الرباط وباريس يعيدان هندسة شراكة جديدة بمنطق المصالح قبل الزيارة الملكية

لم تكن العلاقات المغربية الفرنسية، خلال السنوات التي سبقت 2024، تعيش أفضل مراحلها، بعدما دخلت في فترة من البرود الدبلوماسي غير المسبوق، نتيجة تراكم عدد من الملفات الخلافية التي ألقت بظلالها على مسار الشراكة بين البلدين. وفي مقدمة هذه الملفات، برز استمرار الغموض الذي طبع الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية، وهو ما يتعارض مع طبيعة الشراكة الاستراتيجية التي تجمع الرباط وباريس.

مخاض عسير لعلاقات أمتن

ولم يقتصر تأثير هذا التوتر على الجانب السياسي والدبلوماسي، بل امتد إلى مجالات التعاون الاقتصادي والإنساني، حيث دفع المغرب إلى تسريع سياسة تنويع شراكاته والانفتاح على قوى دولية جديدة، في وقت شهدت فيه العلاقات الثنائية محطات زادت من حدة الفتور، من بينها أزمة تشديد منح التأشيرات للمواطنين المغاربة، واستدعاء السفير المغربي لدى باريس للتشاور، ثم الجدل الذي رافق عدم قبول المساعدات الفرنسية عقب زلزال الحوز سنة 2023، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة أعادت طرح تساؤلات حول مستقبل واحدة من أقدم الشراكات في الضفة الغربية للمتوسط، قبل أن تبدأ مؤشرات انفراجها خلال سنة 2024.

ورغم هذه التوترات، لم تتوقف باريس عن محاولات إعادة التقارب مع الرباط، إدراكا منها للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمغرب باعتباره فاعلا محوريا في شمال إفريقيا وبوابة نحو القارة الإفريقية.

وفي المقابل، لم يذهب المغرب إلى حد القطيعة الكاملة مع فرنسا، إذ استمر التعاون بين البلدين في عدد من المجالات الحيوية، ولاسيما التعاون الأمني والاستخباراتي، وهو ما عكس حرص الطرفين على الحفاظ على الحد الأدنى من الشراكة الاستراتيجية رغم حالة الفتور الدبلوماسي.

غير أن هذا الوضع عرف تحولا مهما عقب إعلان باريس دعمها الصريح لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد لتسوية النزاع، قبل أن يؤسس هذا الموقف لعهد جديد في العلاقات الثنائية ويفتح آفاقا جديدة للتعاون والشراكة بين البلدين.

مغربية الصحراء.. محدد استراتيجي في الدبلوماسية المغربية

تشكل قضية الصحراء المحدد الرئيسي للسياسة الخارجية المغربية والمعيار الذي تقيس من خلاله المملكة نجاعة علاقاتها مع شركائها الدوليين، ويعكس هذا التحول في الدبلوماسية المغربية الأهمية التي يوليها المغرب لتزايد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، وللدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها سنة 2007 باعتبارها حلا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع.

ومن ثم، أصبح الموقف من قضية الصحراء عاملا حاسما بالنسبة للمغرب لعلاقاته مع شركائه الدوليين، وفي مقدمتهم فرنسا، بعد الإشارات المتكررة التي ما فتئت الدبلوماسية المغربية توجهها إلى مختلف الدول الشريكة بشأن القضية الوطنية، وكان أبرزها الخطاب الملكي لـ 20 غشت 2022 الذي قال فيه الملك: “إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”.

بهذا الصدد، أكد عبد الهادي مزراري، الباحث في العلاقات الدولية، أن الرسالة الواردة في خطاب الذكرى 69 لثورة الملك والشعب كانت موجهة بشكل واضح إلى فرنسا لحسم موقفها من قضية الصحراء المغربية ومغادرة “المنطقة الرمادية” في تدبير علاقاتها مع المغرب. وعلى إثر ذلك تم تجديد الثقة بين البلدين، والشروع في إرساء أسس أكثر براغماتية للعلاقات بين الرباط وباريس وفي إطار شراكة قائمة على منطق رابح- رابح.

وعلى الرغم من أن فرنسا ظلت لعقود تتبنى موقفا غامضا تجاه قضية الصحراء، وإن كانت تدعم المغرب في المحافل الدولية سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو في مجلس الأمن في القرارات والمواقف المتعلقة بقضية الصحراء، فإن موقفها ظل لسنوات دون مستوى الوضوح الذي كان ينتظره المغرب.

غير أن العلاقات الثنائية شهدت تطورا بارزا بعد الرسالة التي وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لعيد العرش، في 30 يوليوز 2024، والتي أعلن خلالها دعم فرنسا لسيادة المغرب على صحرائه واعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الوحيد للتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع.

وقد تُوج هذا الاعتراف بزيارة ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، والتي شكلت محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، وأسفرت عن إطلاق “الشراكة الاستثنائية الوطيدة”.

وأوضح خبير القانون الدستوري ورئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسيات العمومية، رشيد لزرق، أن “التحول في الموقف الفرنسي بشأن قضية الصحراء شكل نقطة مفصلية في إعادة بناء الثقة بين المغرب وفرنسا، لأنه عالج الخلاف الأكثر ارتباطا بالمصالح الاستراتيجية العليا للمملكة”.

ويبرز لزرق أن أهمية هذا التحول لا تتمثل في محتواه السياسي فقط، وإنما في الرسالة التي حملها إلى الرباط، ومفادها أن فرنسا أصبحت مستعدة للانتقال من سياسة الغموض والحذر إلى موقف أكثر انسجاما مع التصور المغربي لحل النزاع.

وأضاف لزرق، أن “عودة الثقة بين البلدين لا تعتمد فقط على موقف سياسي واحد، رغم أهميته”، مؤكدا أن الثقة بين الدول تُبنى على أساس استمرارية المواقف، واحترام الالتزامات، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، وتجنب الأزمات الدبلوماسية المتكررة.

وأشار إلى أن نجاح المرحلة الجديدة من العلاقات المغربية الفرنسية يعتمد على قدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى شراكة مؤسساتية ومستدامة.

من المصالحة السياسية إلى الشراكات الاستراتيجية

ساهمت عودة العلاقات السياسية والدبلوماسية المغربية الفرنسية في استعادة الثقة السياسية بين البلدين، وإرساء شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد، فبعد إعلان فرنسا عن دعمها لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية واعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الوحيد لتسوية النزاع، مهدت إلى عودة المقاولات والاستثمارات التي كانت قد تضررت خلال فترة التوتر بين البلدين وكادت خلالها فرنسا أن تفقد مكانتها كشريك اقتصادي للمغرب، لصالح شركاء اقتصاديين جدد.

وفي هذا السياق، شهد مسار العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة جديدة لبناء شراكات استثنائية في مختلف المجالات، من خلال التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي همت قطاعات استراتيجية متعددة، من خلال تعزيز التعاون في مشاريع السكك الحديدية والموانئ واللوجستيك، وامتد التعاون كذلك إلى قطاعات التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني والثقافة، إضافة إلى مجالات الرقمنة والابتكار والتعاون التكنولوجي.

ولم تقتصر هذه الدينامية على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل شملت أيضا قضايا الهجرة والتنقل وتدبير الموارد المائية والتنمية المستدامة، فضلا عن تعزيز التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية والتعاون المشترك داخل القارة الإفريقية، بما يعكس توجها نحو إرساء شراكة شاملة ومتعددة الأبعاد.

كما توجت أشغال الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي الفرنسي، المنعقدة الخميس الماضي بالعاصمة الرباط برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو، بالتوقيع على حزمة جديدة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم شملت النقل والبنيات التحتية والماء والتعليم والثقافة والطيران المدني والدفاع والبحث العلمي.

ويكتسي هذا الاجتماع باعتباره الأول الذي ينعقد في ظل الدينامية الجديدة التي أطلقتها “الشراكة الاستثنائية الوطيدة” بين البلدين عقب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب في أكتوبر 2024، كما شكل مناسبة لتتبع تنفيذ الالتزامات الثنائية وإطلاق مشاريع مهيكلة جديدة ترسم آفاق المرحلة المقبلة من العلاقات المغربية الفرنسية.

ولعل أبرز هذه المشاريع مشروع الربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا، الذي من شأنه تعزيز التعاون في مجال الطاقات المتجددة وفتح آفاق جديدة أمام تصدير الكهرباء النظيفة المغربية نحو أوروبا، بما يعزز موقع المملكة كشريك رئيسي للاتحاد الأوروبي في مجال الانتقال الطاقي.

وأكد مزراري، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن “فرنسا تنظر اليوم إلى المغرب باعتباره في وضعية متقدمة، سواء فيما يتعلق بملف وحدته الترابية أو بموقعه الجيوسياسي على المستويين الإقليمي والدولي، مشيرا إلى أن باريس تدرك حجم التقدم الذي حققته المملكة داخل القارة الإفريقية من خلال شبكة واسعة من الشراكات تضم أكثر من 1200 اتفاقية تعاون مع أكثر من 40 دولة إفريقية”.

وأضاف أن “حزمة الاتفاقيات الموقعة بين البلدين في مجالات الصناعة والزراعة والطاقة والبحث العلمي تعكس رغبة فرنسا في أن تكون شريكا أساسيا في المشاريع الاستراتيجية التي يقودها المغرب، وأن تجعل من المملكة بوابة لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في إفريقيا، بما يتيح لها أن تكون جزءا من المستقبل الإفريقي عبر البوابة المغربية.”

وفيما يتعلق بمشروع الربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا، شدد لزرق على أنه يحمل أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد تبادل الكهرباء، إذ من شأنه أن يجعل المغرب أكثر اندماجا في منظومة الأمن الطاقي الأوروبي، وأن يعزز جاذبية المملكة للاستثمارات الأوروبية، خاصة في مجالات الصناعات الخضراء والهيدروجين الأخضر.

