل أصبح يقترن بإرادة لتطوير التعاون الاقتصادي وفتح آفاق استثمارية، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر عمقا واستدامة.

بريطانيا.. الموقف السياسي يفتح باب التمويل

وفي هذا الباب، يقدم الموقف البريطاني مثالا واضحا على الربط بين السياسة والاقتصاد. ففي البلاغ المشترك الصادر في فاتح يونيو 2025، لم تكتف لندن باعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق، بل أكدت أيضا أن هيئة تمويل الصادرات البريطانية توفر قدرة تمويلية تصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم أعمال ومشاريع جديدة بالمغرب.

والأهم أن البلاغ أوضح أن المملكة المتحدة يمكنها النظر في دعم مشاريع داخل الصحراء، شريطة استيفائهم متطلبات التحقق والدراسة المعتمدة لدى هيئة تمويل الصادرات.

ويكتسي الإعلان البريطاني أهمية سياسية واقتصادية خاصة، بعدما أتاح غلافا تمويليا يصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم مشاريع بالمغرب، بما يشمل الأقاليم الجنوبية. ويعكس هذا التوجه انتقال الموقف البريطاني من دعم المبادرة المغربية على المستوى السياسي إلى فتح المجال أمام تمويل أنشطة اقتصادية واستثمارات داخل المنطقة، في خطوة تؤكد تزايد الثقة الدولية في استقرار الأقاليم الجنوبية ومؤهلاتها التنموية.

وجاء هذا الموقف في سياق التطور المتواصل للعلاقات الاقتصادية بين المغرب والمملكة المتحدة، إذ بلغت قيمة المبادلات التجارية في السلع والخدمات بين البلدين 4.7 مليارات جنيه إسترليني خلال الأرباع الأربعة المنتهية في نهاية سنة 2025، بزيادة بلغت 10.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.

ومن شأن توجيه جزء من هذا الغلاف التمويلي نحو مشاريع بالأقاليم الجنوبية أن يعزز حضور الاستثمارات البريطانية في المنطقة، ويقدم نموذجا عمليا لتحويل الدعم السياسي للمبادرة المغربية إلى شراكات اقتصادية ومصالح طويلة الأمد، بما يرسخ مكانة الأقاليم الجنوبية داخل العلاقات الاقتصادية للمغرب مع شركائه الدوليين.

فرنسا.. من تعديل الموقف إلى الحضور في الجنوب 

ومثّل الاعتراف الفرنسي، المعلن في يوليوز 2024، بأن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الرباط وباريس. فقد أنهى سنوات من الفتور السياسي، وفتح صفحة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، تجلت ملامحها بوضوح خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.

ولم يبق هذا التحول محصورا في الخطاب السياسي، ففي ماي 2025، قام المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية بزيارة جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، في خطوة عكست توجها فرنسيا نحو إدراج الأقاليم الجنوبية ضمن مجالات تدخل الوكالة وتعاونها مع المغرب.

وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من كون الوكالة الفرنسية للتنمية مؤسسة مالية عمومية، ما يعني أن حضورها يمكن أن يفتح المجال أمام تمويل مشاريع مرتبطة بالماء والطاقة والبنيات الأساسية والتكوين والتنمية المحلية.

كما بدأت شركات فرنسية تبدي اهتماما بمشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر في جنوب المملكة، مستفيدة من المؤهلات الطبيعية للمنطقة، خصوصا المساحات الواسعة، وقوة الرياح، وارتفاع معدل الإشعاع الشمسي، والقرب من المحيط الأطلسي.

بنية تحتية سبقت وصول المستثمرين

لم ينتظر المغرب تغير مواقف شركائه الدوليين ليبدأ تجهيز الأقاليم الجنوبية، إذ في نونبر 2015، أطلق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بغلاف مالي تجاوز 77 مليار درهم، بهدف خلق دينامية اقتصادية واجتماعية جديدة، وتطوير البنيات الأساسية، وتهيئة مناخ الاستثمار، وخلق فرص الشغل.

