المدونة

  • بـ70% من احتياطي الفوسفاط العالمي.. كيف تحول المغرب إلى صمام أمان إفريقيا الغذائي وسط أزمة هرمز؟

    بـ70% من احتياطي الفوسفاط العالمي.. كيف تحول المغرب إلى صمام أمان إفريقيا الغذائي وسط أزمة هرمز؟

    وضع تقرير حديث صادر عن التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا (AGRA) المغرب في قلب معادلة الأمن الغذائي للقارة، معتبرا أن احتياطياته الهائلة من الفوسفاط وقدرته الصناعية على تحويلها إلى أسمدة تجعلانه ركيزة لا غنى عنها لعشرات الملايين من المزارعين الأفارقة، في وقت تعيد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ترتيب أولويات سلاسل التوريد العالمية.

    عشر دول إفريقية كبرى تعتمد على المغرب

    وفق معطيات التقرير، يظهر المغرب ضمن أهم ثلاثة مصادر لواردات الأسمدة في عشر من أكبر الدول الإفريقية المستوردة وهي إثيوبيا (بمعدل 1.7 مليون طن سنويا بين 2005 و2024)، كينيا (1.3 مليون طن)، تنزانيا (1.1 مليون طن)، غانا (0.9 مليون طن)، ساحل العاج (0.9 مليون طن)، زامبيا (0.8 مليون طن)، أوغندا (0.7 مليون طن)، رواندا ومالاوي (0.6 مليون طن لكل منهما)، والسنغال (0.5 مليون طن)، حيث يتقاسم المغرب الصدارة في هذه الأسواق مع منافسين دوليين كبار كروسيا والصين والسعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا، بحسب اختلاف السوق.

    وتظل إثيوبيا، أكبر مستورد إفريقي للأسمدة بواقع نحو 1.97 مليون طن في 2024 وحدها وفق مركز التطوير الدولي للأسمدة (IFDC) عبر Ecofin Agency، بينما استوردت كينيا 834 ألف طن وزامبيا نحو 797 ألف طن في العام ذاته، وهي مستويات منسجمة مع فرضية أن المعدل السنوي على مدى عشرين سنة (2005-2024) يكون أقل من الرقم الأخير المسجل في 2024، نظرا للنمو التصاعدي للواردات عبر العقدين الماضيين، كما يؤكد تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (UNECA) أن قرابة 60 في المئة من الأسمدة الفوسفاطية المستهلكة في إفريقيا تأتي من موردين أفارقة، أساسا من شمال القارة.

    وتزداد هذه المكانة رسوخا في السنوات الأخيرة عبر عقود تجارية ملموسة، ففي يوليوز 2026 وحده، أكدت بنغلاديش طلبيتين إضافيتين لشراء التريبل سوبر فوسفاط من المكتب الشريف للفوسفاط بلغتا نحو 70 ألف طن، فيما يستحوذ المغرب على 45 في المئة من واردات ساحل العاج من الأسمدة، بحسب منصة “Cauris Media”.

    في تصريح لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية بتاريخ 15 يوليوز الجاري، أكد المستشار الفلاحي الأسبق للرئاسة الفرنسية، هيرفي لوجون، أن إفريقيا “تستورد 42 في المئة من أسمدتها الفوسفاطية من المغرب”، معتبرا الرباط “شريكا مميزا” بالنظر إلى قربها الجغرافي من كل من أوروبا وإفريقيا.

    احتياطيات تفوق 70 في المئة من المخزون العالمي

    يستند التقرير إلى معطيات حول التركز الجغرافي الاستثنائي لاحتياطيات الفوسفاط، إذ تحوز إفريقيا الشمالية وحدها 55.1 مليون طن من هذه الاحتياطيات، أي ما يعادل 78 في المئة من المخزون العالمي، فيما يستأثر المغرب بمفرده بنسبة 70.42 في المئة، تليه مصر (3.94 في المئة)، ثم الجزائر (3.10 في المئة)، وأخيرا تونس (0.14 في المئة).

    هذه الأرقام تتطابق بدقة لافتة مع معطيات نشرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا استنادا إلى المسح الجيولوجي الأمريكي (USGS)، والتي تشير حرفيا إلى أن “الجزائر ومصر والمغرب وتونس تحوز 77.6 في المئة من الاحتياطيات العالمية، ويستأثر المغرب وحده بـ70.4 في المئة من الاحتياطي العالمي للفوسفاط”، وهو ما يقترب بشكل شبه تام من الرقمين اللذين يوردهما تقرير AGRA (78 و70.42 في المئة على التوالي)، ما يرجح أن كلا المصدرين يعتمدان على قاعدة بيانات المسح الجيولوجي الأمريكي.

    كما تؤكد دراسات أخرى، من بينها منتدى الاقتصاد العالمي ومعهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن حصة المغرب من الاحتياطيات العالمية تناهز 70 في المئة، بمخزون يقدر بنحو 50 مليار طن، مقابل أقل من 4 مليارات طن للصين التي تحتل المرتبة الثانية عالميا.

    إنتاج تضاعف مرتين ونصف لكن الاعتماد الخارجي لا يزال قائما

    وكشف التقرير أن إنتاج إفريقيا من الأسمدة المعدنية قفز من 5.7 ملايين طن سنة 2002 إلى 14.1 مليون طن في 2023، أي بزيادة قدرها 146 في المئة، فيما ارتفع الاستخدام الفلاحي لهذه الأسمدة من 4.3 ملايين طن إلى 7 ملايين طن (+65 في المائة) خلال الفترة ذاتها، ومع ذلك، لا تمثل القارة الإفريقية سوى 4 في المئة فقط من الاستهلاك العالمي للأسمدة المعدنية، إذ يبقى المستهلكون الرئيسيون هم مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.

    هذه الأرقام تتقاطع بدرجة عالية مع معطيات مستقلة أخرى، فتقرير “مراقبة التجارة الزراعية الإفريقية” (AATM) لسنة 2025 الصادر عن “ReSAKSS” يشير إلى أن “إنتاج الأسمدة المعدنية في إفريقيا ارتفع بنسبة 165 في المئة بين 2000 و2023، من 5.3 ملايين طن مغذيات إلى 14.1 مليون طن”، وهو رقم قريب جدا من رقم AGRA (5.7 مقابل 5.3 ملايين طن كنقطة انطلاق، ونفس الرقم النهائي 14.1 مليون طن بالضبط).

    كما يؤكد التقرير ذاته أن المغرب ومصر يساهمان بنسبة 79 في المئة من إجمالي الإنتاج الإفريقي للفترة 2019-2023، ليرتفع إسهام شمال إفريقيا ككل إلى 90 في المئة بإضافة الجزائر وتونس.

    ويضيف بحث لمركز “CGIAR” أن حصة إفريقيا من الإنتاج العالمي للأسمدة لم تتجاوز 4 في المئة (5.8 ملايين طن) في مطلع الألفية، وهو ما يطابق النسبة التي يوردها تقرير “AGRA” بخصوص الحصة الحالية للقارة من الاستهلاك العالمي.

    مضيق هرمز.. الشريان الذي يهدد أمن إفريقيا الغذائي

    يعيد التقرير التذكير بالدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في تجارة الأسمدة العالمية، إذ يمر عبره 23 في المئة من التجارة العالمية للأمونيا، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و49 في المئة من الكبريت، و18 في المئة من ثنائي وأحادي فوسفاط الأمونيوم (DAP وMAP).

    هذه النسب الأربع تتطابق حرفيا مع بيانات الرابطة الدولية للأسمدة “IFA”، التي نشرت بتاريخ مارس 2026 عبر صفحاتها أنه: “في 2024، استحوذت خمس دول مصدرة رئيسية (إيران، قطر، السعودية، الإمارات، البحرين) على 23 في المئة من تجارة الأمونيا العالمية، و34 في المئة من تجارة اليوريا، و18 في المئة من تجارة MAP+DAP”، فيما يورد التقرير الاستشرافي متوسط المدى للرابطة الدولية للأسمدة (IFA) لسنة 2026 رقم 49 في المئة كحصة للكبريت تحديدا، وهي أرقام متطابقة بشكل كامل مع ما أورده تقرير “AGR”.

    وقد تجسدت هذه المخاطر فعليا خلال الأشهر الأخيرة، فمنذ اندلاع المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية المعروفة بـ”عملية الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026، انهارت حركة الملاحة عبر المضيق بنسبة قاربت 95 في المئة (من نحو 130 سفينة يوميا إلى 6 سفن فقط)، بحسب ورقة موقف صادرة عن “AGRA” نفسها بعنوان “الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته على تحول الأنظمة الغذائية الأفريقية”، والتي رصدت ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تراوحت بين 30 و45 في المئة في عدة أسواق إفريقية، من بينها نيجيريا (+40 في المئة تقريبا لليوريا) وغانا (+35 في المئة).

    وبحسب تحليل نشرته صحيفة “لوفيغارو”، فإن إغلاق المضيق “سحب ثلث المعروض العالمي من الأسمدة من السوق الدولية”، فيما ومع انفراج نسبي في الأزمة وإعادة فتح المضيق تدريجيا منذ أبريل 2026 لا تزال الأسواق مضطربة، إذ تشير نشرة استجابة أزمة الأسمدة الصادرة عن “IFDC” بتاريخ 7 يوليوز 2026 إلى أن “إعادة فتح مضيق هرمز خففت من المخاوف اللوجستية الفورية، لكنها لم تلغِ الهشاشة البنيوية” التي تعاني منها أسواق الأسمدة العالمية، مع استمرار ارتفاع تكلفة الكبريت كعائق رئيسي أمام إنتاج الفوسفاط المحول.

    فرصة تاريخية ضمن منطقة التجارة الحرة القارية

    يرى تقرير “AGRA” أن الاضطرابات التي تعرفها سلاسل التوريد العالمية تفتح أمام منتجي شمال إفريقيا، وعلى رأسهم المغرب، فرصة حقيقية لتوسيع صادراتهم نحو الأسواق الإفريقية، ويوصي بالتركيز على أربعة محاور هي دعم الإنتاج المحلي في البلدان التي تتوفر فعلا على قدرات صناعية مهمة، وهي تحسين البنية التحتية التجارية، وتوسيع آليات التمويل، وتعزيز الاندماج التجاري ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf) بهدف رفع حصة الأسمدة الفوسفاطية المتبادلة داخل القارة إلى ما يتجاوز 60 في المئة الحالية، وزيادة التبادل الإقليمي بنسبة تقدر بـ26 في المئة.

    وهذه التوصيات تنسجم مع توجه فعلي بدأ يتبلور على أرض الواقع، فمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، التي ترفع إنتاجها الحالي من الأسمدة الفوسفاطية من 15 إلى 20 مليون طن في أفق 2027، تعمل على رفع طاقتها الاستخراجية من الصخور الفوسفاطية من 50 إلى 70 مليون طن سنويا، فيما استفاد المغرب مؤخرا من قرار الإدارة الأمريكية تعليق الرسوم التعويضية على وارداتها من الأسمدة الفوسفاطية المغربية لثمانية أشهر ابتداء من 28 يونيو 2026، وهو ما منح شركة “أو سي بي” “وصولا مميزا إلى أول سوق عالمية” بحسب تحليل نشرته منصة “Cauris”، علما أن الإدارة الأمريكية أوصت بالمقابل في 24 يوليوز 2026، بالإبقاء على الرسوم التعويضية بنسبة 20.04 في المئة لمدة خمس سنوات إضافية في إطار المراجعة الخماسية الدورية، في انتظار القرار النهائي.

