الكاتب: لمياء زاوي

  • بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    بعد طفرة الاستثمار.. الإنتاجية ترسم المرحلة المقبلة للاقتصاد المغربي

    سجل الاقتصاد المغربي مرحلة نمو تُعد الأقوى منذ أكثر من عقد، مدعوما بطفرة في الاستثمار العمومي، خاصة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، سيما المرتبطة بالتحضيرات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب بوادر تعافٍ في القطاع الفلاحي.

    غير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام قائم على رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وتسريع التحول الرقمي داخل المقاولات.

    وفي هذا السياق، يرى أحدث إصدار للمرصد الاقتصادي للمغرب، الصادر عن البنك الدولي تحت عنوان “ترسيخ النمو: التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، أن المرحلة المقبلة من الاقتصاد المغربي لن تُحسم بالاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل بقدرة المقاولات المغربية على تعميق تحولها الرقمي، باعتباره رافعة أساسية لرفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية وترسيخ النمو الاقتصادي.

    التحول الرقمي.. رهان المغرب لترسيخ النمو

    ويكشف تقرير البنك الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ نحو 4.9 بالمئة سنة 2025، مع توقع استمرار النمو عند 4.2 بالمئة خلال سنة 2026.

    وأبرز التقرير أن الحفاظ على هذا الزخم الاقتصادي لن يتحقق بالاعتماد على الاستثمار في البنيات التحتية وحده، بل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الاقتصاد الوطني على رفع إنتاجيته، ما يجعل التحول الرقمي للمقاولات أحد أبرز رهانات الاقتصاد الوطني في المرحلة المقبلة.

    وأوضح أن الاقتصاد المغربي سجل خلال سنة 2025 أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من عشر سنوات، مدعوما بطفرة في الاستثمارات العمومية الموجهة إلى مشاريع البنية التحتية، سيما المرتبطة بالاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030، إلى جانب انتعاش القطاع الفلاحي.

    في المقابل، يؤكد البنك الدولي أن المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة المقاولات المغربية على توسيع واعتماد التقنيات الرقمية المتقدمة لرفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

     ووفق التقرير، انخفض معدل التضخم بشكل حاد إلى 0.8 بالمئة، مما خفف الضغوط المتراكمة خلال السنوات السابقة على الأسر والمقاولات، وفي الوقت نفسه، أحرزت الحكومة تقدما ملحوظا على مستوى ضبط المالية العامة، بعدما نجحت في تقليص عجز الموازنة إلى 3.5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، تزامنا مع رفع وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني السيادي للمغرب إلى درجة الاستثمار.

    الفجوة الرقمية تكشف نقطة الضعف

    يؤكد البنك الدولي أن المغرب حقق تقدما ملحوظا في مسار التحول الرقمي، خاصة مع إطلاق استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، إلى جانب مبادرات دعم ريادة الأعمال، والاستعانة بمصادر خارجية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا.

    غير أن هذا التقدم، بحسب المصدر ذاته، ما يزال يحتاج إلى تعميق على مستوى المقاولات، مفسرا ذلك بنتائج مسح اعتماد التكنولوجيا على مستوى الشركات “FAT” لسنة 2024، الذي شمل 1256 شركة وغطى أكثر من 300 تقنية.

    وكشف المسح أنه رغم تبني الشركات المغربية؛ على نطاق واسع، للأدوات الرقمية الأساسية، فإن أقل من شركة واحدة من كل خمس شركات تدمج التقنيات الرقمية المتقدمة بشكل مكثف ومتكامل في صميم عملياتها التجارية.

    وتبرز الأرقام حجم هذه المكاسب؛ إذ يبين التقرير أن المقاولات التي تعتمد استخداما مكثفا ومتكاملا للتقنيات الرقمية تحقق مكاسب في الإنتاجية قد تصل إلى 70 في المئة، وتنمو العمالة فيها بوتيرة أسرع بنسبة 10 في المئة، كما تدفع أجورا أعلى بنحو 27 في المئة في المتوسط.

    ويقدر البنك الدولي أن تقليص الفجوة الرقمية بين المغرب والبلدان النظيرة يمكن أن يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني بما يتراوح بين 10 و15 في المئة.

    الرقمنة أكبر تحديات الاقتصادات الصاعدة

    في قراءة لمضامين التقرير، أكد الخبير الاقتصادي ياسين اعليا في تصريحه لجريدة “AM+ MEDIA”، أن البنك الدولي يرى أن تحفيز الرقمنة عامل مؤثر بشكل إيجابي على تحول الاقتصاد المغربي واستدامة النمو، موضحا أن هذا الأمر طبيعي، لأنه يسير وفق آليات التطور الاقتصادي التي يشهدها العالم في عمومه، والثورة الرقمية للأنشطة الاقتصادية.

    وأضاف أن عملية الرقمنة تشكل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات الصاعدة، وكذلك الاقتصادات المقبلة على تحسين مستويات النمو داخلها، من أجل تقليص الهوة بينها وبين الاقتصادات المتقدمة، بالنظر إلى أن مستويات الاستدراك لهذه الفجوات بين الدول المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو أسهل وأسرع من أشكال الاقتصاد السابقة المرتبطة أساسا بالثورة الصناعية.

    ويوضح اعليا في تصريحه للجريدة أن هذه الثورة الصناعية الرابعة يمكن أن تتيح للاقتصاد المغربي تحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال الفترات السابقة.

    غير أنه شدد على ضرورة التوجه الرقمي في هذا المجال من أجل ضمان الاستدامة، وضمان خلق فرص الشغل، حيث إن الرفع من الإنتاجية لا يتحقق إلا بتقليص الفجوة الرقمية، مؤكدا أنه كلما نجح المغرب في تقليص هذه الفجوة بما يتراوح بين 10 و15 في المئة، سينعكس ذلك على رفع مستويات النمو ومواكبة التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي.

    80 بالمئة من المقاولات الصغيرة بلا حضور رقمي منظم

    ومن زاوية أكثر ارتباطا بواقع المقاولات، أكد عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، في تصريح خص به AM+” MEDIA”، أن التحول الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح شرطا للبقاء، معتبرا أن المقاولة التي لا تنخرط فيه اليوم ستجد نفسها خارج السوق غدا.

    ولفت الفركي إلى أن الدراسة الوطنية التي أجرتها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في مارس 2026 أظهرت أن 97 بالمئة من المقاولات الصغرى متصلة بالإنترنت، غير أن 80 بالمئة منها لا تملك أي حضور رقمي منظم، فيما لا تتجاوز نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي 5 بالمئة.

    وأشار إلى أن الفجوة الحقيقية لا تكمن في البنية التحتية، بل في كيفية استغلال الأدوات الرقمية وتوظيفها.

    ويبرز عبدالله الفركي في هذا السياق أن المقاولات التي تجاوزت هذه الهوة الرقمية حققت نتائج ملموسة، من بينها تقليص التكاليف التشغيلية، وتسريع معالجة الملفات، والولوج إلى أسواق جديدة داخل المغرب وخارجه، مؤكدا أن أثر الرقمنة سيظل محدودا ما دامت 98 بالمئة من المقاولات المغربية، وهي المقاولات الصغرى، لم تنتقل بعد من الاستهلاك الرقمي إلى الاستثمار الرقمي.

    لماذا تتعثر رقمنة المقاولات؟

    لا يعزا تأخر التحول الرقمي داخل المقاولات المغربية إلى عامل واحد، بل يربطه بمجموعة من الإكراهات الاقتصادية والتنظيمية والبشرية، فمن جهة، تشير الشركات إلى ارتفاع كلفة الاستثمار في التقنيات الرقمية باعتباره العائق الرئيسي، ومن جهة أخرى تمثل محدودية الولوج إلى التمويل تحديا إضافيا، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة.

    ويشير رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة إلى أن التمويل يشكل العائق الأول الذي يواجه المقاولات في مسار التحول الرقمي، موضحا أن “برنامج تسيير محاسبي، ذأو موقع إلكتروني احترافي، أو حل للأمن السيبراني، كلها تكاليف لا تتحملها مقاولة تعاني من ضعف السيولة وصعوبة الولوج إلى القرض البنكي”.

    وأضاف في تصريحه أن الكونفدرالية تطالب منذ سنوات بإحداث صندوق وطني مخصص للتحول الرقمي للمقاولات الصغرى، بشروط ميسرة وإجراءات مبسطة. وأيضا إحداث بنك عمومي لتمويل المقاولات الصغرى، لأن الأبناك الحالية كلها تجارية ولا يمكنها تمويل المقاولات الصغرى لكونها لا تتوفر على الضمانات التي تطلبها هذه الأبناك.”

    وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن قرار المقاولات بالاستثمار في التقنيات الرقمية لا تحكمه المعيقات وحدها، بل يتأثر أيضا بجملة من الحوافز التي تدفع نحو تسريع التحول الرقمي.

    ويبين أن اعتبارات التكلفة تشكل العائق الأبرز أمام تبني التكنولوجيا لدى مختلف فئات المقاولات، مع تأثير أكبر على الشركات متوسطة الحجم، في حين تمثل صعوبة الولوج إلى التمويل قيدا إضافيا بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بينما تبدو أقل حدة لدى الشركات الكبرى.

    وبالنسبة إلى عبدالله الفركي، فإن التكوين يمثل العائق الثاني أمام المقاولات، مؤكدا أن “المشكل ليس في الذكاء أو الإرادة، بل في غياب تكوينات عملية وقريبة من الميدان، لأن المقاول الصغير لا يحتاج محاضرة أكاديمية، بل يحتاج شخصا يجلس معه ساعتين ويريه كيف يستخدم أداة بعينها لتطوير مبيعاته”.

    وتابع أن المواكبة تشكل العائق الثالث، مؤكدا أنه “لا توجد برامج مستدامة ترافق المقاول من التشخيص إلى التنفيذ والتقييم، والدعم الحالي متشتت وغير مستمر، ولا يصل إلى من يحتاجه فعلا، كما أن المواكبة لا تقتصر على تكوين أسبوع أو أشهر، بل على الأقل سنتين من المواكبة”.

    وشدد على أن الكونفدرالية تطالب بسياسة عمومية وطنية للتحول الرقمي تقوم على أربعة محاور واضحة: “التمويل الميسر، والتكوين الميداني، والمواكبة المستدامة، والتحفيزات الجبائية لكل مقاولة صغرى تستثمر في الرقمنة، لأن القضية لم تعد قضية تكنولوجيا، بل أصبحت قضية سيادة اقتصادية”.

    وأكد المتحدث أن مواكبة المقاولات الصغرى، التي تشكل أكثر من 98 بالمئة من مجموع المقاولات المغربية، تقتضي إنشاء وكالة وطنية متخصصة في مواكبة ودعم المقاولات الصغرى، تحت اسم “مغرب المقاولات الصغرى” أو “الوكالة الوطنية لدعم والنهوض بالمقاولات الصغرى”، تتوفر على مكاتب وفروع في جميع الأقاليم والجهات.

    وخلص الفركي إلى أن مواكبة هذه المقاولات لا يمكن أن تتم بشكل فعال من المركز فقط، بل يجب أن تتبنى سياسة قريبة من احتياجاتها المحلية، ومن خلال حضور هذه الوكالة في مختلف المناطق، تستطيع تقديم الدعم المباشر والمناسب لكل مقاولة صغيرة، بما في ذلك الموجودة في المدن النائية والقرى، مما يعزز قدرتها على المنافسة والنمو.

    التكنولوجيا وحدها لا تصنع الإنتاجية

    وانطلاقا من هذا التشخيص، أكد البنك الدولي في توصياته أن تقليص فجوة الإنتاجية الرقمية لا يتحقق بالاعتماد على الحوافز المالية وحدها، مثل الإعفاءات الضريبية أو دعم اقتناء المعدات، بل يتطلب سياسات تعزز الاستخدام الفعلي للتكنولوجيا، من خلال توفير المساعدة التقنية، وإطلاق برامج للتكوين العملي، وربط المقاولات الصغرى والمتوسطة بمزودي الحلول الرقمية.

    وأبرز أيضا أهمية تحسين البيئة التنافسية والانفتاح على الأسواق الدولية، من خلال تسهيل ولوج المقاولات إلى الأسواق، وتعزيز جاهزيتها للتصدير، واستقطاب استثمارات أجنبية مباشر، لما لذلك من دور في نقل الممارسات التكنولوجية المتقدمة وتحفيز الابتكار داخل الاقتصاد الوطني.

    ويضيف التقرير أن الوعي ببرامج الدعم العمومي لا يزال محدودا، وأن الاستفادة منها تتركز أساسا لدى المقاولات الكبرى، في حين تظل المقاولات الصغرى والمتوسطة الأقل استفادة، رغم أنها الأكثر حاجة إلى هذا الدعم.

    من هذا المنطلق، أوصى البنك الدولي باعتماد مقاربة مزدوجة تستهدف، من جهة، تمكين المقاولات المغربية الرائدة من تقليص الفجوة مع نظيراتها العالمية، مثل كوريا، ومن جهة أخرى، الرفع من مستوى المقاولات المتأخرة رقميا، بما يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية أوسع وأكثر شمولا من التحول الرقمي.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ياسين اعليا أن تحقيق التحول الرقمي داخل المقاولات يتطلب توفير بيئة متكاملة تساعد على استخدامها بكفاءة، موضحا أن ذلك لن يتحقق إلا بتحسين جودة الاتصالات، ومواكبة التكوين، وخفض أسعار الإنترنت، واعتماد التقنيات الرقمية الحديثة من خلال الحوسبة السحابية في مراكز البيانات، وتوسيع الدعم للشركات الناشئة، وتطوير القوانين المنظمة لهذا المجال، وتحفيز التجارة الإلكترونية من أجل تعزيز الثقة بين الشركاء الاقتصاديين.

    وأضاف المتحدث أن الأرقام الحالية، رغم ما تعكسه من تقدم، لا تقدم صورة إيجابية عن مستويات اشتغال المقاولات المغربية والاقتصاد المغربي بشكل عام وفق هذا النمط الحديث.

    لذلك، خلص تقرير البنك الدولي إلى أن المغرب نجح في بناء أسس نمو اقتصادي متين، غير أن ترسيخ هذا النمو في السنوات المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المقاولات المغربية على الانتقال من الاستخدام المحدود للأدوات الرقمية إلى تحول رقمي متكامل يجعل التكنولوجيا محركا للإنتاجية والابتكار والتنافسية، وليس مجرد وسيلة لتحديث بعض العمليات داخل المؤسسة.

  • أمينة بنخضرة لـ”AM+MEDIA”: أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي دخل مرحلة التفعيل

    أمينة بنخضرة لـ”AM+MEDIA”: أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي دخل مرحلة التفعيل

    لم يعد مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب في مرحلة التصورات أو الدراسات الأولية، بل دخل مرحلة جديدة بعد استكمال الدراسات الهندسية ووضع الإطار القانوني والتنظيمي الذي سيؤطر تنفيذه، تمهيدا لإنشاء شركة المشروع وإطلاق ترتيبات التمويل واتخاذ قرار الاستثمار النهائي.

    في هذا الحوار مع جريدة “AM+ MEDIA”، تكشف المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، آخر مستجدات هذا الورش القاري، وتوضح المراحل المقبلة، كما تتوقف عند رهاناته الاقتصادية والاستراتيجية، معتبرة أن المشروع يتجاوز نقل الغاز ليؤسس لممر تنموي يربط غرب إفريقيا بالمغرب وأوروبا، ويعزز الاندماج الاقتصادي والأمن الطاقي في القارة.

     مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب قطع أشواط مهمة منذ انبثاقه من الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري. كما تم تأكيد هذا الالتزام من قبل فخامة الرئيس بولا أحمد تينوبو. وقد تمت مواصلة تطوير هذا المشروع الضخم بشكل مشترك من قبل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية حيث تم انهاء الدراسات الهندسية التفصيلية وتم تنفيذ حملات مسح واستطلاع مسار الانبوب، وشهدت الدراسات البيئية والاجتماعية تقدما ملحوظا، كما تم وضع الأسس القانونية والتنظيمية والتجارية الرئيسية للمشروع، مما يتيح الاقتراب من تنفيذ مرحلة تفعيل المشروع.

    كما يعد التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي من طرف رؤساء الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ضمن اشغال قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في فريتاون، تتويجا للجهود التي بدأت بالتنسيق مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وفقا لمذكرة التفاهم الموقعة مع المغرب ونيجيريا، والتي تعكس الالتزام الجماعي والمشترك للأطراف.

    وتُضفي الاتفاقية الحكومية الدولية على هذا التعاون طابعا قانونيا ومؤسساتيا، حيث تُحدِّد حقوق الدول الأطراف والتزاماتها، ومبادئ حوكمة المشروع، فضلا عن الالتزامات المتعلقة باستقرار الإطار التنظيمي، والنظام الضريبي، وضمان أمن الاستثمارات، والتعاون العابر للحدود.