ويضم البرنامج مشاريع في مجالات الطرق والموانئ والماء والطاقة والصيد البحري والصناعة والتكوين والخدمات الاجتماعية، وقد ارتفعت كلفته لاحقا مع توسيع بعض المشاريع وإضافة أوراش جديدة.

ولا تنفصل هذه المشاريع عن تصور سياسي أشمل، إذ جرى الربط في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء سنة 2015، بين التنمية، والرؤية المستقبلية للأقاليم الجنوبية، وتمكين السكان من تدبير شؤونهم في إطار الجهوية المتقدمة، وتحويل الصحراء إلى مركز للتبادل والربط مع إفريقيا جنوب الصحراء.

بذلك، لا تبدو البنية التحتية مجرد استجابة لحاجيات محلية، بل جزءا من إعداد المنطقة لتصبح قادرة على ممارسة أدوار اقتصادية أوسع، بما يتلاءم مع التصور المغربي للحكم الذاتي بوصفه نموذجا لتدبير جهوي موسع داخل الدولة.

ميناء الداخلة الأطلسي.. بوابة اقتصادية نحو إفريقيا

يتصدر ميناء الداخلة الأطلسي قائمة المشاريع الكبرى التي يراهن عليها المغرب لتغيير الوظيفة الاقتصادية للأقاليم الجنوبية، فالميناء لا يستهدف فقط تحسين أنشطة الصيد البحري أو تلبية الحاجيات التجارية المحلية، بل صُمم ليكون منصة صناعية ولوجستية مرتبطة بالأسواق الإفريقية والدولية.

ويندرج المشروع ضمن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، إلى جانب الطريق السريع تزنيت-الداخلة، ومحطات تحلية مياه البحر، والمناطق الصناعية، ومشاريع إنتاج الطاقة الشمسية والريحية.

وتنبع الأهمية الاستراتيجية للميناء من موقع الداخلة على الساحل الأطلسي، وقربها من موريتانيا وبلدان غرب إفريقيا. فعند اكتمال المشروع ودخوله مرحلة الاستغلال، ينتظر أن يساهم في خفض تكاليف نقل السلع، وتطوير الصادرات، وجذب الصناعات المرتبطة بالصيد البحري والطاقات المتجددة والتحويل الغذائي والخدمات اللوجستية.

كما يكتسب الميناء بعدا إضافيا في ضوء المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، فالمغرب يسعى إلى تحويل واجهته الجنوبية إلى نقطة عبور تربط دولا غير ساحلية بالموانئ والأسواق العالمية، وهو ما يجعل الداخلة جزءا من تصور إقليمي يتجاوز حدود التنمية المحلية.

وفي حال نجاح هذا الربط، لن تبقى الداخلة مجرد مدينة تستقبل مشاريع عمومية، بل يمكن أن تتحول إلى مركز لتجميع السلع والخدمات والطاقة، وإلى محطة لتجارة عابرة للحدود، ما سيرفع جاذبيتها أمام المستثمرين الأجانب.

الطريق السريع والطاقة.. تجهيز المجال للاستثمار

إلى جانب الميناء، يشكل الطريق السريع تزنيت-الداخلة أحد أعمدة الربط بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، فالمشروع يمتد على مسافة تناهز ألف كيلومتر، ويهدف إلى تحسين شروط السلامة، وتقليص مدة التنقل، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع نحو الداخلة والمعبر الحدودي الكركرات.

تكمن قيمة هذا المشروع في أنه يقلص المسافة الاقتصادية، لا الجغرافية فقط، فالمستثمر الذي يفكر في إنشاء وحدة إنتاجية يحتاج إلى طريق قادر على نقل المواد الأولية والمنتجات، وإلى ميناء يسمح بالتصدير، وإلى مصادر مستقرة للطاقة والماء، لذلك تتكامل مشاريع الطرق والموانئ والطاقة والتحلية في بناء عرض استثماري واحد.

وفي مجال الطاقة، تتوفر الأقاليم الجنوبية على مؤهلات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، وقد دخلت مشاريع عدة مرحلة الاستغلال، من بينها محطات شمسية وريحية بالعيون وبوجدور وطرفاية، في وقت يتوسع فيه الاهتمام بمشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا والوقود الاصطناعي.