    غير أن التقرير، شأنه شأن تحليلات أخرى صادرة عن مؤسسات دولية، يشير أيضا إلى نقطة ضعف بنيوية، فرغم امتلاكه أضخم احتياطي فوسفاطي في العالم، يبقى المغرب معتمدا بشدة على استيراد الكبريت والأمونيا من دول الخليج لتحويل الصخور الفوسفاطية إلى أسمدة جاهزة، وهو ما يجعله عرضة بدوره لتداعيات أي اضطراب يطال منطقة الخليج، حتى وإن كان في موقع المستفيد الظاهري من أزمة مضيق هرمز، بحسب ما يوضحه تحليل نشرته “RFI”.

  • واشنطن تفتح للمغرب باب محطة “أرجنت إل إن جي” الأمريكية بسعة 25 مليون طن من الغاز المسال سنويا

    واشنطن تفتح للمغرب باب محطة “أرجنت إل إن جي” الأمريكية بسعة 25 مليون طن من الغاز المسال سنويا

    أضافت الولايات المتحدة، المغرب إلى قائمة الوجهات التي يمكن أن تستقبل الغاز الطبيعي المسال المصدَّر من محطة “أرجنت إل إن جي” (Argent LNG) المستقبلية بميناء بورت فورشون في ولاية لويزيانا، بموجب الأمر رقم 5447 الصادر عن مكتب المحروقات والطاقة الجيوثرمية (HGEO) التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.

    الترخيص، الذي وقّعته إيمي سويني مديرة مكتب الأمن الطاقي العالمي، يمنح الشركة إذنا لتصدير ما يعادل 1293.75 مليار قدم مكعب من الغاز سنويا، أي ما يقارب 25 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، لمدة عشرين سنة تبدأ من تاريخ أول عملية تصدير تجارية، فيما لا يتضمن هذا الترخيص بحسب نص الأمر أي إشارة إلى الكميات المخصصة للمغرب، أو الأسعار أو جدول التسليم أو هوية أي مشترٍ مغربي حتى الان.

    وينتمي المغرب إلى مجموعة من 18 دولة تفرض اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة معها مع واشنطن معاملة وطنية في تجارة الغاز، إلى جانب أستراليا والبحرين وكندا وتشيلي وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس والأردن والمكسيك ونيكاراغوا وعُمان وبنما وبيرو وكوريا الجنوبية وسنغافورة.

    ويفرض القانون الأمريكي على وزارة الطاقة، بالنسبة لهذه الوجهات، اعتبار عمليات التصدير متوافقة مع المصلحة العامة والترخيص لها “دون تعديل أو تأخير”، أما بالنسبة للدول غير المستفيدة من هذا النظام التجاري، فتبقى مسطرة منفصلة قيد الدراسة، في حين يسمح الترخيص الممنوح للشركة بالبيع لحسابها الخاص أو كوكيل لجهات أخرى تحوز الوقود.

    25 مليون طن.. أين تقع من حجم السوق العالمي؟

    تعادل السعة التي أعلنت عنها “أرجنت إل إن جي”، في حال بلوغ طاقتها القصوى، نحو 5.8 في المئة من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال التي بلغت 428 مليون طن في 2025، حسب التقرير السنوي للمجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي المسال (GIIGNL)، كما تعادل 4.8 في المئة من القدرة العالمية للتسييل المسجلة في نفس السنة والبالغة 524 مليون طن.

    أما المعدل اليومي المرخص به، القريب من 3.5 مليار قدم مكعب، فيمثل أكثر بقليل من 20 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية المتوقعة لسنة 2026 حسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، والمقدرة بـ17.4 مليار قدم مكعب يوميا.

    مشروع بقيمة 18 مليار دولار في لويزيانا

    ويفترض أن يشغل المشروع أكثر من 900 فدان (نحو 364 هكتارا) في مقاطعة لافورش، بعد أن استحوذت السلطة المسؤولة عن ميناء بورت فورشون في يوليوز 2025 على 743 فدانا إضافيا لرفع المساحة الإجمالية إلى هذا الرقم.

    ويشمل المشروع اثنتي عشرة وحدة تسييل معيارية تعتمد تكنولوجيا شركة “بيكر هيوز”، وخزانين بتقنية الأغشية بسعة 220 ألف متر مكعب لكل منهما، ومحطة كهربائية تعمل بالغاز بقوة تقارب 350 ميغاواط، ومحطتين قادرتين على استقبال ناقلات غاز تتراوح سعتها بين 125 ألفا و260 ألف متر مكعب.

    وتعتزم الشركة الشروع في الأعمال في دجنبر 2027، وبدء الخدمة التجارية في الفصل الأول من 2030، رهنا بحصولها على باقي التراخيص الفدرالية وتأمين تمويل الورشة.

    ويصل الغاز إلى المركب عبر أنبوبين بقطر ستة عشر بوصة مرتبطين بشبكة “كينيتيكا” والبنى التحتية المجاورة، وتخطط الشركة لمرحلة أولى بسعة قريبة من 12 مليون طن سنويا قبل الارتفاع إلى 25 مليونا، وتقدم منشأتها كأحد أكبر مشاريع التصدير المطروحة على الساحل الأمريكي لخليج المكسيك، ويمتد عقد استئجار الأرض على ثلاثين سنة قابلة للتجديد مرتين لمدة ثلاثين سنة إضافية في كل مرة، أي احتلال محتمل أقصاه تسعون سنة.

    وتبقى الأرقام الاقتصادية التي تنشرها الشركة متغيرة بحسب صفحات موقعها الرسمي، فهي تشير إلى استثمار أولي بقيمة 18 مليار دولار، وهو الرقم الذي أكدته الشركة نفسها في بيانها الرسمي عن الترخيص، بينما تعرض بحسب الأقسام أكثر من 600 أو نحو 3000 وظيفة دائمة في الولايات المتحدة، وتقدّر “العائدات الاقتصادية الشاملة” المرتبطة بتصدير 25 مليون طن بما بين 5.5 و8 مليارات دولار سنويا، دون أن تكشف عن منهجية حساب هذه التقديرات.

    شركاء تجاريون في أكثر من 40 دولة.. والمغرب ليس من بينهم بعد

    تؤكد الشركة أنها تجري مباحثات تجارية مع “أكثر من أربعين دولة” في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وأبرز التزام رقمي معلن يخص بنغلاديش، بحد أقصى 5 ملايين طن سنويا، أي 20 في المائة من السعة المرتقبة للمشروع، لكن الملف الفدرالي يصف الاتفاق مع دكا بأنه “اتفاق مبدئي غير ملزم”.

    كما وقّعت “أرجنت إل إن جي” اتفاق تعاون دون كمية معلنة مع “إبياش” (EPIAS)، المشغل التركي لأسواق الغاز والكهرباء، من أجل تخزين وتسويق الغاز الأمريكي المسال في وسط وجنوب شرق أوروبا.

    وتضيف هذه الشركة أيضا إلى شبكة شراكاتها مذكرة تفاهم مع شركة “نافتوغاز” الأوكرانية لبيع الغاز عبر محطات إعادة التغويز الأوروبية، ما يؤكد أن المغرب حتى الآن لا يظهر ضمن أي التزام تجاري معلن أو حتى مبدئي مع الشركة.

    المغرب يستورد 10.4 تيراواط/ساعة من الغاز عبر إسبانيا.. ولا عقد مع “أرجنت”

    إدراج المملكة ضمن الوجهات المرخصة يفتح إمكانية تجارية على المدى الطويل، دون أن يترتب عنه أي التزام بالشراء، ويستورد المغرب منذ يونيو 2022 غازا طبيعيا مسالا يُشترى من السوق الدولية، تتم إعادة تغويزه في محطات إسبانية، ثم يُوجَّه في الاتجاه المعكوس عبر خط أنابيب المغرب-أوروبا.

     وقد بلغت التدفقات الآتية من إسبانيا نحو 10.375 تيراواط/ساعة في 2025، مقابل 9.703 تيراواط/ساعة في السنة السابقة، أي بزيادة قريبة من 7 في المئة، وهو رقم قياسي منذ إعادة تفعيل الخط في اتجاهه المعكوس بعد قطع الجزائر إمداداتها في 2021، وبهذا الرقم، يظل المغرب ثاني أكبر وجهة لصادرات الغاز الإسبانية المعاد تصديرها بحصة 26 في المائة، خلف فرنسا بـ35 في المائة.

    بناء على هذا المعطى، فإن أي شحنة من “أرجنت إل إن جي” لن تتمكن من الوصول إلى المغرب إلا بعد توقيع عقد تجاري وتنظيم عملية تفريغ في منشأة بحرية متوافقة، ويمكن نظريا أن تُعاد تدويرها في إسبانيا قبل تحويلها عبر خط الأنابيب، على غرار المشتريات المغربية الحالية، أو أن تصل إلى منشأة وطنية مستقبلية، لكن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة كانت قد علّقت في فبراير 2026 مساطر مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور “ويست ميد” وخطوط الأنابيب المرتبطة به، بذريعة “معايير وافتراضات جديدة تستدعي إعادة النظر في المشروع”.

    شفافية تنظيمية تفرضها واشنطن

    يفرض الترخيص الأمريكي على “أرجنت إل إن جي” إحالة عقودها طويلة المدى إلى وزارة الطاقة في غضون ثلاثين يوما من توقيعها والتصريح بدول التسليم الفعلي، وهذا يعني أن أي عملية بيع موجهة إلى المغرب ستترك أثرا تنظيميا موثقا، حتى لو تصرفت “أرجنت إل إن جي” لحساب جهة أخرى حائزة للغاز.

    وحتى تاريخ منح هذا الترخيص، لا يذكر الملف الفدرالي المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، ولا المكتب الوطني للمحروقات والمعادن، ولا أي شركة مغربية خاصة من بين الأطراف التجارية المتعامل معها.

    من هي “أرجنت إل إن جي”؟

    مقر الشركة في مدينة ميتيري بولاية لويزيانا ويسيطر جوناثان باس رئيسها التنفيذي، على المساهم الأغلبي فيها، وتُعد شركة “بيكر هيوز” مزود التكنولوجيا الرئيسي المكلف بأنظمة التسييل والتوربينات المخصصة للمشروع، عبر تقنيتها المعيارية وتوربينات “إل إم 9000″، وتؤكد كل المصادر المتاحة دورها كمزود تقني وشريك خدمات، كما يوضح الملف الفدرالي أن قيادة الشركة أمريكية، وأنها “لا تخضع لملكية أي حكومة أجنبية، كليا أو جزئيا، بشكل مباشر أو غير مباشر.

