الوسم: وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة

  • بين السكن والاستثمار.. “وزارة المنصوري” تراهن على تعزيز ثقة مغاربة العالم

    بين السكن والاستثمار.. “وزارة المنصوري” تراهن على تعزيز ثقة مغاربة العالم

    تشكل عودة مغاربة العالم إلى المملكة خلال فصل الصيف محطة سنوية تتكثف خلالها حاجياتهم المرتبطة بالخدمات والإدارة، خصوصا في ما يتصل بالملفات التي تتطلب معرفة دقيقة بالمساطر أو تعاملا مع أكثر من مؤسسة.

    وبينما تختصر فترة الإقامة في المغرب بالنسبة إلى عدد كبير منهم في أسابيع محدودة، تظل بعض المشاريع والقرارات التي يشتغلون عليها ممتدة طوال السنة، من اقتناء السكن والعقار إلى البناء وإطلاق مشاريع استثمارية.

    ويكتسي قطاع التعمير والإسكان أهمية خاصة ضمن هذه العلاقة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بجزء مهم من مشاريع مغاربة العالم داخل المملكة، لأن الحصول على المعلومة التعميرية، ومعرفة وضعية العقار، وتحديد المساطر والوثائق المطلوبة، ثم مواكبة إجراءات الاقتناء أو البناء والاستثمار، كلها مراحل قد تتحول فيها المسافة بين بلد الإقامة والإدارة المغربية إلى عائق عملي، خصوصا عندما تكون الحاجة إلى الحضور مرتبطة بآجال محدودة.

    وفي هذا السياق، أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قافلة “التعمير والإسكان في خدمة مغاربة العالم”، واضعة قطاعها ومؤسساته في واجهة مواكبة أفراد الجالية خلال فترة وجودهم بالمغرب، مع توسيع نطاق الخدمات والمعلومات المتاحة لهم.

    الجالية في قلب التعبئة

    لا تنفصل التعبئة التي تقودها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن التحول الأوسع الذي تعرفه السياسة العمومية الموجهة لمغاربة العالم.

    فقد دعا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء، إلى إحداث تحول جديد في مجال تدبير شؤون الجالية المغربية بالخارج، يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بها والتجاوب مع حاجياتها الجديدة.

    ووضع جلالة الملك تبسيط ورقمنة المساطر الإدارية والقضائية التي تهم المغاربة المقيمين بالخارج ضمن أبرز التحديات المطروحة، إلى جانب مواكبة أصحاب المبادرات والمشاريع وفتح آفاق جديدة أمام استثمارات أبناء الجالية داخل وطنهم.

    وتكتسب مبادرة الوزارة أهميتها من هذا السياق، باعتبارها تنقل جزءا من هذه التوجيهات إلى قطاع يرتبط مباشرة بمصالح شريحة واسعة من مغاربة العالم، عبر تقريب خدمات السكن والتعمير وتسهيل الولوج إلى البرامج والمعلومة.

    تقوم القافلة على تعبئة مختلف مكونات وزارة إعداد التراب الوطني، خاصة المصالح اللاممركزة والوكالات الحضرية، إلى جانب المؤسسات التابعة للقطاع، بهدف توفير مواكبة أقرب، سواء تعلق الأمر بالحصول على المعلومات المرتبطة بالتعمير أو السكن، أو الاستفسار عن المساطر والوثائق، أو تتبع الملفات والمشاريع.

    وتكتسي هذه المواكبة أهمية بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج بالنظر إلى خصوصية وضعهم، إذ غالبا ما ترتبط معاملاتهم داخل المملكة بفترة زمنية محدودة، ما يجعل سرعة الوصول إلى المعلومة وتحديد الإدارة المعنية ومعرفة وضعية الملف عناصر أساسية في علاقتهم بالخدمة العمومية.

    ومن هنا، تراهن المبادرة على جعل فترة العودة الصيفية مناسبة لتقريب الإدارة من الجالية، مع العمل بالتوازي على الخدمات الرقمية التي تسمح باستمرار هذه العلاقة بعد عودة أفرادها إلى بلدان الإقامة.

    من الاستقبال إلى المواكبة

    وتتجاوز العملية مفهوم الاستقبال الإداري التقليدي، لتشمل التعريف بمختلف الخدمات التي يقدمها قطاع التعمير والإسكان، وتوجيه أفراد الجالية بحسب طبيعة طلباتهم.

    ففي مجال التعمير، يتعلق الأمر أساسا بتوفير المعلومات المرتبطة بوثائق التعمير والمساطر المتعلقة بالبناء والمشاريع العقارية، إلى جانب توجيه أصحاب المشاريع نحو المصالح المختصة.

    أما في مجال السكن، فتشمل المواكبة التعريف بالبرامج العمومية المتاحة، وفي مقدمتها برنامج الدعم المباشر للسكن، إلى جانب الخدمات والمنتجات التي توفرها المؤسسات التابعة للقطاع.

    وتتيح هذه المقاربة لأفراد الجالية الحصول على صورة أوضح حول المساطر قبل الانخراط في مشروع لاقتناء مسكن أو بناء عقار أو الاستثمار، بدل توزيع البحث عن المعلومة بين عدد من الإدارات والمتدخلين.

    من السكن إلى الاستثمار

    ويأتي القافلة في وقت يتوسع فيه النقاش حول الدور الاقتصادي لمغاربة العالم، فقد أعاد منتدى طنجة حول التحويلات وقطاع الصرف طرح مسألة الانتقال من النظر إلى الجالية أساسا من زاوية الأموال التي تحولها سنويا إلى تعزيز حضورها في الاستثمار والمشاريع المنتجة.

    وتجاوزت تحويلات مغاربة العالم 122 مليار درهم خلال سنة 2025، وفق معطيات رسمية، فيما سبق لجلالة الملك أن سجل أن مساهمة أبناء الجالية في حجم الاستثمارات الوطنية الخاصة لا تزال في حدود 10 في المئة، داعيا إلى فتح آفاق جديدة أمام استثماراتهم.