وتمنح هذه المؤهلات المنطقة فرصة لاستقطاب الصناعات التي تبحث عن طاقة نظيفة ومنخفضة الكلفة، خصوصا مع اتجاه الأسواق الأوروبية إلى فرض شروط بيئية أكثر صرامة على الواردات والمنتجات الصناعية.

لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل رهينة بربط مشاريع الطاقة بالنسيج الاقتصادي المحلي، حتى لا تتحول الأقاليم الجنوبية إلى مجرد فضاء لإنتاج الكهرباء أو الهيدروجين الأخضر الموجه للتصدير، دون انعكاس ملموس على التشغيل والمقاولات المحلية. كما أن تحويل مؤهلات المنطقة في مجال الطاقات المتجددة إلى استثمارات صناعية واسعة يتطلب بنية تحتية ولوجستية قادرة على خفض كلفة الإنتاج والنقل، وربط المنطقة بالأسواق الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي في تصريح له لمنصة AM+ MEDIA أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء، تقوم على الانتقال من دبلوماسية الدفاع عن الموقف إلى دبلوماسية المصالح الموطنة، أي من بناء تحالفات قائمة على المواقف السياسية إلى ترسيخ شراكات تقوم على الاستثمارات والعقود وسلاسل التوريد والمصالح الاقتصادية طويلة الأمد.

ويوضح أن ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت-الداخلة لا يمثلان مجرد مشاريع للبنية التحتية، بل يعيدان رسم الموقع الاقتصادي للأقاليم الجنوبية، بعدما أصبحت مرشحة للتحول إلى منصة لوجستية تربط المغرب بالمحيط الأطلسي وموريتانيا ودول الساحل وغرب إفريقيا.

فالطريق، وفق المحلل الاقتصادي، يقلص كلفة النقل ويرفع موثوقية الربط اللوجستي، فيما يوفر الميناء قاعدة للتصنيع والتصدير والخدمات البحرية، بما يفتح المجال أمام تطوير الصناعات السمكية والغذائية، وسلاسل التبريد، وإصلاح السفن، ومشاريع الطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية.

ويعتبر أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى بعد جيوسياسي، إذ تسهم في تحويل الأقاليم الجنوبية من ملف يهيمن عليه النقاش الدبلوماسي إلى فضاء تتشكل داخله مصالح اقتصادية دولية، بما يجعل ارتباط الشركاء بالمغرب قائما أيضا على استثمارات وتدفقات تجارية ومصالح طويلة الأمد.

وبخصوص قدرة المنطقة على استقطاب الصناعات الأجنبية الكبرى، يؤكد سامي أن الداخلة باتت تمتلك قاعدة استثمارية واعدة، بفضل الطريق السريع، وميناء الداخلة الأطلسي، والوعاء العقاري، ومؤهلات الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريع تحلية المياه، والمنطقة الصناعية واللوجستية، إلى جانب مدينة المهن والكفاءات، وهي عناصر من شأنها أن تؤسس لمنظومة صناعية متكاملة.

ويضيف أن المستثمر لم يعد ينظر إلى الداخلة كسوق محلية محدودة، بل كبوابة أطلسية تربط بين العمق الوطني، والامتداد الإفريقي عبر موريتانيا ودول الساحل، والأسواق الأطلسية نحو أوروبا والأمريكيتين وغرب إفريقيا، وهو ما يعزز جاذبية المنطقة للمشاريع الصناعية والتصديرية.

كما أكد سامي أن نجاح ميناء الداخلة الأطلسي لن يقاس بحجم حركة السفن فقط، بل بقدرته على خلق صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة، تشمل تثمين المنتجات البحرية، وصناعة الأعلاف والزيوت والمشتقات الغذائية، وبناء وإصلاح السفن، ووحدات التلفيف والتبريد والتخزين، وإنتاج مشتقات الطاقة الخضراء، إضافة إلى خدمات النقل البحري والمناولة والصيانة، مشددا على أن الرهان الحقيقي يكمن في إعطاء الأولوية للمشاريع التي تخلق فرص الشغل، وتنقل التكنولوجيا، وترفع القيمة المضافة المحلية، بدل الاكتفاء بالأنشطة العقارية أو اللوجستية محدودة الأثر.