  • التحول الرقمي.. حصيلة خمس سنوات من إصلاح الإدارة المغربية

    التحول الرقمي.. حصيلة خمس سنوات من إصلاح الإدارة المغربية

    لم يعد التحول الرقمي في المغرب مجرد ورش تقني يرتبط بإطلاق منصات إلكترونية أو رقمنة بعض الوثائق، بل أصبح مدخلا لإعادة بناء علاقة المواطن بالإدارة، وتحسين جاذبية الاقتصاد، ورفع نجاعة المرفق العمومي، وتعزيز قدرة الدولة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

    ومنذ سنة 2021، انتقل هذا الورش إلى صدارة الأولويات الحكومية، في سياق كانت فيه الإدارة المغربية تتوفر على مكتسبات رقمية مهمة، لكنها ظلت موزعة بين قطاعات ومؤسسات مختلفة، دون أن تنعكس دائما بالوضوح نفسه على تجربة المرتفق، فقد استمرت شكاوى المواطنين من تعدد الوثائق، وتكرار الإدلاء بالمعطيات نفسها، والتنقل بين الإدارات، في وقت كانت فيه الفوارق الرقمية والمجالية تحد من استفادة مختلف الفئات من الخدمات المتاحة عن بعد.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، أطلقت استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، ووسعت عدد الخدمات والمساطر الرقمية، كما تم تعزيز التشغيل البيني بين الإدارات، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات والبنيات التحتية والمقاولات الناشئة والذكاء الاصطناعي.

    وتحققت، وفق معطيات وزارة الانتقال الرقمي، نتائج ملموسة في عدد من الخدمات التي تقلصت آجالها ووثائقها، مقابل استمرار صعوبات مرتبطة بتشتت المنصات، وضعف التكامل بين بعض الأنظمة، واستمرار الجمع بين المسار الرقمي والورقي داخل عدد من الإدارات.

    وتطرح حصيلة السنوات الخمس الأخيرة سؤالا يتجاوز عدد المنصات والمشاريع المعلنة إلى سؤال إلى أي حد نجح المغرب في الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى إعادة هندسة الإدارة؟ وهل اقترب فعلا من بناء مرفق عمومي متكامل، آمن ومنصف مجاليا، يخفف الكلفة والزمن عن المواطن، ويجعل من الرقمنة رافعة للثقة والتنمية والسيادة الرقمية؟

    المغرب الرقمي قبل 2021.. مكتسبات بأثر محدود

    عند بداية الولاية الحكومية 2021-2026، لم يكن المغرب ينطلق من نقطة الصفر في مجال التحول الرقمي، فقد سبق للمملكة أن أطلقت عدة استراتيجيات رقمية متعاقبة، من أبرزها “المغرب الرقمي 2013” و”المغرب الرقمي 2020″، كما راكمت تجربة مهمة في تعميم الربط بالإنترنت عبر الشبكات المتنقلة، وأرست ترسانة قانونية وتنظيمية شملت قوانين حماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني وخدمات الثقة الرقمية وتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.

    وبدورها شهدت بعض القطاعات العمومية خطوات مهمة في مجال الرقمنة، خصوصا في مجالات الضرائب والجمارك والعدالة والحالة المدنية والتعمير، إلى جانب بروز المغرب كفاعل معترف به في قطاع ترحيل الخدمات.

    غير أن هذه المكتسبات لم تكن كافية لإحداث تحول رقمي شامل، إذ ظلت الجهود المبذولة متفرقة وغير قادرة على إرساء منظومة رقمية مندمجة تنعكس بشكل ملموس على علاقة المواطن بالإدارة.

    وأظهر التشخيص الذي أنجزته وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن المغرب كان يواجه عددا من التحديات البنيوية، في مقدمتها الخصاص في الكفاءات الرقمية، إذ لم يتجاوز عدد خريجي الشعب والمسارات الرقمية 8000 خريج سنويا، وهو رقم اعتُبر غير كاف لمواكبة الطلب المتزايد على المهارات الرقمية.

    واستمرت، وفق حصيلة الوزارة، الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات والبنيات التحتية الرقمية، حيث كانت بعض المناطق القروية والجبلية والنائية تعاني من ضعف التغطية بشبكات الاتصال والإنترنت، فضلا عن استمرار التفاوت في الاستفادة من الكفاءات والخدمات الرقمية بين مختلف الجهات والفئات السكانية، الأمر الذي حدّ من تحقيق إدماج رقمي شامل ومتوازن.

    واتسمت رقمنة الإدارة بطابع مجزأ، إذ عملت كل إدارة على تطوير خدماتها الرقمية بشكل منفصل، دون وجود تكامل كاف بين الأنظمة المعلوماتية أو مسارات موحدة تتيح للمواطن إنجاز إجراءاته الإدارية دون الحاجة إلى التنقل أو إعادة الإدلاء بالوثائق نفسها، كما ساهم غياب التنسيق المؤسسي والأجرأة المشتركة بين مختلف الإدارات في إضعاف فعالية هذه المبادرات والحد من أثرها على جودة الخدمات العمومية.

    وفي جانب آخر، كشفت جائحة كوفيد-19 بدورها حدود النموذج الرقمي القائم آنذاك، بعدما أبرز التشخيص الحاجة إلى إدارة أكثر مرونة وقدرة على ضمان استمرارية خدماتها عن بعد، لذلك، لم يكن الرهان المطروح سنة 2021 يتمثل فقط في إطلاق مشاريع رقمية جديدة، بل في الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى بناء منظومة رقمية مندمجة ومتماسكة، قادرة على إحداث تحول حقيقي في علاقة المواطن بالإدارة وتحسين جودة الخدمات العمومية.

    نحو تسريع التحول الرقمي وإصلاح الإدارة

    وانطلاقا من حصيلة الوزارة الوصية على القطاع، فقد تركزت الجهود، خلال الفترة الممتدة ما بين 2021 و2026، على إرساء تحول رقمي شامل يجعل من الرقمنة رافعة لتحديث الإدارة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    وتمحورت أهداف هذا الإصلاح حول تسريع رقمنة الخدمات العمومية وتحسين جودة المرفق العام، من خلال تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية وتقليص عدد الوثائق المطلوبة والتنقل بين الإدارات الذي يثقل كاهل المواطنين.

    واستهدفت الوزارة أيضا تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات العمومية بما يسمح بتبادل المعطيات بشكل آمن وفعال، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية والرقمية وضمان ولوج أوسع إلى الخدمات الرقمية لفائدة مختلف الفئات والجهات.

    وشملت هذه الأهداف أيضا تطوير الكفاءات والمهارات الرقمية الوطنية، وتعزيز السيادة الرقمية والأمن السيبراني، وجعل الرقمنة أداة لدعم التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمار.

    وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة إلى تهيئة المغرب لمواكبة التحولات المتسارعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، بما يمكنه من التموقع كفاعل رقمي إقليمي قادر على الاستفادة من الفرص التي تتيحها الثورة التكنولوجية الجديدة.

    وفي هذا السياق، يعتبر حسن خرجوج، خبير في الأمن السيبراني والتطور المعلوماتي، أن ورش الانتقال الرقمي شكل أحد أبرز الأوراش التي حققت فيها الحكومة حصيلة إيجابية خلال الولاية الحكومية الحالية.

    وأبرز خرجوج أن تدبير القطاع اتسم بالاستمرارية المؤسساتية بين مرحلة الوزيرة السابقة غيثة مزور والمرحلة الحالية بقيادة الوزيرة أمل الفلاح السغروشني، مشددا على أن هذه الاستمرارية ساهمت في نقل النقاش من مجرد رقمنة بعض الخدمات والوثائق المتفرقة إلى تبني رؤية أكثر شمولا للتحول الرقمي، تشمل الإدارة الرقمية، والهوية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والمقاولات الناشئة، فضلا عن تعزيز السيادة الرقمية على البيانات.

    من التشخيص إلى الإصلاح

    وأمام محدودية أثر الاستراتيجيات السابقة وتشتت المبادرات الرقمية، تبنت وزارة الانتقال الرقمي، منذ سنة 2021، مقاربة جديدة تقوم على تعزيز التكامل بين الإدارات، وتبسيط المساطر، وتطوير البنيات التحتية والكفاءات الرقمية، وهو ما تُوج بإطلاق الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030” باعتبارها الإطار المرجعي للتحول الرقمي بالمملكة.

    هذه الاستراتيجية تجسد الانتقال إلى رؤية شاملة تعتبر الرقمنة رافعة مركزية لتعزيز التنافسية الاقتصادية، وترسيخ السيادة الرقمية، وتوسيع الإدماج الرقمي، وتسريع إصلاح الإدارة وتحديث المرفق العمومي، وفق الحصيلة الوزارية.

    وقد انطلقت الأجرأة العملية لهذه الاستراتيجية ابتداء من شهر نونبر 2024، قبل أن تتعزز ديناميتها بإطلاق خارطة الطريق “المغرب للذكاء الاصطناعي 2030″، ومبادرة “الذكاء الاصطناعي صُنع في المغرب”.

    وحددت الاستراتيجية مجموعة من الأهداف في أفق سنة 2030، من بينها تكوين 100 ألف كفاءة رقمية سنويا، وإحداث 240 ألف منصب شغل مباشر في الاقتصاد الرقمي، ورفع المساهمة الإضافية للقطاع بأكثر من 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام، إلى جانب تطوير منظومة الشركات الناشئة عبر إحداث 3000 مقاولة ناشئة، فضلا عن توسيع تغطية شبكات الجيل الخامس لتشمل 70 في المئة من السكان، وربط نحو 5.6 ملايين منزل بشبكة الألياف البصرية “FTTH”.

    وفي قراءته لحصيلة الولاية الحكومية الحالية، يعتبر خرجوج أن ورش التحول الرقمي شهد خلال السنوات الأخيرة نفسا استراتيجيا واستمرارية مؤسساتية، مكنت من الانتقال من منطق المبادرات التقنية المتفرقة إلى بناء مشروع وطني ذي أبعاد اقتصادية وإدارية أوسع، إلا أن التحدي الحقيقي في رأيه يتمثل في تحويل هذه الرؤية الاستراتيجية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، من خلال تقليص التعقيدات الإدارية وتحقيق انتقال فعلي نحو إدارة رقمية متكاملة، وليس الاكتفاء بتوسيع عدد المنصات والخدمات الإلكترونية.

    من الرقمنة إلى إعادة هندسة المرفق العمومي

    لتنزيل هذه الرؤية، اعتمدت الوزارة مقاربة نسقية ومندمجة، تجمع بين تحديث الإطار القانوني، من خلال القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والقانون رقم 04.20 المتعلق بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، ومشروع القانون المتعلق بالإدارة الرقمية X.0، ومشروع قانون المقاولات الناشئة؛ وبين إرساء حكامة مخصصة، عبر اللجنة الوطنية لقيادة الاستراتيجية الرقمية؛ فضلا عن بناء شراكات عمومية وخاصة مهيكلة مع فاعلين وطنيين ودوليين، مع تنزيل ترابي يغطي الجهات الـ12 للمملكة.