    ستشمل المراحل المقبلة من إطلاق المشروع، والتي ستشمل على وجه الخصوص إنشاء شركة المشروع، التي سيكون مقرها بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب إحداث الهيئة العليا لخط أنبوب الغاز (Pipeline Higher Authority)، وهي هيئة الحوكمة الخاصة بالمشروع، والمقرر أن يكون مقرها في أبوجا، وذلك قبل الشروع في تعبئة المستثمرين والإعداد لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي.(FID)

    ستكون شركة المشروع بمثابة الأداة التنفيذية المكلَّفة بتطوير المشروع، إذ تنهض بمهمة هيكلة أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي وتمويله وتطويره وإنجازه وتشغيله. وتتولى، على وجه الخصوص، قيادة الهيكلة المالية، وتعبئة المستثمرين، والإشراف على إجراءات طرح المناقصات، وإبرام العقود مع الموردين وشركات الإنجاز، فضلا عن ضمان تشغيل هذه البنية التحتية في مرحلة لاحقة.

    أما الهيئة العليا لأنبوب الغاز، فتضطلع بمهام الحوكمة المشتركة بين الدول الأطراف، إذ تسهر على حسن تنفيذ أحكام الاتفاقية الحكومية الدولية، وتكفل التنسيق ما بين الدول الشريكة، وتعمل على مواءمة الأطر التنظيمية والبيئية والضريبية والتعريفية، وتسهر على ضمان انسجام مسار تطوير المشروع وتماسكه.

    وستُتوَّج المرحلة الأخيرة بتنظيم مراسم خاصة ستُعقد في موعد لاحق بالمملكة المغربية، يتم خلالها التوقيع المشترك على الاتفاق من قبل المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، وذلك بحضور فخامة رئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية

    المشروع تم تصميمه كبنية تحتية مهيكلة حيت يهدف إلى ربط موارد الغاز في غرب أفريقيا بمراكز الاستهلاك الإقليمية الرئيسية، مع تعزيز ادماج أسواق الطاقة الأفريقية وإنشاء ممر تنمية جديد يربط غرب أفريقيا، بدول الساحل والمملكة المغربية ووصولا الى أوروبا.

    كما تزخر منطقة غرب أفريقيا بموارد طبيعية هائلة من معدن الحديد والبوكسيت والفوسفات والمعادن الاستراتيجية، الأمر الذي يستلزم توفر طاقة بتكلفة تنافسية تمكن من تثمين هذه الموارد على الوجه الأمثل. كما سيُسهم في تطوير الصناعات التحويلية، لا سيما صناعات الإسمنت والزجاج والخزف والصلب والألومنيوم، في إحداث تحول هيكلي مستدام في اقتصادات الدول المعنية

    ستتيح مرحلة الإنجاز دينامية متجددة لأسواق رؤوس الأموال المحلية، فضلا عن تحفيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لفائدة القارة الإفريقية. وستمكن هذه المرحلة أيضا من استحداث ما يقارب 12.000 منصب شغل، مباشر وغير مباشر، بالنسبة للأجزاء الأولى من المسار، فضلا عن أثر اقتصادي يُقدَّر بنحو 3,5 نقطة من الناتج الداخلي الخام بالنسبة للدول المعنية، وذلك وفق التوقعات الأولية المعتمدة.

    أما في المراحل التشغيلية للمشروع، وبمجرد بلوغ وتيرة الإنتاج القصوى المحددة في 30 مليار متر مكعب سنويا، فإن تسويق الغاز من شأنه أن يُدرّ موارد سنوية تُناهز 13 مليار دولار أمريكي، في حين قد تبلغ عائدات نقل الغاز ما يقارب 4 مليارات دولار سنويا.

    وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن حصة من عائدات النقل هذه ستُخصَّص لفائدة دول العبور في شكل إتاوة، تخضع طريقة احتسابها لمعايير منسجمة مع الممارسات الإقليمية السائدة، ومتماشية في الآن ذاته مع أفضل المعايير الدولية المعمول بها. ويُقدَّر الأثر المرتقب على الناتج الداخلي الخام للدول المعنية خلال المرحلة التشغيلية بنسبة 2,5% بالنسبة للمقاطع الأولى من هذا الصرح الاستراتيجي.

    وسيمكن المشروع من ربط ثلاثة عشرة دولة مطلة على الساحل الأطلسي الأفريقي، وكذلك الدول غير الساحلية عبر الربط الجهوي، كما سيتم ربطه بخط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي وبالتالي شبكة الغاز الأوروبية وسيشكل هذا الانبوب ممرا استراتيجيا للطاقة يربط موارد الغاز بغرب أفريقيا بالأسواق الإقليمية والدولية.

    بقدرة نقل تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، بما في ذلك 15 مليار متر مكعب مخصصة للتصدير إلى المغرب وأوروبا، ستمكن هذه البنية التحتية الاستراتيجية من تلبية الاحتياجات المتزايدة لأسواق الغاز الأفريقية مع تعزيز الأمن الطاقي في القارة وتنويع الإمدادات الدولية.

    وبهذا، لا يمكننا اعتبار أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي مجرد مشروع لنقل الغاز، بل يُشكِّل، بالدرجة الأولى، إرساء لممر استراتيجي للتنمية الاقتصادية، تُقاس مردوديته بالأساس من خلال تسريع مسار التصنيع، وتعزيز الأمن الطاقي، وخلق فرص الشغل، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام يشمل مجموع دول المنطقة.

  • أنبوب الغاز المغربي-النيجيري.. رهان إفريقي يتجه نحو السوق الأوروبية

    أنبوب الغاز المغربي-النيجيري.. رهان إفريقي يتجه نحو السوق الأوروبية

    بعد نحو عقد من إطلاقه، ينتقل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب إلى مرحلة أكثر أهمية في مساره، إذ لم يعد الرهان مرتبطا بإنجاز بنية تحتية لنقل الغاز، وإنما أضحى المشروع جزءا من تصور أوسع لإعادة تنظيم ممرات الطاقة وتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا والمغرب وأوروبا.

    ويأتي ذلك في سياق دولي تتزايد فيه أهمية أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات، بالتوازي مع حاجة الاقتصادات الإفريقية إلى بنى تحتية قادرة على دعم التصنيع والاستثمار وتحسين الولوج إلى الطاقة.

    ويكتسب المشروع، في هذا السياق، بعدا يتجاوز العلاقة الثنائية بين الرباط وأبوجا، بالنظر إلى امتداده الإقليمي واستهدافه لمجموعة من دول غرب إفريقيا، كما يفتح أمام المغرب رهانا استراتيجيا يتمثل في تعزيز موقعه ضمن ممر طاقي يربط غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية.

    وشهد المشروع محطة جديدة في 19 يوليوز 2026، بتوقيع رؤساء دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” على الاتفاق الحكومي الدولي في فريتاون، لإرساء الإطار القانوني والمؤسساتي للانتقال إلى المرحلة التنفيذية، على أن يُستكمل المسار بتوقيع الاتفاق بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية في مرحلة مرتقبة.

    من الرباط وأبوجا إلى مشروع قاري

    شهدت العلاقات الاقتصادية المغربية النيجيرية تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الزيارة التاريخية التي قام بها الملك محمد السادس إلى أبوجا في دجنبر 2016، والتي شكلت طفرة نوعية في العلاقات الثنائية، من خلال توقيع العديد من اتفاقيات الشراكة في مختلف المجالات.

    وأسفرت الزيارة عن توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والاستراتيجية، أبرزها إطلاق مشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري، الذي يُعد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية.

    وبدأت تتضح المعالم الأولى لهذا المشروع سنة 2017، مع توقيع مجموعة من الاتفاقيات لبداية إنجاز الدراسات التقنية والفنية وغيرها من النصوص المرتبطة بالمشروع، إلى جانب وضع الأطر القانونية والمؤسساتية اللازمة لإنجازه.

    وفيما يتعلق بأهمية المشروع ضمن الاستراتيجية الطاقية للمغرب، فإنه يعزز موقع المملكة كحلقة وصل استراتيجية بين غرب إفريقيا وأوروبا، من خلال ربط البنيات التحتية الغازية الإقليمية بالشبكة الغازية الإيبيرية والأوروبية، فضلا عن استشراف التحولات المستقبلية في سوق الطاقة، بالنظر إلى قابلية الأنبوب لنقل الهيدروجين مستقبلا.

    ويعكس هذا البعد قابلية المشروع للتكيف مع متطلبات الانتقال الطاقي والتحولات التي يشهدها سوق الطاقة الدولي، بما يعزز طابعه الاستباقي ضمن الرؤية الطاقية للمغرب.

    وتجدر الإشارة إلى أن طول المشروع يمتد على نحو 6900 كيلومتر، بكلفة تقديرية تناهز 25 مليار دولار، وبقدرة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، مما يجعله من بين أضخم مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية.

    كما يساهم مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يمتد من نيجيريا مرورا ببنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا وصولا إلى المغرب، ويشمل المشروع أيضا ربط الدول غير الساحلية، وهي النيجر ومالي وبوركينا فاسو، عبر أنابيب فرعية، في إرساء منظومة قائمة على التضامن والتكامل الإقليمي، إذ لا يقتصر على الشراكة الثنائية بين المغرب ونيجيريا.

    من الدراسات إلى ساعة التنفيذ

    مر مشروع أنبوب الغاز المغربي–النيجيري بعدة محطات رئيسية منذ إطلاقه سنة 2016، حين أعلن الملك محمد السادس والرئيس النيجيري آنذاك محمد بخاري، خلال الزيارة الملكية إلى أبوجا، الاتفاق على إنجاز المشروع.

    وفي سنة 2017، وُقعت اتفاقية تعاون بين المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للنفط لإطلاق دراسات الجدوى والهندسة، قبل أن يعزز البلدان التزامهما بالمشروع عبر إعلان مشترك خلال زيارة الرئيس النيجيري إلى المغرب سنة 2018.

    وانتقل المشروع إلى مرحلة أوسع ابتداء من سنة 2022، مع توقيع مذكرة تفاهم بين المغرب ونيجيريا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، بما أرسى إطارا مؤسساتيا لانخراط دول المنطقة في المشروع.

    وتوالى بعد ذلك توقيع مذكرات تفاهم تجمع المغرب ونيجيريا والسنغال وموريتانيا لتسريع إنجاز أنبوب الغاز، ثم انضمت في سنة 2023 كل من ساحل العاج وليبيريا وغينيا وبنين، مما عزز الطابع الإقليمي للمشروع ورسخ مكانته كأحد أكبر مشاريع التكامل الطاقي في القارة الإفريقية.

    وخلال سنة 2026، دخل المشروع مرحلة جديدة مع التوجه نحو توقيع الاتفاقية الحكومية الدولية المنظمة له، بما يمهد لاستكمال الترتيبات المؤسساتية والتنفيذية لورش تقدر كلفته بحوالي 25 مليار دولار.

    ووفق الجدول الزمني المعلن حاليا، يُرتقب أن تنطلق أولى عمليات نقل الغاز عبر بعض المقاطع الجاهزة في أفق سنة 2031، على أن يدخل المشروع حيز التنفيذ قبل سنة 2036، بما يعزز الأمن الطاقي الإقليمي ويفتح منفذا جديدا للغاز الإفريقي نحو الأسواق الأوروبية، إذ يمكن أن يتيح المشروع، جعلى المدى البعيد، مصدرا إضافيا لتنويع إمدادات الغاز نحو السوق الأوروبية، في سياق إعادة تشكيل خريطة الإمدادات الطاقية للقارة.

    وفي هذا الصدد، أكدت أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، في تصريح خاص لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشروع “قطع أشواطا مهمة” منذ انبثاقه من الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري، كما تم تأكيد هذا الالتزام من قبل فخامة الرئيس بولا أحمد تينوبو.

    ولفت بنخضرة إلى أنه تمت مواصلة تطوير هذا المشروع الضخم بشكل مشترك من قبل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية، حيث تم إنهاء الدراسات الهندسية التفصيلية وتم تنفيذ حملات مسح واستطلاع مسار الأنبوب، وشهدت الدراسات البيئية والاجتماعية تقدما ملحوظا، كما تم وضع الأسس القانونية والتنظيمية والتجارية الرئيسية للمشروع، مما يتيح الاقتراب من تنفيذ مرحلة تفعيل المشروع.

    الغاز في خدمة صناعة إفريقية جديدة

    يتجاوز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي رهانه الطاقي، ليرتبط بأبعاد اقتصادية وتنموية أوسع بالنسبة للدول التي سيعبرها، فمن شأن إنجاز هذه البنية التحتية أن يفتح المجال أمام تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتثمين الموارد الطبيعية، ودعم التصنيع، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، بما يجعل المشروع رافعة محتملة لتحفيز النمو والتنمية على امتداد مساره.

    ويشكل هذا المشروع منفذا حقيقيا للصادرات النيجيرية، باعتبار أن نيجيريا تملك صادرات كبيرة جدا، مما يدفعها إلى البحث عن زبناء جدد، كما يلبي المشروع حاجيات المغرب في تأمين إمداداته من الغاز وتنويع مصادرها.

    وأشارت بنخضرة في هذا السياق، إلى أن هذا المشروع “تم تصميمه كبنية تحتية مهيكلة” تهدف إلى ربط موارد الغاز في غرب إفريقيا بمراكز الاستهلاك الإقليمية الرئيسية، وتعزيز اندماج أسواق الطاقة الإفريقية، فضلا عن إنشاء ممر تنمية جديد يربط غرب إفريقيا بدول الساحل والمملكة المغربية وصولا إلى أوروبا.

    وتبرز هذه الرؤية بشكل خاص في ظل الإمكانات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة، من الحديد والبوكسيت والفوسفات والمعادن الاستراتيجية، والتي يتطلب تثمينها توفير طاقة مستقرة وبتكلفة تنافسية.

    ومن هذا المنطلق، يُنتظر أن يسهم المشروع في دعم الصناعات التحويلية، سيما الإسمنت والزجاج والخزف والصلب والألومنيوم، بما قد يدفع نحو تحول هيكلي في اقتصادات الدول المعنية.

    وأكدت بنخضرة في حديثها لـ”AM+ MEDIA”، أن مرحلة الإنجاز ستتيح دينامية متجددة لأسواق رؤوس الأموال المحلية، فضلا عن تحفيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لفائدة القارة الإفريقية، وستمكن هذه المرحلة أيضا من استحداث ما يقارب 12.000 منصب شغل، مباشر وغير مباشر، بالنسبة للأجزاء الأولى من المسار، فضلا عن أثر اقتصادي يُقدَّر بنحو 3.5 نقطة من الناتج الداخلي الخام بالنسبة للدول المعنية، وذلك وفق التوقعات الأولية المعتمدة.

    وأوضحت مديرة المكتب أنه في المراحل التشغيلية للمشروع، وبمجرد بلوغ وتيرة الإنتاج القصوى المحددة في 30 مليار متر مكعب سنويا، فإن تسويق الغاز من شأنه أن يحقق موارد سنوية تُناهز 13 مليار دولار أمريكي، في حين قد تبلغ عائدات نقل الغاز ما يقارب 4 مليارات دولار سنويا.

    وأضافت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، أن المشروع سيمكن من ربط 13 دولة مطلة على الساحل الأطلسي الإفريقي، وكذلك الدول غير الساحلية عبر الربط الجهوي، كما سيتم ربطه بخط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، وبالتالي شبكة الغاز الأوروبية، مما سيشكل ممرا استراتيجيا للطاقة يربط موارد الغاز بغرب إفريقيا بالأسواق الإقليمية والدولية.

     وأشارت إلى أن القدرة الاستيعابية للمشروع ستبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، بما في ذلك 15 مليار متر مكعب مخصصة للتصدير إلى المغرب وأوروبا، وبالتالي ستمكن هذه البنية التحتية الاستراتيجية من تلبية الاحتياجات المتزايدة لأسواق الغاز الإفريقية مع تعزيز الأمن الطاقي في القارة وتنويع الإمدادات الدولية.

    الاختبار الأصعب

    بعد سنوات من الدراسات والإعدادات التقنية والمؤسساتية، يدخل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال التدريجي من مرحلة الإعداد إلى التفعيل.

    وفي هذا الإطار، أشارت بنخضرة إلى أن التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي من طرف رؤساء الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ضمن أشغال قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في فريتاون، يعد تتويجا للجهود التي بدأت بالتنسيق مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وفقا لمذكرة التفاهم الموقعة مع المغرب ونيجيريا، والتي تعكس الالتزام الجماعي والمشترك للأطراف.

     وأوضحت أن الاتفاقية الحكومية الدولية تُضفي على هذا التعاون طابعا قانونيا ومؤسساتيا، حيث تُحدِّد حقوق الدول الأطراف والتزاماتها، ومبادئ حوكمة المشروع، فضلاً عن الالتزامات المتعلقة باستقرار الإطار التنظيمي، والنظام الضريبي، وضمان أمن الاستثمارات، والتعاون العابر للحدود.

    وبحسب بلاغ صحفي مشترك بين المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية، فإن هذه المحطة المهمة التي تحققت في فريتاون تعد تمهيدا للمراحل المقبلة من إطلاق المشروع، والتي ستشمل على وجه الخصوص إنشاء شركة المشروع، التي سيكون مقرها بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب إحداث الهيئة العليا لخط أنبوب الغاز (Pipeline Higher Authority)، وهي هيئة الحوكمة الخاصة بالمشروع، والمقرر أن يكون مقرها في أبوجا، وذلك قبل الشروع في تعبئة المستثمرين والإعداد لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID).