الداخلة.. السينما العالمية تضيف بعدا جديدا لجاذبية الاستثمار

لا تقتصر عوامل الجاذبية التي باتت تتمتع بها الداخلة على البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى، بل امتدت أيضا إلى المجالين الثقافي والسينمائي، بما يعزز حضور المدينة على الساحة الدولية.

وخلال السنوات الأخيرة، استقطبت الداخلة عددا من الإنتاجات السينمائية العالمية، كان  آخرها اختيارها لتصوير فيلم “The Odyssey”للمخرج العالمي كريستوفر نولان، في خطوة تعكس ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية ولوجستية تؤهلها لاستقبال إنتاجات دولية كبرى.

ويعكس هذا الإقبال المتزايد على الداخلة تنوع المقومات التي تستند إليها الأقاليم الجنوبية في تعزيز جاذبيتها، حيث باتت القوة الناعمة، إلى جانب الاستثمار والسياحة والبنيات الأساسية، تسهم في ترسيخ مكانة المنطقة ضمن خريطة الوجهات الدولية، وتواكب الزخم المتصاعد نحو تكريس الإجماع الدولي على مغربية الصحراء.

تنزيل الحكم الذاتي يحتاج إلى قاعدة اقتصادية

يرتبط الحديث عن الحكم الذاتي غالبا بالجوانب السياسية والقانونية، وبشكل المؤسسات التي ستدبر الأقاليم الجنوبية، وصلاحيات البرلمان والحكومة، والعلاقة بينهما وبين الدولة المركزية.

لكن تنزيل هذا التصور يحتاج أيضا إلى قاعدة اقتصادية، فالمؤسسات المنتخبة لا تستطيع ممارسة صلاحيات واسعة من دون موارد مالية، واقتصاد منتج، ومقاولات محلية، وبنيات تحتية، وقدرة على جلب الاستثمار وتحصيل المداخيل.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة المشاريع المنجزة منذ سنة 2015 باعتبارها إعدادا للشروط المادية التي قد يحتاج إليها نموذج الحكم الذاتي مستقبلا، فالجهة التي تتوفر على ميناء دولي، وشبكة طرق، ومشاريع طاقة، ومناطق صناعية، وموارد بشرية مؤهلة، تصبح أكثر قدرة على تدبير اختصاصاتها الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يعني ذلك أن جميع المشاريع مرتبطة مباشرة بجدول سياسي معلن لتنزيل الحكم الذاتي، بل إن الاستثمار في التنمية يمنح المقترح المغربي قاعدة عملية، ويسمح للرباط بتقديم الأقاليم الجنوبية باعتبارها مجالا مستقرا وقابلا للاستثمار والاندماج في المبادلات الدولية.

من الدبلوماسية الدفاعية إلى دبلوماسية المصالح

تكشف التطورات الأخيرة أن المغرب يحاول تغيير طبيعة النقاش حول الصحراء، فبدلا من بقاء المنطقة موضوعا لنزاع سياسي يثار داخل الأمم المتحدة، يسعى إلى تقديمها فضاء للاستثمار والطاقة والتجارة والربط الإفريقي.

وإذا كان العقدان الماضيان قد خصصا لتوسيع الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، فإن المرحلة الحالية تبدو متجهة نحو تحويل هذا الدعم إلى مصالح يصعب فصلها عن مستقبل المنطقة، فالدولة التي تمول ميناء أو محطة طاقة، والشركة التي توقع عقدا يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، والمؤسسة المالية التي ترتبط بمشروع داخل الداخلة أو العيون، تصبح جزءا من واقع اقتصادي جديد يتجاوز المواقف الدبلوماسية المجردة.

وفي هذا الانتقال، تراهن الرباط على أن تتكامل المكاسب السياسية مع التحول التنموي، فعدد الدول الداعمة والقنصليات المفتوحة يمنح الموقف المغربي زخما دبلوماسيا، بينما تمنح الطرق والموانئ والطاقة والاستثمارات هذا الزخم امتدادا عمليا.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *