تكشف أرقام الهيئة الناخبة للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 عن تحول يتجاوز مجرد انخفاض عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية مقارنة بانتخابات 2021.
وتظهر الإحصائيات أن الهيئة الناخبة لم تتقلص بحوالي 1.7 مليون مسجل فقط، بل تغير وزن الفئات العمرية داخلها بشكل لافت، خصوصا مع ارتفاع حصة من تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق، مقابل تراجع واضح في حضور الشباب.
وبحسب آخر معطيات البوابة الرسمية للوائح الانتخابية العامة، كما تم حصرها في 10 يوليوز 2026 عقب انتهاء عملية المراجعة الاستثنائية، بلغ عدد المسجلين 15.801.162 ناخبا، وفي انتخابات 2021، كان عدد المسجلين قد بلغ 17.509.127 ناخبا.
الفارق يصل إلى 1.707.965 مسجلا، أي أن الهيئة الناخبة المسجلة في 2026
شباب أقل حضورا
أبرز ما تكشفه المقارنة بين 2021 و2026 هو التحول في البنية العمرية للهيئة الناخبة.
ففي 2021، كان الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق يمثلون 23 في المئة من مجموع المسجلين، أما في 2026، فقد ارتفعت حصتهم إلى أكثر من 29 في المئة.
في الاتجاه المقابل، تراجع وزن الشباب بشكل واضح، فالفئة العمرية بين 18 و24 سنة كانت تمثل 8 في المئة من الهيئة الناخبة في 2021، بينما لا تتجاوز 4 في المئة في 2026.
والفئة الممتدة بين 25 و34 سنة تراجعت بدورها من 19 في المئة إلى 15 في المئة.
بذلك، انتقل مجموع المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة من 27 في المئة سنة 2021 إلى 19 في المئة سنة 2026.
أي أن حضور هذه الفئة داخل الهيئة الناخبة تقلص بثماني نقاط مئوية خلال خمس سنوات.
وفي المقابل، اتسع وزن الفئات الأكبر سنا، فالأشخاص الذين يبلغون 60 سنة فما فوق أصبحوا وحدهم يمثلون ما يقارب ثلث الهيئة الناخبة.
الفارق ليس في الرجال والنساء
على مستوى النوع، تبدو الصورة أكثر استقرارا، لأن الرجال يمثلون 54 في المئة من المسجلين في 2026، مقابل 46 في المئة للنساء، وهي النسب نفسها التي سجلتها انتخابات 2021.
بمعنى آخر، لم يؤد التراجع في العدد الإجمالي للمسجلين إلى تغيير واضح في التوازن بين الجنسين، ما يجعل العامل العمري أكثر أهمية في قراءة التحول الذي عرفته الهيئة الناخبة خلال السنوات الخمس الماضية.
وإجمالا، الناخب المغربي في 2026 ليس مختلفا كثيرا عن نظيره في 2021 من حيث التوزيع بين الرجال والنساء، لكنه مختلف بشكل أوضح من حيث توزيع الأعمار.
المدينة تحافظ على تقدمها
الأمر نفسه ينطبق، إلى حد كبير، على التوزيع حسب الوسط، ففي 2026، يمثل المسجلون في الوسط الحضري 55 في المئة مقابل 45 في المئة في الوسط القروي.
وفي 2021، كانت النسبة 54 في المئة في الوسط الحضري مقابل 46 في المئة في الوسط القروي، أي أن الفارق لا يتجاوز نقطة واحدة، وهو ما يعني أن الخريطة المجالية للهيئة الناخبة ظلت مستقرة نسبيا.
وبالتالي، إذا كان هناك تحول كبير في الهيئة الناخبة بين الاستحقاقين، فإنه لا يظهر أساسا في النوع أو الوسط، وإنما في العمر وحجم الهيئة نفسها.
هل يعني ذلك عزوف الشباب؟
تراجع نسبة الشباب داخل اللوائح الانتخابية لا يعني، بشكل آلي، أن الشباب المغربي أصبح أكثر عزوفا عن السياسة أو أقل اهتماما بالانتخابات.
فاللوائح الانتخابية تقيس التسجيل ولا تقيس المشاركة الفعلية.
قد يكون الشاب مسجلا ولا يصوت، وقد يكون غير مسجل أصلا، ولذلك لا يمكن تحويل تراجع نسبة المسجلين الشباب وحده إلى مؤشر مباشر على العزوف الانتخابي.
لكن الرقم يطرح تساؤلا عن أسباب تراجع وزن الشباب داخل الهيئة الناخبة المسجلة في 2026، خصوصا أن عملية المراجعة الاستثنائية لسنة 2026 كانت تتيح التسجيل للشباب الذين سيبلغون 18 سنة كاملة على الأقل يوم الاقتراع، إلى جانب باقي المواطنين المستوفين للشروط وغير المسجلين.
ومن هنا، فإن تراجع وزن فئة 18 إلى 34 سنة لا ينبغي اختزاله في كلمة واحدة مثل العزوف، بل يستحق قراءة أوسع تجمع بين التسجيل، والتحولات الديموغرافية، والتنقلات السكانية، ومدى انخراط الأجيال الجديدة في العملية الانتخابية.
2026 ليست 2021 حتى قبل فتح الصناديق
جرت انتخابات 2021 في سياق كانت فيه الهيئة الناخبة تضم 17.5 مليون مسجل، وبلغت المشاركة يوم الاقتراع حوالي 50.18 في المئة، أي أن عدد المصوتين بلغ نحو 8.8 ملايين ناخب.
لذلك، فإن الرقم الحالي للهيئة الناخبة لا يقدم جوابا حول نسبة المشاركة المرتقبة، لكنه يرسم مسبقا الخريطة التي ستجري داخلها المنافسة الانتخابية.
وحين تتراجع حصة الناخبين الشباب من 27 إلى 19 في المئة، وترتفع حصة من تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق من 23 إلى أكثر من 29 في المئة، فإن وزن القضايا التي تخاطب كل فئة لا يعود متساويا بالضرورة.
السكن والعمل والدخل والحماية الاجتماعية والصحة والنقل والتعليم وغيرها من الملفات قد تكون مشتركة بين الأجيال، لكن ترتيب الأولويات وطريقة استقبال الخطاب السياسي يمكن أن تختلف باختلاف العمر.
إذا كانت انتخابات 2021 قد جرت أمام هيئة ناخبة تضم 17.5 مليون مسجل، فإن انتخابات 2026 ستجري أمام هيئة أصغر بحوالي 1.7 مليون اسم.
لكن المفارقة الأهم ليست في هذا الانخفاض وحده، لأن الهيئة الناخبة أصبحت أصغر عددا، وفي الوقت نفسه أكثر تقدما في السن.
فالشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة أصبحوا يمثلون أقل من خمس الهيئة الناخبة، بعدما كانوا يشكلون أكثر من ربعها في 2021.
وفي المقابل، أصبح الناخبون الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فما فوق يشكلون قرابة ثلث المسجلين.
وهذا التحول يضع الانتخابات المقبلة أمام معادلة مختلفة: الأحزاب لا تتنافس فقط على أصوات ناخبين جدد، وإنما أمام هيئة ناخبة تغير تركيبها.
من هنا، فإن قراءة انتخابات 2026 لن تبدأ فقط من النتائج التي ستعلنها صناديق الاقتراع في 23 شتنبر، بل من فهم من يقف خلف تلك الصناديق أصلا؛ص ناخبون أقل عددا من 2021، أكثر حضرية بفارق محدود، يحافظون على التوازن نفسه بين الرجال والنساء، لكنهم أكبر سنا بشكل واضح.