  • المغرب بعد حرب غزة.. دبلوماسية تعزز موقعها في هندسة الاستقرار

    المغرب بعد حرب غزة.. دبلوماسية تعزز موقعها في هندسة الاستقرار

    يشكل انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة محطة جديدة في مسار الدبلوماسية المغربية، إذ يعكس توجها نحو توسيع أدوار المملكة في تدبير الأزمات، بالانتقال من الوساطة والدعم الإنساني إلى المساهمة في تنفيذ ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب.

    ويأتي هذا الانخراط، امتدادا لنهج دبلوماسي راكمت من خلاله المملكة حضورا متناميا في تدبير الأزمات، مستندة إلى رصيد من الوساطة والدعم الإنساني والعلاقات المتوازنة مع مختلف الأطراف، مع الحفاظ على ثوابتها في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز جهود السلم والاستقرار.

    أبعاد المشاركة في قوة الاستقرار الدولية

    شكل توقيع المغرب على الإطار القانوني المؤطر لمختلف الجوانب التقنية والعملياتية لمشاركته في قوة الاستقرار الدولية في غزة، انتقالا من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى مستوى التنفيذ والحضور الميداني في ترتيبات ما بعد الحرب.

    وجرى توقيع الاتفاقية يوم 15 يوليوز 2026 بالرباط، خلال اجتماع حضره وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، إلى جانب نيكولاي ملادينوف، المبعوث السامي لمجلس السلام إلى غزة، الذي ترأس وفدا ضم قائد قوة الاستقرار الدولية وعدداً من مسؤولي المجلس.

    وستساهم المملكة في قوة الاستقرار الدولية من خلال نشر ضباط كبار ضمن القيادة المشتركة للقوة، إلى جانب عناصر من الشرطة والدرك، وإقامة مستشفى ميداني عسكري، بما يعكس مشاركة تجمع بين البعدين الأمني والإنساني، وستسهم في حماية المدنيين، وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية، ودعم جهود إعادة الإعمار، والمواكبة الأمنية للمرحلة الانتقالية، بما في ذلك المساهمة في تدريب وبناء قدرات أجهزة الشرطة الفلسطينية، تجسيدا لتشبث المغرب بقيم السلام والتعاون والتضامن الدولي، وحرصه على الإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

    وفي هذا السياق، أكد عبد الرزاق كواري، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الحديث عن انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة لا يُعد تحولا جديدا في سياسته الخارجية، بل يندرج في إطار انخراط تاريخي للمملكة في دعم السلم وترجيح كفة الحوار والتسوية السلمية في حل النزاعات.

    وأضاف المتحدث أن دور المغرب في القضية الفلسطينية لم يكن يوما دورا تقليديا أو جامدا، بل ظل يتطور بتطورات الأزمة، مبرزا أن المملكة تعد من أكثر الدول حضورا في المنطقة من خلال الأطقم الطبية والمستشفيات الميدانية، فضلا عن نجاحها في إيصال المساعدات الإنسانية مباشرة إلى قطاع غزة خلال ذروة الحصار، معتبرا أن هذه الاستباقية تعكس إرادة ملكية متواصلة للإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

    رصيد دبلوماسي وإنساني

    لم يكن انخراط المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة معزولا عن مساره الدبلوماسي، بل استند إلى رصيد سياسي وإنساني راكمته المملكة على مدى عقود في دعم القضية الفلسطينية، وهو ما جعلها تحظى بثقة مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، إذ ظل المغرب يؤكد، في مختلف المحافل الدولية، تمسكه بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين، بالتوازي مع انخراطه العملي في دعم الفلسطينيين عبر مبادرات إنسانية وتنموية متواصلة.

    ويبرز هذا الرصيد من خلال الدور الذي يضطلع به الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، حيث يواصل الإشراف على دعم صمود الفلسطينيين، لاسيما بمدينة القدس، عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تنفذ مشاريع اجتماعية وصحية وتعليمية وإسكانية لفائدة المقدسيين، بما يعكس استمرارية الالتزام المغربي بالقضية الفلسطينية، سواء خلال فترات النزاع أو في مرحلة إعادة الإعمار.

    وعزز المغرب حضوره الإنساني خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، إذ أعطى الملك محمد السادس، في 24 يونيو 2024، تعليماته بإطلاق عملية إنسانية مكنت المغرب من إيصال 40 طنا من المساعدات الطبية إلى قطاع غزة عبر مسار بري مباشر وغير مسبوق، انطلاقا من معبر كرم أبو سالم، في خطوة عكست حرص المملكة على ضمان وصول المساعدات الإنسانية مباشرة إلى سكان القطاع رغم الظروف الأمنية المعقدة.

    واستمرت المملكة في هذا الانخراط خلال سنة 2025، بإرسال نحو 295 طنا من المساعدات الإنسانية، شملت مواد غذائية وأدوية ومستلزمات أساسية لفائدة الأسر النازحة في قطاع غزة.

    وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي وأستاذ القانون العام، العباس الوردي، في تصريح لجريدة “AM+MEDIA”، إن الموقف المغربي الداعم للقضية الفلسطينية، يندرج في إطار الانخراط المغربي المتواصل في دعم الشعب الفلسطيني، من خلال مواكبة مشاريع إعادة الإعمار وإقامة البنيات الاجتماعية والتنموية داخل الأراضي الفلسطينية.

    وأشار إلى أن هذا الدعم يمتد إلى تمويل عدد من المشاريع عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، تحت الإشراف المباشر للملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس، ما يعكس استمرارية الالتزام المغربي بالقضية الفلسطينية، سواء خلال فترات النزاع أو في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب وإعادة الإعمار.

    من جانبه، أوضح عبد الرزاق كواري أن المغرب يلعب دور الوسيط النشيط في القضية الفلسطينية، من خلال إطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى دعم عملية السلام، سواء عبر المساهمة في جهود إعادة إعمار غزة، أو من خلال الدعم المعنوي والمادي الذي توفره لجنة القدس، الذي يعد المغرب من أبرز مؤسسيها، ويترأسها جلالة الملك محمد السادس.

    وأضاف أن المغرب ساهم فعليا في احتضان الحوار بين مختلف الأطراف، وسعى بشكل متواصل إلى احتواء الأزمة والدفع نحو تحقيق السلام والأمن في المنطقة.

    ومن ثم، فإن المغرب يلعب دورا مهما في تخفيف التوترات المرتبطة بأمن الأماكن المقدسة في القدس أو في المساهمة في احتواء الأزمات الدبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بما عزز صورته كفاعل معتدل يسعى إلى ترسيخ السلم والاستقرار في المنطقة.

    من الوساطة إلى التنفيذ

    لا يمثل انضمام المغرب إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة تحولا مفاجئا في سياسته الخارجية، بقدر ما يعكس امتدادا لمسار دبلوماسي راكمت خلاله المملكة خبرة في تدبير الأزمات والمساهمة في جهود تعزيز السلم والاستقرار.

    منذ سنوات، اعتمد المغرب دبلوماسية تقوم على الحوار وتغليب الحلول السلمية، مستفيدا من شبكة علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما مكنه من الاضطلاع بأدوار وساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

    وفي هذا الصدد، أكد الوردي أن المغرب اكتسب عبر تجربته في تدبير الأزمات وتقديم الحلول، مكانة جعلته فاعلا موثوقا في تسوية المنازعات الدولية، من خلال تبنيه الحلول السلمية ومواكبته المستمرة للجهود الدولية تحت مظلة الشرعية الدولية والأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما يكرس السلم والأمن على المستويات الإقليمي والقاري والدولي، معتبرا أن هذا الدور يحظى بتقدير من مختلف القوى الدولية والإقليمية، بفضل ما راكمته الدبلوماسية المغربية من مصداقية وحضور داخل المحافل الدولية.

    وتبرز هذه الخبرة من خلال عدد من المحطات، من بينها احتضان المملكة للاتفاق السياسي الليبي سنة 2015، المعروف باتفاق الصخيرات، الذي شكل إحدى أبرز محطات الحوار بين الأطراف الليبية برعاية الأمم المتحدة، كما قاد الملك محمد السادس، في دجنبر 2024، وساطة لدى رئيس جمهورية بوركينافاسو إبراهيم تراوري، أفضت إلى إطلاق سراح أربعة مواطنين فرنسيين كانوا محتجزين في واغادوغو، منذ دجنبر 2023، وذلك استجابة لطلب الملك.

    وأبرزت هذه المبادرة الإنسانية قدرة المغرب على توظيف علاقاته الثنائية لخدمة الجهود الإنسانية والإسهام في تسوية الأزمات عبر الحوار والوساطة.

    وتعكس هذه التجارب انتقالا تدريجيا في أدوار الدبلوماسية المغربية، من توفير فضاءات الحوار وتقريب وجهات النظر، إلى الانخراط العملي في تنفيذ ترتيبات الاستقرار والمساهمة في تدبير مرحلة ما بعد الأزمات، وهو ما تجسده اليوم مشاركته في قوة الاستقرار الدولية في غزة، باعتبارها خطوة تعزز حضور المملكة كفاعل في تنفيذ مسارات السلام.

    معادلة التوازن في السياسة الخارجية المغربية

    يحرص المغرب على توطيد علاقاته وشراكاته مع مختلف الفاعلين الدوليين، دون أن يمس ذلك بموقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية، انطلاقا من قناعته بأن التسوية السياسية لهذا النزاع تظل رهينة بوقف العنف، وتكثيف الجهود الدولية، واعتماد الحوار باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق سلام عادل ودائم.

    ومنذ أن أعلن المغرب، في دجنبر 2020، عن استئناف العلاقات الدبلوماسية الثنائية مع إسرائيل، وإعادة فتح مكتبي الاتصال في كل من الرباط وتل أبيب، في إطار الإعلان الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، حافظت المملكة على تأكيدها أن هذه الخطوة لا تمس بموقفها الثابت الداعم للقضية الفلسطينية، ولا بسياساتها القائمة على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

    كما تعززت الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة، خاصة عقب اعتراف واشنطن، في 10 دجنبر 2020، بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو ما فتح آفاقا جديدة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين، غير أن هذا التقارب لم يمنع استمرار المملكة في الدفاع عن القضية الفلسطينية داخل مختلف المحافل الدولية، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والتشبث بحل الدولتين باعتباره الإطار الأمثل لتسوية النزاع.

    وفي هذا الصدد، أكد عبد الرزاق كواري أن وساطة المغرب في القضية الفلسطينية ومشاركته في قوة الاستقرار الدولية لن تؤثرا على علاقاته الاستراتيجية مع مختلف أطراف النزاع، بل قد يشكل ذلك عاملا إيجابيا في مسار تسوية الأزمة.

    وأوضح أن المملكة ستعمل على توظيف سمعتها الدبلوماسية وعلاقات الاحترام والتقدير التي تجمعها بالولايات المتحدة وإسرائيل، من أجل الإسهام في تحقيق السلم والاستقرار الذي تتطلع إليه منطقة الشرق الأوسط والعالم.

    وأضاف كواري أن الثقة التي تحظى بها المملكة لدى مختلف الأطراف، إلى جانب مصداقيتها، يمكن أن تسهم في تسهيل جهود إعادة الإعمار وبناء المنطقة في إطار من التوافق بين الأطراف المعنية.

    ويعكس هذا النهج حرص الدبلوماسية المغربية على تحقيق توازن بين متطلبات الشراكات الاستراتيجية ومقتضيات ثوابتها الدبلوماسية، بما يسمح للمملكة بالحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، مع الاستمرار في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والمساهمة في جهود السلام والاستقرار في المنطقة.

    ومن هذا المنطلق، تشكل مشاركة المغرب في قوة الاستقرار الدولية في غزة امتدادا لمسار دبلوماسي راكمت خلاله المملكة خبرة في الوساطة والعمل الإنساني ودعم جهود السلم والاستقرار، أكثر مما تمثل تحولا في ثوابتها الدبلوماسية، لأن المغرب، الذي ظل حاضرا في القضية الفلسطينية من خلال رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، والإشراف على وكالة بيت مال القدس الشريف، وتقديم المساعدات الإنسانية، أصبح اليوم يوسع نطاق حضوره ليشمل المساهمة في تنفيذ ترتيبات مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

  • صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    صعود مغربي يعيد رسم خريطة أمن الطاقة في أوروبا

    غيّر الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي شهدته إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 طريقة تعاطي أوروبا مع ملف أمن الطاقة، إذ لم يعد التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة كافيا، وبرزت أولوية جديدة تتمثل في بناء شبكات أكثر ترابطا ومرونة، قادرة على ضمان استمرارية الإمدادات والحد من آثار الأعطال الكبرى.

    كما أن أوروبا، لم تعد تنظر للملف الطاقي كأنه مجرد قطاع اقتصادي أو مورد استراتيجي، بل أصبح أحد أبرز أدوات إعادة تشكيل العلاقات الدولية، سيما مع التحولات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا، والبحث الأوروبي عن بدائل للغاز الروسي زيادة على أزمة مضيق هرمز، وتسارع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، ما أدخل القارة العجوز مرحلة جديدة في مقاربتها لأمنها الطاقي، تقوم على تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على مصادر تقليدية.

    في هذا السياق، برز المغرب باعتباره أحد أبرز الفاعلين الصاعدين في جنوب المتوسط، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته المتواصلة في الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريعه في الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي.

    وفي السنوات الأخيرة، لم يعد ينظر المغرب بوصفه سوقا للطاقة فقط، بل كشريك قادر على الإسهام في تلبية جزء من احتياجات أوروبا المستقبلية، ضمن رؤية تقوم على المصالح المتبادلة والتكامل الإقليمي.

    فكيف تطور موقع المغرب داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية؟ وما الذي يمكن أن تجنيه المملكة اقتصاديا واستراتيجيا من مشاريع الربط الجديدة؟

    من الربط مع إسبانيا إلى رؤية أوروبية أوسع

    لم يبدأ حضور المغرب في منظومة الربط الكهربائي الأوروبية بعد أزمة 2025، بل يعود إلى ما يقارب ثلاثة عقود، عندما دخل أول خط للربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا الخدمة سنة 1997، قبل أن يتعزز بخط ثان سنة 2006، ليشكل أول جسر كهربائي مباشر بين إفريقيا وأوروبا، ويتيح تبادل الكهرباء وتعزيز استقرار الشبكتين.

    ومع التحولات التي شهدها قطاع الطاقة، ولا سيما التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، انتقل التعاون المغربي الإسباني إلى مرحلة جديدة، تُوجت سنة 2019 بالاتفاق على تطوير مشروع ربط كهربائي ثالث يهدف إلى رفع قدرة التبادل ومواكبة الطلب المتزايد على شبكات أكثر كفاءة ومرونة.

    ورغم أن هذه المشاريع سبقت أزمة انقطاع الكهرباء التي شهدتها شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025، فإنها اكتسبت بعدها بعدا استراتيجيا مختلفا، إذ لم يعد ينظر إلى الربط الكهربائي باعتباره وسيلة لتبادل الطاقة فحسب، بل أحد مكونات أمن الطاقة، لما يوفره من قدرة على دعم استقرار الشبكات والمساهمة في استعادة الإمدادات عند وقوع الأعطال الكبرى.

    أزمة 2025.. المغرب شريك في أمن الطاقة لأوروبا

    شكّل الانقطاع الواسع للتيار الكهربائي الذي ضرب إسبانيا والبرتغال في 28 أبريل 2025 اختبارا حقيقيا لقدرة الشبكة الكهربائية الأوروبية على مواجهة الأزمات، إذ كشفت الحادثة محدودية الربط الكهربائي لشبه الجزيرة الإيبيرية مع بقية أوروبا، إذ لا تتجاوز نسبة الربط نحو 3 في المئة من القدرة الكهربائية، بينما يطمح الاتحاد الأوروبي إلى رفعها إلى 15 في المئة بحلول سنة 2030.

    وأبرزت الأزمة اعتماد البرتغال على إسبانيا باعتبارها منفذها الكهربائي الوحيد نحو الخارج، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة تنويع مسارات الربط وتعزيز مرونة الشبكات الأوروبية.

    وفي خضم هذه الأزمة، برزت أهمية الربط الكهربائي مع المغرب، فبحسب المعطيات التقنية الصادرة عن الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الكهرباء (ENTSO-E)، استعانت إسبانيا، خلال مراحل إعادة تشغيل الشبكة، بروابطها الكهربائية مع كل من فرنسا والمغرب، ما جعل الربط المغربي جزءا من عملية استعادة الإمدادات، وأبرز دوره في دعم استقرار الشبكات الإقليمية عند الأزمات، إلى جانب وظيفته التقليدية في تبادل الكهرباء.

    وأعادت هذه التطورات صياغة النظرة الأوروبية إلى مشاريع الربط مع المملكة، إذ لم تعد تعامل باعتبارها مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، بل كأداة لتعزيز أمن الطاقة ومرونة الشبكات في مواجهة الاضطرابات.

    ومن هذا المنطلق، اكتسبت مشاريع الربط الجديدة مع المغرب زخما إضافيا، وفي مقدمتها مشروع الربط مع البرتغال، إلى جانب المباحثات المتعلقة بإنشاء خط مباشر مع فرنسا، في إطار توجه أوروبي يروم تنويع مسارات الإمداد وتقوية الترابط الكهربائي بين ضفتي المتوسط.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في قضايا الطاقة والانتقال الطاقي، محمد بوحاميدي، أن أزمة انقطاع الكهرباء التي عرفتها إسبانيا والبرتغال في أبريل 2025 لم تكن مجرد حادث تقني، بل شكلت تحولا في المقاربة الأوروبية لأمن الطاقة، بعدما أبرزت أن الاستثمار في إنتاج الكهرباء وحده لم يعد كافيا، وأن قوة المنظومات الكهربائية أصبحت تقاس أيضا بقدرتها على الترابط واستعادة الإمدادات عند الأزمات.

    وأضاف بوحاميدي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب اكتسبت، بعد هذه الأزمة، بعدا استراتيجيا جديدا، لأنها توفر منفذا إضافيا لشبه الجزيرة الإيبيرية، وتعزز مرونة الشبكات الأوروبية، موضحا أن المملكة أصبح ينظر إليها كشريك قادر على المساهمة في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، وليس فقط كمنتج للطاقات المتجددة.

    مشروع المغرب والبرتغال.. أكثر من مجرد ربط كهربائي

    في خضم هذا التحول، اتفق المغرب والبرتغال، خلال اجتماع وزيري الطاقة في لشبونة، الشهر الماضي، على إعادة إطلاق مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، بعد سنوات من الدراسات التي انطلقت سنة 2018، في خطوة تعكس تنامي الرهان على تعزيز الترابط الكهربائي بين أوروبا وإفريقيا.

    وترى الحكومة البرتغالية أن المشروع يتجاوز كونه مجرد بنية تحتية لنقل الكهرباء، ليشكل رافعة لتعزيز أمن الطاقة والتعاون بين القارتين.

    وأعلنت وزيرة البيئة والطاقة البرتغالية ماريا دا غراسا كارفالو، يوليوز المنصرم، أن الرباط ولشبونة ستتقدمان بطلب إلى المفوضية الأوروبية لتصنيف المشروع ضمن المشاريع المهمة ذات الاهتمام الأوروبي المشترك (IPCEI)، بما يتيح الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية، إلى جانب تعبئة استثمارات من القطاع الخاص لتقاسم كلفة الإنجاز.

    وأوضحت أن البلدين يعتمدان مسارين متوازيين لتسريع المشروع؛ الأول يهم البحث عن تمويل عبر الآليات الأوروبية، والثاني يقوم على استقطاب مشغلي الشبكات وشركات الطاقة، بما يضمن إنجاز المشروع دون تحميل المستهلكين أو دافعي الضرائب أعباء إضافية.

    وأشارت إلى أن التقديرات المالية التي وُضعت سنة 2018، والتي قدرت الكلفة بحوالي 800 مليون يورو، أصبحت بحاجة إلى مراجعة في ضوء ارتفاع تكاليف الإنجاز والتطور الذي شهدته تقنيات الربط الكهربائي.

    ومن الجانب المغربي، أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي أن المشروع يندرج ضمن رؤية مشتركة تروم تعزيز التعاون الطاقي بين البلدين، مع التركيز على خفض تكاليف الطاقة وتحسين القدرة على الولوج إليها بأسعار معقولة لفائدة المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

    ويعكس هذا التوجه، بحسب الوزيرة، إرادة مشتركة لجعل الربط الكهربائي أداة لدعم التنمية الاقتصادية وتعزيز أمن الإمدادات، وليس مجرد مشروع تقني لتبادل الكهرباء.

    ومن المرتقب أن يواصل البلدان تنسيق مواقفهما مع المفوضية الأوروبية خلال المرحلة المقبلة، تمهيدا لعرض المشروع على آليات التمويل الأوروبية، ومواصلة النقاش بشأن خياراته التقنية والمالية في إطار القمة المغربية البرتغالية المرتقبة.

    جاذبية متزايدة.. فرنسا تدخل على الخط

    ولم يعد الاهتمام الأوروبي بالربط الكهربائي مع المغرب مقتصرا على البرتغال، إذ برز خلال الأشهر الأخيرة مشروع لدراسة إنشاء خط كهربائي مباشر بين المغرب وفرنسا، في إطار توجه يروم توسيع منافذ الربط مع المملكة وعدم الاكتفاء بالمسار التقليدي عبر إسبانيا.

    ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات التقنية، فإنه يعكس إدراكا أوروبيا متزايدا لأهمية تنويع مسارات نقل الكهرباء وتعزيز قدرة الشبكات على مواجهة الاضطرابات.

    وتكتسي فرنسا أهمية خاصة داخل المنظومة الكهربائية الأوروبية، باعتبارها إحدى أكبر الدول المنتجة والمصدرة للكهرباء في القارة، كما تمثل بوابة رئيسية لربط شبه الجزيرة الإيبيرية بباقي الشبكة الأوروبية.

    ومن شأن أي ربط مباشر مع المغرب، إذا تم إنجازه، أن يوسع خيارات تبادل الكهرباء بين الضفتين، ويعزز مرونة الشبكة الأوروبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بنية تحتية أكثر ترابطا وقدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة.

    وفي 16 يوليوز الماضي، كشف سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة الفرنسي، في الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى بين المغرب وفرنسا بالرباط، أن المغرب وفرنسا يرسمان معا معالم المستقبل من خلال مشاريع اقتصادية طموحة تخلق تكاملا جديدا بين شركاتنا، من خلال قطاعات حيوية كالنقل والطاقة والتكنولوجيات المتقدمة، وأيضا المبادرات المتعددة للمقاولات الصغرى والمتوسطة النشطة التي تعمل معا على ضفتي المتوسط، كما يشمل الأمر مشاريع الربط الطاقي الكبرى، خاصة مع إطلاق طلب لإبداء الاهتمام في مجال الربط الكهربائي”.

    وفي حال استكمال هذا المشروع، سيصبح المغرب مرتبطا بثلاثة محاور رئيسية مع أوروبا، تشمل إسبانيا والبرتغال وفرنسا، بما يعزز مكانته داخل شبكة الربط الكهربائي الإقليمية ويمنحه دورا أكبر في منظومة أمن الطاقة الأوروبية.

    واعتبر محمد بوحاميدي أن مشاريع الربط المرتقبة مع البرتغال، إلى جانب دراسة إنشاء خط مباشر مع فرنسا، تمثل انتقالا من تعاون ثنائي مع إسبانيا إلى شبكة ربط أوروبية أكثر تنوعا، ما يمنح الشبكات الكهربائية مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات، ويعكس مستوى الثقة الذي أصبح يحظى به المغرب لدى شركائه الأوروبيين.

    وأكد الخبير الطاقي أن هذه المشاريع لا تقتصر على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تعكس تحولا في النظرة الأوروبية إلى المملكة باعتبارها شريكا استراتيجيا في استقرار الشبكات الكهربائية، خاصة مع تسارع التحول نحو الطاقات المتجددة داخل أوروبا.

    منافذ إضافية.. ماذا ستستفيد أوروبا؟

    لا تقتصر مكاسب أوروبا من مشاريع الربط الكهربائي مع المغرب على إنشاء خطوط جديدة لنقل الكهرباء، بل تمتد إلى تعزيز مرونة الشبكات وتنويع مسارات الإمداد، خاصة بعد الدروس التي أفرزتها أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال أبريل 2025.

    بالنسبة لإسبانيا والبرتغال، يوفر الربط مع المغرب منفذا إضافيا يخفف الضغط على المسارات التقليدية، ويمنح مشغلي الشبكات خيارات أوسع للحفاظ على استقرار الإمدادات واستعادة الخدمة عند وقوع الأعطال.

    كما ينسجم هذا التوجه مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي الرامية إلى رفع مستوى الترابط الكهربائي بين دوله وشركائه، بما يعزز أمن الطاقة، ويواكب الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة داخل المزيج الكهربائي الأوروبي، وهي مصادر تتطلب شبكات أكثر ترابطا ومرونة لضمان استقرارها.

    منصة إقليمية رائدة.. لماذا تراهن أوروبا على المغرب؟

    لا يقتصر الرهان الأوروبي على الموقع الجغرافي للمغرب، بل يستند أيضا إلى ما راكمته المملكة من خبرة في مجال الربط الكهربائي منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وإلى استثماراتها في تطوير البنية التحتية الكهربائية، فضلا عن استقرارها المؤسساتي، وهي عوامل جعلت منها شريكا موثوقا في مشاريع الربط الطاقي.

    كما أن تموقع المغرب عند بوابة أوروبا وإفريقيا يمنحه مؤهلات للقيام بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء، خاصة في ظل توجه الاتحاد الأوروبي نحو تنويع مسارات الإمداد والبحث عن شبكات أكثر مرونة بعد أزمة 2025.

    ومن هذا المنطلق، لم تعد مشاريع الربط مع المملكة تُنظر إليها باعتبارها مشاريع ثنائية فحسب، بل أصبحت جزءا من رؤية أوروبية أوسع لتعزيز أمن الطاقة وتقوية الترابط الكهربائي بين القارتين.

    مكاسب متعددة.. ماذا سيستفيد المغرب؟

    بالنسبة للمغرب، لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على توسيع الربط الكهربائي مع أوروبا، بل تمتد إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية؛ فمن الناحية الاقتصادية، من شأن خطوط الربط الجديدة أن تستقطب استثمارات إضافية في البنية التحتية الكهربائية، وتدعم تحديث الشبكات الوطنية، كما تفتح آفاقا أوسع لتبادل الكهرباء مع الأسواق الأوروبية، إلى جانب الاستفادة من آليات التمويل الأوروبية المخصصة للمشاريع الاستراتيجية.

    أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تعدد منافذ الربط مع أوروبا يعزز موقع المملكة داخل المنظومة الطاقية الإقليمية، ويكرس حضورها كشريك في أمن الطاقة الأوروبي، ويمنحها أفضلية في استقطاب الاستثمارات الصناعية التي تبحث عن بنية كهربائية مستقرة ومتصلة بعدة أسواق، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد.

    وبخصوص المكاسب التي يمكن أن يجنيها المغرب، أوضح الخبير الطاقي محمد بوحاميدي في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن هذه المشاريع ستنعكس إيجابا على جاذبية المملكة للاستثمارات، سواء في مجال البنية التحتية الكهربائية أو الأنشطة الصناعية المرتبطة بالطاقة، كما ستعزز موقعها داخل الفضاء الأورو-متوسطي.

    وأضاف أن تعدد منافذ الربط الكهربائي مع أوروبا يمنح المغرب قيمة استراتيجية أكبر، ويؤهله مستقبلا للاضطلاع بدور منصة إقليمية لتبادل الكهرباء بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما ينسجم مع التحولات التي يشهدها سوق الطاقة على المستوى الدولي.

    المغرب.. من بلد عبور إلى شريك في أمن الطاقة

    وتكشف المشاريع التي يطورها المغرب مع شركائه الأوروبيين أن التحولات الجارية في قطاع الطاقة لم تعد تقاس فقط بحجم إنتاج الكهرباء أو تنوع مصادرها، بل أيضا بقدرة الدول على الاندماج في شبكات إقليمية أكثر ترابطا ومرونة.

    وأظهرت أزمة انقطاع الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 2025 أن أمن الطاقة أصبح يرتبط بامتلاك مسارات متعددة لنقل الكهرباء، وبالقدرة على استعادة الإمدادات بسرعة عند حدوث الأزمات، لذلك، لا يراهن المغرب على توسيع شبكة الربط الكهربائي مع أوروبا فحسب، بل يعمل على ترسيخ موقعه كشريك في أمن الطاقة الإقليمي، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستثماراته في البنية التحتية الكهربائية، وخبرة تمتد لقرابة ثلاثة عقود في الربط مع الشبكة الأوروبية.

  • أحداث سبتة تكشف وجها جديدا للهجرة تقودها خوارزميات جهات أجنبية للتضليل بالمنصات الرقمية

    أحداث سبتة تكشف وجها جديدا للهجرة تقودها خوارزميات جهات أجنبية للتضليل بالمنصات الرقمية

    لم تعد محاولات الهجرة غير النظامية تبدأ عند الحدود، بل أضحت تنطلق في كثير من الأحيان من شاشة هاتف. فمن خلال منشورات ومقاطع مصورة ورسائل متداولة، تبنى تصورات عن سهولة العبور، وتُحدَّد الوجهات والمواعيد، وقد تتحول المعلومة المضللة في وقت وجيز إلى أداة تعبئة تدفع أعدادا من الشباب إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر.

    وتبرز الدعوات الرقمية إلى التوجه نحو مدينة سبتة المحتلة مثالا دالا على هذا التحول؛ إذ لم تعد منصات التواصل مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبحت فضاء لصناعة التوقعات وتضخيم فرص النجاح والتقليل من المخاطر الأمنية والإنسانية.

    استغلال مغرض للفضاء الرقمي

    ويوم أمس الأحد، أكدت وزارة الداخلية أن مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها بخصوص الأحداث التي عرفتها مؤخرا نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية، أبانت أن هذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة.

    وأبرزت أن في مقدمة هذه العوامل الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات الإتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية

    ولفت المصدر على وجه الخصوص، إلى القرارات الأخيرة الصادرة عن السلطات القضائية الإسبانية بشأن تقييد إمكانية تطبيق إجراء الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في عرض البحر، مشيرا إلى أنها أفضت، في ظل ما صاحبها من تأويلات مغلوطة وتداول مضلَل، إلى ترسيخ قناعة لدى بعض الراغبين في العبور بإمكانية تفادي الإعادة الفورية.

    وشددت وزارة الداخلية على أن هذه المعلومات وما رفقها من حملات تضليلية أسهمت في بروز نمط أوحد من محاولات الهجرة غير النظامية، قوامه العبور سباحة، باعتباره الوسيلة التي اعتقد البعض أنها توفر فرصا أكبر للإفلات من الإعادة الفورية.

    وبهذا الصدد، أعاد تقرير استخباراتي أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي شيما جيل (Chema Gil)، بطلب من عدد من المؤسسات الإسبانية، مستندا إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) واستخبارات وسائل التواصل الاجتماعي (SOCMINT)، بناء التسلسل الزمني للحملة الرقمية وتحليل دورها في نشر المعلومات ورسائل التعبئة المرتبطة بمحاولة الدخول الجماعي إلى التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة الأسبوع المنصرم.

    الفضاء الرقمي.. بيئة خصبة للتعبئة نحو الهجرة غير النظامية

    ويساهم التحول الرقمي في إعادة تشكيل بعض ديناميات الهجرة غير النظامية، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاء لتداول المعلومات والروايات المتعلقة بطرق العبور والوجهات المحتملة.

    وفي هذا السياق، أعادت محاولة الدخول الجماعي إلى سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز 2026 الجدل حول الدور المتنامي للفضاء الرقمي في الهجرة غير النظامية، فقد كشفت تقارير إسبانية، استنادا إلى تقرير استخباراتي، أن هذه المحاولة سبقتها حملة رقمية واسعة انطلقت منذ بداية يوليوز عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، وشهدت تداول رسائل تتعلق بمسارات الوصول، ووسائل النقل، ومواعيد التحرك، ونقاط الالتقاء، في إطار ما وصفه التقرير بحملة تعبئة رقمية سبقت الأحداث الميدانية.

    وأشار التقرير الاستخباراتي الإسباني إلى أن الحملة الرقمية التي بدأت مع مطلع شهر يوليوز، حققت أكثر من 11 مليون ظهور، من خلال حسابات تنشط في أساسا في الجزائر وتونس وفرنسا، إلى جانب حسابات أخرى في المغرب والولايات المتحدة، قبل أن تتسارع وتيرتها عقب صدور قرار للمحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 في الأيام الأولى من الشهر، والذي اعتبر أن الأشخاص الذين يدخلون إسبانيا عبر البحر لا يمكن إعادتهم فورا عند الحدود.

    ووفقا للتقرير، استُخدم هذا القرار على نطاق واسع داخل المنصات الرقمية لترويج روايات حول سهولة العبور، وهو ما أسهم في تكثيف تداول المحتوى المرتبط بسبتة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة.

    ومنذ ذلك الحين، رصد التقرير تصاعدًا تدريجيًا في وتيرة المنشورات ومقاطع الفيديو والرسائل المتعلقة بالمدينة، قبل أن تبلغ الحملة الرقمية ذروتها خلال الأيام التي سبقت مباشرة احتفالات عيد العرش بالمغرب.

    عندما تصنع الخوارزميات واقعا جديدا

    تكمن خطورة هذا النوع من الحملات في أن المنصات الرقمية لا تكتفي باستضافة المحتوى، بل تعمل خوارزمياتها على توسيع نطاق انتشاره كلما ارتفعت معدلات التفاعل معه، لأن المقاطع القصيرة والمنشورات التي توحي بسهولة العبور أو تبرز تجارب ناجحة تجذب مستويات عالية من التفاعل، مما يزيد من احتمال ظهورها لمستخدمين آخرين، ويمنحها قدرة أكبر على الوصول والانتشار في فترة وجيزة.

    وفي هذا السياق، أكد الخبير في الأمن السيبراني الطيب الهزاز في تصريحه لجريدة “AM+MEDIA”، أن المنصات الرقمية أصبحت تؤدي دورا محوريا في توجيه الهجرة غير النظامية، إذ لم تعد تقتصر على نقل المعلومات، بل باتت تسهم في الترويج لما يسميه بـ”حلم الهجرة” بشكل مضلل عبر إبراز صور النجاح في أوروبا وإغفال المخاطر الحقيقية التي قد تواجه المهاجرين.

    ويضيف أن بعض المجموعات المغلقة على تطبيقات مثل “واتساب” و”تيليغرام” تُستخدم لتبادل المعلومات المتعلقة بتحديد التوقيت، والمسارات، ونقاط العبور، إلى جانب تداول تعليمات حول كيفية التعامل مع الرحلة، وتجاوز الحدود، والتعامل مع الأمن، وهو ما يحول المنصات الرقمية، في بعض الحالات، إلى فضاء للتنسيق والتعبئة.

    وأشار المتحدث، إلى أن هذا النوع من المحتوى يستهدف، في الغالب، الفئات الهشة، وخاصة الشباب الذين يعانون من البطالة أو الإحباط، من خلال خطاب يستغل تطلعاتهم إلى تحسين أوضاعهم.

    وأشار الخبير في الأمن السيبراني في تصريحه إلى أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت، في بعض السياقات، بنية تحتية رقمية تستغل في تنظيم وتيسير الهجرة غير النظامية.

    من التعبئة الرقمية إلى التحرك الميداني

    أوضح التقرير الاستخباراتي أنه في منتصف يوليوز، انتقلت الحملة من مرحلة الترويج الرقمي إلى مرحلة التعبئة الميدانية، إذ رصد التحقيق تزايد وصول أشخاص من مدن مغربية إلى مدينة الفنيدق، بالتزامن مع ارتفاع النشاط داخل مجموعات على فيسبوك وقنوات للمراسلة الموجودة مسبقا، والتي كانت تستخدم لتبادل المعلومات العملية تتعلق بالجداول الزمنية وظروف السفر.

    وفي 28 يوليوز، رصد التقرير إحدى أبرز نقاط الاتصال خلال الفترة المدروسة وهي تحديد مجموعة مراسلة عامة تحمل اسم “هجمة كرياج سبتة” (Hijma Kiraj Sebta)، تُدار من رقم هاتف يبدأ بالمفتاح الدولي الجزائري (213+).

    وبحسب التقرير، استخدمت المجموعة لتبادل المعلومات اللوجستية المتعلقة بالتعبئة نحو سبتة، بما في ذلك التنسيق بين المشاركين وتداول المعطيات العملية.

    وأشار التقرير إلى أن أهمية هذه المجموعة تتعلق بالدور الذي أدته كمنصة للتنسيق داخل البنية الرقمية للحملة.

    ووفقا للتقرير، بلغت الحملة الرقمية ذروتها يومي 29 و30 يوليوز، إذ شهدت المنصات الرقمية تصاعدا ملحوظا في وتيرة المنشورات، بالتزامن مع تداول تعليمات أكثر تحديدا بشأن الجداول الزمنية، ونقاط التجمع، والمعدات الموصى بها، وظروف السفر.

    وفي الوقت نفسه، نشرت حسابات مختلفة مقاطع فيديو تُظهر رحلات باتجاه الفنيدق، فيما تداولت حسابات أخرى صورًا للمنطقة الحدودية ورسائل هدفت إلى الحفاظ على زخم التعبئة.

    وكشف التقرير أن الحملة بلغت ذروة تأثيرها الميداني خلال الساعات الأولى من صباح يومي 30 و31 يوليوز، مع محاولة جماعية لدخول الأراضي الإسبانية عبر سبتة المحتلة.

    ومع انطلاق الأحداث على أرض الواقع، شهد النشاط الرقمي تحولا في طبيعته؛ إذ لم تعد المنشورات تقتصر على الدعوة إلى العبور أو الاستعداد له، بل اتجهت إلى نقل صور ومقاطع من الميدان، وتداول معلومات حول استجابة السلطات، إلى جانب نشر توصيات للموجودين في المنطقة ورسائل تتعلق بمسارات دخول بديلة محتملة.

    وأبرز التقرير أن المرحلة الأخيرة، الممتدة من 31 يوليوز إلى 2 غشت، اتسمت باستجابة مؤسساتية هدفت إلى الحد من استمرار الحملة الرقمية، وشملت إغلاق عدد من المجموعات العامة التي استُخدمت في تنسيق التعبئة، إلى جانب تعزيز أنشطة الرصد عبر الإنترنت وعند المعابر الحدودية.

    وفي المقابل، لفت “شيما جيل” في تقريره إلى أن هذه الإجراءات لم توقف تداول المحتوى بشكل كامل، إذ استمر انتشاره عبر حسابات مؤقتة، ومجتمعات رقمية جديدة، وقنوات بديلة، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، قدرة هذه الشبكات على التكيف السريع، ويبرز أهمية الرصد المستمر لمثل هذه الظواهر.

    تعزيز الأمن الرقمي لمواجهة الهجرة غير النظامية

    أصبح الفضاء الرقمي أحد الأبعاد الأساسية في فهم الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية، بعدما تجاوز دوره نقل المعلومات إلى التأثير في تشكيل الروايات وتداولها وأنماط التعبئة.

    وتكشف التطورات التي رافقت أحداث سبتة أن الظواهر المرتبطة بالهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على تأمين الحدود أو مواجهة شبكات التهريب، بل أصبحت تشمل أيضا فهم الفضاء الرقمي الذي تتشكل داخله الروايات الداعية إلى الهجرة غير النظامية، وتنتشر عبره المعلومات، وتتبلور من خلاله ديناميات التعبئة.

    وفي هذا السياق، يخلص التقرير الاستخباراتي إلى أن ما شهدته سبتة المحتلة لا يمكن تفسيره من منظور الحدود المادية وحده، بل يبرز الدور الذي اضطلع به البعد الرقمي في التأثير على مسار الأحداث، بما يجعل فهم هذا المكون المعلوماتي ضرورة لتوقع تحليل الظواهر ذات الخصائص المماثلة.

    ويرى الهزاز أن مواجهة هذا النوع من الحملات تستدعي الانتقال من منطق المراقبة الشاملة إلى مقاربة تقوم على الرصد الذكي للمخاطر، موضحا أن ذلك يمر عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط السلوكية، والاستفادة من تحليل البيانات المفتوحة (OSINT) بدل اللجوء إلى أساليب التجسس المباشر، أي مراقبة ما هو متاح للجميع، مع وضع إطار قانوني واضح يحدد ضوابط التدخل ويخضع للرقابة القضائية، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المنصات الرقمية “Telegram” و”Meta” و”whatsapp”، للحد من المحتوى التحريضي والشبكات المنظمة، وإشراك المجتمع المدني في جهود التوعية.

    وتبرز هذه المقاربة أن حماية الحدود لم تعد تنفصل عن حماية الفضاء الرقمي، وأن الحد من مخاطر الهجرة غير النظامية يقتضي بناء وعي رقمي، ورصدا مبكرا للمحتوى المضلل، وتعاونا بين المؤسسات العمومية والمنصات الرقمية والمجتمع المدني.

  • عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    بعد مرور 25 سنة على خطاب أجدير، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النهوض بالأمازيغية، راكم المغرب سلسلة من المكتسبات الدستورية والمؤسساتية، نقلت هذا الورش من دائرة المطالب الثقافية إلى صلب السياسات العمومية.

    وتعزز حضور “تيفيناغ” بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودسترة الأمازيغية لغة رسمية، ثم ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية، في إطار رؤية ملكية تقوم على صيانة التعدد الثقافي وترسيخ الوحدة الوطنية.

    وفي هذا الحوار، يقدم عبدالله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة قراءة في أبرز التحولات التي شهدها هذا المسار، ويستعرض أهم المنجزات التي تحققت خلال ربع قرن، كما يتوقف عند التحديات المرتبطة باستكمال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في مختلف المرافق والقطاعات.

    لقد شكل خطاب أجدير (2001) منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”. فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”. وقد مكن هذا المسار الأمازيغية من تبوّء مكانتها كـ”رصيد مشترك” لكل المغاربة، وهو ما توج بدمج “الزمن الأمازيغي” ضمن الذاكرة الوطنية بقرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية سنة 2023، مؤكداً بذلك أن التعدد الثقافي ليس عائقاً أمام الوحدة، بل جزء أصيل منها.

    وقد أحدث الاعتراف الدستوري لسنة 2011 تحولاً جذرياً في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحوراً حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها. فمن خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16. لقد وضع الدستور حداً قانونياً لمرحلة التجاهل، وجعل من الأمازيغية مكوناً بنيويًا في الشخصية المغربية، مما نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    ومع ذلك، تظل هناك مفارقة جوهرية بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الواقع الميداني؛ إذ تؤكد التحليلات أن المكاسب القانونية لا تتحول تلقائياً إلى إنصاف فعلي ما لم تكن مصحوبة بإرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فرغم التوسع الكمي في التعليم والانتشار البصري في الإدارة، لا تزال الأمازيغية تواجه تحديات حقيقية في “التنزيل الوظيفي”. وتظل الفجوة قائمة في مجالات التعليم، والإدارة، والقضاء، والإعلام، مما يجعل “العدالة اللغوية” ورشاً مفتوحاً يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطن.

    أسهمت التوجيهات الملكية منذ خطاب أجدير (2001) بشكل حاسم في إخراج القضية الأمازيغية من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”، مما ساهم في إعادة تعريف الهوية الوطنية لتصبح قائمة على التعدد والتنوع. يمكن تلخيص مدى هذا الإسهام وتأثيره في النقاط التالية:

    • الانتقال منالمطالبة الهامشيةإلىالالتزام المؤسساتي، بحيث شكل خطاب 20 غشت 1994 “انفراجاً رمزياً” وبداية الإعلان عن العناية بالأمازيغية، إلا أن خطاب أجدير (2001) مثل المنعطف الحاسم الذي أرسى “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. هذا التوجه أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حداً للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني.
    • تغيير مركز الثقل في الهوية الوطنية، إذ ساهمت هذه التوجيهات في تكريس الأمازيغية كمكون بنيوي في الشخصية المغربية، وليس مجرد “زينة تراثية” أو “فولكلور” يُستدعى في المناسبات. هذا التراكم أدى إلى ترسيمها لغة رسمية في دستور 2011، وهو ما نقل النقاش من دائرة “هل الأمازيغية مستحقة للترسيم” إلى دائرة “كيفية التفعيل”.
    • الاعتراف بالذاكرة والزمن الأمازيغي من خلال قرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية (2023)، الذي جاء ليعزز هذا المسار، حيث دمج “الزمن الأمازيغي” ضمن “الزمن الوطني”، مؤكداً أن التعدد ليس عائقاً أمام الوحدة، بل هو جزء أصيل منها.
    • منالخطابإلىالتزام السياسات العمومية، فالتوجيهات الملكية فرضت على الدولة الانتقال من الاعتراف اللفظي إلى الالتزام القانوني والمالي. فقد صار تفعيل الأمازيغية يتطلب تخطيطاً، وميزانيات، وتقييماً، وهو ما تجسد في إصدار القانون التنظيمي 26.16 (2019) والاعتمادات المالية المخصصة لتفعيله في قطاعات التعليم، الإدارة، والقضاء.

    بالرغم من هذا الأثر المؤسساتي الواضح، تؤكد التحليلات أن “الاعتراف الرسمي”، مهما علا شأنه، لا يتحول تلقائياً إلى “إنصاف فعلي” ما لم يواكب ذلك إرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فالمفارقة لا تزال قائمة بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الفجوة التي تعاني منها الأمازيغية في “الحياة اليومية للمواطن” (كالمدرسة، والإدارة، والقضاء، والإعلام).

    غير الاعتراف الدستوري سنة 2011 طبيعة الترافع الأمازيغي ومسار النهوض بها بشكل جذري، حيث شكل منعطفاً انتقالياً بتغيير مركز الثقل في النقاش؛ نقل النقاش من دائرة “المطالبة بالاعتراف بوجود الأمازيغية أو استحقاقها له” إلى دائرة “كيفية تفعيل رسميتها”.

    كما تم تأسيس مرجعية قانونية ملزمة، إذ تحولت الأمازيغية من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى “التزام دستوري” صريح بموجب الفصل الخامس، مما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية تتعلق بالتخطيط، والميزانية، والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16.

    وتم أيضا وضع حد قانوني لمرحلة الإنكار، بحيث أرسى الدستور حداً لمرحلة “التجاهل والإقصاء” التي ميزت التعامل السابق مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، مما فرض على السياسات العمومية التعامل معها كمكون بنيوي في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    أيضا هناك تحدي “الاعتراف الرمزي”، إذ حملت صياغة الفصل الخامس من الدستور قوة الاعتراف، لكنها أحالت التفعيل على قانون تنظيمي، وهو ما أطلق معركة مدنية لمنع تحويل هذا الاعتراف إلى “احتفال رمزي” أو أداة لتأجيل المساواة. فقد كشف تأخر صدور القانون التنظيمي (من 2011 إلى 2019) أن الترسيم الدستوري، رغم أهميته، لا يحمي نفسه بنفسه ولا يضمن التنفيذ دون إرادة سياسية موازية لقوة النص.

    بناءً على المعطيات المتوفرة لدينا والتي تم رصدها خلال العقود الاخيرة، يمكن تلخيص مظاهر حضور الأمازيغية اليوم في هذه القطاعات مقارنة بما قبل خطاب أجدير، مع الإشارة إلى الفجوة بين “الحضور الرمزي/البصري” و”الحضور الوظيفي”.

    على مستوى التعليم، انتقل الوضع من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32% من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16,530 قسماً.

    ورغم هذا التوسع، لا تزال هناك تحديات بنيوية تتعلق بالجودة البيداغوجية، واستمرار صيغة “الأستاذ المزدوج”، والبطء في التعميم الأفقي والعمودي (في مستويات الإعدادي والثانوي).

    وفيما يرتبط بالإدارة، تحول المشهد من الغياب الكلي إلى “حضور بصري” (مثل لوحات التشوير واللافتات). إلا أن هذا الحضور يفتقر إلى “الخدمة الوظيفية”، إذ لا تزال الإدارة تعاني من نقص في الموظفين الناطقين بالأمازيغية، وضعف في توفير الوثائق الإدارية والخدمات الرقمية باللغة الأمازيغية.

    أما على مستوى القضاء، يظل الحضور “ضعيفاً جداً” مقارنة بالمأمول، لأن المتقاضين يعانون من غياب مأسسة الترجمة والوساطة اللغوية المهنية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على شروط المحاكمة العادلة وضمان حق الفهم والولوج إلى العدالة.

    أما في الإعلام، فقد تجسد الحضور في إطلاق قناة “تمازيغت” (2010)، والتي تعد أداة للتمثيل والاعتراف.

    ومع ذلك، تظل التحديات قائمة في ضرورة “التعميم الأفقي” للأمازيغية داخل كافة أقطاب الإعلام العمومي، وتطوير مضامين تفاعلية رقمية تتجاوز منطق النافذة الإعلامية المعزولة.

    وخلاصة القول، نحن اليوم في منطقة وسطى؛ فقد قطعنا مسافة معتبرة في “النص والقانون”، لكن التحدي الكبير يكمن في الانتقال من “الأمازيغية البصرية” التي نراها في الواجهات، إلى “الأمازيغية الوظيفية” التي يلمسها المواطن في قضاء مآربه اليومية، وهو ورشٌ مفتوح يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية.

  • الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية.. رهان مغربي لتحويل الدعم إلى التزام دائم

    الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية.. رهان مغربي لتحويل الدعم إلى التزام دائم

    لم يعد مؤشر التقدّم في ملف الصحراء المغربية يُقاس كما كان الحال في السابق، بعدد البلاغات الرسمية المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، أو بمواقف العواصم الأجنبية داخل المحافل الدولية، فمنذ سنوات قليلة، برز مؤشر أكثر دلالة وأعمق أثرا بتمثل في تحوّل عدد من الدول الداعمة للموقف المغربي من موقف التصريح السياسي إلى فعل الحضور الاقتصادي، عبر خطوط تمويل مباشرة وزيارات متكررة لوفود اقتصادية ومشاريع في قطاع الطاقة واتفاقيات استثمار وتعاون تُوقَّع هذه المرة على أرض الأقاليم الجنوبية نفسها.

    القراءة الدبلوماسية لهذا التحوّل تكشف عن معادلة مغربية واضحة، مفادها أنه لا استبدال للسياسي بالاقتصادي بل ربط محسوب بين الاثنين، فالمنطق الذي يحكم هذا التوجّه بسيط في ظاهره الاستثمارات الضخمة والشراكات الممتدة على مدى سنوات تُنتج مصالح متبادلة يصعب التراجع عنها، بخلاف البلاغات السياسية التي تبقى، وإن كانت مهمة رهينة بالسياق وبموازين القوى اللحظية. من هنا، ينتقل الرهان المغربي، خطوة بخطوة، من هدف توسيع دائرة الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي، إلى هدف أكثر عملية هو دفع هذه الدول الشريكة إلى إدراج الأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن خرائطها الاستثمارية والاقتصادية الفعلية، لا الرمزية فقط.

    وما يفسّر هذا المنعطف هو تغير لافت في عقيدة تدبير الملف برمّته. فبعد عقد كامل كرّسه المغرب للدفاع عن مغربية الصحراء وكسب المعارك الدبلوماسية واحدة تلو الأخرى، جاء الوقت لتثبيت هذه المكاسب بمشاريع قائمة وملموسة على الأرض، وهذا ما يفسّر وتيرة تهيئة الأقاليم الجنوبية بمشاريع استراتيجية كبرى تهم مختلف القطاعات بما فيها الموانئ الكبرى، وشبكات طرقية، ومحطات للطاقة المتجددة، ومناطق صناعية ولوجيستية، تحوّل الاعتراف الدبلوماسي بمرور الوقت إلى شراكة اقتصادية يصعب فكّ عقدها.

    من مبادرة الحكم الذاتي إلى توسيع دائرة الدعم

    قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007، معتزما منح سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم المحلية، عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية منتخبة تحت السيادة الترابية للمملكة.

    ومنذ ذلك التاريخ، شكل توسيع دائرة التأييد الدولي للمبادرة أحد المحاور الأساسية للدبلوماسية المغربية، لكن التحول الأكبر بدأ يظهر بصورة أوضح منذ نهاية سنة 2020، عندما أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وبعد ذلك توالت مواقف دول وازنة.

    وفي مارس 2022، أعلنت إسبانيا تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي معتبرة إياها بمثابة “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف”، قبل أن تؤكد فرنسا من جانبها في يوليوز 2024 أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الإطار الذي ينبغي أن تتم في ظله تسوية الملف، وهو موقف الدولة ذاته الذي جدد تأكيده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموقف نفسه أمام البرلمان المغربي في أكتوبر 2024.

    وفي يونيو 2025، أعلنت المملكة المتحدة بدورها أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق للتوصل إلى حل دائم للنزاع، في تحول مهم بالنظر إلى عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وثقلها الاقتصادي والدبلوماسي، لكن البيان البريطاني لم يتوقف عند الجانب السياسي، بل أدرج أيضا إمكانية دعم مشاريع اقتصادية داخل الأقاليم الجنوبية.

    وبحسب الأرقام التي قدمها المغرب داخل الأمم المتحدة، تحظى مبادرة الحكم الذاتي بدعم أكثر من 118 دولة من مختلف مناطق العالم، من بينها ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ما يعكس اتساعا متواصلا في دائرة التأييد الدولي للمقترح المغربي، وترسخ القناعة بواقعيته وجديته ومصداقيته باعتباره الأساس الأكثر قابلية للتطبيق من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

    ويؤكد هذا الزخم الدبلوماسي نجاح المغرب في الدفاع عن حقوقه المشروعة، وترسيخ حقيقة أن الصحراء مغربية، في إطار وحدة وطنية وسيادة غير قابلتين للمساومة.

    وإلى جانب هذا الدعم، افتتحت أكثر من 30 دولة قنصليات عامة في الأقاليم الجنوبية، وهو الواقع الذي تنظر إليه الرباط بوصفها تعبيرا سياسيا عمليا يتجاوز البيانات، لأنها تمنح الدول المعنية حضورا دبلوماسيا دائما داخل المنطقة.

    وفي 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، بعدما أكد أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الحل الأكثر جدوى وواقعية وقابلية للتطبيق، وجعلها الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه المسار السياسي والمفاوضات المستقبلية. ويعكس هذا القرار التحول الذي عرفه التعاطي الأممي مع القضية، حيث باتت مبادرة الحكم الذاتي تشكل المرجعية الأكثر حضورا داخل الأمم المتحدة، بما يعزز الموقف المغربي ويكرس سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، لكن بالنسبة إلى المغرب، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الدعم يطرح سؤال المرحلة المقبلة: ماذا بعد الاعترافات والمواقف السياسية؟

    من تجميع المواقف إلى بناء المصالح

    يبدو أن الإجابة المغربية بدأت تتشكل من خلال دفع الدول الداعمة إلى ترجمة مواقفها إلى شراكات اقتصادية، فافتتاح قنصلية في العيون أو الداخلة يحمل قيمة رمزية وسياسية، لكن دخول شركة أجنبية للاستثمار في الطاقة أو اللوجستيك أو تحلية مياه البحر ينقل العلاقة إلى مستوى آخر، لأن المشروع يخلق وظائف وعقودا والتزامات مالية ومصالح ممتدة في الزمن.

    وتقوم هذه المقاربة على فكرة أساسية مفادها أن تثبيت الموقف السياسي يحتاج إلى قاعدة من المصالح المشتركة، فكلما أصبحت شركات ومؤسسات مالية دولية مرتبطة بمشاريع داخل الأقاليم الجنوبية، تحول وجودها إلى عامل إضافي في إدماج المنطقة ضمن العلاقات الاقتصادية العادية للمغرب مع شركائه.

    ويثير هذا التحول تساؤلات حول الأبعاد الاستراتيجية لانتقال المغرب من التركيز على كسب الدعم السياسي إلى ترسيخه عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية، وما إذا كان هذا التوجه يؤشر على مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، يرى البشير الخريف، المحلل السياسي المتخصص في قضية الصحراء المغربية، في تصريح لـ”AM+ MEDIA”، أن السياسة الخارجية للمغرب شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملموسا، انتقلت معه من مرحلة حشد الدعم الدبلوماسي وتعزيز الثقة في شرعية الموقف المغربي، إلى مرحلة ترسيخ هذا الدعم من خلال شراكات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، خصوصا في الأقاليم الجنوبية.

    وأوضح الخريف أن المرحلة الأولى من هذا المسار تميزت بعدد من المحطات الدبلوماسية الحاسمة، من بينها عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وتزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، إلى جانب افتتاح أكثر من 31 قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، فضلا عن تعزيز الانفتاح على الدول الإفريقية وتوسيع شبكة الشراكات السياسية والاقتصادية مع عدد من الفاعلين الدوليين.

    وأضاف أن المغرب انتقل، في مرحلة لاحقة، إلى العمل على تحويل هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي إلى مصالح اقتصادية ملموسة، انطلاقا من قناعة مفادها أن العلاقات بين الدول تصبح أكثر استدامة عندما تقوم على منافع متبادلة تشمل الاستثمار، والتبادل التجاري، والبنيات التحتية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعاون السياسي.

    وأشار إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الرهان المغربي على تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، من خلال إطلاق مشاريع كبرى، من بينها الطريق السريع تزنيت-الداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب توسيع العرض الجامعي، وتقوية الخدمات الأساسية، وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة، بما يترجم التوجيهات الملكية التي تجعل الإنسان في صلب أي سياسة تنموية، معتبرا أن إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 من مدينة العيون شكل محطة أساسية في هذا المسار.

    وسجل الخريف أن توجيه الاستثمارات نحو الأقاليم الجنوبية، واستقطاب شركاء دوليين للمشاركة في مشاريع تنموية واقتصادية، لا يقتصر أثره على الجانب المالي أو التجاري، بل يسهم أيضا في تعزيز الارتباط العملي بهذه المناطق، ويمنح العلاقات الدبلوماسية بعدا اقتصاديا أكثر رسوخا واستمرارية.

    وبخصوص ما إذا كانت المصالح الاقتصادية طويلة الأمد قادرة على جعل الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي أكثر ثباتا، أوضح أن تشابك المصالح الاقتصادية يمكن أن يسهم في استقرار مواقف الدول، لأن الحكومات تأخذ بعين الاعتبار مصالح شركاتها واستثماراتها وشبكاتها التجارية عند صياغة سياساتها الخارجية.

    غير أنه شدد على أن العامل الاقتصادي، رغم أهميته، لا يمكنه وحده أن يحسم المواقف الدولية، باعتبار أن السياسة الخارجية تظل نتاجا لتفاعل عدة عناصر، من بينها الاعتبارات القانونية، والتحالفات الإقليمية والدولية، والرهانات الأمنية، فضلا عن التحولات السياسية الداخلية التي تعرفها كل دولة.

    وأكد أن هذه المقاربة تنسجم مع مبدأ “رابح – رابح” الذي شدد عليه الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، والذي يقوم على بناء شراكات تحقق منفعة متبادلة لجميع الأطراف، بعيدا عن منطق الربح الأحادي أو العلاقة غير المتوازنة، وبما يضمن استدامة التعاون الاقتصادي والسياسي.

    وخلص البشير الخريف إلى أن الدعم السياسي المعزز بمصالح اقتصادية ملموسة يكون، في الغالب، أكثر قابلية للاستمرار من الدعم القائم على الاعتبارات السياسية وحدها، غير أن استدامته تظل مرتبطة بقدرة هذه الشراكات على تحقيق نتائج فعلية ومنافع مشتركة، وبمدى انسجامها مع أولويات الدول المعنية والتحولات التي تعرفها البيئة الإقليمية والدولية.

    وفي هذا السياق، تشكل المملكة المتحدة نموذجا للتحول الذي يشهده تعامل الدول الداعمة للمغرب مع ملف الصحراء، حيث لم يعد الدعم يقتصر على المواقف السياسية، بل أصبح يقترن بإرادة لتطوير التعاون الاقتصادي وفتح آفاق استثمارية، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر عمقا واستدامة.

    بريطانيا.. الموقف السياسي يفتح باب التمويل

    وفي هذا الباب، يقدم الموقف البريطاني مثالا واضحا على الربط بين السياسة والاقتصاد. ففي البلاغ المشترك الصادر في فاتح يونيو 2025، لم تكتف لندن باعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق، بل أكدت أيضا أن هيئة تمويل الصادرات البريطانية توفر قدرة تمويلية تصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم أعمال ومشاريع جديدة بالمغرب.

    والأهم أن البلاغ أوضح أن المملكة المتحدة يمكنها النظر في دعم مشاريع داخل الصحراء، شريطة استيفائهم متطلبات التحقق والدراسة المعتمدة لدى هيئة تمويل الصادرات.

    ويكتسي الإعلان البريطاني أهمية سياسية واقتصادية خاصة، بعدما أتاح غلافا تمويليا يصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني لدعم مشاريع بالمغرب، بما يشمل الأقاليم الجنوبية. ويعكس هذا التوجه انتقال الموقف البريطاني من دعم المبادرة المغربية على المستوى السياسي إلى فتح المجال أمام تمويل أنشطة اقتصادية واستثمارات داخل المنطقة، في خطوة تؤكد تزايد الثقة الدولية في استقرار الأقاليم الجنوبية ومؤهلاتها التنموية.

    وجاء هذا الموقف في سياق التطور المتواصل للعلاقات الاقتصادية بين المغرب والمملكة المتحدة، إذ بلغت قيمة المبادلات التجارية في السلع والخدمات بين البلدين 4.7 مليارات جنيه إسترليني خلال الأرباع الأربعة المنتهية في نهاية سنة 2025، بزيادة بلغت 10.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.

    ومن شأن توجيه جزء من هذا الغلاف التمويلي نحو مشاريع بالأقاليم الجنوبية أن يعزز حضور الاستثمارات البريطانية في المنطقة، ويقدم نموذجا عمليا لتحويل الدعم السياسي للمبادرة المغربية إلى شراكات اقتصادية ومصالح طويلة الأمد، بما يرسخ مكانة الأقاليم الجنوبية داخل العلاقات الاقتصادية للمغرب مع شركائه الدوليين.

    فرنسا.. من تعديل الموقف إلى الحضور في الجنوب 

    ومثّل الاعتراف الفرنسي، المعلن في يوليوز 2024، بأن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الرباط وباريس. فقد أنهى سنوات من الفتور السياسي، وفتح صفحة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، تجلت ملامحها بوضوح خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.

    ولم يبق هذا التحول محصورا في الخطاب السياسي، ففي ماي 2025، قام المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية بزيارة جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب، في خطوة عكست توجها فرنسيا نحو إدراج الأقاليم الجنوبية ضمن مجالات تدخل الوكالة وتعاونها مع المغرب.

    وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من كون الوكالة الفرنسية للتنمية مؤسسة مالية عمومية، ما يعني أن حضورها يمكن أن يفتح المجال أمام تمويل مشاريع مرتبطة بالماء والطاقة والبنيات الأساسية والتكوين والتنمية المحلية.

    كما بدأت شركات فرنسية تبدي اهتماما بمشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر في جنوب المملكة، مستفيدة من المؤهلات الطبيعية للمنطقة، خصوصا المساحات الواسعة، وقوة الرياح، وارتفاع معدل الإشعاع الشمسي، والقرب من المحيط الأطلسي.

    بنية تحتية سبقت وصول المستثمرين

    لم ينتظر المغرب تغير مواقف شركائه الدوليين ليبدأ تجهيز الأقاليم الجنوبية، إذ في نونبر 2015، أطلق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بغلاف مالي تجاوز 77 مليار درهم، بهدف خلق دينامية اقتصادية واجتماعية جديدة، وتطوير البنيات الأساسية، وتهيئة مناخ الاستثمار، وخلق فرص الشغل.

    ويضم البرنامج مشاريع في مجالات الطرق والموانئ والماء والطاقة والصيد البحري والصناعة والتكوين والخدمات الاجتماعية، وقد ارتفعت كلفته لاحقا مع توسيع بعض المشاريع وإضافة أوراش جديدة.

    ولا تنفصل هذه المشاريع عن تصور سياسي أشمل، إذ جرى الربط في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء سنة 2015، بين التنمية، والرؤية المستقبلية للأقاليم الجنوبية، وتمكين السكان من تدبير شؤونهم في إطار الجهوية المتقدمة، وتحويل الصحراء إلى مركز للتبادل والربط مع إفريقيا جنوب الصحراء.

    بذلك، لا تبدو البنية التحتية مجرد استجابة لحاجيات محلية، بل جزءا من إعداد المنطقة لتصبح قادرة على ممارسة أدوار اقتصادية أوسع، بما يتلاءم مع التصور المغربي للحكم الذاتي بوصفه نموذجا لتدبير جهوي موسع داخل الدولة.

    ميناء الداخلة الأطلسي.. بوابة اقتصادية نحو إفريقيا

    يتصدر ميناء الداخلة الأطلسي قائمة المشاريع الكبرى التي يراهن عليها المغرب لتغيير الوظيفة الاقتصادية للأقاليم الجنوبية، فالميناء لا يستهدف فقط تحسين أنشطة الصيد البحري أو تلبية الحاجيات التجارية المحلية، بل صُمم ليكون منصة صناعية ولوجستية مرتبطة بالأسواق الإفريقية والدولية.

    ويندرج المشروع ضمن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، إلى جانب الطريق السريع تزنيت-الداخلة، ومحطات تحلية مياه البحر، والمناطق الصناعية، ومشاريع إنتاج الطاقة الشمسية والريحية.

    وتنبع الأهمية الاستراتيجية للميناء من موقع الداخلة على الساحل الأطلسي، وقربها من موريتانيا وبلدان غرب إفريقيا. فعند اكتمال المشروع ودخوله مرحلة الاستغلال، ينتظر أن يساهم في خفض تكاليف نقل السلع، وتطوير الصادرات، وجذب الصناعات المرتبطة بالصيد البحري والطاقات المتجددة والتحويل الغذائي والخدمات اللوجستية.

    كما يكتسب الميناء بعدا إضافيا في ضوء المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، فالمغرب يسعى إلى تحويل واجهته الجنوبية إلى نقطة عبور تربط دولا غير ساحلية بالموانئ والأسواق العالمية، وهو ما يجعل الداخلة جزءا من تصور إقليمي يتجاوز حدود التنمية المحلية.

    وفي حال نجاح هذا الربط، لن تبقى الداخلة مجرد مدينة تستقبل مشاريع عمومية، بل يمكن أن تتحول إلى مركز لتجميع السلع والخدمات والطاقة، وإلى محطة لتجارة عابرة للحدود، ما سيرفع جاذبيتها أمام المستثمرين الأجانب.

    الطريق السريع والطاقة.. تجهيز المجال للاستثمار

    إلى جانب الميناء، يشكل الطريق السريع تزنيت-الداخلة أحد أعمدة الربط بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، فالمشروع يمتد على مسافة تناهز ألف كيلومتر، ويهدف إلى تحسين شروط السلامة، وتقليص مدة التنقل، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع نحو الداخلة والمعبر الحدودي الكركرات.

    تكمن قيمة هذا المشروع في أنه يقلص المسافة الاقتصادية، لا الجغرافية فقط، فالمستثمر الذي يفكر في إنشاء وحدة إنتاجية يحتاج إلى طريق قادر على نقل المواد الأولية والمنتجات، وإلى ميناء يسمح بالتصدير، وإلى مصادر مستقرة للطاقة والماء، لذلك تتكامل مشاريع الطرق والموانئ والطاقة والتحلية في بناء عرض استثماري واحد.

    وفي مجال الطاقة، تتوفر الأقاليم الجنوبية على مؤهلات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، وقد دخلت مشاريع عدة مرحلة الاستغلال، من بينها محطات شمسية وريحية بالعيون وبوجدور وطرفاية، في وقت يتوسع فيه الاهتمام بمشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا والوقود الاصطناعي.

    وتمنح هذه المؤهلات المنطقة فرصة لاستقطاب الصناعات التي تبحث عن طاقة نظيفة ومنخفضة الكلفة، خصوصا مع اتجاه الأسواق الأوروبية إلى فرض شروط بيئية أكثر صرامة على الواردات والمنتجات الصناعية.

    لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل رهينة بربط مشاريع الطاقة بالنسيج الاقتصادي المحلي، حتى لا تتحول الأقاليم الجنوبية إلى مجرد فضاء لإنتاج الكهرباء أو الهيدروجين الأخضر الموجه للتصدير، دون انعكاس ملموس على التشغيل والمقاولات المحلية. كما أن تحويل مؤهلات المنطقة في مجال الطاقات المتجددة إلى استثمارات صناعية واسعة يتطلب بنية تحتية ولوجستية قادرة على خفض كلفة الإنتاج والنقل، وربط المنطقة بالأسواق الإقليمية والدولية.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي في تصريح له لمنصة AM+ MEDIA أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء، تقوم على الانتقال من دبلوماسية الدفاع عن الموقف إلى دبلوماسية المصالح الموطنة، أي من بناء تحالفات قائمة على المواقف السياسية إلى ترسيخ شراكات تقوم على الاستثمارات والعقود وسلاسل التوريد والمصالح الاقتصادية طويلة الأمد.

    ويوضح أن ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت-الداخلة لا يمثلان مجرد مشاريع للبنية التحتية، بل يعيدان رسم الموقع الاقتصادي للأقاليم الجنوبية، بعدما أصبحت مرشحة للتحول إلى منصة لوجستية تربط المغرب بالمحيط الأطلسي وموريتانيا ودول الساحل وغرب إفريقيا.

    فالطريق، وفق المحلل الاقتصادي، يقلص كلفة النقل ويرفع موثوقية الربط اللوجستي، فيما يوفر الميناء قاعدة للتصنيع والتصدير والخدمات البحرية، بما يفتح المجال أمام تطوير الصناعات السمكية والغذائية، وسلاسل التبريد، وإصلاح السفن، ومشاريع الطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية.

    ويعتبر أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى بعد جيوسياسي، إذ تسهم في تحويل الأقاليم الجنوبية من ملف يهيمن عليه النقاش الدبلوماسي إلى فضاء تتشكل داخله مصالح اقتصادية دولية، بما يجعل ارتباط الشركاء بالمغرب قائما أيضا على استثمارات وتدفقات تجارية ومصالح طويلة الأمد.

    وبخصوص قدرة المنطقة على استقطاب الصناعات الأجنبية الكبرى، يؤكد سامي أن الداخلة باتت تمتلك قاعدة استثمارية واعدة، بفضل الطريق السريع، وميناء الداخلة الأطلسي، والوعاء العقاري، ومؤهلات الطاقة الشمسية والريحية، ومشاريع تحلية المياه، والمنطقة الصناعية واللوجستية، إلى جانب مدينة المهن والكفاءات، وهي عناصر من شأنها أن تؤسس لمنظومة صناعية متكاملة.

    ويضيف أن المستثمر لم يعد ينظر إلى الداخلة كسوق محلية محدودة، بل كبوابة أطلسية تربط بين العمق الوطني، والامتداد الإفريقي عبر موريتانيا ودول الساحل، والأسواق الأطلسية نحو أوروبا والأمريكيتين وغرب إفريقيا، وهو ما يعزز جاذبية المنطقة للمشاريع الصناعية والتصديرية.

    كما أكد سامي أن نجاح ميناء الداخلة الأطلسي لن يقاس بحجم حركة السفن فقط، بل بقدرته على خلق صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة، تشمل تثمين المنتجات البحرية، وصناعة الأعلاف والزيوت والمشتقات الغذائية، وبناء وإصلاح السفن، ووحدات التلفيف والتبريد والتخزين، وإنتاج مشتقات الطاقة الخضراء، إضافة إلى خدمات النقل البحري والمناولة والصيانة، مشددا على أن الرهان الحقيقي يكمن في إعطاء الأولوية للمشاريع التي تخلق فرص الشغل، وتنقل التكنولوجيا، وترفع القيمة المضافة المحلية، بدل الاكتفاء بالأنشطة العقارية أو اللوجستية محدودة الأثر.

    الداخلة.. السينما العالمية تضيف بعدا جديدا لجاذبية الاستثمار

    لا تقتصر عوامل الجاذبية التي باتت تتمتع بها الداخلة على البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى، بل امتدت أيضا إلى المجالين الثقافي والسينمائي، بما يعزز حضور المدينة على الساحة الدولية.

    وخلال السنوات الأخيرة، استقطبت الداخلة عددا من الإنتاجات السينمائية العالمية، كان  آخرها اختيارها لتصوير فيلم “The Odyssey”للمخرج العالمي كريستوفر نولان، في خطوة تعكس ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية ولوجستية تؤهلها لاستقبال إنتاجات دولية كبرى.

    ويعكس هذا الإقبال المتزايد على الداخلة تنوع المقومات التي تستند إليها الأقاليم الجنوبية في تعزيز جاذبيتها، حيث باتت القوة الناعمة، إلى جانب الاستثمار والسياحة والبنيات الأساسية، تسهم في ترسيخ مكانة المنطقة ضمن خريطة الوجهات الدولية، وتواكب الزخم المتصاعد نحو تكريس الإجماع الدولي على مغربية الصحراء.

    تنزيل الحكم الذاتي يحتاج إلى قاعدة اقتصادية

    يرتبط الحديث عن الحكم الذاتي غالبا بالجوانب السياسية والقانونية، وبشكل المؤسسات التي ستدبر الأقاليم الجنوبية، وصلاحيات البرلمان والحكومة، والعلاقة بينهما وبين الدولة المركزية.

    لكن تنزيل هذا التصور يحتاج أيضا إلى قاعدة اقتصادية، فالمؤسسات المنتخبة لا تستطيع ممارسة صلاحيات واسعة من دون موارد مالية، واقتصاد منتج، ومقاولات محلية، وبنيات تحتية، وقدرة على جلب الاستثمار وتحصيل المداخيل.

    من هذه الزاوية، يمكن قراءة المشاريع المنجزة منذ سنة 2015 باعتبارها إعدادا للشروط المادية التي قد يحتاج إليها نموذج الحكم الذاتي مستقبلا، فالجهة التي تتوفر على ميناء دولي، وشبكة طرق، ومشاريع طاقة، ومناطق صناعية، وموارد بشرية مؤهلة، تصبح أكثر قدرة على تدبير اختصاصاتها الاقتصادية والاجتماعية.

    ولا يعني ذلك أن جميع المشاريع مرتبطة مباشرة بجدول سياسي معلن لتنزيل الحكم الذاتي، بل إن الاستثمار في التنمية يمنح المقترح المغربي قاعدة عملية، ويسمح للرباط بتقديم الأقاليم الجنوبية باعتبارها مجالا مستقرا وقابلا للاستثمار والاندماج في المبادلات الدولية.

    من الدبلوماسية الدفاعية إلى دبلوماسية المصالح

    تكشف التطورات الأخيرة أن المغرب يحاول تغيير طبيعة النقاش حول الصحراء، فبدلا من بقاء المنطقة موضوعا لنزاع سياسي يثار داخل الأمم المتحدة، يسعى إلى تقديمها فضاء للاستثمار والطاقة والتجارة والربط الإفريقي.

    وإذا كان العقدان الماضيان قد خصصا لتوسيع الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، فإن المرحلة الحالية تبدو متجهة نحو تحويل هذا الدعم إلى مصالح يصعب فصلها عن مستقبل المنطقة، فالدولة التي تمول ميناء أو محطة طاقة، والشركة التي توقع عقدا يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، والمؤسسة المالية التي ترتبط بمشروع داخل الداخلة أو العيون، تصبح جزءا من واقع اقتصادي جديد يتجاوز المواقف الدبلوماسية المجردة.

    وفي هذا الانتقال، تراهن الرباط على أن تتكامل المكاسب السياسية مع التحول التنموي، فعدد الدول الداعمة والقنصليات المفتوحة يمنح الموقف المغربي زخما دبلوماسيا، بينما تمنح الطرق والموانئ والطاقة والاستثمارات هذا الزخم امتدادا عمليا.

  • بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    شهدت المنظومة الطاقية العالمية خلال السنوات الأخيرة واحدة من أعنف الأزمات منذ عقود، في سياق دولي اتسم بتوالي الاضطرابات، بدءا من تداعيات جائحة كوفيد-19 سنة 2020 وما خلفته من اختلالات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وصولا إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط والغاز والفحم، وأعادت قضية الأمن الطاقي إلى صدارة أولويات الدول.

    وقد شكلت هذه التطورات ما يمكن وصفه بـ”صدمة الطاقة”، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على معدلات التضخم وأسعار المواد الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين عبر العالم.

    وعلى المستوى الوطني، فقد تزامنت هذه التطورات مع توقف العمل بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي سنة 2021، وهو ما وضع المغرب أمام تحديات إضافية مرتبطة بتأمين إمداداته من الغاز الطبيعي وتنويع مصادر التزود بالطاقة.

    وجاء ذلك في وقت كانت فيه المنظومة الطاقية الوطنية تواجه تحديات بنيوية مرتبطة بارتفاع التبعية الطاقية للخارج، التي ناهزت 88 في المئة من الحاجيات الطاقية، واستمرار الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، رغم التقدم المحرز منذ إطلاق الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009.

    وفي المقابل، راكمت المملكة خلال السنوات الماضية مؤهلات مهمة في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدة من إمكاناتها الكبيرة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، ومن مشاريع استراتيجية واعدة، من قبيل الهيدروجين الأخضر ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، بما يفتح آفاقا لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.

    وأمام مخاطر انتقال آثار صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي وما قد ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية، اختارت الدولة التدخل من خلال تعبئة موارد مالية استثنائية بلغت نحو 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

    وفي هذا السياق، يطرح حجم التدخل المالي الذي خصصته الدولة لمواجهة تداعيات الأزمة، والمقدر بحوالي 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين ما 2022 و2025، تساؤلات حول الكيفية التي تم بها توظيف هذه الاعتمادات لتفادي انتقال صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي، وما كان يمكن أن ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية.

    من تدبير الأزمة إلى تعزيز الأمن الطاقي

    فرضت التحولات التي عرفها قطاع الطاقة منذ سنة 2021 على المغرب تحديات مرتبطة بتأمين الإمدادات والتحكم في كلفة الطاقة، ما دفع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إلى تبني مقاربة تجمع بين التدخلات الآنية والإصلاحات الهيكلية، بهدف تعزيز صمود المنظومة الطاقية الوطنية والحد من تداعيات الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

    ومن بين أبرز التدابير التي اتخذها المغرب لمواجهة تداعيات الأزمة الطاقية، تفعيل آلية التدفق العكسي لأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، وذلك عقب توقف العمل به في اتجاهه التقليدي سنة 2021.

    وسمح هذا الإجراء بتغيير اتجاه نقل الغاز من إسبانيا نحو المغرب، وتمكين المملكة من استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، وضمان استمرارية تزويد محطتي تهدارت وعين بني مطهر بالغاز دون انقطاع.

    وفي هذا الصدد، أشار خبير الطاقات المتجددة محمد بوحاميدي إلى أن الدعم الذي خصصته الدولة خلال سنوات الأزمة كان ضروريا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحماية الأسر والمقاولات من الارتفاعات غير المسبوقة في أسعار الطاقة، غير أنه يؤكد أن الرهان على المدى البعيد يقتضي توجيه الجهود نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية باعتبارهما الحل المستدام لتقليص فاتورة الطاقة وتعزيز الأمن الطاقي.

    وبالتوازي مع جهود تعزيز الأمن الطاقي، عملت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على تسريع تحديث البنيات التحتية الكهربائية لمواكبة الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة ضمن المزيج الطاقي الوطني، باستثمار 2.5 مليار درهم في مشاريع نقل الكهرباء خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، مع برمجة استثمارات إضافية تناهز 30 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030.

    وفي سياق تعزيز قدرة الشبكة الوطنية على استيعاب الإنتاج المتزايد من الكهرباء المتجددة، أطلقت المملكة عددا من المشاريع الهيكلية، أبرزها مشروع خط الضغط العالي جدا الرابط بين الجنوب والوسط بقدرة تصل إلى 3 جيغاواط، والذي يهدف إلى نقل الطاقات المتجددة.

    وتمت برمجة إضافة قدرات إنتاجية جديدة تصل إلى 15.672 ميغاواط خلال الفترة ما بين 2025 و2030، إلى جانب إدماج حلول التخزين الطاقي عبر إنجاز محطة منزل للضخ والتخزين بقدرة 350 ميغاواط المرتقب دخولها الخدمة سنة 2029، فضلا عن برمجة بطاريات تخزين بقدرة إجمالية تصل إلى 1.500 ميغاواط، في خطوة تروم تعزيز استقرار المنظومة الكهربائية الوطنية وتدبير الطابع المتقطع للطاقات المتجددة.

    ويرى محمد بوحاميدي في هذا الإطار أن تطوير شبكات نقل الكهرباء وتعزيز قدرات التخزين وتشجيع التصنيع المحلي لمعدات الطاقات المتجددة، إلى جانب تسريع برامج النجاعة الطاقية، تشكل عناصر أساسية لتعزيز استقلالية المملكة في المجال الطاقي، مشيرا إلى أن استمرار التبعية لاستيراد الوقود الأحفوري يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن الطاقي الوطني، إذ يجعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والتحولات الجيوسياسية في الأسواق الدولية.

    وشملت التدابير المتخذة إصلاحا يهم الضريبة على القيمة المضافة المطبقة على الطاقة الكهربائية، وذلك في إطار مقتضيات قانون المالية لسنة 2024، الذي أقر مسارا تدريجيا لتوحيد أسعار هذه الضريبة، من خلال رفعها من 14 إلى 16 في المئة سنة 2024، ثم إلى 18 في المئة سنة 2025، وصولا إلى 20 في المئة ابتداء من سنة 2026. غير أن هذا الإصلاح أُرفق، خلال المرحلة الانتقالية، بآلية موازية تقوم على تخفيض التعريفات الصافية للكهرباء، بما يضمن عدم انعكاس الزيادة الجبائية على الفاتورة النهائية للمستهلكين، في إطار مقاربة تروم إصلاح النظام الضريبي مع الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر.

    كما أطلقت الوزارة في يوليوز 2022 الحملة الوطنية للاقتصاد في الطاقة تحت شعار “الاقتصاد في الطاقة، ربح لنا ولبلادنا”، والتي أسفرت عن خفض الاستهلاك الوطني للكهرباء بنسبة 3 في المئة خلال شهر دجنبر 2022، أي ما يعادل اقتصادا يقدر بنحو 800 جيغاواط ساعة، كما تم توزيع 240 مليون درهم في إطار منح تحفيزية لفائدة الأسر المقتصدة.

    وإلى جانب هذه الإجراءات، واصلت الوزارة تنفيذ برامج الكهربة القروية في إطار تعزيز العدالة المجالية وفك العزلة عن المناطق النائية، حيث تم ربط 747 دوارا بالكهرباء خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2021 إلى غشت 2025، لفائدة 17 ألفا و361 أسرة، إلى جانب ربط 2059 مؤسسة تعليمية و738 مسجدا و207 مستوصفات، باستثمارات بلغت 706 ملايين درهم.

    وساهمت هذه الجهود في رفع معدل الكهربة الوطني إلى 99,91 في المئة، مقابل 99,80 في المئة سنة 2021، بما يعكس استمرارية ورش الكهربة القروية ودوره في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للمناطق القروية.

    كما تم إطلاق برنامج PERG 2.0 القائم على الحلول الشمسية لفائدة الدواوير المعزولة التي يصعب ربطها بالشبكة التقليدية، وذلك من خلال اعتماد محطات كهروضوئية صغيرة وشبكات مصغرة أو تجهيز الأسر بأطقم شمسية فردية، بما يساهم في تعميم الولوج إلى الكهرباء وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.

    تسريع الانتقال الطاقي وبناء أسس السيادة الطاقية

    بعد التدخلات الاستعجالية الرامية إلى الحد من تداعيات أزمة الطاقة العالمية، اتجه المغرب نحو إطلاق إصلاحات هيكلية تروم بناء نموذج طاقي أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية، وذلك من خلال تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز الأمن والسيادة الطاقية.

    وفي هذا الإطار، عملت المملكة على تسريع الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بالانتقال الطاقي، من خلال اعتماد القانون رقم 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية، إلى جانب القانون رقم 40.19 المعدل للقانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والقانون رقم 48.15 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء، بما ساهم في تعزيز انفتاح سوق الطاقة، وتوسيع ولوج المنتجين الخواص إلى الشبكة الكهربائية، وتشجيع الاستثمار الخاص في مشاريع الطاقات المتجددة.