    وعلى مستوى إصلاح الإدارة، تم تسريع رقمنة الخدمات العمومية وتبسيط عدد من المساطر ذات الاستعمال الواسع، فقد توسعت بوابة “إدارتي” لتشمل أكثر من 2458 مسطرة إدارية سنة 2026 تغطي أكثر من 120 إدارة، و600 خدمة رقمية.

    وتم الاستغناء عن الوثائق الورقية في عدد من الخدمات، مثل التسجيل لاجتياز امتحان البكالوريا بصفة مترشح حر، والتسجيل الأولي في المدارس، بفضل تعزيز قابلية التشغيل البيني مع السجل الوطني للسكان.

    كما انتقلت الوزارة، مقارنة بسنة 2021، إلى مستوى أكثر تقدما في مسار الرقمنة، وفق ما تؤكده حصيلة الولاية الحالية، من خلال تعميم منصات رقمية مشتركة، من قبيل مكتب الضبط الرقمي، والحقيبة الإلكترونية للوثائق، ومنصة الشكايات “Chikaya.ma”، والمنصة الوطنية لأخذ المواعيد.

    وانعكست هذه الجهود على عدد من المؤشرات الدولية، إذ تقدم المغرب في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية بـ11 رتبة بين سنتي 2022 و2024، منتقلا من المرتبة 101 إلى المرتبة 90 عالميا، في مؤشر على تسارع وتيرة إصلاح الإدارة ورقمنة الخدمات العمومية.

    أي أثر على المواطن؟

    تشير حصيلة عمل وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة برسم الولاية الحكومية 2021-2026، إلى أن عددا من الخدمات الإدارية أصبح يُنجز اليوم في آجال أقصر وبإجراءات أقل تعقيدا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات.

    ووفق المعطيات التي تحصلت عليها “AM+ MEDIA”، فقد مكنت رقمنة عدد من المساطر من تقليص الوثائق المطلوبة والحد من تنقل المرتفقين بين الإدارات، فيما ساهمت منصات رقمية، من قبيل “إدارتي” و”Chikaya.ma” والمنصة الوطنية لأخذ المواعيد، في تسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية وتعزيز التفاعل مع المرفق الإداري.

    ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك، رقمنة مسطرة اجتياز امتحان البكالوريا بصفة مترشح حر، حيث تم الاستغناء بشكل كامل عن الوثائق الورقية، مع تقليص مدة معالجة الطلب من يومين إلى حوالي عشر دقائق فقط.

    ومكن إطلاق خدمة التسجيل الأولي بالمدارس من تقليص عدد الوثائق المطلوبة من خمس وثائق إلى صفر وثيقة، والحد من التنقلات الإدارية.

    وامتد هذا التبسيط ليشمل المجال الاقتصادي، إذ تم تقليص الوثائق المطلوبة في عدد من مساطر الاستثمار بنسبة 45 في المئة، مع تنزيل هذه المساطر على مستوى الجهات الـ12 للمملكة عبر منصة “CRI-INVEST”.

    وعملت الوزارة، وفق المصدر ذاته، على الانتقال من رقمنة الخدمات بشكل منفصل إلى تطوير منصات رقمية مشتركة وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات، بما يسمح بتبادل المعطيات والحد من مطالبة المواطنين بالإدلاء المتكرر بالوثائق نفسها، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية للانتقال نحو إدارة أقل اعتمادا على الوثائق الورقية.

    بين رقمنة المساطر وإعادة هندسة الإدارة

    وفي تقييم لأثر هذه الإصلاحات على المواطن، يبرز الطيب هزاز، خبير في الأمن السيبراني، أن الإدارة المغربية حققت خطوة مهمة في مجال رقمنة الخدمات، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة إعادة هندسة الخدمات العمومية بشكل كامل.

    ويرى هزاز أن هناك بعض المساطر ما تزال تعاني مما وصفه بـ”رقمنة التعقيد”، من خلال نقل الإجراءات الورقية إلى منصات رقمية دون تبسيط حقيقي للمساطر أو اعتماد مبدأ “مرة واحدة فقط” في الإدلاء بالمعلومة، مضيفا “على سبيل المثال، ما يزال المواطن في بعض الخدمات مطالبا بإدخال نفس المعطيات في عدة منصات مختلفة، بسبب غياب التكامل بين قواعد البيانات الإدارية”.

    فرغم التقدم المسجل، فإن التحسن في علاقة المواطن بالإدارة لم يبلغ بعد المستوى نفسه في مختلف المرافق العمومية، الأمر الذي يؤكده حسن خرجوج، إذ يشير إلى أن الرقمنة ساهمت في تعزيز ثقة المواطن في الإدارة عندما وفرت خدمات أكثر سرعة ووضوحا، ومكنت المرتفق من تتبع طلباته وخففت من أعباء التنقل والانتظار.

    غير أن هذه الثقة، وفق المصرح عينه، تبقى نسبية، لأن المواطن يقيم نجاح الرقمنة انطلاقاً من تجربته اليومية، وليس بناءً على عدد المنصات التي يتم إطلاقها، فكلما تعددت البوابات الرقمية أو تعطلت الخدمات أو غابت المساعدة التقنية، تحولت الرقمنة من وسيلة للتبسيط إلى مصدر جديد للتعقيد.

    وفي سياق تعزيز شمولية المرفق العمومي، امتدت هذه الإصلاحات لتشمل البعد اللغوي، حيث اتخذت الحكومة خطوات تروم تعزيز ولوج المواطنين الناطقين بالأمازيغية إلى الخدمات العمومية. فقد جرى توسيع حضور اللغة الأمازيغية في خدمات الاستقبال والتوجيه، وفي عدد من المواقع الإلكترونية والفضاءات الإدارية والتواصل المؤسساتي، بما من شأنه أن يسهم في تحسين تجربة المواطن وتيسير فهم المساطر والإجراءات الإدارية، وتعزيز مبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية.

    هل اقترب المغرب من “صفر ورقة”؟

    تكشف القراءة الشمولية لحصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة خلال الفترة ما بين 2021 و2026 عن تحول تدريجي في مقاربة الدولة للرقمنة، إذ انتقلت من منطق المبادرات القطاعية المتفرقة إلى بناء منظومة رقمية أكثر تكاملاً تشمل البنيات التحتية، والكفاءات، والإطار القانوني، والإدارة العمومية، والمنظومة المقاولاتية.

    وعلى مستوى الرأسمال البشري، عرف المغرب ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الطلبة المسجلين في التخصصات الرقمية، إلى جانب إحداث مؤسسات تكوينية جديدة متخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقمنة.

    أما على مستوى البنيات التحتية، فقد شهدت المملكة توسيع تغطية شبكات الاتصال عالية الصبيب، والشروع في نشر الجيل الخامس، فضلاً عن تطوير مراكز المعطيات والحوسبة السحابية وتعزيز منظومة الأمن السيبراني.

    وعلى مستوى الإدارة العمومية، ساهمت رقمنة عدد من المساطر والخدمات في تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص الاعتماد على الوثائق الورقية، فيما أتاح تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الإدارات الحد من مطالبة المواطنين بالإدلاء المتكرر بالوثائق نفسها، وهو ما يشكل إحدى الركائز الأساسية للانتقال نحو إدارة رقمية أكثر تكاملاً.

    غير أن بلوغ هدف “صفر ورقة” لا يزال يواجه عدداً من التحديات، إذ يرى الطيب هزاز أن الحديث عن تحقيق هذا الهدف بشكل كامل لا يزال سابقاً لأوانه، مبرزاً أن ما يعيشه المغرب حالياً هو نموذج “الإدارة المزدوجة”، حيث ما تزال الإدارة تجمع بين المساطر الرقمية والورقية في الوقت نفسه.

    ويعزو ذلك إلى تجزؤ الأنظمة المعلوماتية، واستمرار اعتماد بعض الإدارات على الوثائق الورقية لأغراض التحقق القانوني، فضلاً عن مقاومة التغيير داخل بعض الإدارات العمومية.

    خارطة طريق تراهن على المستقبل

    وفي أفق سنة 2030، تراهن المملكة على الانتقال إلى مرحلة التوطيد والتعميم، من خلال استكمال رقمنة الخدمات العمومية، وتوسيع شبكات الجيل الخامس والألياف البصرية، وتكوين 100 ألف كفاءة رقمية سنوياً، وإحداث 240 ألف منصب شغل مباشر في الاقتصاد الرقمي، بما يعزز مكانة التحول الرقمي كرافعة للتنمية الاقتصادية والإدارية.

    وفي تقدير حسن خرجوج، يمتلك المغرب اليوم مؤهلات مهمة لتحقيق أهداف “المغرب الرقمي 2030″، بفضل توفره على كفاءات شابة، وقطاع متطور لترحيل الخدمات، وبنيات تحتية متنامية في مجالات الاتصالات والحوسبة، إلى جانب بروز منظومة من الجامعات والمقاولات الناشئة، فضلاً عن وجود إرادة سياسية واضحة لدفع ورش التحول الرقمي.

    كما أن توجه المغرب نحو تطوير مراكز البيانات السيادية، والحوسبة السحابية، وتوسيع شبكات الألياف البصرية، والاستثمار في تكوين الكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يعزز هذا المسار خلال السنوات المقبلة، غير أنه يشدد على أن التحدي الحقيقي لا يزال يتمثل في القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية، وتقليص الفجوة الرقمية بين المدن والقرى، وتعزيز حماية المعطيات الشخصية، وتوحيد المعايير الرقمية بين مختلف الإدارات العمومية.

    وفيما يتعلق بالأولويات التي ينبغي التركيز عليها خلال الفترة 2026-2030، يؤكد أنس أبو الكلام، رئيس مختبر البحث العلمي للتقنية الذكية والمستدامة ورئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية، أن الرهان الأساسي يتمثل أولاً في الاستثمار في العنصر البشري، سواء من خلال تعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين والمرتفقين، أو عبر مواكبة الموظفين والمستخدمين للتطورات المتسارعة المرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    ومن بين الأولويات الأخرى، يبرز المتحدث ضرورة تطوير الكفاءات الرقمية عبر إدماج مهارات الرقمنة والذكاء الاصطناعي في منظومة التعليم والتكوين المستمر، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني والسيادة الرقمية لحماية المعطيات الشخصية والبنيات التحتية الحساسة، من خلال اعتماد استراتيجيات فعالة وتقييم مستمر لمستوى جاهزية الإدارات والمؤسسات.

    ويؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات الحديثة أصبح ضرورة ملحة لبناء إدارة أكثر استباقية وكفاءة، تقوم على حكامة مسؤولة وأخلاقية لهذه التقنيات.

    ويخلص أبو الكلام إلى أن التحدي خلال السنوات المقبلة لم يعد يقتصر على رقمنة الخدمات، بل يتمثل في بناء إدارة ذكية ومتكاملة وآمنة، يكون أثرها ملموساً في الحياة اليومية للمواطن، وتجعل من الرقمنة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الثقة في المرفق العمومي.

  • برقية تهنئة من جلالة الملك إلى رئيس المالديف

    برقية تهنئة من جلالة الملك إلى رئيس المالديف

    بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى رئيس جمهورية المالديف، محمد مويزو، وذلك بمناسبة احتفال بلاده بعيدها الوطني.

    وأعرب جلالة الملك، في هذه البرقية، عن أحر التهاني للرئيس محمد مويزو، وأصدق المتمنيات لشعب المالديف الشقيق بموصول الرخاء والتقدم.

    ومما جاء في برقية جلالة الملك “وبنفس المناسبة، أود أن أعرب لكم عن مدى ارتياحي لمستوى علاقات الأخوة والتقدير المتبادل التي تجمع بين بلدينا، والتي نحرص معا على ترسيخها، وعلى مواصلة العمل سويا من أجل تطوير تعاوننا الثنائي ليشمل مختلف المجالات، خدمة للمصالح المشتركة لشعبينا الشقيقين”.

  • السفير الأمريكي الأسبق: المغرب مرجع للتنمية والاستقرار بإفريقيا

    السفير الأمريكي الأسبق: المغرب مرجع للتنمية والاستقرار بإفريقيا

    أكد السفير الأمريكي الأسبق بالمغرب، دايفيد فيشر، أن التقدم المحرز تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية والدينية، يجعل من المغرب نموذجا “يحتذى به” في إفريقيا.

    وقال السيد فيشر، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، بمناسبة الذكرى الـ27 لتربع جلالة الملك على عرش أسلافه المنعمين، إن “الخلاصة التي تتجلى عند تأمل الإنجازات التي حققها المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، لا سيما في مجالات الاقتصاد والدبلوماسية والحريات الدينية، هي أن المملكة أضحت نموذجا يحتذى به في إفريقيا”.

    وأبرز الدبلوماسي الأمريكي السابق أن البنية التحتية للموانئ تشكل، في حد ذاتها، “نجاحا لافتا”، معربا عن “إعجابه الشديد” بمنشآت ضخمة من حجم ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح “أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا”.

    وأضاف، في إشارة إلى ميناء الداخلة الأطلسي: “نعلم أننا سنشهد المزيد في الداخلة”، مؤكدا أن هذا المشروع يمثل، على غرار القطار فائق السرعة، “قصة نمو رائعة”.

    وفي معرض تطرقه للاحتفال، هذه السنة، بالذكرى الـ250 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والولايات المتحدة، اعتبر السيد فيشر أن الأمر يتعلق “بشراكة حقيقية”، مضيفا أنه “اعتراف بصداقة ساهمت في نشأة الولايات المتحدة الأمريكية”.

    وبحسب المتحدث، فإن الروابط التي تجمع بين الرباط وواشنطن “وازنة ومتعددة الأبعاد”، وتساهم في تحقيق الاستقرار والتنمية في هذه المنطقة من العالم.

    وأضاف أنه “عندما نقيس حجم ما بناه المغرب والولايات المتحدة معا على مر القرون، يمكنني القول إن المغرب يمثل مضاع فا للقوة، وهذا أمر مبهر في الحقيقة”.

    وأشار إلى أن 250 سنة من العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة تعكس المدى الكامل لعمق هذه الشراكة، مؤكدا أنها “علاقة عريقة، وعميقة، ومتينة، ومستدامة، وتتطلع للمستقبل”.

    وفي ما يتعلق بمستقبل هذه العلاقة الثنائية، أعرب السيد فيشر عن “تفاؤله العميق”، موضحا أن الأسس التي بناها البلدان على مدى الـ250 سنة الماضية، والتي تعززت بالتعاون متعدد الأبعاد وبـ”الروابط الإنسانية العميقة التي تجمع بين شعبينا”، توفر لهما “أرضية استثنائية للمضي قدما”.

    وفي معرض حديثه عن تجربته كسفير في المغرب، عبر الدبلوماسي السابق عن بالغ اعتزازه بالمساهمة في تعزيز عمل الولايات المتحدة بالمملكة، مضيفا: “إنني أتطلع إلى 250 سنة أخرى من العلاقات الاستثنائية بين أمتينا”.

  • جلالة الملك يهنئ الرئيس الليبيري

    جلالة الملك يهنئ الرئيس الليبيري

    بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى رئيس جمهورية ليبيريا، جوزيف نيوما بواكاي، وذلك بمناسبة احتفال بلاده بعيدها الوطني.

    وقال جلالة الملك، في هذه البرقية، “في غمرة احتفال جمهورية ليبيريا بعيدها الوطني، يطيب لي أن أبعث إليكم بأحر التهاني وأصدق المتمنيات لشعبكم الشقيق باطراد الازدهار والرخاء”.

    ومما جاء في هذه البرقية أيضا “وأغتنم هذه السانحة الطيبة لأثمن المستوى المتميز الذي بلغته علاقات الأخوة والصداقة بين بلدينا، والتي نحرص سويا على توطيدها، وعلى المضي قدما في تطوير تعاوننا الثنائي ليشمل مختلف الميادين، لما فيه خير شعبينا الشقيقين”.

  • المغرب يعزز وزنه في معادلات واشنطن الاستراتيجية

    المغرب يعزز وزنه في معادلات واشنطن الاستراتيجية

    أكد نائب رئيس المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية بواشنطن، إيلان بيرمان، أن المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبفضل الرؤية الملكية “المتبصرة”، أضحى “نموذج نجاح” سياسي واقتصادي على الصعيدين القاري والإقليمي.

    وقال بيرمان، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين، إن “هذا تطور لافت. فالمغرب يرسخ نفسه اليوم بوضوح كنموذج: نموذج اقتصادي ونموذج سياسي على المستويين الإقليمي والإفريقي”.

    واعتبر أن المغرب يمضي بخطى واثقة على طريق النجاح بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك، وبفضل اتساق الاستراتيجيات التي يجري تنفيذها تحت قيادة جلالته.

    كما أبرز نائب رئيس المجلس الأمريكي للسياسة الخارجية أن المغرب، تحت القيادة الاستشرافية لجلالة الملك، سيستفيد بشكل أكبر من هذه المكتسبات والتقدم الذي تحقق خلال العقدين الماضيين، مضيفا أنه “ستكون هناك تحديات ينبغي رفعها، لكن هذه الرؤية الملكية الحصيفة ستظل ذات قيمة كبيرة دائما”.

    وفي ما يتعلق بالعلاقات المغربية-الأمريكية، التي تصادف هذه السنة الذكرى الـ250 لإقامتها، شدد بيرمان على “اتساع وعمق ودينامية” هذه العلاقة الاستراتيجية والمتفردة.

    واعتبر الخبير الأمريكي أنه في سياق عالمي يشهد تحولات متواصلة، فإن الشراكة بين الرباط وواشنطن، المدعوة لأن تتعزز بشكل أكبر، “يمكن أن تحقق مكاسب هائلة للغاية”.

    وخلص إلى أن الأمر يتعلق “بمكاسب ليس للمغرب فقط في إطار استراتيجيته الإفريقية، وإنما أيضا بالنسبة للولايات المتحدة في ما يتعلق بأولوياتها الاستراتيجية بالخارج”.

  • كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    يظل ملف التشغيل أحد أكثر الملفات تعقيدا في أي حصيلة حكومية، كونه المجال الذي تختبر فيه السياسات العمومية قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، وجد المغرب نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، فرضتها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والاضطرابات الجيوسياسية، إلى جانب سنوات الجفاف المتتالية وزلزال الحوز والفيضانات التي ضربت العديد من المدن المغربية، وهي عوامل ألقت بظلالها على دينامية سوق الشغل ورفعت منسوب الانتظارات بشأن قدرة الحكومة على الحد من البطالة وتحفيز الإدماج المهني.

    وفي مواجهة هذه الإكراهات، راهنت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات على حزمة من البرامج والإصلاحات الرامية إلى تنشيط سوق الشغل، وتعزيز قابلية التشغيل، وتوسيع فرص التكوين والإدماج المهني، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب والنساء.

    سوق شغل هش عند بداية الولاية

    “كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب تتالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي”، يؤكد محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير المرصد للعمل الحكومي.

    وبالعودة إلى آخر أشهر في الولاية الحكومية السابقة، تكشف معطيات 2021، استنادا إلى مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط، أن الحكومة الحالية تسلمت ملف التشغيل في سياق بالغ الصعوبة، كان فيه أكثر من 4.47 ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة (من أصل 5.9 ملايين شاب) خارج سوق الشغل، أي ما يمثل 76.1 في المئة من هذه الفئة العمرية، بينما لم يكن يشتغل سوى 962 ألف شاب، مقابل 448 ألف شاب عاطل عن العمل.

    ولم يتجاوز معدل نشاط الشباب 23.9 في المئة، مقابل 45.3 في المئة بالنسبة لمجموع السكان، مع تفاوت كبير بين الذكور والإناث، حيث لم يتعد معدل نشاط النساء الشابات 12.1 في المئة.

    وظل ارتفاع معدل البطالة ملحوظا لدى الشباب بين سنتي 2019 و2021 بـ6.9 نقطة مقابل 3.1 نقطة لدى مجموع السكان النشيطين، وبلغ معدل البطالة، على المستوى الوطني، 31.8 بالمئة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة مقابل 13.7 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 سنة و 3.8 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين البالغين 45 سنة أو أكثر.

    ولم تكن الأزمة مرتبطة بندرة فرص العمل فقط، بل أيضا بجودة التشغيل، إذ كشفت مذكرة مندوبية التخطيط آن ذاك أن 41.9 في المئة من الشباب المشتغلين يزاولون عملا غير مؤدى عنه، بينما كان أكثر من 73 في المئة من الأجراء الشباب يشتغلون دون عقد عمل، في وقت بلغت فيه بطالة الشباب 31.8 في المئة، وارتفعت إلى أكثر من 61 في المئة في صفوف الحاصلين على شهادات عليا، في مؤشر على ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات.

    بهذا الصدد، يشدد المحلل والخبير الاقتصادي، المهدي فقير، على أن “سنة 2020 كانت سنة كارثية بامتياز للاقتصاد المغربي، بحكم جائحة كورونا وفترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، ما أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة”.

    ويرى أن القلاقل التي طبعت تلك الفترة على الصعيد الدولي، كان لها تأثيرات كبيرة على التضخم العالمي، وبالتالي، المغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع غير المستقرة”.

    خارطة طريق جديدة للتشغيل

    بدوه، يؤكد جدري أن الحكومة انطلقت من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، ما يجعل تقييم حصيلة قطاع التشغيل مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة، لأن المطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة، وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    وفي مواجهة هذا الواقع، اختارت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الانتقال من تدبير برامج متفرقة إلى اعتماد خارطة طريق وطنية للتشغيل، تقوم على تعبئة مختلف القطاعات الحكومية وربط الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية بهدف خلق فرص الشغل.

    وتؤكد الحصيلة المرحلية لوزارة يونس السكوري أن مختلف التدخلات مكنت من إحداث أكثر من 851 ألف فرصة شغل خلال الولاية الحالية، في وقت سجل فيه الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 وحدها إحداث 193 ألف منصب شغل صاف، منها 249 ألف منصب مأجور، مقابل تراجع عدد المناصب غير المأجورة بـ55 ألف منصب، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو التشغيل المنظم.

    كما تراجع معدل التشغيل غير المهيكل خارج القطاع الفلاحي من 36.3 في المئة سنة 2021 إلى 33.1 في المئة سنة 2025، بالتوازي مع ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأكثر من 500 ألف أجير، ليتجاوز أربعة ملايين مصرح بهم لأول مرة.

    غير أن مهدي فقير ينبه إلى أن خلق 851 ألف فرصة عمل يبقى “حديثا فضفاضا”، موضحا أنه “إذا كان الحديث عن خلق فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كان عرضيا ومؤقتا وليس دائما فلا يمكن اعتباره خلقا لفرص الشغل”، مضيفا “اليوم هناك نقاش حول ماهية الإحصاءات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني”.

    وأشار إلى أن المغرب ما يزال قاصرا على خلق سياسات إدماجية في مجال التشغيل، موضحا وجهة نظره بالقول: “نحتاج دائما تدخلا حكوميا هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج، وهذا ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يمسى ‘FIRST JOB ACT’ ومعتمدة في أمريكا وفرنسا”، لافتا إلى أن “المغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات في القطاع، لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل”.

    الإدماج المهني يقفز بـ45 بالمئة

    وكان برنامج “أوراش” أول تدخل لمواجهة تداعيات الجائحة على التشغيل، حيث استهدف الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، خاصة غير الحاصلين على مؤهلات عالية.

    وأسفر البرنامج عن استفادة 224.371 شخصا، بنسبة إنجاز بلغت 90 في المئة، بينما بلغ غلافه المالي حوالي 4.5 مليارات درهم، مع تخصيص حوالي ثلث المناصب لفائدة النساء.

    أيضا، عملت الوزارة، وفق معطيات تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، على إعادة توجيه برامج التشغيل النشيطة، فقد بلغ مجموع الإدماجات المهنية 694.415 إدماجا، منها 594.981 عبر برنامج “إدماج” و99.434 عبر برنامج “تحفيز”، كما ارتفع عدد الإدماجات السنوية من 112.733 سنة 2021 إلى 163.259 سنة 2025، بزيادة قاربت 45 في المئة.

    وفي المقابل، استفاد 339.893 شخصا من برامج التأهيل، بينما تجاوز عدد المستفيدين من خدمات التوجيه والمواكبة التي تقدمها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات 1.34 مليون مستفيد.

    ودعمت “وزارة السكوري” التشغيل الذاتي، حيث تمت مواكبة 38.788 مشروعا، وإحداث 11.482 مقاولة صغيرة أو نشاطا مدرا للدخل، أسهمت في توفير 18.370 منصب شغل، فضلا عن استفادة أكثر من 50 ألف شخص من برنامج “انطلاقة”، وإطلاق النسخة الثالثة من برنامج “من أجلك” الذي مكن من مواكبة 1.089 مقاولة نسائية وتكوين 8.099 امرأة.

    مناصب الشغل في قلب دعم الاستثمار

    أحد أبرز التحولات خلال الولاية الحالية، تمثلت في جعل خلق فرص الشغل معيارا أساسيا للاستفادة من الدعم العمومي في إطار الميثاق الجديد للاستثمار، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد جدري.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يشكل تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات، لأن ربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين.

    وبالعودة إلى الحصيلة المرحلية لوزارة التشغيل، أسفرت المشاريع التي تمت المصادقة عليها عن تعبئة استثمارات بقيمة 586.6 مليار درهم، موزعة على 381 مشروعا، يرتقب أن توفر أكثر من 245.500 منصب شغل، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والسياحة والصناعات الغذائية.

    ويعكس هذا التوجه انتقال سياسة الاستثمار من منطق تشجيع الرساميل إلى ربطها مباشرة بالأثر الاجتماعي وخلق فرص العمل، وفق رئيس المرصد للعمل الحكومي، الذي نبه أيضا إلى ضرورة الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    التكوين المهني لسد فجوة الكفاءات

    بالتوازي مع برامج التشغيل، توسعت منظومة التكوين المهني، إذ تظهر الحصيلة المرحلية للوزارة ارتفاع عدد مؤسسات التكوين من 668 إلى 792 مؤسسة، بينما ارتفع عدد المتدربين من حوالي 291 ألفا إلى أكثر من 526 ألف متدرب، أي بزيادة بلغت 80 في المئة.

    كما دخلت 10 مدن للمهن والكفاءات حيز الخدمة بطاقة استيعابية تصل إلى 34 ألف مقعد بيداغوجي، واستقبلت حوالي 58.872 متدربا، مع تركيز العرض التكويني على القطاعات الأكثر إحداثا لمناصب الشغل، وفي مقدمتها الصناعة، والتدبير والتجارة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، تم توسيع التكوين بالتدرج المهني، مع برمجة بلوغ 100 ألف مستفيد سنويا، باعتباره أحد المسارات الموجهة لإدماج الشباب غير الحاصلين على شهادات.

    ويقرأ الخبير الاقتصادي المهدي فقير هذه الأرقام باعتبارها امتدادا لنهج يقوم على ربط سياسات التشغيل بمنظومة التكوين، معتبرا أن المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل كان سباقا إلى اعتماد هذا التوجه من خلال تكوينات تستجيب لحاجيات سوق الشغل وتوفر قابلية أكبر للإدماج المهني.

    ويرى أن “مدن الكفاءات” تعزز هذا المسار، باعتبارها مؤسسات تقوم فلسفتها على تكوين الموارد البشرية انطلاقا من الاحتياجات الفعلية للمقاولات والقطاعات الاقتصادية.

    ويضيف أن التدرج المهني يشكل اليوم أحد أبرز الخيارات لامتصاص بطالة الشباب، لما يوفره من تكوينات مواكبة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب دعمه للتكوين المستمر باعتباره آلية للحفاظ على استقرار مناصب الشغل.

    لكن فقير يشدد على أن فعالية هذه البرامج تظل رهينة باعتماد مقاربة أشمل، تنسق بين منظومة التكوين الأكاديمي والنموذج الاقتصادي، بما يضمن خلق الثروة وتوفير فرص إدماج مهني مستدامة على المديين المتوسط والطويل.

    بين حصيلة البرامج وتحديات السوق

    ورغم هذه الدينامية، ما تزال الحكومة تواجه تحديات مرتبطة باستمرار ارتفاع البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتأثير التغيرات المناخية والظرفية الدولية على قدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل بالوتيرة المطلوبة.

    ويرى محمد جدري بهذا الصدد أن التقدم المحقق لا يخفي حقيقة التحديات الكبيرة التي تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    وشدد جدري على أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، لافتا إلى أن الرهان أمام الحكومة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    السكن في المغرب.. إصلاح يُحرِّك السوق وتحوّل في فلسفة الدعم يختبر رهان التملك

    بعد سنوات من تحفيز المنعشين العقاريين من خلال الإعفاءات الضريبية وبرامج السكن الاجتماعي، انتقلت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ابتداء من سنة 2024، إلى نموذج يقوم على تقديم الدعم المالي مباشرة إلى المواطنين الراغبين في اقتناء سكن رئيسي، واضعة بذلك الأسر في صلب السياسة العمومية.

    وجاء اعتماد هذه المقاربة في سياق اتسم بتحديات متعددة واجهت القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة، فقد أسهمت تداعيات جائحة كوفيد-19، إلى جانب موجة التضخم وارتفاع أسعار مواد البناء وكلفة التمويل، في تباطؤ الطلب على السكن وتراجع وتيرة الاستثمار العقاري، بالتزامن مع تآكل القدرة الشرائية للأسر، سيما المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، ما أثر في دينامية القطاع عموما.

    وكانت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قد خلصت، في تشخيصها لوضعية القطاع مع بداية الولاية الحكومية، إلى وجود اختلالات شملت تراجع العرض والطلب، وانتهاء برامج السكن الاجتماعي السابقة، ومحدودية ملاءمة العرض مع حاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، فضلا عن استمرار مظاهر السكن غير اللائق وبطء وتيرة معالجتها، وهي عوامل دفعت إلى مراجعة المقاربة المعتمدة والبحث عن آليات جديدة للاستجابة للحاجيات السكنية.

    وفي خارطة الطريق التي وضعتها الوزارة، لم يعد الهدف يقتصر على تشجيع البناء، بل أصبح يشمل تيسير ولوج الأسر إلى السكن، وإنعاش الاستثمار العقاري، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز جاذبية العالم القروي، باعتبار السكن رافعة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.

    وبعد مرور أكثر من سنتين على انطلاق البرنامج، بدأت تظهر أولى المؤشرات التي تسمح بقراءة نتائجه، سواء من خلال عدد المستفيدين، أو توزيعهم حسب الفئات الاجتماعية، أو الأثر الذي خلفه على حركة السوق العقارية، وقطاع البناء، والتمويل البنكي، وهو ما يطرح سؤالا أساسيا: هل نجح البرنامج فعلا في تغيير معادلة التملك بالمغرب، أم أن نجاحه لا يزال رهينا بمعالجة تحديات أخرى مرتبطة بالأسعار والتمويل والعرض العقاري؟

    من دعم المنعش إلى دعم الأسر

    لأكثر من عقدين، ارتكزت السياسة السكنية بالمغرب على تحفيز العرض، من خلال تشجيع المنعشين العقاريين على بناء وحدات سكنية “السكن الاقتصادي” موجهة لشرائح معينة، مقابل امتيازات ضريبية وعقارية، ما مكن من إنتاج مئات الآلاف من الوحدات السكنية، لكنها لم تنجح دائما في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، خاصة مع تغير الظرفية الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

    ومع نهاية برامج السكن الاجتماعي السابقة، وارتفاع أسعار العقار ومواد البناء، أصبح عدد متزايد من الأسر، وخاصة أفراد الطبقة المتوسطة، يجدون صعوبة في الولوج إلى السكن، رغم توفر العرض في عدد من المدن.

    وأمام هذه المعطيات، اختارت الوزيرة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري تغيير منطق التدخل، عبر الانتقال من دعم المقاولة العقارية إلى دعم المواطن مباشرة، وهو تحول اعتبرته الوزارة جزءا من خارطة طريق جديدة تهدف إلى تعزيز القدرة الشرائية للأسر، خاصة ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، مع إعطاء دفعة جديدة للاستثمار وخلق فرص الشغل.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مباشر للمقتنين حسب قيمة السكن، بما يسمح بتقليص المبلغ الذي تتحمله الأسرة عند الاقتناء، وبالتالي تسهيل الولوج إلى التمويل البنكي وتقليص قيمة القروض.

    ولا يقتصر هذا التحول على تغيير طريقة صرف الدعم، بل يعكس تغييرا في تصور الدولة لدورها داخل السوق العقارية؛ فبدل التدخل عبر المنتج، أصبحت تتدخل عبر المستهلك، انطلاقا من فرضية اقتصادية مفادها أن تحفيز الطلب سيؤدي تلقائيا إلى تنشيط العرض، وتحريك الاستثمار، وخلق دورة اقتصادية يستفيد منها قطاع البناء والصناعات المرتبطة به.

    هل نجح البرنامج في رفع قدرة الأسر على التملك؟

    عندما أعلنت الحكومة، بداية سنة 2024، إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، لم يكن الهدف المعلن يقتصر على إنعاش القطاع العقاري، بل كان يتمثل أساسا في تمكين عدد أكبر من الأسر المغربية من امتلاك سكنها الرئيسي، بعدما أصبحت كلفة الاقتناء تمثل أحد أكبر التحديات أمام الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، فقد أكدت الوزارة، ضمن خارطة الطريق التي وضعتها، أن تعزيز القدرة الشرائية للأسر وتيسير الولوج إلى السكن يشكلان أحد المرتكزات الأساسية للإصلاح الجديد.

    ويقوم البرنامج على منح دعم مالي مباشر بقيمة 100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 300 ألف و700 ألف درهم، وهو ما خفف جزءا مهما من كلفة الاقتناء بالنسبة لآلاف الأسر، وساهم في تقليص قيمة التمويل البنكي المطلوب.               

    وتشير آخر المعطيات الرسمية إلى أن عدد المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن بلغ أزيد من 118 ألف مستفيد إلى غاية غشت 2026 من الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وهو ما يعكس استمرار الإقبال على البرنامج واتساع قاعدة المستفيدين عبر مختلف جهات المملكة.

    وتظهر الأرقام أن الطلب لم يعد يقتصر على المدن الكبرى، بل امتد إلى مختلف جهات المملكة، كما أن فئات عمرية مختلفة أبدت اهتماما بالبرنامج، إذ يشكل الشباب دون الأربعين سنة أكثر من نصف المستفيدين، وهو ما يعكس أن البرنامج استهدف شريحة كانت تجد صعوبة في ولوج سوق العقار بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الادخار.

    غير أن ارتفاع عدد المستفيدين لا يعني بالضرورة أن معضلة الولوج إلى السكن قد حلت بالكامل، فعدد الطلبات المسجلة يفوق بكثير عدد الملفات التي استفادت فعليا من الدعم، وهو ما يعكس استمرار وجود طلب مرتفع على السكن، لكنه يكشف أيضا عن وجود تحديات مرتبطة باستكمال الملفات، والحصول على التمويل البنكي، واختيار السكن المناسب ضمن السقف المالي المحدد.

    كما أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، يبقى جزءا من تكلفة الاقتناء، إذ ما تزال الأسرة مطالبة بتغطية الجزء المتبقي من الثمن، وهو ما يجعل الولوج إلى القروض البنكية وأسعار الفائدة ومستوى الدخل عوامل مؤثرة في القرار النهائي بالشراء.

    ويرى عدد من المتابعين أن نجاح البرنامج ينبغي أن يقاس على المدى المتوسط، ليس فقط بعدد المستفيدين، وإنما بقدرته على تحويل الأسر التي كانت خارج سوق العقار إلى ملاك فعليين، مع الحفاظ على استقرار الأسعار وتوفير عرض سكني كاف يستجيب للطلب المتزايد.

    هل حقق البرنامج الهدف الذي أطلق من أجله؟

    شكلت الطبقة المتوسطة إحدى أكثر الفئات التي راهنت عليها الحكومة عند إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، كونها كانت لسنوات خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج السكن الاجتماعي، وفي الوقت نفسه لم تكن قادرة على تحمل الارتفاع المتواصل في أسعار العقار أو كلفة التمويل البنكي.

    ولهذا، صممت الحكومة البرنامج بشكل يسمح باستفادة الأسر الراغبة في اقتناء سكن يصل ثمنه إلى 700 ألف درهم، وهو سقف يستهدف أساسا جزءا كبيرا من الطبقة المتوسطة، التي تبحث عن سكن بمواصفات أفضل وفي أحياء أكثر تجهيزا.

    وتؤكد المعطيات الرسمية أن 60 في المئة من المستفيدين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، وهو ما تعتبره الوزارة مؤشرا على أن البرنامج نجح في الوصول إلى الفئة التي كانت تواجه أكبر صعوبة في الولوج إلى التملك.

    غير أن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن نجاح البرنامج بالنسبة إلى هذه الفئة لا ينبغي أن يقاس فقط بنسبة المستفيدين، بل أيضا بمدى قدرتها على تحمل الأقساط الشهرية للقروض في ظل استمرار ارتفاع أسعار بعض العقارات، وتكاليف المعيشة، والفوائد البنكية، خاصة بالنسبة للأسر الشابة التي توجد في بداية مسارها المهني.

    كما يطرح ارتفاع الطلب على السكن تحديا آخر يتعلق بضرورة مواكبة العرض العقاري لهذا الإقبال، حتى لا يؤدي ارتفاع الطلب إلى الضغط على الأسعار، وهو ما قد يقلص جزءا من الأثر الإيجابي للدعم.

    وفي المقابل، يرى منعشون عقاريون أن وجود دعم مباشر موجه للمواطن خلق وضوحا أكبر داخل السوق، وشجع المستثمرين على إطلاق مشاريع جديدة، بعدما أصبح الطلب أكثر استقرارا مقارنة بالسنوات السابقة.

    ويؤكد متابعون أن قدرة البرنامج على الحفاظ على هذا الزخم ستظل رهينة باستمرار توازن العلاقة بين الدعم العمومي، وأسعار العقار، وكلفة التمويل، حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يحد من أثر البرنامج بالنسبة للطبقة المتوسطة.

    استفادة النساء.. هل تغيّرت خريطة التملك؟

    وإذا كانت السياسات السكنية السابقة تقاس في الغالب بعدد الوحدات السكنية التي يتم إنجازها، فإن البرنامج الجديد أضاف مؤشرا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بهوية المستفيدين من الدعم، فإلى جانب استهداف الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، أتاح البرنامج إمكانية قياس مدى استفادة النساء والشباب ومغاربة العالم من حق التملك، باعتباره أحد المؤشرات المرتبطة بالإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتظهر المعطيات الرسمية التي تحصلت عليه “AM+ MEDIA” من وزارة إعداد التراب الوطنب أن النساء يمثلن 47.5 في المئة من مجموع المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن إلى غاية 7 ماي 2026، وهي نسبة تعتبرها الحكومة مؤشرا على اتساع قاعدة الولوج إلى التملك مقارنة بالبرامج السابقة، التي كانت ترتبط في الغالب بالأسرة كوحدة اجتماعية دون إبراز توزيع المستفيدين حسب الجنس.

    ولا تعني هذه النسبة بالضرورة أن جميع المستفيدات اقتنين مساكن بشكل فردي، إذ إن جزءا من الطلبات يقدم باسم أحد الزوجين، غير أنها تعكس حضورا متزايدا للمرأة داخل سوق العقار، سواء باعتبارها المقتنية الرئيسية أو شريكة في عملية الاقتناء.

    ويرى متابعون أن هذا المعطى يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع نسبة النساء المشتغلات، وتوسع ولوجهن إلى التمويل البنكي، إضافة إلى اعتماد البرنامج على معايير موضوعية للاستفادة، بعيدا عن أي تمييز مرتبط بالجنس أو الوضعية الاجتماعية.

    كما ينسجم هذا التوجه مع المقاربة الحكومية الرامية إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي، باعتبار أن امتلاك السكن لا يمثل فقط استقرارا اجتماعيا، بل يشكل أيضا أحد أشكال بناء الثروة الأسرية وتعزيز الاستقلالية المالية.

    ومع ذلك، يرى خبراء أن رفع نسبة استفادة النساء بشكل أكبر يظل رهينا باستمرار تحسين ولوج المرأة إلى سوق الشغل، ورفع دخلها، وتوسيع استفادتها من التمويل، لأن الدعم المالي وحده لا يكفي إذا لم يكن مقرونا بقدرة فعلية على تحمل باقي كلفة الاقتناء.

    هل نجح البرنامج في تقليص الفوارق المجالية؟

    منذ انطلاق الحوار الوطني حول التعمير والإسكان سنة 2022، وضعت الوزارة تقليص الفوارق المجالية في صلب الإصلاح الجديد، معتبرة أن الولوج إلى السكن لا ينبغي أن يبقى رهينا بالمدن الكبرى، بل يجب أن يشمل أيضا العالم القروي والمناطق الجبلية، التي تعاني في كثير من الأحيان من ضعف العرض السكني، وقلة الاستثمار، وصعوبة الولوج إلى التمويل. وقد جعلت خارطة الطريق من دعم العالم القروي وتعزيز جاذبيته الاقتصادية أحد أهدافها الاستراتيجية.

    كما أبرز التشخيص الذي أعدته الوزارة قبل إطلاق الإصلاح وجود اختلالات خاصة بالمجال القروي، من بينها ضعف التخطيط، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وندرة فرص الشغل، وهو ما انعكس على جاذبية الاستثمار والسكن بهذه المناطق.

    ورغم أن البرنامج مفتوح أمام جميع جهات المملكة، فإن الاستفادة منه تختلف بحسب طبيعة العرض العقاري. ففي المدن الكبرى، يجد المواطن خيارات أكثر تنوعا، سواء من حيث عدد المشاريع أو أنواع السكن، بينما يظل العرض محدودا في عدد من الجماعات القروية والمراكز الصاعدة، وهو ما يجعل الاستفادة مرتبطة أيضا بقدرة السوق المحلية على توفير مساكن تستجيب لشروط البرنامج.

    ولهذا، تؤكد الوزارة أن نجاح السياسة السكنية لا يقتصر على تقديم الدعم المالي، بل يرتبط أيضا بإعداد التراب، وتسريع وثائق التعمير، وتحسين جاذبية المراكز القروية، وتشجيع الاستثمار بها، حتى يصبح العرض السكني متوفرا خارج المحاور الحضرية الكبرى. وقد تضمنت خارطة الطريق إجراءات لتطوير المراكز القروية الصاعدة، وإحداث أقطاب متخصصة بالعالم القروي، وتسريع وثائق التعمير، وتبسيط المساطر لفائدة الاستثمار.

    ويعتبر متابعون أن نجاح البرنامج في تحقيق العدالة المجالية سيقاس خلال السنوات المقبلة بمدى قدرته على تشجيع المنعشين العقاريين على الاستثمار خارج المدن الكبرى، وبمدى توفر البنيات التحتية والخدمات الأساسية التي تجعل السكن في العالم القروي خيارا اقتصاديا واجتماعيا مستداما، وليس مجرد استفادة من دعم مالي.

    لماذا انخرط المنعشون في البرنامج الحالي بينما تعثر برنامج 2019؟

    تكشف حصيلة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة عن تفاوت واضح بين نتائج برنامج الدعم المباشر للسكن والبرنامج السابق الموجه إلى السكن الاجتماعي بالعالم القروي.

    فقد انطلق برنامج السكن الاجتماعي بالقرى سنة 2019 على أساس إبرام اتفاقيات مع المنعشين العقاريين لإنجاز مساكن اجتماعية بالمجال القروي، إذ بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة 13 اتفاقية، تستهدف بناء 6852 وحدة، غير أن المنجز لم يتجاوز 1347 وحدة إلى غاية مارس 2025، ما دفع الوزارة إلى الإقرار بأن البرنامج لم يحقق الأهداف المنتظرة ولم يعرف انخراطا كافيا للمنعشين.

    أما البرنامج الحالي، فيقوم على تقديم الإعانة مباشرة إلى الأسر المؤهلة، بدل ربطها بمشاريع عقارية متعاقد بشأنها مسبقا، وتبلغ قيمة الدعم 100 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي لا يتجاوز ثمنه 300 ألف درهم، و70 ألف درهم بالنسبة إلى السكن الذي يتراوح سعره بين 300 ألف و700 ألف درهم.

    وساهم هذا التحول في توفير طلب ممول جزئيا داخل السوق، بعدما أصبح المستفيد يتوفر على مساهمة من الدولة في ثمن المسكن، وهو ما شجع المنعشين والمقاولات الصغرى على عرض وحدات منسجمة مع الشروط المالية للبرنامج.

    ويؤكد عمر رحال، منعش عقاري بدوار قصبة الطاهر، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”  إن تحويل الدعم مباشرة إلى المقتني أحدث تغييرا مهما في السوق العقارية، لأنه جعل المستفيد هو من يختار المشروع الذي يناسب احتياجاته، بدل أن يكون الدعم مرتبطا بمنتج عقاري معين، مضيفا أن هذا التحول أعاد الثقة إلى عدد من الأسر، وساهم في تحريك الطلب، كما دفع المنعشين العقاريين إلى تحسين جودة المشاريع والأسعار والخدمات من أجل استقطاب الزبناء.

    وأوضح أن الطلب أصبح اليوم أكثر وضوحا بالنسبة إلى المستثمرين مقارنة بالسنوات الماضية، إذ بات المنعش العقاري يمتلك رؤية أفضل للفئات المستهدفة وقيمة الدعم الذي تستفيد منه، وهو ما يساعد على برمجة المشاريع واتخاذ قرارات الاستثمار بثقة أكبر، كما أن ارتفاع عدد الراغبين في الاستفادة من البرنامج منح الفاعلين في القطاع مؤشرات أوضح حول احتياجات السوق، خاصة في المدن التي تعرف طلبًا متزايدًا على السكن.

    وفي المقابل، أشار رحال إلى أن إنجاز مشاريع سكنية في المجال القروي ما يزال يواجه عددا من التحديات، في مقدمتها ضعف التجهيزات الأساسية في بعض المناطق، وتعقيد المساطر المرتبطة بالتعمير والعقار، إضافة إلى محدودية الطلب مقارنة بالمجال الحضري، وهو ما يقلص الجدوى الاقتصادية للمشاريع العقارية، معتبرا أن تشجيع الاستثمار في العالم القروي يقتضي مواكبة إضافية من خلال تحسين البنيات التحتية، وتبسيط المساطر الإدارية، وإقرار تحفيزات خاصة تراعي خصوصية هذه المناطق، بما يساهم في تحقيق تنمية عمرانية أكثر توازنا.

    دعم السكن ينعش معاملات العقار والبناء

    إلى جانب البعد الاجتماعي، قدمت الحكومة برنامج الدعم المباشر للسكن باعتباره آلية لإنعاش قطاع العقار، وتحريك الاستثمار، وإشراك المقاولات الصغرى والمتوسطة، ودعم فرص الشغل في البناء والأنشطة المرتبطة به.

    وإلى غاية 3 يونيو 2026، صرح أديب بنبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، بمجلس المستشارين، بأن القيمة الإجمالية للمساكن المقتناة تجاوزت 43.19 مليار درهم، مقابل مساهمة للدولة بلغت نحو 8.6 مليارات درهم في شكل دعم مباشر، أي ما يمثل حوالي 20 في المئة من القيمة الإجمالية للاستثمارات المنجزة.

    وساهم البرنامج، إلى جانب برامج السكن الاجتماعي والسكن منخفض التكلفة، في توفير ما مجموعه 99 ألفاً و140 وحدة سكنية مدعمة إلى غاية متم سنة 2025.

    وتزامن تنفيذ البرنامج مع تحسن عدد من مؤشرات القطاع، إذ سجلت مبيعات الإسمنت ارتفاعا بنسبة 7 في المئة، وزاد عدد المعاملات العقارية بنسبة 12.1 في المائة، فيما ارتفعت مبيعات العقارات السكنية بنسبة 11.1 في المئة، ومبيعات الأراضي الحضرية بنسبة 25.6 في المئة.

    كما ارتفعت قروض السكن بنسبة 1.49 في المئة، والقروض الموجهة إلى المنعشين العقاريين بنسبة 5.57 في المئة، وفق الفترات المرجعية الواردة في العرض الوزاري.

    وتعكس هذه المؤشرات استعادة القطاع جزءا من ديناميته، غير أن قياس الأثر المباشر للبرنامج يحتاج إلى التمييز بين المساكن الجديدة والمساكن الجاهزة التي جرى تداولها داخل السوق، وبين أثر الدعم وبقية العوامل المؤثرة في العقار والبناء.

    وبينما تظهر الأرقام تحسنا في معاملات العقار، وارتفاعا في مبيعات الإسمنت، وانتعاشا في القروض السكنية، يظل تقييم الأثر الاقتصادي الحقيقي للبرنامج مرتبطا بمدى قدرته على تحويل هذا التحسن الظرفي إلى دينامية استثمارية مستدامة.

    وفي هذا الإطار، يرى بدر الزاهر الأزرق، المحلل الاقتصادي، أن المؤشرات الحالية تعكس عودة الثقة تدريجيا إلى السوق العقارية، لكنها تستدعي قراءة متأنية لتمييز ما هو ناتج عن برنامج الدعم وما يرتبط بعوامل اقتصادية أخرى.

    ويؤكد أن ارتفاع مبيعات الإسمنت والمعاملات العقارية يشير إلى تحسن النشاط داخل القطاع، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع العمليات ترتبط بإنتاج مساكن جديدة، إذ إن جزءا مهما من هذا النشاط يعود إلى تسويق المخزون السكني الجاهز الذي ظل ينتظر الطلب خلال السنوات الماضية.

    ويضيف أن الدعم المباشر للمقتنين نجح في تحريك هذا الطلب الكامن، وهو ما انعكس على وتيرة البيع واستعادة السوق جزءاً من حيويتها، قبل أن تبدأ آثاره تدريجياً في تشجيع المنعشين على إطلاق مشاريع جديدة استجابة لتحسن مؤشرات السوق.

    ويشير إلى أن البرنامج لم يؤثر فقط على حركة البيع والشراء، بل امتد أثره إلى القطاع البنكي، حيث ساهم في رفع الطلب على القروض السكنية من خلال تعزيز القدرة الشرائية للأسر المستفيدة وتقليص حجم التمويل الذي تحتاج إليه لإتمام عملية الاقتناء. كما استفاد المنعشون العقاريون بصورة غير مباشرة من تحسن وتيرة التسويق، وهو ما عزز ثقة المؤسسات البنكية في تمويل مشاريع جديدة، لأن انخفاض مخاطر التسويق ينعكس إيجاباً على قرارات الاستثمار والتمويل.

    ويرى بدر أن الحفاظ على هذه الدينامية يظل رهيناً باستمرار وضوح البرنامج واستقراره، مع توفير عرض سكني كافٍ يستجيب للطلب المتزايد، وتسريع المساطر الإدارية، وضمان توفر العقار المجهز، إلى جانب الحفاظ على توازن الأسعار حتى لا يتحول ارتفاع الطلب إلى عامل لزيادة أثمنة السكن. ويخلص إلى أن نجاح البرنامج على المدى المتوسط سيقاس بقدرته على الانتقال من تحريك السوق إلى توسيع الإنتاج السكني وخلق استثمارات جديدة وفرص شغل مستدامة، بما يعزز مساهمة قطاع البناء والعقار في النمو الاقتصادي.

  • رئيس مجلس النواب البرازيلي: المغرب نموذج للتنمية والانفتاح

    رئيس مجلس النواب البرازيلي: المغرب نموذج للتنمية والانفتاح

    أكد رئيس مجلس النواب البرازيلي، هوغو موتا، أن التنمية متعددة الأبعاد التي يشهدها المغرب منذ عدة سنوات تمثل تجسيدا لرؤية الانفتاح على العالم التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.

    وأوضح السيد موتا، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، أن المملكة، وبفضل هذه الرؤية القائمة بالخصوص على تعزيز الشراكات، رسخت نفسها كفاعل يحظى بالإنصات والاحترام على الصعيد الدولي.

    وأبرز، من جهة أخرى، الدور الذي يضطلع به المغرب باعتباره حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، عند ملتقى العوالم العربي والإفريقي والأطلسي والمتوسطي.

    وفي السياق ذاته، أشار إلى أن البلدين يتوفران على إمكانات هائلة لإنجاز مشاريع تعاون ثلاثي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لا سيما في مجالات الفلاحة، والأمن الغذائي، والسياحة، وتدبير المناطق الجافة، والتكيف مع التغيرات المناخية.

    وعلى الصعيد الثنائي، ذكر السيد موتا بأن البلدين سيحتفلان خلال السنة الجارية بالذكرى الـ120 لإقامة علاقاتهما الدبلوماسية، مبرزا أن المغرب يعد من الشركاء التجاريين الرئيسيين للبرازيل في إفريقيا.

    وأشاد، في هذا الصدد، باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين ساو باولو والدار البيضاء، داعيا إلى توسيع هذه الخطوط الجوية بما يعزز الربط بين أمريكا الجنوبية وإفريقيا وأوروبا.

    كما أبرز رئيس مجلس النواب البرازيلي أوجه التكامل الاقتصادي والتكنولوجي بين البلدين، مستحضرا التكامل بين القوة البرازيلية في مجال الصناعات الغذائية والخبرة المغربية في مجال الأسمدة، إلى جانب تبادل التجارب في المجال الرقمي.

    وشدد، من جهة أخرى، على الدور المحوري للدبلوماسية البرلمانية في تعزيز هذا التحالف، مذكرا بأن مجلس النواب البرازيلي يتوفر، منذ سنة 1993، على مجموعة صداقة مع المغرب.

    وفي ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، أشاد السيد موتا بالتزام المغرب وجهوده البناءة من أجل تسوية هذا النزاع، بما من شأنه تعزيز آفاق السلام والاستقرار في المنطقة برمتها.

    وعلى الصعيد الرياضي، أكد السيد موتا على دور كرة القدم كرافعة أساسية لتحقيق التقارب بين الشعوب والأمم، مستحضرا على سبيل المثال النسخة الأخيرة من كأس الأمم الإفريقية التي نظمها المغرب.

    وأشار، في هذا الإطار، إلى أن المؤهلات التي يتوفر عليها المغرب، لاسيما على المستويين التنظيمي واللوجستي، تبشر بنجاح نهائيات كأس العالم 2030، التي تنظمها المملكة بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، احتفاء بالذكرى المئوية لهذه التظاهرة الكروية العالمية.