    وفي أحدث الأرقام، كشف مكتب الصرف أن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بلغت 61.48 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 9.9 في المئة، بينما بلغت ودائعهم لدى البنوك 221.9 مليار درهم في نهاية 2025، وفق بنك المغرب، بارتفاع 7.1 في المئة.

    ووفق رأي للمجلس الاقتصادي حول “تمتين الرباط الجيلي لمغاربة العالم”، الذي أنجز سنة 2022، فإن تمثلات مغاربة العالم بشأن الإكراهات التي تحول دون مساهمتهم في تنمية البلاد تتجلة في الفساد والمحسوبية (78.32 في المائة)، والطابع المعقد والبطيء للخدمات الإدارية (76.98 في المئة)، ثم جاء عدم وضوح الرؤية بشأن فرص الاستثمار في المرتبة الثالثة بنسبة 53.55 في المئة من الإجابات، تليه محدودية الوصول إلى المعلومات (50.42 في المئة).

    فرص مهدورة

    ورغم الثقل المالي المتزايد لمغاربة العالم، لا تتيح المعطيات الرسمية المنشورة حتى غشت 2026 رقما سنويا محيّنا يحدد القيمة الإجمالية لاستثمارات المغاربة المقيمين بالخارج داخل المملكة.

    ويظل أحدث مرجع رسمي تفصيلي في هذا المجال دراسة أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط في دجنبر 2022، بالاستناد إلى المسح الوطني للهجرة الدولية 2018-2019، الذي شمل 15.076 أسرة، وأظهرت أن 2.9 بالمئة فقط من المهاجرين المغاربة المقيمين بالخارج صرحوا بإنجاز مشاريع استثمارية في المغرب، بنسبة بلغت 3.4 في المئة لدى الرجال و1.8 في المئة لدى النساء، فيما ارتفعت النسبة إلى 14 في المئة لدى المهاجرين العائدين إلى المغرب، موزعة بين 16.7 بالمئة للرجال و7.1 في المئة للنساء.

    وتكشف تركيبة هذه الاستثمارات عن استمرار هيمنة الأنشطة العقارية، إذ استحوذ العقار بمعناه الضيق على 40.7 في المئة من مشاريع أفراد الجالية الذين صرحوا بالاستثمار، مقابل 19 في المئة للفلاحة و16.6 في المئة للبناء و6 في المئة للخدمات و5.5 في المئة للتجارة و4.5 في المئة للمطاعم والمقاهي و3.6 في المئة للصناعة.

    وباحتساب البناء واقتناء الأراضي غير الفلاحية، تصل حصة العقار بمعناه الواسع إلى 60.4 في المئة من مجموع المشاريع، وهو ما يعكس استمرار توجيه جزء كبير من استثمارات الجالية نحو حفظ القيمة وامتلاك السكن أو الأرض، بدل توجيهها إلى أنشطة إنتاجية أكثر تنوعا وقدرة على خلق فرص الشغل.

    وتؤكد معطيات المسح محدودية تحول تحويلات الجالية إلى استثمار منتج؛ فقد كان تمويل الاستثمار هو الاستخدام الرئيسي المصرح به للأموال المحولة إلى الأسر في 1.3 في المئة فقط من الحالات، مقابل 3.3 في المئة للادخار و87.1 في المئة للنفقات العادية، خصوصا الغذاء والملابس والصحة والتعليم والسكن.

    أما أسباب عدم الاستثمار، فتصدّرها نقص رأس المال بنسبة 38.9 في المئة، ثم تعقيد المساطر الإدارية بنسبة 14 في المئة، وضعف الدعم المالي والتحفيزات الجبائية بنسبة 8.6 في المئة، والفساد أو المحسوبية بنسبة 7.5 في المئة، وضعف الخبرة والتكوين بنسبة 5.5 في المئة. وبجمع تعقيد الإجراءات والفساد، يتبين أن العوائق المرتبطة بالمناخ الإداري والمؤسساتي تمثل 21.5 في المئة من أسباب العزوف المصرح بها.

    حصة الأسد للعقار

    يشكل العقار أحد المداخل التي يظهر فيها ارتباط مغاربة العالم بالاقتصاد الوطني بوضوح، إذ يستقطب 70 في المئة من استثمارات الجالية، كما أن نسبة 24 في المئة من المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن من مغاربة العالم.

    وسنة 2023، كشفت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، أن 70 في المئة من استثمارات أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج مرتبطة بقطاع العقار.

    وأوضحت المنصوري أن وزارتها اتخذت إجراءات لتسهيل ولوج مغاربة العالم إلى الإدارة ومواكبتهم في عمليات اقتناء السكن أو العقار المخصص للاستثمار، إذ نُظمت خلال صيف 2022 أول حملة لمواكبة الجالية، امتدت من أواخر يوليوز إلى 10 غشت، وشملت إحداث فضاءات للاستقبال في المطارات والموانئ وباحات الاستراحة، بهدف توفير الخدمات والمعلومات التي تقدمها الوكالات الحضرية وتقريبها من أفراد الجالية خلال مقامهم الصيفي بالمغرب.

    وشكلت الرقمنة محورا أساسيا في هذه المواكبة، إذ خصصت الوكالات الحضرية نوافذ إلكترونية لمغاربة العالم تتيح طلب مذكرات المعلومات التعميرية، ومعالجة الشكايات عن بعد، والاطلاع على العروض الترابية الموجهة للاستثمار.

    وبحسب الأرقام التي قدمتها الوزيرة، مكنت هذه الإجراءات خلال سنة 2022 من دراسة 3667 ملفا، حظي 2853 منها بالموافقة، أي بنسبة قبول بلغت 78 في المئة، كما جرى تسليم 645 مذكرة للمعلومات التعميرية، كان 32 في المئة منها رقميا.

    وفي ما يتعلق بالعرض السكني، أفادت المنصوري بأن مجموعة العمران تنظم سنويا معارض عقارية في عدد من العواصم الأجنبية، إلى جانب أيام مفتوحة في المدن المغربية، للتعريف بالمنتجات السكنية وتقريبها من أفراد الجالية وتسهيل المساطر الإدارية ومساطر الاقتناء.

    مغاربة العالم في قلب دعم السكن

    ويشكل برنامج الدعم المباشر للسكن أحد أبرز البرامج التي تستهدف القافلة التعريف بها لدى مغاربة العالم، خاصة أن الاستفادة منه لا تقتصر على المغاربة المقيمين داخل المملكة.

    فالبرنامج يتيح للمغاربة المقيمين بالخارج الاستفادة من الدعم المباشر المخصص لاقتناء السكن، متى استوفوا الشروط المحددة، وهو ما جعل أفراد الجالية حاضرين بشكل لافت ضمن المستفيدين منذ انطلاق البرنامج.

    وتكشف أحدث المعطيات المقدمة حول البرنامج أن المغاربة المقيمين بالخارج يمثلون 24 في المئة من مجموع المستفيدين، أي ما يقارب مستفيدا واحدا من كل أربعة.

    وتمنح هذه النسبة بعدا خاصا للقافلة التي تقودها وزارة إعداد التراب الوطني، لأنها تظهر أن علاقة مغاربة العالم بقطاع السكن لا تقتصر على الاهتمام أو الاستفسار، بل تترجم إلى حضور فعلي ضمن المستفيدين من أحد أبرز البرامج العمومية المرتبطة بالقطاع، إضافة إلى الحفاظ على مكانة السكن في موقع متقدم ضمن المشاريع التي ينجزها مغاربة العالم داخل المملكة، سواء بهدف امتلاك مسكن شخصي أو الحفاظ على ارتباط مادي واجتماعي بوطنهم.

    وتعيد نسبة 24 في المئة طرح طبيعة العلاقة بين مغاربة العالم والسوق العقارية، خاصة أن اقتناء السكن ظل تاريخيا أحد أبرز أوجه توجيه مدخرات الجالية داخل المملكة.

     في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن ارتباط مغاربة العالم بالقطاع العقاري يجد جزءا من تفسيره في طبيعة الهجرة المغربية خلال مراحلها الأولى، إذ اتجه الجيل الأول من المهاجرين، الذي انطلق جزء منه من أوضاع اجتماعية محدودة، إلى اقتناء العقار باعتباره وسيلة لضمان الاستقرار عند العودة إلى المغرب والحفاظ على ارتباطه بالوطن.

    ويشير الفينة في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إلى أن هذا التوجه بدأ يعرف تحولا تدريجيا، مع دخول استثمارات مغاربة العالم إلى قطاعات أخرى، من بينها السياحة والخدمات، غير أنها تظل في الغالب استثمارات محدودة الحجم مقارنة بالإمكانات التي تتوفر عليها الجالية.

    ويعتبر أن رفع مساهمة مغاربة العالم في الاستثمار يظل مرتبطا بمعالجة العراقيل التي تواجه المستثمرين، وفي مقدمتها تعقيد بعض المساطر الإدارية، رغم الإصلاحات التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة.

    ويرى الخبير الاقتصادي أن تشجيع الجالية على توسيع استثماراتها يتطلب توفير “تسهيلات وتحفيزات ومواكبة”، ضمن رؤية واضحة تسمح بتعبئة الإمكانات المالية والكفاءات المغربية بالخارج، وتحويل جزء أكبر منها نحو مشاريع واستثمارات داخل المملكة.

    إقبال يعكس الفرص

    وفي قراءته لهذا الإقبال، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن وصول حصة مغاربة العالم إلى 24 في المئة من المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن يعكس تحول هذه الفئة إلى مكون مهم داخل الطلب على السكن، بعدما ظل حضورها لسنوات مرتبطا أساسا بفترة الصيف وباقتناء العقار لأغراض عائلية أو استثمارية.

    وأوضح رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المهنيين يلمسون هذا الطلب بشكل أكبر خلال فترات عودة الجالية إلى المغرب، حيث ترتفع الاستفسارات حول المشاريع المتاحة والأسعار وشروط الاستفادة من الدعم، إلى جانب إمكانية استكمال جزء من إجراءات الاقتناء بعد العودة إلى بلد الإقامة.

    وبحسب المتحدث، فإن الطلب لا يتجه إلى منتوج واحد؛ فهناك أسر تبحث عن شقق متوسطة المساحة قريبة من العائلة والخدمات الأساسية، بينما يهتم جزء من الشباب والأجيال الجديدة بمساكن داخل المدن الكبرى ومحيطها، سواء بهدف التملك أو الاستثمار، كما تظل مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة والقنيطرة، إلى جانب المدن التي تنحدر منها أسر أفراد الجالية، حاضرة ضمن اختيارات هذه الفئة.

    واعتبر رحال أن هذا التطور يفرض على السوق العقارية مواكبة الطلب؛ ليس فقط من حيث توفير السكن المناسب، وإنما أيضا عبر تقديم معلومات واضحة حول المشاريع وتسهيل التواصل والإجراءات عن بعد، بالنظر إلى أن فترة وجود المغربي المقيم بالخارج داخل المملكة تكون في الغالب محدودة.

    الرقمنة تقلص الهوة

    بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، تشكل المساطر والوقت اللازم لإنجاز المعاملات جزءا أساسيا من قرار اقتناء العقار أو إطلاق مشروع، ما يجعل البعد الرقمي حاضرا ضمن الخدمات الموجهة للجالية، سواء عبر الحصول على المعلومات أو الولوج إلى المنصات والخدمات التي تسمح بإنجاز وتتبع عدد من الإجراءات عن بعد.

    ويكتسي هذا الجانب أهمية بالنظر إلى أن أفراد الجالية لا يوجدون بالمغرب طوال السنة، وبالتالي فإن ربط المعاملات العقارية والإدارية حصرا بالحضور الشخصي يمكن أن يشكل عائقا أمام إتمام المشاريع.

    وشكل الهاجس الرقمي محورا أساسيا في مواكبة وزارة إعداد التراب الوطني، إذ خصصت الوكالات الحضرية نوافذ إلكترونية لمغاربة العالم تتيح طلب مذكرات المعلومات التعميرية، ومعالجة الشكايات عن بعد، والاطلاع على العروض الترابية الموجهة للاستثمار.

    ووفي الحصيلة التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني سنة 2023، فقد مكنت هذه الإجراءات خلال سنة 2022 من دراسة 3667 ملفا، حظي 2853 منها بالموافقة، أي بنسبة قبول بلغت 78 في المئة، كما جرى تسليم 645 مذكرة للمعلومات التعميرية، كان 32 في المئة منها رقميا.

    وفي جانب آخر، فبرنامج الدعم المباشر للسكن نفسه يقوم على منصة رقمية مخصصة لتدبير طلبات الاستفادة، بما يسمح للمواطن ببدء وتتبع جزء مهم من مسار الاستفادة إلكترونيا.

    ويراهن المغرب على الرقمنة للانتقال من مواكبة ترتبط أساسا بفترة العودة الصيفية إلى خدمة يمكن أن تستمر طوال السنة، بحيث يستطيع المغربي المقيم بالخارج الوصول إلى المعلومة وتتبع ملفه من بلد إقامته.

  • قانونان يعيدان رسم خريطة التعمير بالمغرب.. وكالات جهوية وضوابط التجزئات تدخل حيز التنفيذ

    قانونان يعيدان رسم خريطة التعمير بالمغرب.. وكالات جهوية وضوابط التجزئات تدخل حيز التنفيذ

    صدر في الجريدة الرسمية عدد 7533 إصلاحان تشريعيان يحملان تغييرات عميقة في تدبير المجال العمراني والاستثمار العقاري بالمغرب، يتعلق أولهما بالقانون رقم 64.23 المحدث للوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، والثاني القانون رقم 34.21 المغير والمتمم للقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.

    ولا يقتصر الإصلاحان على إعادة ترتيب بعض المساطر الإدارية، بل يؤسسان لتحول مزدوج، يعيد بناء المؤسسة المكلفة بالتخطيط العمراني على مستوى الجهة، ويضبط آجال إنجاز التجزئات ومسؤولية الأوراش وحماية المشترين، ويفتح الباب أمام عمليات تهيئة كبرى ذات نفع عام.

    جهوية في المجال ومركزية في القيادة

    يقضي القانون رقم 64.23 بإحداث وكالة جهوية للتعمير والإسكان في كل جهة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، ويطابق نفوذها الترابي حدود الجهة، وسيكون مقرها في العمالة أو الإقليم الذي يشكل مركز الجهة، مع إمكانية إحداث تمثيليات على مستوى العمالات والأقاليم عند الحاجة.

    ويضع القانون بذلك حدا لتعدد الوكالات الحضرية داخل الجهة الواحدة، من خلال تجميعها في مؤسسة جهوية موحدة، ما يساعد على تجاوز التفاوت في الرؤى والوثائق بين المدن والأقاليم، وإدماج التعمير والإسكان والتنمية القروية ضمن تصور ترابي واحد.

    وتتجاوز اختصاصات الوكالات الجديدة إعداد وثائق التعمير ودراستها، إذ أسند إليها القانون إنجاز الدراسات الاستراتيجية والاستشرافية، وتتبع وثائق التعمير وتقييمها ومراجعتها، وإبداء رأي ملزم في ملفات طلبات الأذون والرخص، والمساهمة في إعداد العرض الترابي الجهوي، ووضع برامج تنمية المناطق القروية، وتنفيذ سياسات الولوج إلى السكن ومحاربة السكن غير اللائق.

    وستتولى الوكالات رصد التحولات المجالية، وجمع المؤشرات والمعطيات وتحليلها ونشرها، وإعداد تقارير دورية حول وضعية التعمير والإسكان بكل عمالة أو إقليم، الأمر الذي سينقل المؤسسة من دور تقني يتركز أساسا على دراسة الملفات إلى دور أوسع يشمل التخطيط والتنفيذ والتقييم وإنتاج المعلومة الترابية.

    ويرأس مجلس إدارة الوكالة رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية التي يفوض إليها ذلك، ويضم المجلس الولاة والعمال ورئيس مجلس الجهة وعددا من رؤساء الجماعات وممثلي الإدارات والمؤسسات العمومية.

    جهة البيضاء بوكالتين

    تقدم المادة 23 استثناء خاصا لجهة الدار البيضاء، إذ نص على أنه تمارس الوكالة الجهوية مهامها في عمالات وأقاليم جهة الدار البيضاء – سطات باستثناء المجال التابع للوكالة الحضرية للدار البيضاء، التي تظل خاضعة لظهيرها الخاص لسنة 1984، وبذلك ستعمل داخل الجهة نفسها بنيتان قانونيتان: وكالة جهوية من جهة، ووكالة حضرية خاصة من جهة أخرى.

    هذا الاستثناء، بينت وزيرة إعداد الترابي الوطنية وسياسة المدينة والتعمير، فاطمة الزهراء المنصوري، أن وكالة الدار البيضاء هي أول وكالة حضرية أحدثت سنة 1984، ولها مجموعة من الاختصاصات لا تمتلكها الوكالات الأخرى، مبرزة عدم إمكانية تقليص هذه الاختصاصات لأن ذلك سينعكس على أهميتها، مبرزة أن تعميمها يتطلب إعادة النظر في عدد من النصوص القانونیة وفي اختصاصات عدد من الهیآت.

    وأشارت الوزيرة، خلال مناقشة مشروع القانون بلجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب، أن مدينة الدار البيضاء ستتوفر على وكالة جهوية لها الاختصاصات المنصوص عليها في هذا النص، باستثناء ما يدخل في اختصاص الوكالة الحضرية للدار البيضاء المحدثة طبقا للظهير الشريف للقانون رقم 1-84-188 المؤرخ في 9 أکتوبر 1984.

    وأكدت الوزيرة أن الوكالات الحضرية الحالية سيتم إدماجها وفق ما سطره نص القانون قید الدرس، وسیتم إحداث وکالات جهوية ستمكن من خلق انسجام ترابي في إطار الجهوية المتقدمة، مشيرة إلى أهمية الانسجام الترابي في خلق سياسة عمومية منسجمة.

    وأبرزت المسؤولة الحكومية أن الوكالات الجهوية يمكنها إعادة النظر في عدد من الملفات التي درستها الوکالات، الأمر الذي سيمكن من تدارك عدد من الإشكالات التي قد تعرفها بعض الملفات المتعلقة بالتعمیر أو توضيح موقف الوكالة الحضرية في الملف.

    المجال القروي لم يعد هامشا

    ونص القانون الجديد على إعداد استراتيجيات وبرامج لتأهيل وتنمية المجالات القروية في إطار مشاريع مندمجة تضمن تناسق واستدامة التدخلات بين الحضري والقروي، لمعالجة واقع تتجاوز فيه الضواحي والأنشطة الاقتصادية والسكن حدود المدينة الإدارية.

    ونصت المادة 3 من القانون رقم 64.23 على المساهمة في إعداد الاستراتيجيات والبرامج المتعلقة بتأهيل وتنمية المجالات القروية وبلورتها في إطار مشاريع مندمجة من أجل ضمان تناسق واستدامة التدخلات بالمجالين الحضري والقروي.

    وتدعم هذا التوجه مقتضيات أخرى في المادة 2، التي حددت النفوذ الترابي للوكالة إلى كامل تراب الجهة، بما يشمل الجماعات والمناطق القروية، مع إمكانية إحداث تمثيليات على مستوى العمالات أو الأقاليم، كما حددت مهامها في المساهمة في إعداد التصورات المتعلقة بالعرض الترابي الجهوي وبرمجة تنفيذه، وإعداد ومراجعة وثائق التخطيط والتنمية الترابية، وتقديم الدعم التقني للجماعات الترابية، ورصد الديناميات المجالية وجمع المعطيات وإعداد تقارير دورية عن وضعية التعمير والتخطيط بكل إقليم.

    زيادة على ذلك، تعمل الوكالات الجهوية على المساهمة في برامج تيسير الولوج إلى السكن ومحاربة السكن غير اللائق، وهي برامج تشمل الوسط القروي، زيادة على جرد التراث المعماري والمشهدي الجهوي والمحلي وحمايته وتثمينه.

    آجال جديدة لإنجاز التجزئات

    أما القانون رقم 34.21، فقد أعاد ضبط العلاقة بين مساحة التجزئة والمدة القانونية الممنوحة لإنجاز أشغال التجهيز، وحدد صلاحية الإذن في ثلاث سنوات للتجزئات التي لا تتجاوز مساحتها 20 هكتارا، وخمس سنوات للمساحات التي تفوق 20 هكتارا ولا تتجاوز 100 هكتار، وسبع سنوات للمساحات بين 100 و250 هكتارا، وعشر سنوات للمساحات بين 250 و400 هكتار، وخمس عشرة سنة للتجزئات التي تفوق مساحتها 400 هكتار.

    ويستجيب هذا التدرج لواقع المشاريع الكبرى التي يصعب إخضاعها للأجل نفسه المطبق على التجزئات الصغيرة، غير أن الإذن يسقط إذا انتهت مدته من دون إتمام أشغال التجهيز، مع إمكانية وقف سريان الأجل في حالات التوقف الاضطراري الناتج عن ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع.

    ولهذه الغاية، أحدث القانون لجنة خاصة تدرس طلب وقف الأجل داخل خمسة عشر يوما، وتحيل محضرها خلال ثلاثة أيام، على أن يتخذ رئيس مجلس الجماعة قراره في أجل أقصاه سبعة أيام، ويجب أن يكون قرار الرفض معللا.

    ومنح القانون معالجة انتقالية للمشاريع القديمة، إذ إن المشاريع التي كانت آجالها ما تزال سارية عند نشر القانون تستفيد من الآجال الجديدة بحسب مساحتها، بينما يمكن للمشاريع التي انتهت آجالها من دون استكمال الأشغال الحصول على مهلة إضافية تحددها لجنة تقنية وفق مساحة المشروع ونسبة الأشغال المنجزة ووثائق التعمير المعمول بها.

    الصمت الإداري بضوابط جديدة

    كرّس القانون، في الحالات المحددة فيه، مبدأ اعتبار سكوت الإدارة داخل الآجال القانونية بمثابة موافقة، حيث أصبح الإذن ممنوحا لطلبات تقسيم العقارات، إذا لم يبت رئيس مجلس الجماعة في الطلب داخل ثلاثين يوما، وفق المساطر التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

    وفي المقابل، شدد القانون مسؤولية أصحاب التجزئات، إذ أوجب تعيين مهندس معماري أو مهندس مختص أو مهندس مساح طبوغرافي بصفته “منسقا للورش”، ويتولى تتبع الأشغال والتأكد من مطابقتها للوثائق التي صدر الإذن على أساسها، كما يوقع شهادة تثبت مطابقة الأشغال عند التصريح بانتهائها.

    وإذا كشفت لجنة التسلم المؤقت عن مخالفات أو نقائص، تمنح صاحب المشروع ومنسق الورش أجلا إضافيا لتصحيحها، من دون إلزامهما بتقديم طلب جديد لمجرد انتهاء مدة الإذن.

    وفي حال لم تتم التسوية، أجاز القانون تفعيل مساطر المراقبة والزجر، كما خول للجماعة إنجاز الأشغال الضرورية وتحصيل تكلفتها وفق قواعد استخلاص الديون العمومية.

    ضمانات أقوى للاستثمار

    من أبرز مستجدات القانون منع بيع البقع أو كرائها أو تقسيمها قبل حصول الجماعة على التسلم المؤقت لأشغال التجهيز، ومنع على الموثقين والعدول والمحافظين على الأملاك العقارية تحرير العقود أو تسجيلها من دون الإدلاء بمحضر التسلم المؤقت أو بشهادة تثبت أن العملية لا تدخل ضمن نطاق قانون التجزئات.

    ويعتبر القانون كل عملية بيع أو إيجار منجزة قبل التسلم المؤقت مخالفة مستقلة، ويقرر البطلان المطلق للعقود المخالفة، بهدف الحد من بيع بقع داخل مشاريع لم تستكمل طرقها وشبكات الماء والكهرباء والتطهير، وحماية المشترين من تحمل مخاطر تعثر التجهيز.

    ويترتب على التسلم المؤقت أيضا انتقال طرق التجزئة وشبكات الماء والكهرباء والتطهير والمساحات غير المبنية والمغروسة إلى الملك العام للجماعة بقوة القانون، مع تقييد هذا الانتقال في السجل العقاري تلقائيا ومجانا بناء على محضر التسلم المؤقت.

    التجهيز التدريجي وعمليات التهيئة الكبرى

    سمح القانون، بصورة استثنائية، بإنجاز أشغال تجهيز بعض التجزئات تدريجيا عندما يتعلق الأمر بعمليات استعجالية لإعادة إسكان المتضررين من الكوارث الطبيعية، أو محاربة السكن غير اللائق، أو تحقيق منفعة عامة، بشرط أن تنجز هذه المشاريع من طرف الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية، مع توفير الحد الأدنى من شروط الصحة والسلامة والسكن اللائق.

    ونص القانون في هذه الحالات المحدودة على إمكانية تسليم رخص البناء للمستفيدين قبل استكمال جميع أشغال التجهيز، شريطة وجود برنامج واضح للأشغال والتمويل والتتبع.

    واستحدث النص كذلك إطارا خاصا لعمليات “التهيئة الكبرى ذات النفع العام”، ويتعلق الأمر بمشاريع مندمجة لا تقل مساحتها، من حيث الأصل، عن 400 هكتار، مع إعفاء المشاريع التي تكون الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية صاحبة لها من شرط المساحة.

    ونص القانون على إعلان العملية ذات نفع عام بمرسوم، بعد دراسة جدواها الاقتصادية والمالية والبيئية، وتحديد مجالها وآجال إنجازها والجهة المكلفة بتدبيرها، مع وضع تصميم خاص للتهيئة تسري أحكامه بالأولوية على وثائق التعمير والتصاميم القطاعية، باستثناء مخططات الوقاية والحماية من أخطار الكوارث.

    ومنح القانون هيئة مدبرة مهمة استقبال طلبات المستثمرين في إطار شباك وحيد، بينما يمنح العامل أو الوالي الرخص بحسب المجال الترابي للمشروع، وتظل أيضا مسؤولة عن صيانة التجهيزات والطرق والشبكات وحماية البيئة إلى حين استكمال العملية، ولمدة لا تقل عن عشرين سنة من تاريخ الإعلان عنها.

    متى يبدأ التدبير الجهوي؟

    ومن المنتظر، بعد تفعيل القانون رقم 64.23، أن تنتقل عمليا الأدوار التي يسندها قانون التجزئات إلى الوكالات الحضرية نحو الوكالات الجهوية الجديدة، بالنظر إلى حلولها محل الوكالات السابقة داخل نطاقها، مع مراعاة الاستثناء المتعلق بوكالة الدار البيضاء.

    ويدخل القانون رقم 64.23 حيز التنفيذ، وفق مادته الـ24، فور تعيين المدير العام للوكالة وانعقاد مجلسها الإداري، كما تنسخ جميع المقتضيات التشريعية المخالفة لهذا القانون، ابتداء من التاريخ نفسه، سيما الظهير الشريف رقم 1.93.51 الصادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون المتعلق بإحداث الوكالات الحضرية، والقانون رقم 19.88 المتعلق بإحداث الوكالة الحضرية لفاس وإنقاذ مدينة فاس، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.89.224 ، والقانون رقم 20.88 المتعلق بإحداث الوكالة الحضرية لأكادير، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.89.225.

    أما القانون رقم 34.21 بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام، فيدخل حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

    وأبرزت المادة السادسة من القانون أن الأحكام التي تستلزم صدور النصوص التنظيمية، تدخل حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشرها، كما ألزمت بإصدار النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيق هذا القانون داخل أجل سنة ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

  • قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

    قانون جديد يعيد ترتيب سوق التجزئات لكسر دوامة التعثر

                           

    ظلت لسنوات مشاريع عقارية عالقة بين الأشغال التي لم تستكمل، والتجهيزات التي تأخرت، والمساطر التي لم تجد طريقها إلى الحسم، وفي كل مرة يتعثر فيها مشروع من هذا النوع، لا يتوقف الاستثمار وحده، بل تتأخر معه مساكن يفترض أن تستقبل سكانا، وطرق وشبكات تنتظر الاستكمال، ومرافق عمومية مرتبطة بتوسع عمراني يفترض أن يتم في إطار منظم.

    ومع مرور الوقت، تحولت هذه الوضعيات إلى واحدة من أكثر النقاط تعقيدا في تدبير المجال العمراني، بما لها من كلفة على المستثمرين والجماعات والسكان على حد سواء.

    هذا التراكم هو ما أعاد إلى الواجهة الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، الذي يعود في صيغته الأساسية إلى سنة 1992.

    وبعد سنوات من النقاش حول سبل معالجة المشاريع المتعثرة وتجاوز الاختلالات التي أفرزتها الممارسة، جاء مشروع القانون رقم 34.21، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام، حاملا تعديلات تروم إعادة ترتيب عدد من القواعد المرتبطة بالتجزئات والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، مع توسيع نطاق النص ليشمل أيضا عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام.

    وصادق مجلس النواب على المشروع القانون في 8 يونيو 2026، بموافقة 120 نائبا وامتناع 50، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين بالإجماع في 30 يونيو، ليقترب هذا الورش من نهايته التشريعية بعد سنوات من التعثر الذي طبع عددا من الملفات المرتبطة بالتجزئات العقارية.

    ويأتي القانون في إطار تفعيل توصيات الحوار الوطني حول التعمير والإسكان الذي أطلقته فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في شتنبر 2022، وذلك بالنظر للدور الذي تلعبه مشاريع التجزئات العقارية في تأطير نمو المجالات العمرانية، وتشجيع مختلف الأنشطة الاقتصادية وإنتاج عرض سكني ومرافق عمومية.

    قانون يعود إلى واقع عمراني مختلف

    صدر القانون رقم 25.90 سنة 1992 في سياق كانت فيه مشاريع التجزئة أقل حجماً وتعقيداً، قبل أن تتوسع المدن وتتزايد حاجيات السكن والمرافق وتتعدد المؤسسات المتدخلة في الترخيص والتجهيز والتسلم.

    وأظهرت الممارسة بعد أكثر من ثلاثة عقود أن القواعد نفسها لا يمكن أن تطبق بالكفاءة ذاتها على تجزئة محدودة المساحة ومشروع يمتد على مئات الهكتارات.

    وكان أجل الإذن من أبرز مصادر الإشكال، فالمشروع قد يظل قانونياً مرتبطاً بمدة محددة، رغم أن إنجازه يتوقف على مراحل تقنية وتمويلية وعلى تدخل الجماعات والوكالات الحضرية والمحافظة العقارية والجهات المكلفة بشبكات الماء والكهرباء والتطهير؛ وعند انتهاء الأجل قبل استكمال الأشغال، يصبح المشروع معرضاً للتوقف أو لإعادة ترتيب وضعيته القانونية، حتى عندما يكون التأخير ناتجاً عن أسباب لا يتحكم فيها صاحبه.

    لذلك، لا يقدم القانون الجديد رقم 34.21 تمديداً شكلياً للرخص، بل يغير طريقة احتساب الزمن المخصص للمشروع، بعدما اعتبر أن حجم العملية وطبيعتها يجب أن يدخلا في تحديد أجل إنجازها.

    آجال ترتبط بحجم المشروع

    اعتمد النص آجالاً جديدة ومتدرجة بحسب مساحة التجزئة، تبدأ من ثلاث سنوات بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة، وترتفع تدريجياً لتصل إلى 15 سنة عندما تتجاوز مساحة المشروع 400 هكتار.

    ويمنح هذا التدرج صاحب المشروع قدرة أكبر على برمجة الأشغال والتمويل، بدل إخضاع جميع العمليات لأجل لا يراعي تفاوت أحجامها وتعقيدها.

    ولا يعني ذلك منح المستثمر مهلة مفتوحة، بل الانتقال من أجل موحد إلى أجل يفترض أن يكون متناسباً مع المشروع، لأن التجزئة الكبرى تحتاج إلى إنجاز الطرق والشبكات والمرافق على مراحل، وقد ترتبط بموافقات متعددة يصعب استكمالها خلال المدة نفسها التي يحتاج إليها مشروع صغير.

    كما يسمح القانون بإيقاف سريان أجل الإذن إذا توقفت أشغال التجهيز اضطرارياً بسبب ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع، بمعنى أنه عندما يثبت وجود عائق قهري، تتوقف “الساعة القانونية” إلى حين زواله، بدلاً من استمرار احتساب أجل لا يستطيع المستثمر خلاله مواصلة الأشغال.

    ويمثل هذا المقتضى انتقالاً من التعامل مع كل تأخير باعتباره تقاعساً، إلى التمييز بين المشروع الذي يتوقف بسبب صاحبه والمشروع الذي تعرقله ظروف خارجية.

    وفي هذا السياق، يرى المنعش العقاري عمر رحال أن القانون الجديد رقم 34.21 جاء لمعالجة عدد من الإشكالات التي ظل القطاع يواجهها لسنوات، خاصة تلك المرتبطة بآجال إنجاز المشاريع وسقوط الرخص قبل استكمال الأشغال.

    ويؤكد رحال في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن المشاريع الكبرى تحتاج بطبيعتها إلى مراحل متعددة تشمل الدراسات والتجهيز والتمويل، ما يجعل اعتماد آجال متدرجة بحسب حجم المشروع، مع إمكانية توقيف سريانها في الحالات الخارجة عن إرادة المستثمر، من بين أهم المستجدات التي يمكن أن تحد من التعثر المرتبط بالجوانب القانونية والإدارية أكثر من ارتباطه بالجوانب التقنية.

    هل ينهي القانون تعثر التجزئات؟

    يعالج النص بصورة مباشرة أسباباً قانونية ظلت تضع مشاريع أمام خطر فقدان الإذن، كما يفتح، بصفة استثنائية، إمكانية منح أجل إضافي لبعض التجزئات التي سقطت أذونها، تحدده لجنة تقنية بغرض استكمال أشغال التجهيز.

    وهذا يعني أن الإصلاح يمكنه إنقاذ مشاريع لم تتوقف بسبب غياب الأرض أو الطلب، بل بسبب انتهاء الأجل أو تعقد الوضعية الإدارية، وسيكون فتح المجال أمام استكمالها بمثابة تحرير لاستثمارات مجمدة وتسريع لدخول بقع ومساكن وتجهيزات جديدة إلى المجال العمراني.

    نقل المرافق وحسم الوضعية القانونية

    من المستجدات المهمة أيضا في القانون الجديد النقل التلقائي والمجاني إلى الملك العام للجماعة للطرق والشبكات والمساحات غير المبنية المغروسة، بعد التسلم المؤقت لأشغال التجهيز.

    ويهدف هذا المقتضى إلى إنهاء وضعيات كانت فيها مرافق مستعملة من السكان من دون أن تُحسم سرعة إدماجها في الملك العام للجماعة.

    ويساعد النقل التلقائي الجماعة على تولي تدبير هذه المرافق وصيانتها داخل إطار قانوني واضح، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية مالية وتقنية أكبر.

    وفي مقابل منح القانون مرونة أكبر في الإنجاز، إذ يقوي مسؤولية المجزئ عن جودة الأشغال؛ فإذا ظهرت عيوب خلال السنة الموالية للتسلم المؤقت، وامتنع صاحب التجزئة عن إصلاحها، يمكن لرئيس مجلس الجماعة تحصيل المصاريف المرتبطة بالإصلاح، كما أن هذا المقتضى يمنع نقل كلفة العيوب مباشرة إلى الجماعة أو السكان، ويجعل التبسيط الإداري مقروناً بالمسؤولية عن جودة التجهيز.

    مناخ الاستثمار.. تقليص المخاطر

    يحمل القانون رقم 34.21 رسالة إيجابية للمستثمر، لأنه يمنحه رؤية أوضح حول مدة الإذن ومآل المشروع عند حدوث توقف اضطراري، ويقدم حلولاً لاستكمال بعض العمليات بدل سقوطها نهائياً.

    ويتقاطع هذا الإصلاح مع توجه أوسع لتبسيط الإجراءات وتحسين مناخ الاستثمار الذي يشهده المغرب في السنوات الأخيرة، ومع الحاجة إلى تسريع إنتاج السكن والتجهيزات في ظل توسع المدن والأوراش العمرانية الكبرى.

    ويرى المنعش العقاري عمر رحال أن أهمية هذا الإصلاح لا تكمن فقط في المقتضيات الجديدة التي جاء بها، وإنما في كيفية تنزيلها على أرض الواقع، موضحا أن نجاح القانون سيظل رهينا بتبسيط المساطر، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين التنسيق بين مختلف الإدارات المتدخلة.

    وأضاف أن تحقيق هذه الشروط من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين، ويخفض جزءاً من المخاطر المرتبطة بالتأخير الإداري، ويساهم في تسريع إنجاز المشاريع وتوفير عرض عقاري وسكني أكبر، بما ينعكس إيجاباً على دينامية الاستثمار في القطاع.

    التهيئة الكبرى والبعد الاجتماعي

    ويشكل توسيع النص ليشمل عمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام ما يمنحه وظيفة تتجاوز التجزئات التجارية التقليدية، كما يؤطر الإنجاز التدريجي لأشغال التجهيز في عمليات تنجزها الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والمقاولات العمومية، خصوصاً لإعادة إسكان ضحايا الكوارث الطبيعية، ومحاربة السكن غير اللائق، أو تنفيذ مشاريع للمنفعة العامة.

    وتتيح هذه المرونة التدخل بسرعة في الحالات الاجتماعية والاستعجالية، من دون اشتراط استكمال جميع مراحل المشروع دفعة واحدة.

    وفي قراءته لمستقبل هذا الإصلاح، يؤكد عمر رحال أن القانون يمثل خطوة مهمة نحو تحديث الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية، لكنه يشدد على أن الأثر الحقيقي سيقاس بمدى انعكاسه على أرض الواقع.

    وأوضح المتحدث ذاته أن المستثمر لا يبحث فقط عن نصوص قانونية جديدة، بل عن مساطر واضحة، وآجال معقولة، وقرارات إدارية منسجمة، معتبراً أن نجاح هذا الورش رهين بتعبئة جميع المتدخلين، من جماعات ترابية ووكالات حضرية وإدارات معنية، لضمان تنزيل المقتضيات الجديدة بالنجاعة والسرعة المطلوبتين.

    وأضاف أن تحقيق هذا التكامل من شأنه أن يرفع ثقة المستثمرين، ويقلص المشاريع المتعثرة، ويساهم في تطوير عرض عمراني أكثر تنظيماً واستجابة لحاجيات التنمية.

  • وزارتا الشباب والإسكان تنظمان مباراة لاختيار ممثل المغرب بمعرض الهندسة المعمارية بالبندقية

    وزارتا الشباب والإسكان تنظمان مباراة لاختيار ممثل المغرب بمعرض الهندسة المعمارية بالبندقية

    تنظم وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بشراكة مع وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مباراة لاختيار المشروع المؤهل لتمثيل المغرب في المعرض الدولي العشرين للهندسة المعمارية بالبندقية 2027.

    وأوضح بلاغ لوزارة الشباب والثقافة والتواصل أن على الفريق المختار سيكون تقديم عمل يرقى إلى مستوى التميز المعماري المغربي، ويعكس تجذره في المجتمعات والمجالات الترابية، وقدرته على الانخراط في مسار التنمية المستدامة.

    وتُنظم هذه المباراة على مرحلتين؛ تكتمل الأولى منها بحلول 10 غشت المقبل كموعد نهائي لإيداع أظرفة الترشيح.

    وأبرز البلاغ أن المباراة تهدف إلى اختيار فريق متعدد التخصصات من بين الكفاءات المعمارية الوطنية، ليُكلف بتصميم وتهيئة وإنجاز جناح المملكة المغربية. وتتولى لجنة تحكيم، تضم شخصيات مرموقة ومشهوداً لها في مجالات اختصاصها، انتقاء خمسة مشاريع في المرحلة الأولى، على أن تشهد المرحلة الثانية اختيار المشروع النهائي.

    ودعت الوزارة المترشحين المهتمين إلى زيارة الموقع الإلكتروني التالي للاطلاع على شروط وإجراءات المشاركة وإيداع ملفات ترشيحهم: https://mjcc.gov.ma/fr/avis-de-concours-architectural-2

    وحددت آجال إيداع الترشيحات من الإثنين 27 يوليوز 2026 إلى الإثنين 10 غشت 2026.

    وتشارك المملكة المغربية للمرة الثانية في المعرض الدولي العشرين للهندسة المعمارية بالبندقية 2027، بعد مشاركة أولى في بينالي البندقية للهندسة المعمارية سنة 2025، وحضور ناجح في بينالي البندقية للفنون سنة 2026.

    ويؤكد هذا التتويج، وفق بلاغ لوزارة الشباب والقافة والتواصل، الإشعاع الفني والإبداعي للمغرب على الساحة الدولية، تحت رعاية الملك محمد السادس. وتقام هذه الدورة لسنة 2027، التي أُوكلت قيمتها الفنية للمنسقَين “وانغ شو” (Wang Shu) و”لو وِنيو” (Lu Wenyu) من مكتب (Amateur Architecture Studio)، تحت شعار “ممارسة الهندسة المعمارية — من أجل إمكانية التعايش في مواجهة واقع ملموس”.