    كما سجل المغرب تقدما ملحوظا في مجال الطاقات المتجددة، حيث ارتفعت حصته في القدرة الكهربائية المركبة من 37,1 في المئة سنة 2021 إلى 46,1 في المئة سنة 2025، مع إضافة 1733 ميغاواط من القدرات المتجددة الجديدة وتعبئة استثمارات تجاوزت 21 مليار درهم خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تسارع وتيرة الانتقال الطاقي واقتراب المملكة من تحقيق هدفها المتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة بحلول سنة 2030.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي إدريس عيساوي أن المغرب انتقل بشكل ملموس من منطق التسيير الآني للأزمات إلى التأسيس التدريجي لنموذج طاقي أكثر مرونة وصمودا، مشيرا إلى أن الإصلاحات التشريعية والإنفاق الاستثنائي ساهما في تحويل المملكة إلى منصة جاذبة للمشاريع الكبرى والاستثمارات في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

    وفي المقابل، أكد أن هذا الانتقال لا يزال يواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها استمرار التبعية الطاقية للخارج، إلى جانب الفجوة القائمة بين ارتفاع القدرة الكهربائية المركبة ومحدودية مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج الفعلي للكهرباء.

    رهانات الانتقال الطاقي وأهداف المغرب في أفق 2030

    رغم التقدم المسجل، لا تزال المملكة تواجه تحديات بنيوية مرتبطة باستكمال الانتقال الطاقي وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التقلبات الدولية، خاصة في ظل استمرار التبعية الطاقية للخارج، التي لا تزال تناهز 88 في المئة من الحاجيات الطاقية الوطنية.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي بدر زاهر الأزرق أن المغرب بدأ ينتقل من منطق تدبير الأزمة إلى منطق بناء الأمن الطاقي، من خلال الإصلاحات التي أُطلقت في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي، لكن هذا الانتقال ما زال في بدايته، لأن تحقيق السيادة الطاقية يحتاج إلى سنوات من الاستثمار، وإلى تسريع تنفيذ المشاريع، ورفع وتيرة الربط بالشبكات وتعزيز القدرات الصناعية المحلية المرتبطة بالطاقة.

    وتجسيدا لهذا التوجه، تراهن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، مع استهداف بلوغ 59 في المئة وفق مخطط التجهيز الكهربائي الجديد، إلى جانب تعبئة استثمارات تناهز 120 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030، يخصص أكثر من 100 مليار درهم منها لمشاريع الطاقات المتجددة.

    كما تشمل الأوراش المستقبلية تطوير البنية التحتية الغازية الوطنية، لاسيما إنجاز وحدة استيراد الغاز الطبيعي المسال بناظور غرب المتوسط وربطها بالأنبوب المغاربي-الأوروبي والمناطق الصناعية، فضلا عن إنجاز خط الضغط العالي جدا الرابط بين جنوب ووسط المملكة بقدرة 3 جيغاواط.

    وفي هذا الإطار، اعتبر محمد بوحاميدي أن مراجعة خارطة طريق الغاز الطبيعي وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، موضحا أن الغاز الطبيعي يمكن أن يشكل طاقة انتقالية لضمان استقرار المنظومة الكهربائية، في حين يمنح الهيدروجين الأخضر للمغرب فرصة للتموقع كمركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، غير أن نجاح هذه المشاريع يظل رهينا بتسريع وتيرة الإنجاز وتكوين الموارد البشرية وتشجيع البحث العلمي وإشراك القطاع الخاص.

    كما يراهن المغرب على تعزيز موقعه كمركز إقليمي للطاقة النظيفة بين إفريقيا وأوروبا، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تحقيق أهدافه المناخية المتمثلة في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 53 في المئة في أفق 2035، والالتزام بالحياد الكربوني بحلول سنة 2050.

    وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمية، يبقى تعزيز الأمن والسيادة الطاقية من أبرز التحديات الاستراتيجية المطروحة أمام المغرب، بما سيحدد إلى حد كبير ملامح المنظومة الطاقية الوطنية وقدرتها على الصمود في أفق 2030 وما بعده.

  • تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    بعد مرور أكثر من عقد على الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، عاد ملف تفعيل طابعها الرسمي إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل تسارع الإجراءات الحكومية الرامية إلى إدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة.

    ويعد القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، المرجع الأساسي لتحديد مراحل وكيفيات إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والفضاءات العمومية، غير أن بداية الولاية الحكومية الحالية في أكتوبر سنة 2021 كانت تتسم بمحدودية التفعيل الميداني، سواء على مستوى خدمات الاستقبال والتوجيه، أو حضور الأمازيغية في التشوير والمواقع المؤسساتية.

    ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، تبرز مؤشرات جديدة تعكس تسارع وتيرة تنزيل هذا الورش، من خلال إحداث آليات مؤسساتية وتمويلية مخصصة، وتوسيع حضور اللغة الأمازيغية داخل المرافق العمومية واعتمادها بشكل متزايد في عدد من الخدمات والفضاءات الرسمية.

    أين وصل تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟

    ويؤكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، أن الولاية الحكومية الحالية شكلت مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بعد الانتقال من حالة الجمود إلى الشروع في تنزيل إجراءات عملية مدعومة باعتمادات مالية مخصصة، همت تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاءات وبعض الخدمات العمومية.

    وفي هذا السياق، تبرز حصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الحكومة اتجهت إلى إرساء إطار مؤسساتي ومالي خاص بورش الأمازيغية في محاولة لتجاوز محدودية التنزيل، إذ كانت الإدارات العمومية تفتقر إلى خدمات استقبال مهيكلة باللغة الأمازيغية، كما كان حضورها شبه غائب في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية، فضلا عن غياب إطار ميزانياتي مخصص لهذا الورش أو بنية مؤسساتية مكلفة بتتبعه، إلى جانب محدودية الأدوات والمصطلحات الإدارية باللغة الأمازيغية.

    وأدرجت الوزارة دعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي، إلى جانب إصدار نصوص تنظيمية تحدد معايير الاستفادة من هذا الدعم بالنسبة للقطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، فضلا عن الجمعيات والقطاع الخاص.

    وتم أيضا إحداث مديرية مخصصة ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، مكلفة بتطوير استعمال اللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية وتتبع هذا الورش وتنسيق تنزيله بين مختلف القطاعات، في خطوة تعكس انتقال ملف الأمازيغية من بعده الرمزي والثقافي إلى مستوى السياسات العمومية المهيكلة.

    إدماج الأمازيغية في الإدارات العمومية

    وأبرز تقرير حصيلة وزارة الانتقال الرقمي برسم الولاية الحكومية 2021-2026 تسجيل تقدم على مستوى تقريب الخدمات العمومية من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، بعد سنوات من محدودية حضور هذه اللغة داخل المرافق الإدارية.

    وفي هذا الإطار، تم توظيف 491 عونا متخصصا لتأمين خدمات الاستقبال والتوجيه باللغات الأمازيغية بتنويعاتها الوطنية الثلاث؛ تاريفيت وتاشلحيت وتامازيغت، على مستوى المصالح المركزية واللاممركزة، إلى جانب تعبئة 1387 عونا إضافيا من خلال اتفاقيات خاصة، فضلا عن تخصيص 75 عونا للاستقبال الهاتفي باللغة الأمازيغية على مستوى 11 مركزا للاتصال تعرف ضغطا مرتفعا من حيث طلبات المواطنات والمواطنين.

    وشهدت السنوات الخمس الماضية بدء الإدارات العمومية في اعتماد التشوير ثنائي اللغة، من خلال نشر أكثر من 3153 لوحة ولافتة مدمجة للغة الأمازيغية على مستوى ثماني إدارات، مع وجود أكثر من ألفي لوحة إضافية في طور الإنتاج، إلى جانب برمجة إدماج الأمازيغية داخل المحطات الطرقية والمطارات والموانئ والطرق والطرق السيارة.

    ويؤكد لحسن أمقران، أستاذ اللغة والثقافة الأمازيغية، أن توظيف أعوان للاستقبال واعتماد التشوير الثنائي والترجمة الرقمية يمثل “خطوات مهمة لكسر الحاجز النفسي واللغوي بين الإدارة والمواطن”، خاصة بالنسبة لسكان المناطق القروية والجبلية وكبار السن الذين يواجهون صعوبات في التواصل مع الإدارة.

    وشدد أمقران على أن حضور الأمازيغية، بحروف “تيفيناغ” في الإدارات، يحمل بعدا رمزيا يتمثل في تعزيز شعور الناطقين بها بالتمثيل داخل الفضاء العام.

    وتبرز الحصيلة أن هذا الورش امتد ليشمل وسائل النقل والمركبات العمومية، حيث تم جرد 20 ألفا و385 مركبة تابعة للمديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والدرك الملكي والوقاية المدنية والمفتشية العامة للقوات المساعدة. كما تم إدراج الكتابة بالأمازيغية على 512 مركبة تابعة للأمن الوطني ووزارة الصحة، مع برمجة تعميمها على 19 ألفا و402 مركبة إضافية خلال السنوات المقبلة، في إطار تعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء العمومي وترسيخ هويتها البصرية داخل المرافق والخدمات التابعة للدولة.

    وعلى المستوى الرقمي، شهدت المواقع المؤسساتية بدورها خطوات نحو اعتماد ثنائية اللغة، من خلال ترجمة 310 آلاف و292 كلمة تهم محتويات المواقع الإلكترونية ووثائق التواصل الخاصة بـ12 مؤسسة، من بينها رئاسة النيابة العامة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة النقل واللوجستيك، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والصندوق المغربي للتقاعد، فضلا عن إنجاز دراسة لتقييم مستوى إدماج اللغة الأمازيغية في المواقع الإلكترونية الرسمية وإعداد خارطة طريق عملية لتنزيلها.

    وموازاة مع ذلك، عملت “وزارة السغروشني” على دعم التكوين والمصطلحية الإدارية، من خلال تكوين 130 موظفا في مجال التواصل باللغة الأمازيغية، وإعداد معجم إداري يضم 7949 مصطلحا بالأمازيغية، بهدف تيسير استعمال الأمازيغية داخل الإدارة وتعزيز التواصل الثنائي بين اللغتين الرسميتين للمملكة.

    الأثر على المواطن الناطق باللغة الأمازيغية

    تمثل الولاية الحكومية 2021-2026، وفق معطيات الحصيلة، مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مستوى الولوج التدريجي إلى خدمات عمومية متاحة باللغة الأمازيغية.

    وبهذا الصدد، شرعت مجموعة من الإدارات والمؤسسات العمومية في السنوات الأخيرة في تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاء الإداري، سواء من خلال تعبئة ما يقارب ألفي عون للاستقبال والتوجيه باللغة الأمازيغية، أو عبر إدماجها في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية.

    واتجهت المواقع الإلكترونية الرسمية تدريجيا نحو اعتماد ثنائية اللغة، بما يتيح للمواطنين الناطقين بالأمازيغية الولوج إلى المعلومات والخدمات الرقمية بلغتهم، في حين أصبح بإمكانهم متابعة الجلسات العامة للبرلمان والندوات الصحفية الحكومية باللغة الأمازيغية.

    وامتد أثر هذا الورش إلى الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين، إذ تتيح الآليات الجديدة لدعم تفعيل الأمازيغية إمكانية تمويل مشاريع تروم إدماج “تيفيناغ” في الخدمات والوسائط التواصلية، بما يساهم في توسيع استعمالها خارج المجال الإداري والثقافي.

    وعلى مستوى تدبير الشأن العام، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من كونها موضوعا ذا بعد رمزي وثقافي إلى مكون يندرج ضمن السياسات العمومية.

    ويعكس إعداد 25 مخططا قطاعيا وإطلاق تجربة نموذجية على مستوى 40 جماعة ترابية تشمل الاستقبال، والتكوين، وحملات التحسيس، والمواقع الإلكترونية، وإدراج اللغة الأمازيغية على علامات 12.725 مركبة، تشمل سيارات الإسعاف، ونقل الأموات، والنقل المدرسي، إضافة إلى التشوير داخل 30 محطة طرقية، (يعكس) توجها نحو إرساء مقاربة مؤسساتية تروم التعميم التدريجي لهذا الورش في أفق سنة 2030.

    ورغم هذه المؤشرات التي تعكس تقدما في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، يرى عدد من الفاعلين والباحثين في الشأن الأمازيغي أن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الحياة اليومية للمواطنين الناطقين باللغة الأمازيغية لا يزال محدودا، وأن هذا الورش يواجه مجموعة من التحديات.

    وفي هذا السياق، أشار أمقران إلى وجود عدد من التحديات التي تحد من الأثر الفعلي لهذه الإجراءات، معتبرا أن خدمات الاستقبال باللغة الأمازيغية لا تزال في كثير من الأحيان “حبيسة البوابة”، في ظل عدم توفر أطر تتقن الأمازيغية في مختلف مراحل المسار الإداري.

    وأشار المتحدث إلى استمرار تأخر إدماج الأمازيغية في بعض القطاعات الحيوية، لاسيما قطاع العدالة، بسبب غياب مترجمين معتمدين ومحلفين داخل المحاكم، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بتمكين المتقاضين من التواصل بلغتهم الأم.

    ومن جهته، أكد عبدالله بادو أن هذه الإجراءات لم تنعكس بعد بشكل كامل على الحياة اليومية لجزء من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، خاصة في المناطق القروية، معتبرا أن العديد منهم لا يزالون يواجهون صعوبات لغوية عند الولوج إلى عدد من المرافق والخدمات العمومية.

    وفي تقييمه للحصيلة، اعتبر بادو أن بعض التدابير المتخذة ما تزال تتسم بطابع جزئي، إذ يرتكز جزء منها على حلول مؤقتة، من قبيل الاستعانة بأعوان استقبال ومقدمي خدمات، بدل إرساء مأسسة شاملة تدمج الأمازيغية داخل مختلف مستويات الوظيفة العمومية.

    وأشار إلى أن حضور الأمازيغية في عدد من المنصات والخدمات الرقمية ما يزال في كثير من الأحيان شكليا، إذ لا يشمل مختلف الخدمات والوثائق والمساطر الرقمية، فضلا عن محدودية حضورها في عدد من المنصات الوطنية الكبرى، مثل منصات الدعم الاجتماعي المباشر والسجل الاجتماعي الموحد وبعض البوابات القانونية والإدارية الموجهة للمواطنين.

     ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز آليات الحكامة والتتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    2030 ورهان تعميم الأمازيغية في مختلف المرافق العمومية

    وتعي الحكومة حجم التحديات التي تواجه ورش تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، لذلك تُراهن خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2030 على الانتقال إلى مرحلة التعميم التدريجي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    وتشمل هذه المرحلة توسيع تنزيل الورش ليشمل مجموع الجماعات الترابية، ومواصلة إدماج الأمازيغية في المركبات العمومية، وإطلاق منصة للتعليم عن بعد مخصصة للغة الأمازيغية، إلى جانب مواصلة ترجمة النصوص التشريعية وإعداد معجم قانوني متخصص.

    وفي هذا الإطار، أشار لحسن أمقران إلى أن الانتقال من “التدابير الترقيعية” إلى “المأسسة الشاملة” يقتضي التركيز على ثلاثة أوراش أساسية، تتمثل في تسريع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في السلكين الابتدائي والإعدادي، وتعزيز تكوين الموارد البشرية، إلى جانب دعم حضور الأمازيغية في مسار التحول الرقمي من خلال تطوير تطبيقات وخدمات حكومية رقمية تدعم حرف “تيفيناغ” وتيسر الولوج إلى الخدمات الرقمية التفاعلية لفائدة الناطقين بالأمازيغية.

    ودعا إلى تسريع وتيرة ترجمة النصوص التشريعية والقانونية، بما في ذلك الدساتير والقوانين التنظيمية ومدونة الأسرة وقانون الالتزامات والعقود، معتبرا أن “القوانين لا تحمي من لا يفهمها”.

    وفي السياق ذاته، يؤكد عبدالله بادو أن إنجاح المرحلة المقبلة يقتضي الانتقال من منطق التدابير القطاعية إلى مأسسة فعلية للأمازيغية داخل مختلف السياسات العمومية، وذلك من خلال مأسسة حضورها داخل الوظيفة العمومية، وتسريع تعميم تدريسها وتأهيل الموارد البشرية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني وتعزيز آليات التتبع والتقييم.

    وشدد بدوره على ضرورة تعزيز حضور الأمازيغية في مجالي العدالة والإعلام، والانتقال من حضورها الرمزي في الفضاء العام إلى استعمالها كلغة وظيفية تضمن الولوج الفعلي للمواطنين إلى الخدمات والحقوق.

    ومن هذا المنطلق، ورغم ما تحقق من تقدم في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وانتقاله من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي، يبقى الرهان الأساسي للحكومة المقبلة متمثلا في ضمان استفادة المواطنين الناطقين بالأمازيغية من خدمات عمومية متاحة بلغتهم بشكل فعلي ومتوازن على مختلف جهات المملكة، بما يترجم المقتضيات الدستورية إلى ممارسات يومية ملموسة.