وسيسهم المشروع في ترسيخ مكانة المغرب كشريك استراتيجي لأوروبا في مجالي أمن الطاقة والانتقال الأخضر، بما يتيح للمملكة تعزيز موقعها داخل هندسة الطاقة الأوروبية المستقبلية.

الزيارة الملكية إلى فرنسا.. رهانات سياسية واقتصادية

تمثل الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا محطة جديدة في العلاقات بين الرباط وباريس، بعدما دخلت، منذ إقرار باريس بشكل صريح بالحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية حلا وحيدا للنزاع المفتعل، إلى مرحلة التقارب السياسي والدبلوماسي.

وتأتي هذه الزيارة في سياق يتسم بزخم متزايد في العلاقات المغربية الفرنسية، بعد توقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات متعددة، وهو ما يعكس حجم الرهانات السياسية والاقتصادية التي تحملها هذه المحطة الدبلوماسية، ومدى قدرتها على ترسيخ التحول الذي تشهده العلاقات الثنائية وتحويله إلى شراكة استراتيجية أكثر استدامة، من خلال إعادة تفعيل آليات التعاون الثنائي وإبرام اتفاقيات اقتصادية واستثمارية أوسع يُرتقب التوقيع عليها خلال الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس.

كما تحمل الزيارة بعداً تاريخياً بالنظر إلى مكانة فرنسا كشريك تقليدي للمغرب، ولما قد تسفر عنه من توقيع معاهدة مغربية فرنسية جديدة ترسم معالم إطار متقدم للتعاون بين البلدين.

ومن المرتقب أن تشكل هذه الزيارة محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، من خلال تعميق آليات التعاون والارتقاء بالشراكة إلى مستوى أكثر تقدماً، يقوم على المصالح المتبادلة والتعاون الاستراتيجي طويل الأمد، بما يتيح للبلدين الانتقال من منطق استعادة الثقة إلى تكريس شراكة متكاملة ذات بعد إقليمي ودولي.

وفي هذا الإطار، أكد لزرق أن “الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا تحمل رهانات سياسية واقتصادية واستراتيجية كبرى، لكونها تأتي بعد مرحلة إعادة بناء العلاقات بين البلدين، ويمكن أن تمنح هذه العلاقات زخما جديدا ينقلها من مرحلة تجاوز الأزمة إلى مرحلة بناء إطار استراتيجي أكثر استقرارا”.

وأوضح المتدخل أن “الرهانات تتمثل في تثبيت المصالحة السياسية بين البلدين وتحويلها إلى شراكة طويلة الأمد، فضلا عن رهان يتعلق بتثبيت الموقف الفرنسي من قضية الصحراء، وضمان استمراريته، بالإضافة إلى رهان يتعلق بالجانب الاقتصادي، إذ ينتظر أن تشكل الزيارة فرصة لدفع استثمارات جديدة في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والنقل، والصناعة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والطاقات المتجددة”.

وأشار المتحدث ذاته إلى وجود رهان إفريقي مهم، في ظل سعي فرنسا إلى إعادة نسج علاقاتها مع القارة الإفريقية بعد تراجع نفوذها في عدد من دولها، مقابل بروز المغرب كفاعل اقتصادي مهم داخل القارة، وهو ما قد يفتح المجال أمام شراكات مغربية فرنسية مشتركة داخل إفريقيا.

كما نوه إلى أن الزيارة تحمل بعدا رمزيا مهما، لأنها تؤكد أن العلاقة بين المغرب وفرنسا لم تعد قائمة فقط على التاريخ والثقافة، وإنما على شراكة سياسية واستراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة.

ومن جهته، أشار عبد الهادي مزراري إلى أن “فرنسا استعدت بشكل كبير للزيارة المرتقبة للملك محمد السادس، والتي يترقبها الفرنسيون باهتمام بالغ، بالنظر إلى أنها تأتي بعد سلسلة من الأحداث التي شهدت خلالها العلاقات بين البلدين فترات من المد والجزر”، معتبرا أن هذه الزيارة تمثل حصيلة لجهد دبلوماسي مكثف بذله الطرفان، وثمرة لمباحثات جادة ومسؤولة جرت خلال الفترة الماضية.

وأضاف أن هذه الزيارة يمكن تفسيرها بمفهوم “التتويج”، باعتبارها تتويجا لمسار من المشاورات والتفاهمات والاتفاقات التي تم الحسم فيها مسبقا، وهو ما من شأنه أن يؤسس لمرحلة جديدة وفصل جديد في العلاقات المغربية الفرنسية.

وتكمن أهمية هذا التحول كونه يعكس انتقال العلاقات المغربية الفرنسية من مرحلة الفتور الدبلوماسي إلى مرحلة جديدة قوامها شراكات استراتيجية طويلة الأمد، ترتكز على وضوح المواقف والمصالح المتبادلة، بما يعزز مكانة المغرب إقليميا ودوليا.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *