Blog

  • تمكين المرأة سياسيا.. خيار استراتيجي لحزب الأصالة والمعاصرة

    تمكين المرأة سياسيا.. خيار استراتيجي لحزب الأصالة والمعاصرة

    يشكل التمكين السياسي للمرأة في المغرب أحد أبرز التحولات التي عرفها المسار الديمقراطي خلال العقدين الأخيرين، في ظل إرادة إصلاحية واضحة تروم تعزيز حضور النساء في مواقع القرار وترسيخ مبدأ المساواة في الحياة العامة. وقد تعزز هذا المسار بشكل لافت مع اعتماد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 الذي كرس مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وجعل من تعزيز مشاركة المرأة في تدبير الشأن العام خيارا استراتيجيا للدولة والمجتمع.

    وفي هذا السياق، لعبت آليات التمييز الإيجابي، وعلى رأسها نظام اللوائح الانتخابية المخصصة للنساء، دورا محوريا في الرفع من تمثيلية المرأة داخل المؤسسات المنتخبة. فقد أسهمت هذه الآلية في فتح المجال أمام كفاءات نسائية متعددة لولوج البرلمان والمجالس الترابية، والمساهمة في النقاش العمومي وصياغة السياسات العمومية، بما يعكس تطورا تدريجيا في النظرة إلى دور المرأة في الفضاء السياسي.

    غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يخفي استمرار عدد من التحديات التي تعيق بلوغ تمثيلية نسائية أوسع وأكثر تأثيرا. فالعوائق الاجتماعية والثقافية، والصور النمطية التي ما تزال تلاحق مشاركة النساء في المجال السياسي، إلى جانب محدودية الإمكانات المالية خلال الحملات الانتخابية، كلها عوامل تجعل من مسار التمكين السياسي عملية تحتاج إلى نفس إصلاحي طويل وإلى انخراط فعلي لمختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين.

    وتكتسي هذه الرهانات أهمية مضاعفة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء على مستوى الانتخابات التشريعية أو الجماعية، والتي تشكل محطة جديدة لاختبار مدى قدرة الأحزاب السياسية على ترجمة خطاب المناصفة إلى ممارسات تنظيمية فعلية داخل هياكلها ومرشحيها. فنجاح الديمقراطية التمثيلية يظل رهينا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على عكس التنوع الحقيقي للمجتمع، وفي مقدمة ذلك الحضور الفاعل للمرأة.

    وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي يضطلع به حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره من بين الأحزاب السياسية التي راهنت بشكل واضح على الكفاءات النسائية، سواء داخل هياكله التنظيمية أو في ترشيحاته الانتخابية. فقد عمل الحزب خلال السنوات الأخيرة على تعزيز حضور النساء في مختلف المسؤوليات التنظيمية والتمثيلية، معتبرا أن تمكين المرأة ليس مجرد شعار سياسي، بل خيار استراتيجي يعكس قناعة راسخة بقدرة النساء على الإسهام الفعلي في تدبير الشأن العام.

    كما أن الدينامية التي تقودها منظمة نساء الأصالة والمعاصرة داخل الحزب تشكل نموذجا لعمل نسائي منظم يسعى إلى تأهيل القيادات النسائية وتوسيع مشاركتهن في الحياة السياسية، من خلال برامج التكوين والتأطير والترافع حول قضايا المرأة والمجتمع.

    إن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تمثل فرصة حقيقية لتعزيز المكتسبات التي حققتها المرأة المغربية في المجال السياسي، والانتقال من مرحلة الحضور العددي إلى مرحلة التأثير الفعلي في صنع القرار العمومي. كما تشكل في الوقت ذاته اختبارا لمدى قدرة الأحزاب السياسية على ترسيخ ثقافة المناصفة وإتاحة الفرصة أمام كفاءات نسائية قادرة على الإسهام في بلورة سياسات عمومية أكثر عدلا وإنصافا.

    وفي نهاية المطاف، يظل التمكين السياسي للمرأة ركيزة أساسية في مسار بناء مغرب ديمقراطي حديث، يقوم على المشاركة المتكافئة بين جميع مكوناته، ويؤمن بأن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بحضور قوي وفاعل للنساء إلى جانب الرجال في مختلف مواقع المسؤولية وصنع القرار.

  • تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    كلما كتبت عن المرأة في المغرب شعرت أنني لا أكتب عن قضية اجتماعية فقط، بل عن الهوية نفسها. عن الأرض والانتماء وعن التاريخ في عمقه وعن الحاضر وهو يحمل آثار ذلك العمق أو يبتعد عنه. أكتب عن شيء أعرفه قبل أن أقرأه. أعرفه من البيت ومن الكلام اليومي ومن صورة الأم داخل العائلة ومن الطريقة التي ظل بها اسم المرأة حاضرا في حياتنا حتى حين حاول البعض إبعاده.

    وأتوقف دائما عند اسم ليس عابرا في لغتنا: تامغارت. فهي تعني الكبيرة. ومذكرها أمغار، أي كبير القوم، وهو اللفظ الذي يطلق أيضا على من تسند إليه القيادة. وفي هذا وحده ما يكفي ليدل على أن المرأة في الوجدان الأمازيغي لم تكن اسما ثانويا، بل كانت مقرونة بالمقام والاعتبار. التسمية نفسها تقول ذلك قبل أي شرح طويل. كأن اللغة منحتها منذ البداية ما حاولت أوصاف وافدة أن تنزعه منها: المقام بدل الدونية والاعتبار بدل النقص. ولم تكن المرأة يوما زائدا على المعنى في هذا الوجدان، بل كانت من صلبه. إذا كان للقبيلة أمغار ففي كل بيت تامغارت.

    قبل أن يقول التاريخ كلمته كانت الذاكرة الرمزية لهذه الأرض قد قالتها بطريقتها. وحين أرجع إلى الذاكرة الأقدم أجد أن صورة الأنثى العالية لم تكن غريبة عن هذه الأرض. في المجال الشمال إفريقي القديم حضرت تانيت رمزا للحماية والخصب وعلو مقام الأنثى. وفي الميثولوجيا القديمة تظهر غايا، الأرض الأم، في أصل القوة التي يستمد منها أنتي الأمازيغي طاقته كلما عاد إلى الأرض ولمسها. ذلك الجبار المرتبط في المتخيل القديم بأسطورة طنجة الأولى. قد يقال إن هذا من باب الرمز والأسطورة، وهذا صحيح. لكن حتى الرمز لا يأتي من فراغ. هو بدوره يكشف شيئا عن المخيال الذي خرج منه وعن صورة الأنثى فيه.

    ثم نعبر من الرمز إلى التاريخ. ديهيا بقيت اسما من أسماء المقاومة في شمال إفريقيا. كنزة الأوربية حضرت في لحظة دقيقة من بدايات الدولة الإدريسية. زينب النفزاوية يصعب المرور على قيام الدولة المرابطية من غير التوقف عند أثرها. السيدة الحرة حكمت ودبرت وواجهت. وحين نصل إلى زمن الاستعمار لا يعود الحديث عن امرأة واحدة، بل عن نساء كثيرات في الريف والأطلس وكل ربوع المغرب كن جزءا من مجتمع المقاومة نفسه. في الإسناد وفي نقل المؤن والرسائل وفي التحريض وأحيانا في المواجهة المباشرة. هذا الامتداد الطويل هو الذي يجعل الحديث عن المرأة عندنا حديثا عن حضور راسخ، لا عن استثناء عابر.

    الذي تغير، في نظري، هو نظرتنا نحن إلى أنفسنا. كلما ابتعدنا عن عمقنا الهوياتي دخلت علينا أفكار وتصورات لم تنبت في هذه التربة وحملت معها أحكاما غريبة عن المرأة. تسللت إلينا أيديولوجيات عابرة للحدود، سلفية وهابية وإخوانية، وفرضت صورة لا تشبه المغرب. صارت المرأة عندها موضع وصاية. وصار حضورها عبئا. وحتى اسمها نفسه صار يقال بتحفظ. ثم جاء هذا الخطاب ليمنّ عليها بالحياة ويخاطبها كما لو أنها كانت تنتظر من يخرجها من العدم. وهذا كلام لا ينتمي إلى التربة المغربية، لا في تاريخها، ولا في وجدانها، ولا في طريقتها القديمة في فهم المرأة.

    يكفي أن نسمع كيف كان الناس يتكلمون وما زالوا في أحيان كثيرة يتكلمون. هذا ابن فلانة. هذه دار فلانة. هؤلاء أهل فلانة. لم يكن في هذا حرج. لم يكن أحد يشعر أن ذكر المرأة ينتقص من الرجل أو من الأسرة. كان الأمر عاديا جدا. ثم جاءت حساسية جديدة متوترة. صارت تستنكر ذكر المرأة وتعتبر الانتساب إليها نقصا وتتصرف كما لو أن الوقار يقتضي إخفاءها حتى في الكلام. وهذا، في تقديري، واحد من أوضح آثار الاغتراب عن أنفسنا.

    فاللغة ليست مجرد ألفاظ. اللغة تكشف ما نؤمن به من غير أن نشعر. فإذا كانت المرأة حاضرة في التسمية وفي النسب الاجتماعي وفي تصور البيت فهذا يعني أنها كانت حاضرة أيضا في البنية الرمزية للمجتمع.

    ولهذا لا أرى أن إنصاف المرأة في المغرب جاء فقط من ضغط حديث أو من خطاب حقوقي مستورد. عندنا في تاريخنا الاجتماعي ما يكفي. العرف الأمازيغي نفسه كان أقرب إلى المرأة في كثير من المواضع. لم يكن يقف معها بالكلام فقط، بل في القضايا التي يظهر فيها الظلم فعلا. في الطلاق الذي كان ينظر إليه أحيانا بوصفه قتلا معنويا للمرأة وفي التعنيف وفي ما تبنيه المرأة داخل الحياة الزوجية من جهد وعرق ووقت. ومن هنا ظل مبدأ الكد والسعاية حاضرا في النقاش المغربي لأنه ليس فكرة معلقة في الهواء، بل له جذور في هذا المجتمع. ولهذا لم يكن استحضار العرف الأمازيغي في النقاش حول مدونة الأسرة مجرد استدعاء للتراث، بل استحضارا لمورد قيمي وقانوني انحاز إلى المرأة حين ظهر الظلم فعلا.

    ولهذا لم يفاجئني أن يكون ملف المرأة داخل حزب الأصالة والمعاصرة ملفا مركزيا. الحزب منذ بداياته ربط بين سؤال المرأة وسؤال الأمازيغية وسؤال الحداثة المغربية ولم يفصل هذه القضايا عن بعضها. وكان واضحا أن الأمر يتعلق بصورة المغرب عن نفسه وبالنوع من التحديث الذي يريده لنفسه.

    وهذا لم يبق كلاما عاما. في 2016، حين قرر إلياس العماري أن يجعل لائحة الشباب نسائية، لم يكن الأمر مجرد حركة انتخابية عابرة. كانت هناك إشارة سياسية واضحة: حضور المرأة لا ينبغي أن يبقى محصورا في الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. هذه الخطوة قالت شيئا مهما في وقتها وما زالت تقوله اليوم. من يؤمن فعلا بتمكين المرأة لا يتعامل معها بمنطق الحصة فقط.

    واليوم في 2026 صار هذا التوجه ظاهرا داخل بنية الحزب نفسها. فالقيادة الجماعية تضم فاطمة الزهراء المنصوري وفاطمة السعدي مقابل رجل واحد. والمجلس الوطني تترأسه السيدة نجوى ككوس وزهور الوهابي نائبتها. وفي الحكومة أيضا ليلى بنعلي وأمل الفلاح السغروشني إلى جانب المنصوري. لهذا لا يبدو الكلام عن تمكين المرأة هنا مجرد شعار. هناك اختيارات تنظيمية وسياسية واضحة.

    حين يكون الحزب قريبا من تامغرابيت بالمعنى الحي لا الشكلي فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى اختراع مبررات لتمكين المرأة. يكفيه أن يفهم المغرب كما هو، لا كما تريد بعض التصورات الوافدة أن تعيد تشكيله. المرأة في هذا البلد ليست استثناء. وليست ملحقا. ولم تأت متأخرة.

    لهذا أعود إلى تامغارت.

    أعود إليها لأن فيها شيئا ما زال صالحا لنا اليوم. شيئا يذكرنا بأن المرأة ليست هامشا في هذه البلاد ولم تكن كذلك في يوم من الأيام. لسنا نحن من اخترع مكانة المرأة ثم أضعناها بل هي مكانة كانت راسخة في لغتنا وفي مخيالنا وفي تاريخنا. ثم ابتعدنا نحن عنها، واحتجنا وقتا طويلا كي نفهم ما الذي ابتعدنا عنه.

  • تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    تامغارت.. المرأة في صلب الهوية المغربية

    كلما كتبت عن المرأة في المغرب شعرت أنني لا أكتب عن قضية اجتماعية فقط، بل عن الهوية نفسها. عن الأرض والانتماء وعن التاريخ في عمقه وعن الحاضر وهو يحمل آثار ذلك العمق أو يبتعد عنه. أكتب عن شيء أعرفه قبل أن أقرأه. أعرفه من البيت ومن الكلام اليومي ومن صورة الأم داخل العائلة ومن الطريقة التي ظل بها اسم المرأة حاضرا في حياتنا حتى حين حاول البعض إبعاده.

    وأتوقف دائما عند اسم ليس عابرا في لغتنا: تامغارت. فهي تعني الكبيرة. ومذكرها أمغار، أي كبير القوم، وهو اللفظ الذي يطلق أيضا على من تسند إليه القيادة. وفي هذا وحده ما يكفي ليدل على أن المرأة في الوجدان الأمازيغي لم تكن اسما ثانويا، بل كانت مقرونة بالمقام والاعتبار. التسمية نفسها تقول ذلك قبل أي شرح طويل. كأن اللغة منحتها منذ البداية ما حاولت أوصاف وافدة أن تنزعه منها: المقام بدل الدونية والاعتبار بدل النقص. ولم تكن المرأة يوما زائدا على المعنى في هذا الوجدان، بل كانت من صلبه. إذا كان للقبيلة أمغار ففي كل بيت تامغارت.

    قبل أن يقول التاريخ كلمته كانت الذاكرة الرمزية لهذه الأرض قد قالتها بطريقتها. وحين أرجع إلى الذاكرة الأقدم أجد أن صورة الأنثى العالية لم تكن غريبة عن هذه الأرض. في المجال الشمال إفريقي القديم حضرت تانيت رمزا للحماية والخصب وعلو مقام الأنثى. وفي الميثولوجيا القديمة تظهر غايا، الأرض الأم، في أصل القوة التي يستمد منها أنتي الأمازيغي طاقته كلما عاد إلى الأرض ولمسها. ذلك الجبار المرتبط في المتخيل القديم بأسطورة طنجة الأولى. قد يقال إن هذا من باب الرمز والأسطورة، وهذا صحيح. لكن حتى الرمز لا يأتي من فراغ. هو بدوره يكشف شيئا عن المخيال الذي خرج منه وعن صورة الأنثى فيه.

    ثم نعبر من الرمز إلى التاريخ. ديهيا بقيت اسما من أسماء المقاومة في شمال إفريقيا. كنزة الأوربية حضرت في لحظة دقيقة من بدايات الدولة الإدريسية. زينب النفزاوية يصعب المرور على قيام الدولة المرابطية من غير التوقف عند أثرها. السيدة الحرة حكمت ودبرت وواجهت. وحين نصل إلى زمن الاستعمار لا يعود الحديث عن امرأة واحدة، بل عن نساء كثيرات في الريف والأطلس وكل ربوع المغرب كن جزءا من مجتمع المقاومة نفسه. في الإسناد وفي نقل المؤن والرسائل وفي التحريض وأحيانا في المواجهة المباشرة. هذا الامتداد الطويل هو الذي يجعل الحديث عن المرأة عندنا حديثا عن حضور راسخ، لا عن استثناء عابر.

    الذي تغير، في نظري، هو نظرتنا نحن إلى أنفسنا. كلما ابتعدنا عن عمقنا الهوياتي دخلت علينا أفكار وتصورات لم تنبت في هذه التربة وحملت معها أحكاما غريبة عن المرأة. تسللت إلينا أيديولوجيات عابرة للحدود، سلفية وهابية وإخوانية، وفرضت صورة لا تشبه المغرب. صارت المرأة عندها موضع وصاية. وصار حضورها عبئا. وحتى اسمها نفسه صار يقال بتحفظ. ثم جاء هذا الخطاب ليمنّ عليها بالحياة ويخاطبها كما لو أنها كانت تنتظر من يخرجها من العدم. وهذا كلام لا ينتمي إلى التربة المغربية، لا في تاريخها، ولا في وجدانها، ولا في طريقتها القديمة في فهم المرأة.

    يكفي أن نسمع كيف كان الناس يتكلمون وما زالوا في أحيان كثيرة يتكلمون. هذا ابن فلانة. هذه دار فلانة. هؤلاء أهل فلانة. لم يكن في هذا حرج. لم يكن أحد يشعر أن ذكر المرأة ينتقص من الرجل أو من الأسرة. كان الأمر عاديا جدا. ثم جاءت حساسية جديدة متوترة. صارت تستنكر ذكر المرأة وتعتبر الانتساب إليها نقصا وتتصرف كما لو أن الوقار يقتضي إخفاءها حتى في الكلام. وهذا، في تقديري، واحد من أوضح آثار الاغتراب عن أنفسنا.

    فاللغة ليست مجرد ألفاظ. اللغة تكشف ما نؤمن به من غير أن نشعر. فإذا كانت المرأة حاضرة في التسمية وفي النسب الاجتماعي وفي تصور البيت فهذا يعني أنها كانت حاضرة أيضا في البنية الرمزية للمجتمع.

    ولهذا لا أرى أن إنصاف المرأة في المغرب جاء فقط من ضغط حديث أو من خطاب حقوقي مستورد. عندنا في تاريخنا الاجتماعي ما يكفي. العرف الأمازيغي نفسه كان أقرب إلى المرأة في كثير من المواضع. لم يكن يقف معها بالكلام فقط، بل في القضايا التي يظهر فيها الظلم فعلا. في الطلاق الذي كان ينظر إليه أحيانا بوصفه قتلا معنويا للمرأة وفي التعنيف وفي ما تبنيه المرأة داخل الحياة الزوجية من جهد وعرق ووقت. ومن هنا ظل مبدأ الكد والسعاية حاضرا في النقاش المغربي لأنه ليس فكرة معلقة في الهواء، بل له جذور في هذا المجتمع. ولهذا لم يكن استحضار العرف الأمازيغي في النقاش حول مدونة الأسرة مجرد استدعاء للتراث، بل استحضارا لمورد قيمي وقانوني انحاز إلى المرأة حين ظهر الظلم فعلا.

    ولهذا لم يفاجئني أن يكون ملف المرأة داخل حزب الأصالة والمعاصرة ملفا مركزيا. الحزب منذ بداياته ربط بين سؤال المرأة وسؤال الأمازيغية وسؤال الحداثة المغربية ولم يفصل هذه القضايا عن بعضها. وكان واضحا أن الأمر يتعلق بصورة المغرب عن نفسه وبالنوع من التحديث الذي يريده لنفسه.

    وهذا لم يبق كلاما عاما. في 2016، حين قرر إلياس العماري أن يجعل لائحة الشباب نسائية، لم يكن الأمر مجرد حركة انتخابية عابرة. كانت هناك إشارة سياسية واضحة: حضور المرأة لا ينبغي أن يبقى محصورا في الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. هذه الخطوة قالت شيئا مهما في وقتها وما زالت تقوله اليوم. من يؤمن فعلا بتمكين المرأة لا يتعامل معها بمنطق الحصة فقط.

    واليوم في 2026 صار هذا التوجه ظاهرا داخل بنية الحزب نفسها. فالقيادة الجماعية تضم فاطمة الزهراء المنصوري وفاطمة السعدي مقابل رجل واحد. والمجلس الوطني تترأسه السيدة نجوى ككوس وزهور الوهابي نائبتها. وفي الحكومة أيضا ليلى بنعلي وأمل الفلاح السغروشني إلى جانب المنصوري. لهذا لا يبدو الكلام عن تمكين المرأة هنا مجرد شعار. هناك اختيارات تنظيمية وسياسية واضحة.

    حين يكون الحزب قريبا من تامغرابيت بالمعنى الحي لا الشكلي فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى اختراع مبررات لتمكين المرأة. يكفيه أن يفهم المغرب كما هو، لا كما تريد بعض التصورات الوافدة أن تعيد تشكيله. المرأة في هذا البلد ليست استثناء. وليست ملحقا. ولم تأت متأخرة.

    لهذا أعود إلى تامغارت.

    أعود إليها لأن فيها شيئا ما زال صالحا لنا اليوم. شيئا يذكرنا بأن المرأة ليست هامشا في هذه البلاد ولم تكن كذلك في يوم من الأيام. لسنا نحن من اخترع مكانة المرأة ثم أضعناها بل هي مكانة كانت راسخة في لغتنا وفي مخيالنا وفي تاريخنا. ثم ابتعدنا نحن عنها، واحتجنا وقتا طويلا كي نفهم ما الذي ابتعدنا عنه.

  • ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    لا يمكن تناول الديمقراطية الاجتماعية باعتبارها مجرد صيغة تقنية لتدبير الحكم أو تسوية وسطى بين الرأسمالية والاشتراكية، بل بوصفها أفقا فكريا وتاريخيا تشكل في قلب التحولات الكبرى للمجتمعات الحديثة، واستجابة نقدية لتوتر بنيوي دائم بين مطلب الحرية الفردية وضرورة العدالة الاجتماعية.

    فهي في جوهرها مشروع مجتمعي قبل أن تكون برنامجا حكوميا، ومقاربة اخلاقية سياسية قبل ان تتحول الى سياسات عمومية، ومسارا تاريخيا يعكس وعي المجتمعات بحدود كل من السوق والدولة حين يشتغلان خارج منطق التوازن والمسؤولية الجماعية.

    تتاسس الديمقراطية الاجتماعية مرجعيا على الاعتراف بان السوق، رغم قدرته على انتاج الثروة وتحفيز المبادرة، عاجز بطبيعته عن ضمان الانصاف الاجتماعي وتكافؤ الفرص، كما ان الدولة، رغم ضرورتها كفاعل منظم وضامن للصالح العام، قد تنزلق الى منطق الهيمنة والبيروقراطية ان لم تقيد بالمراقبة والمساءلة الديمقراطية.

    ومن هنا تبلور هذا التيار كحل تاريخي ثالث، لا يلغي السوق ولا يؤله الدولة، بل يعيد تنظيم العلاقة بينهما وفق منطق المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية، وهو تصور يجد جذوره في النقد الاصلاحي للرأسمالية الصناعية في اوروبا القرن التاسع عشر، وفي تفاعل فكري معقد بين الاشتراكية الديمقراطية والليبرالية الاجتماعية ونقد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي.

    تنطلق الديمقراطية الاجتماعية من مركزية الانسان، لا باعتباره فردا معزولا كما في الليبرالية الكلاسيكية، ولا باعتباره مجرد ترس داخل جماعة صماء كما في بعض الصيغ التوتاليتارية، بل ككائن اجتماعي تاريخي، تتشكل حريته داخل بنى اقتصادية وثقافية وسياسية محددة، وهنا يبرز اثر هيغل في فهم الدولة كاطار اخلاقي جامع يحقق المصالحة بين الفرد والمجتمع، واثر ماركس في كشف الطابع البنيوي للامساواة الاجتماعية دون السقوط في حتمية الصراع الطبقي او وهم الذوبان الكلي للفرد في الجماعة.

    كما تقوم الديمقراطية الاجتماعية على مرجعية العدالة التوزيعية، لا بمعناها الاحساني او الخيري، بل كحق مؤسس للمواطنة، فالعدالة هنا ليست شعارا اخلاقيا معلقا، بل سياسة عمومية ملموسة، تتجسد في تعليم عمومي منصف، وصحة متاحة للجميع، وحماية اجتماعية فعالة، وسوق شغل مؤطر يحمي الكرامة الانسانية، وفي هذا الاطار تتحول الدولة من مجرد حارس للنظام الى فاعل اجتماعي منظم ومعدل للاختلالات، دون ان تنفي دور المجتمع المدني او المبادرة الفردية، بل في تفاعل خلاق معها. ولا يمكن فهم الديمقراطية الاجتماعية خارج مرجعيتها الديمقراطية الصلبة، اذ لا عدالة اجتماعية دون ديمقراطية سياسية فعلية، ولا ديمقراطية حقيقية دون مشاركة المواطنين في صناعة القرار العمومي، لذلك ترفض الديمقراطية الاجتماعية الاختزال الانتخابي للديمقراطية، وتدافع عن توسيع مجالها ليشمل الديمقراطية التشاركية والوساطة الاجتماعية ودور النقابات والتنظيمات المدنية باعتبارها ادوات توازن ضرورية داخل المجتمع، وهو ما يلتقي مع تحليلات هابرماس حول الفضاء العمومي والتواصل العقلاني بوصفه شرطا لانتاج الشرعية.

    وفي السياقات غير الاوروبية، خصوصا في مجتمعات الجنوب، تطرح الديمقراطية الاجتماعية تحديا اضافيا يتمثل في ضرورة تكييف مرجعياتها مع الخصوصيات التاريخية والثقافية والمؤسساتية، فهي لا يمكن ان تكون استنساخا لنماذج جاهزة، بل مشروعا مفتوحا لاعادة بناء العقد الاجتماعي، ياخذ بعين الاعتبار اكراهات التنمية، وسؤال العدالة المجالية، والفوارق البنيوية، دون التخلي عن القيم الكونية للحرية والكرامة والمساواة، وبهذا المعنى تصبح الديمقراطية الاجتماعية اداة للتوفيق بين مطلب الاستقرار السياسي وضرورة التحول الاجتماعي. في هذا الافق، يندرج خيار الدولة الاجتماعية كما يتبلور في السياق المغربي، ليس كاستجابة تقنية لازمات اجتماعية ظرفية، بل كتحول في تصور الدولة لوظيفتها، من دولة تدبيرية الى دولة ضامنة للحقوق ومؤطرة للتنمية، وهو ما يتقاطع مع المشروع الفكري لحزب الاصالة والمعاصرة، الذي يجعل من العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، جوهر اختياره السياسي، بعيدا عن الشعبوية او الوعود القصوى غير القابلة للتحقق. فالديمقراطية الاجتماعية، بهذا المعنى، ليست شعارا انتخابيا ولا خطابا ايديولوجيا مغلقا، بل اطارا مرجعيا لانتاج سياسات عمومية عقلانية، توازن بين الطموح الاصلاحي والوعي باكراهات الممكن، وتربط بين قوة الدولة وشرعيتها الاجتماعية، وبين التنمية الاقتصادية والكرامة الانسانية.

    ان الاسس المرجعية للديمقراطية الاجتماعية تكمن في النهاية في قدرتها على الجمع بين النقد والواقعية، بين الاصلاح التدريجي والرؤية الاستراتيجية، وبين تحصين الدولة الاجتماعية وتعميق الممارسة الديمقراطية، فهي ليست وعدا مثاليا ولا تنازلا براغماتيا، بل مسارا تاريخيا متجددا، يراهن على الانسان، ويجعل من السياسة اداة لتحرير الامكانات وبناء الثقة، لا مجرد الية لتدبير الازمات.

    ان الرهان على الديمقراطية الاجتماعية اليوم لا يتعلق فقط بتبني تصور نظري للعدالة او استلهام نماذج تاريخية جاهزة، بل يرتبط بقدرة الفاعل السياسي على تحويلها الى ثقافة حكم ومنهج في التفكير وصيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. فهي خيار يتطلب شجاعة فكرية لمواجهة الاختلالات البنيوية، ووضوحا سياسيا في تحديد الاولويات الاجتماعية، وارادة اصلاحية تجعل من الانصاف والكرامة اساسا للاستقرار والتنمية. وفي السياق المغربي، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع اسئلة الثقة والعدالة المجالية وتجديد النخب، تبرز الديمقراطية الاجتماعية كافق واقعي ومسؤول لبناء دولة قوية بشرعيتها الاجتماعية، ومجتمع متماسك بفضل حقوقه لا احسانه، وسياسة تستعيد معناها النبيل كاداة لخدمة الصالح العام وصناعة المستقبل.

  • ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    ديمقراطية الاجتماعية كأفق لبناء الدولة الاجتماعية

    لا يمكن تناول الديمقراطية الاجتماعية باعتبارها مجرد صيغة تقنية لتدبير الحكم أو تسوية وسطى بين الرأسمالية والاشتراكية، بل بوصفها أفقا فكريا وتاريخيا تشكل في قلب التحولات الكبرى للمجتمعات الحديثة، واستجابة نقدية لتوتر بنيوي دائم بين مطلب الحرية الفردية وضرورة العدالة الاجتماعية.

    فهي في جوهرها مشروع مجتمعي قبل أن تكون برنامجا حكوميا، ومقاربة اخلاقية سياسية قبل ان تتحول الى سياسات عمومية، ومسارا تاريخيا يعكس وعي المجتمعات بحدود كل من السوق والدولة حين يشتغلان خارج منطق التوازن والمسؤولية الجماعية.

    تتاسس الديمقراطية الاجتماعية مرجعيا على الاعتراف بان السوق، رغم قدرته على انتاج الثروة وتحفيز المبادرة، عاجز بطبيعته عن ضمان الانصاف الاجتماعي وتكافؤ الفرص، كما ان الدولة، رغم ضرورتها كفاعل منظم وضامن للصالح العام، قد تنزلق الى منطق الهيمنة والبيروقراطية ان لم تقيد بالمراقبة والمساءلة الديمقراطية.

    ومن هنا تبلور هذا التيار كحل تاريخي ثالث، لا يلغي السوق ولا يؤله الدولة، بل يعيد تنظيم العلاقة بينهما وفق منطق المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية، وهو تصور يجد جذوره في النقد الاصلاحي للرأسمالية الصناعية في اوروبا القرن التاسع عشر، وفي تفاعل فكري معقد بين الاشتراكية الديمقراطية والليبرالية الاجتماعية ونقد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي.

    تنطلق الديمقراطية الاجتماعية من مركزية الانسان، لا باعتباره فردا معزولا كما في الليبرالية الكلاسيكية، ولا باعتباره مجرد ترس داخل جماعة صماء كما في بعض الصيغ التوتاليتارية، بل ككائن اجتماعي تاريخي، تتشكل حريته داخل بنى اقتصادية وثقافية وسياسية محددة، وهنا يبرز اثر هيغل في فهم الدولة كاطار اخلاقي جامع يحقق المصالحة بين الفرد والمجتمع، واثر ماركس في كشف الطابع البنيوي للامساواة الاجتماعية دون السقوط في حتمية الصراع الطبقي او وهم الذوبان الكلي للفرد في الجماعة.

    كما تقوم الديمقراطية الاجتماعية على مرجعية العدالة التوزيعية، لا بمعناها الاحساني او الخيري، بل كحق مؤسس للمواطنة، فالعدالة هنا ليست شعارا اخلاقيا معلقا، بل سياسة عمومية ملموسة، تتجسد في تعليم عمومي منصف، وصحة متاحة للجميع، وحماية اجتماعية فعالة، وسوق شغل مؤطر يحمي الكرامة الانسانية، وفي هذا الاطار تتحول الدولة من مجرد حارس للنظام الى فاعل اجتماعي منظم ومعدل للاختلالات، دون ان تنفي دور المجتمع المدني او المبادرة الفردية، بل في تفاعل خلاق معها. ولا يمكن فهم الديمقراطية الاجتماعية خارج مرجعيتها الديمقراطية الصلبة، اذ لا عدالة اجتماعية دون ديمقراطية سياسية فعلية، ولا ديمقراطية حقيقية دون مشاركة المواطنين في صناعة القرار العمومي، لذلك ترفض الديمقراطية الاجتماعية الاختزال الانتخابي للديمقراطية، وتدافع عن توسيع مجالها ليشمل الديمقراطية التشاركية والوساطة الاجتماعية ودور النقابات والتنظيمات المدنية باعتبارها ادوات توازن ضرورية داخل المجتمع، وهو ما يلتقي مع تحليلات هابرماس حول الفضاء العمومي والتواصل العقلاني بوصفه شرطا لانتاج الشرعية.

    وفي السياقات غير الاوروبية، خصوصا في مجتمعات الجنوب، تطرح الديمقراطية الاجتماعية تحديا اضافيا يتمثل في ضرورة تكييف مرجعياتها مع الخصوصيات التاريخية والثقافية والمؤسساتية، فهي لا يمكن ان تكون استنساخا لنماذج جاهزة، بل مشروعا مفتوحا لاعادة بناء العقد الاجتماعي، ياخذ بعين الاعتبار اكراهات التنمية، وسؤال العدالة المجالية، والفوارق البنيوية، دون التخلي عن القيم الكونية للحرية والكرامة والمساواة، وبهذا المعنى تصبح الديمقراطية الاجتماعية اداة للتوفيق بين مطلب الاستقرار السياسي وضرورة التحول الاجتماعي. في هذا الافق، يندرج خيار الدولة الاجتماعية كما يتبلور في السياق المغربي، ليس كاستجابة تقنية لازمات اجتماعية ظرفية، بل كتحول في تصور الدولة لوظيفتها، من دولة تدبيرية الى دولة ضامنة للحقوق ومؤطرة للتنمية، وهو ما يتقاطع مع المشروع الفكري لحزب الاصالة والمعاصرة، الذي يجعل من العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، جوهر اختياره السياسي، بعيدا عن الشعبوية او الوعود القصوى غير القابلة للتحقق. فالديمقراطية الاجتماعية، بهذا المعنى، ليست شعارا انتخابيا ولا خطابا ايديولوجيا مغلقا، بل اطارا مرجعيا لانتاج سياسات عمومية عقلانية، توازن بين الطموح الاصلاحي والوعي باكراهات الممكن، وتربط بين قوة الدولة وشرعيتها الاجتماعية، وبين التنمية الاقتصادية والكرامة الانسانية.

    ان الاسس المرجعية للديمقراطية الاجتماعية تكمن في النهاية في قدرتها على الجمع بين النقد والواقعية، بين الاصلاح التدريجي والرؤية الاستراتيجية، وبين تحصين الدولة الاجتماعية وتعميق الممارسة الديمقراطية، فهي ليست وعدا مثاليا ولا تنازلا براغماتيا، بل مسارا تاريخيا متجددا، يراهن على الانسان، ويجعل من السياسة اداة لتحرير الامكانات وبناء الثقة، لا مجرد الية لتدبير الازمات.

    ان الرهان على الديمقراطية الاجتماعية اليوم لا يتعلق فقط بتبني تصور نظري للعدالة او استلهام نماذج تاريخية جاهزة، بل يرتبط بقدرة الفاعل السياسي على تحويلها الى ثقافة حكم ومنهج في التفكير وصيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. فهي خيار يتطلب شجاعة فكرية لمواجهة الاختلالات البنيوية، ووضوحا سياسيا في تحديد الاولويات الاجتماعية، وارادة اصلاحية تجعل من الانصاف والكرامة اساسا للاستقرار والتنمية. وفي السياق المغربي، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع اسئلة الثقة والعدالة المجالية وتجديد النخب، تبرز الديمقراطية الاجتماعية كافق واقعي ومسؤول لبناء دولة قوية بشرعيتها الاجتماعية، ومجتمع متماسك بفضل حقوقه لا احسانه، وسياسة تستعيد معناها النبيل كاداة لخدمة الصالح العام وصناعة المستقبل.

  • “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    “خطيئة” البام: الوضوح الذي لا يُغتفر

    هدفٌ واحد يجمع كل هذا الضجيج: ضرب الوضوح، وتشويه المعنى، وخلط السياسي بالقضائي، والفكري بالتشهيري.

    نفس العبارات، نفس الإيقاع، نفس الاتهامات تُعاد وتُدوَّر بلا خجل، كأن غرفةً مظلمة وزّعت الأدوار ثم أعطت إشارة الانطلاق. هذا ليس اختلافًا في الرأي، بل هجومٌ منسّق، يعرف ماذا يريد ويعرف ممّن يخاف.

    في العمق، نحن أمام التعبير الأكثر فجاجة عمّا نُبِّه إليه منذ عقود: مقاومة البنيات التقليدية لكل مشروع تحديثي واضح. فكلما ظهر خطاب سياسي يقطع مع الالتباس ويصرّ على الوضوح، تحرّكت تلقائيًا جيوب مقاومة التغيير. لا لأنها تملك مشروعًا بديلًا، بل لأنها تدرك أن أخطر ما يهدد امتيازاتها ليس الخصومة، بل الوضوح نفسه.

    من هذا المنظور، لا يُستهدف حزب الأصالة والمعاصرة لأنه أخطأ، بل لأنه رفض المنطقة الرمادية. والمجتمعات التي تطمح إلى التقدم لا تتقدم بتدبير التناقضات إلى ما لا نهاية، بل بالحسم الفكري والسياسي، حتى وإن كان هذا الحسم مكلفًا. فالإصلاح لا يُرضي الجميع، والوضوح لا يُكافَأ بالتصفيق، بل بالمقاومة.

    وحين يعجز جبروت المال عن استيعاب منطق الدولة الحديثة، يتحول من قوة اقتصادية محتملة إلى أداة تعطيل سياسي. فالخلط بين النفوذ الاقتصادي والشرعية السياسية يُنتج تشوهًا في الوعي العام، ويحوّل السياسة من صراع برامج إلى ساحة ابتزاز وتشهير. وعندما يفشل المال في فرض منطقه، يستدعي لغته البديلة: التشكيك، والتخوين، والمسّ بالسمعة.

    أما الجانب المظلم في الحياة السياسية، فلا يُواجَه بالشعارات الأخلاقوية ولا بالمزايدات، بل بإصلاح مؤسسي هادئ، وبالاعتراف بأن الانتقال إلى الحداثة مسارٌ صراعي، لا نزهة توافقية. لا تقدم دون صدام مع العادات السياسية القديمة، ولا إصلاح دون إزعاج من يستفيدون من استمرارها.

    من هنا، لا ينتظر حزب الأصالة والمعاصرة صكوك غفران من أحد. لأن منطق الإصلاح التقدمي واضح: لا شرعية خارج العمل، والاختيار، وتحمل المسؤولية. النقد مشروع وضروري، لكن تحويل النقاش السياسي إلى محكمة أخلاقية شعبوية ليس تقدمًا، بل نكوص وردّة عن منطق الدولة الحديثة.

    والجميل في حزب الأصالة والمعاصرة — وهنا بيت القصيد — أنه اختار الصدق بدل الالتباس، والوضوح بدل الغموض، والالتزام بدل الشعبوية. ليست هذه شعارات، بل شروط أولية لأي مشروع إصلاحي جاد. ولهذا يُهاجَم، لا لأنه استثناء أخلاقي، بل لأنه كسر قاعدة مريحة: قاعدة اللعب في الظل.

    البام ليس حزبًا معصومًا، لكنه حزب قرر أن يكون واضحًا في زمن يُكافئ الضبابية.

    وهذا ليس خطأ… بل الثمن الطبيعي لكل محاولة جادة لتغيير التاريخ بدل التعايش معه.

  • كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يعزف الشباب عن السياسة، بل كيف يمكن للأحزاب أن تستعيد قدرتها على مخاطبة جيل تغيرت اهتماماته ووسائل تواصله وتطلعاته. وبين الاحتجاج والانتخابات، وبين الفضاء الرقمي والعمل الحزبي، تتجدد النقاشات حول مستقبل الوساطة السياسية ودور الشبيبات الحزبية في إعادة بناء الثقة.

    في هذا الحوار، يقدّم كريم عايش، محلل سياسي وباحث في القانون والعلاقات الدوليين، قراءة في واقع العلاقة بين الشباب والأحزاب بالمغرب، ويتوقف عند أسباب تنامي أشكال التعبير الجديدة، وآفاق تجديد الخطاب الحزبي، ودور المجتمع المدني والشبيبات في ترسيخ المشاركة السياسية لدى الأجيال الصاعدة.

    في تقديري، لا يمكن القول إن الشباب المغربي ابتعد عن السياسة كليا، بل ابتعد عن الأشكال التقليدية لممارسة السياسة. هناك جيل يعيش يوميا ضغط التشغيل، التعليم، الصحة، السكن، والهجرة، ويريد أجوبة سريعة وواضحة. عندما نعرف أن معدل البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغ حوالي 37.2 بالمئة سنة 2025، لدى نستطيع ان نفهم لماذا أصبح جزء من الشباب يشعر بأن الخطاب الحزبي لا يلامس دائما واقعه اليومي. وهذا لا يعني أن الأحزاب فقدت دورها، بل يعني أن عليها أن تقترب أكثر من لغة الشباب ومن قضاياه الملموسة.

    الأحزاب في الأصل لها وظيفة مهمة جدا؛ الدستور المغربي ينص على أنها تؤطر المواطنات والمواطنين وتساهم في تكوينهم السياسي وفي التعبير عن إرادة الناخبين. لذلك، المشكل ليس في وجود الأحزاب وهياكلها، بل في طريقة حضورها وسط الشباب. الشاب اليوم لا يريد فقط أن يسمع وعودا في فترة الانتخابات، بل يريد تواصلا مستمرا، حضورا في الجامعة، في الأحياء، في المنصات الرقمية، ويريد أيضا أن يرى شبابا حقيقيين داخل مواقع القرار الحزبي، لا فقط في الصفوف الخلفية.

    يمكن اعتبار هذه الاحتجاجات مؤشرا على وجود ضعف في الوساطة السياسية، لكن يجب أن نقول ذلك بحذر. الاحتجاج ليس دائما ضد الأحزاب أو ضد الانتخابات، بل أحيانا يكون رسالة قوية تقول إن هناك مطالب لم تجد طريقها الطبيعي عبر المؤسسات والهيئات الوسيطة. خلال العقد الأخير رأينا احتجاجات اجتماعية في مناطق مختلفة، وآخرها احتجاجات “جيل زد” حول قضايا مثل التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وتم تنظيم جزء كبير منها عبر “تيكتوك”، و”إنستغرام” و”ديسكورد” وهذا معناه أن جزءا من الشباب أصبح يعتبر المنصات الرقمية أسرع من القنوات الحزبية والنقابية والجمعوية.

    لكن في المقابل، لا ينبغي أن نسقط في فكرة أن الاحتجاج بديل كامل عن الحوارات والنقاشات المؤسساتية. فالاحتجاج ينبه، يضغط، يطرح السؤال، لكنه لا يصوغ بالضرورة السياسات العمومية ولا يحول المطالب إلى قوانين وميزانيات وبرامج. وهنا تظهر أهمية الأحزاب والانتخابات؛ لأن الاقتراع هو الذي يفرز المجالس الجماعية والجهوية والبرلمان، وهذه المؤسسات هي التي تملك أدوات القرار والمراقبة والمساءلة. لذلك، المطلوب ليس معارضة الاحتجاج بالانتخابات، بل خلق جسر بينهما: مطالب الشارع يجب أن تجد من يصغي إليها داخل الأحزاب والمؤسسات.

    الشبيبات الحزبية يمكن أن تلعب دورا أساسيا، لأنها الأقرب عمريا ونفسيا إلى الشباب. دورها لا يجب أن يبقى محصورا في تعبئة انتخابية موسمية أو في ترديد خطاب القيادات. فالمطلوب أن تتحول إلى فضاء للتكوين والنقاش والاقتراح، وأن تفتح نقاشات صريحة حول التشغيل، التعليم، الصحة النفسية، الرقمنة، المقاولة، المشاركة المحلية، والبيئة. المغرب اليوم يضم أكثر من 36,8 مليون نسمة، وجزء كبير من النقاش العمومي يمر عبر الشباب والفضاء الرقمي، وبالتالي لا يمكن لأي حزب أن يتجدد دون تجديد علاقته بهذه الف ولا يمكنه مسايرة التغيرات المجتمعية دون العودة والانصات للشباب..

    كما أن الشبيبات مطالبة بأن تكون مدرسة سياسية حقيقية، لا مجرد واجهة تنظيمية. يجب أن تُكَوِّن الشباب في فهم الدستور، الجماعات الترابية، الميزانية، دور البرلمان، ودور المنتخب. كثير من الشباب ينتقد السياسة لأنه لا يرى نتائج مباشرة، لكن جزءا من المشكل أيضا هو ضعف الثقافة المؤسساتية. عندما نشرح للشباب كيف تُتخذ القرارات، وكيف يمكن التأثير فيها عبر التصويت، العرائض، الجمعيات، الإعلام، والمجالس المنتخبة، نكون قد بدأنا فعلا في إعادة بناء الثقة. الثقة لا تعود بالشعارات، بل بالممارسة والقرب والصد في الخطاب السياسي الذي يلامس الهموم والانتظارات ويبرز سبل الحل وكيفية تحقيقه.

    أكيد، لأننا أمام جيل رقمي بامتياز. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، حوالي 76.9 بالمئة من الشباب ما بين 15 و34 سنة يستعملون الإنترنت، وهذا رقم مهم جدا، ويعني أن الشاب لا ينتظر البلاغ الحزبي الطويل ولا الندوة التقليدية فقط؛ فهو يتابع فيديوها قصيرة، وبودكاست، ونقاشات مباشرة، وتدوينات، أو محتوى بصريا مبسطا. لذلك، فتجديد الخطاب لا يعني تبسيط السياسة إلى حد التفاهة، بل يعني شرح السياسة بلغة مفهومة ومباشرة ومرتبطة بحياة الناس.

    لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن الرقمنة ليست فقط نشر صور وأنشطة على مواقع التواصل، فالخطاب الرقمي الناجح هو خطاب يتفاعل، يجيب، يعترف بالأخطاء، ويشرح المواقف دون تعالٍ.

    الشباب اليوم يميز بسرعة بين التواصل الحقيقي والتسويق السياسي، لذلك، إذا أرادت الشبيبات أن تكون مؤثرة، فعليها أن تذهب نحو محتوى يشرح مثلا ماذا يفعل المستشار الجماعي؟ كيف تُصرف ميزانية الجماعة؟ لماذا نصوت؟ كيف نحاسب المنتخب؟ هنا يصبح الخطاب الرقمي أداة للتربية السياسية، وليس مجرد دعاية.

    أرى أن هذا التوجه يمكن أن يكون إيجابيا إذا تم باحترام واضح لمنطق التربية المدنية، وليس بمنطق الاستقطاب المبكر أو التوظيف الحزبي الضيق. فالتلاميذ، حتى لو لم يكونوا ناخبين اليوم، هم مواطنو الغد. تعريفهم بالدستور، بالمؤسسات، بالمشاركة، بالانتخابات، وبقيم الحوار والاختلاف، يمكن أن يخلق جيلا أكثر وعيا وأقل نفورا من السياسة. في دول كثيرة، التربية على المواطنة تبدأ قبل سن التصويت، وهذا أمر طبيعي إذا كان الهدف هو تكوين وعي ديمقراطي لا توجيه اختيارات حزبية مسبقة.

    على المدى البعيد، مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة إذا احترمت ثلاثة شروط: الشفافية، التعددية، والبعد التربوي. بمعنى ألا تتحول المدرسة إلى مجال للدعاية، بل إلى فضاء لفهم الحياة العامة، وهنا يمكن لكل الشبيبات الحزبية، وليس شبيبة حزب واحد فقط، أن تساهم في تأهيل النقاش العمومي، لأن العملية الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط؛ بل قبل ذلك بسنوات، عبر بناء الثقة، وتكوين المواطن، وتعليمه أن صوته له قيمة، وأن السياسة ليست صراعا فارغا، بل وسيلة لتنظيم الاختلاف وخدمة الصالح العام. في انتخابات 2021 مثلا، بلغت المشاركة 50.18 بالمئة، وهذا رقم مهم، لكنه يذكرنا أيضا بأن توسيع المشاركة يحتاج عملا مستمرا مع الشباب قبل موعد الانتخابات، لا أثناء الحملة فقط.

  • كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يعزف الشباب عن السياسة، بل كيف يمكن للأحزاب أن تستعيد قدرتها على مخاطبة جيل تغيرت اهتماماته ووسائل تواصله وتطلعاته. وبين الاحتجاج والانتخابات، وبين الفضاء الرقمي والعمل الحزبي، تتجدد النقاشات حول مستقبل الوساطة السياسية ودور الشبيبات الحزبية في إعادة بناء الثقة.

    في هذا الحوار، يقدّم كريم عايش، محلل سياسي وباحث في القانون والعلاقات الدوليين، قراءة في واقع العلاقة بين الشباب والأحزاب بالمغرب، ويتوقف عند أسباب تنامي أشكال التعبير الجديدة، وآفاق تجديد الخطاب الحزبي، ودور المجتمع المدني والشبيبات في ترسيخ المشاركة السياسية لدى الأجيال الصاعدة.

    في تقديري، لا يمكن القول إن الشباب المغربي ابتعد عن السياسة كليا، بل ابتعد عن الأشكال التقليدية لممارسة السياسة. هناك جيل يعيش يوميا ضغط التشغيل، التعليم، الصحة، السكن، والهجرة، ويريد أجوبة سريعة وواضحة. عندما نعرف أن معدل البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغ حوالي 37.2 بالمئة سنة 2025، لدى نستطيع ان نفهم لماذا أصبح جزء من الشباب يشعر بأن الخطاب الحزبي لا يلامس دائما واقعه اليومي. وهذا لا يعني أن الأحزاب فقدت دورها، بل يعني أن عليها أن تقترب أكثر من لغة الشباب ومن قضاياه الملموسة.

    الأحزاب في الأصل لها وظيفة مهمة جدا؛ الدستور المغربي ينص على أنها تؤطر المواطنات والمواطنين وتساهم في تكوينهم السياسي وفي التعبير عن إرادة الناخبين. لذلك، المشكل ليس في وجود الأحزاب وهياكلها، بل في طريقة حضورها وسط الشباب. الشاب اليوم لا يريد فقط أن يسمع وعودا في فترة الانتخابات، بل يريد تواصلا مستمرا، حضورا في الجامعة، في الأحياء، في المنصات الرقمية، ويريد أيضا أن يرى شبابا حقيقيين داخل مواقع القرار الحزبي، لا فقط في الصفوف الخلفية.

    يمكن اعتبار هذه الاحتجاجات مؤشرا على وجود ضعف في الوساطة السياسية، لكن يجب أن نقول ذلك بحذر. الاحتجاج ليس دائما ضد الأحزاب أو ضد الانتخابات، بل أحيانا يكون رسالة قوية تقول إن هناك مطالب لم تجد طريقها الطبيعي عبر المؤسسات والهيئات الوسيطة. خلال العقد الأخير رأينا احتجاجات اجتماعية في مناطق مختلفة، وآخرها احتجاجات “جيل زد” حول قضايا مثل التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وتم تنظيم جزء كبير منها عبر “تيكتوك”، و”إنستغرام” و”ديسكورد” وهذا معناه أن جزءا من الشباب أصبح يعتبر المنصات الرقمية أسرع من القنوات الحزبية والنقابية والجمعوية.

    لكن في المقابل، لا ينبغي أن نسقط في فكرة أن الاحتجاج بديل كامل عن الحوارات والنقاشات المؤسساتية. فالاحتجاج ينبه، يضغط، يطرح السؤال، لكنه لا يصوغ بالضرورة السياسات العمومية ولا يحول المطالب إلى قوانين وميزانيات وبرامج. وهنا تظهر أهمية الأحزاب والانتخابات؛ لأن الاقتراع هو الذي يفرز المجالس الجماعية والجهوية والبرلمان، وهذه المؤسسات هي التي تملك أدوات القرار والمراقبة والمساءلة. لذلك، المطلوب ليس معارضة الاحتجاج بالانتخابات، بل خلق جسر بينهما: مطالب الشارع يجب أن تجد من يصغي إليها داخل الأحزاب والمؤسسات.

    الشبيبات الحزبية يمكن أن تلعب دورا أساسيا، لأنها الأقرب عمريا ونفسيا إلى الشباب. دورها لا يجب أن يبقى محصورا في تعبئة انتخابية موسمية أو في ترديد خطاب القيادات. فالمطلوب أن تتحول إلى فضاء للتكوين والنقاش والاقتراح، وأن تفتح نقاشات صريحة حول التشغيل، التعليم، الصحة النفسية، الرقمنة، المقاولة، المشاركة المحلية، والبيئة. المغرب اليوم يضم أكثر من 36,8 مليون نسمة، وجزء كبير من النقاش العمومي يمر عبر الشباب والفضاء الرقمي، وبالتالي لا يمكن لأي حزب أن يتجدد دون تجديد علاقته بهذه الف ولا يمكنه مسايرة التغيرات المجتمعية دون العودة والانصات للشباب..

    كما أن الشبيبات مطالبة بأن تكون مدرسة سياسية حقيقية، لا مجرد واجهة تنظيمية. يجب أن تُكَوِّن الشباب في فهم الدستور، الجماعات الترابية، الميزانية، دور البرلمان، ودور المنتخب. كثير من الشباب ينتقد السياسة لأنه لا يرى نتائج مباشرة، لكن جزءا من المشكل أيضا هو ضعف الثقافة المؤسساتية. عندما نشرح للشباب كيف تُتخذ القرارات، وكيف يمكن التأثير فيها عبر التصويت، العرائض، الجمعيات، الإعلام، والمجالس المنتخبة، نكون قد بدأنا فعلا في إعادة بناء الثقة. الثقة لا تعود بالشعارات، بل بالممارسة والقرب والصد في الخطاب السياسي الذي يلامس الهموم والانتظارات ويبرز سبل الحل وكيفية تحقيقه.

    أكيد، لأننا أمام جيل رقمي بامتياز. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، حوالي 76.9 بالمئة من الشباب ما بين 15 و34 سنة يستعملون الإنترنت، وهذا رقم مهم جدا، ويعني أن الشاب لا ينتظر البلاغ الحزبي الطويل ولا الندوة التقليدية فقط؛ فهو يتابع فيديوها قصيرة، وبودكاست، ونقاشات مباشرة، وتدوينات، أو محتوى بصريا مبسطا. لذلك، فتجديد الخطاب لا يعني تبسيط السياسة إلى حد التفاهة، بل يعني شرح السياسة بلغة مفهومة ومباشرة ومرتبطة بحياة الناس.

    لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن الرقمنة ليست فقط نشر صور وأنشطة على مواقع التواصل، فالخطاب الرقمي الناجح هو خطاب يتفاعل، يجيب، يعترف بالأخطاء، ويشرح المواقف دون تعالٍ.

    الشباب اليوم يميز بسرعة بين التواصل الحقيقي والتسويق السياسي، لذلك، إذا أرادت الشبيبات أن تكون مؤثرة، فعليها أن تذهب نحو محتوى يشرح مثلا ماذا يفعل المستشار الجماعي؟ كيف تُصرف ميزانية الجماعة؟ لماذا نصوت؟ كيف نحاسب المنتخب؟ هنا يصبح الخطاب الرقمي أداة للتربية السياسية، وليس مجرد دعاية.

    أرى أن هذا التوجه يمكن أن يكون إيجابيا إذا تم باحترام واضح لمنطق التربية المدنية، وليس بمنطق الاستقطاب المبكر أو التوظيف الحزبي الضيق. فالتلاميذ، حتى لو لم يكونوا ناخبين اليوم، هم مواطنو الغد. تعريفهم بالدستور، بالمؤسسات، بالمشاركة، بالانتخابات، وبقيم الحوار والاختلاف، يمكن أن يخلق جيلا أكثر وعيا وأقل نفورا من السياسة. في دول كثيرة، التربية على المواطنة تبدأ قبل سن التصويت، وهذا أمر طبيعي إذا كان الهدف هو تكوين وعي ديمقراطي لا توجيه اختيارات حزبية مسبقة.

    على المدى البعيد، مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة إذا احترمت ثلاثة شروط: الشفافية، التعددية، والبعد التربوي. بمعنى ألا تتحول المدرسة إلى مجال للدعاية، بل إلى فضاء لفهم الحياة العامة، وهنا يمكن لكل الشبيبات الحزبية، وليس شبيبة حزب واحد فقط، أن تساهم في تأهيل النقاش العمومي، لأن العملية الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط؛ بل قبل ذلك بسنوات، عبر بناء الثقة، وتكوين المواطن، وتعليمه أن صوته له قيمة، وأن السياسة ليست صراعا فارغا، بل وسيلة لتنظيم الاختلاف وخدمة الصالح العام. في انتخابات 2021 مثلا، بلغت المشاركة 50.18 بالمئة، وهذا رقم مهم، لكنه يذكرنا أيضا بأن توسيع المشاركة يحتاج عملا مستمرا مع الشباب قبل موعد الانتخابات، لا أثناء الحملة فقط.

  • من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    تحول القضاء على دور الصفيح في المغرب من مجرد مشروع للسكن إلى واحد من أكبر الأوراش الاجتماعية والعمرانية التي أطلقتها المملكة منذ مطلع الألفية الثالثة، فعندما أعطى الملك محمد السادس سنة 2004 انطلاقة البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كان الهدف يتمثل في تمكين نحو 270 ألف أسرة من مغادرة السكن غير اللائق ووضع حد لظاهرة ظلت لعقود عنوانا للفوارق الاجتماعية والهشاشة داخل المجال الحضري، غير أن تعقيدات العقار وتسارع التوسع العمراني واستمرار الهجرة نحو المدن، إلى جانب ظهور تجمعات جديدة للسكن الصفيحي جعلت حجم التحدي يتضاعف مع مرور السنوات ليرتفع عدد الأسر المعنية بالبرنامج إلى أكثر من 509 آلاف أسرة.

    وبعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش، عاد الملف إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما أعلنت الحكومة الحالية أنها رفعت وتيرة معالجة دور الصفيح إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة، وانتقلت من متوسط 6200 أسرة مستفيدة سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025، بالتوازي مع اعتماد مقاربة جديدة تقوم على إعادة الإسكان بدل الاقتصار على إعادة الإيواء وإشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي للمستفيدين وتشديد المراقبة للحد من ظهور تجمعات صفيحية جديدة.

    ولا يمكن تقييم حصيلة هذا الورش الوطني بمنطق الأرقام وحدها، لأن البرنامج لم يكن مجرد عملية لبناء مساكن أو إعادة إيواء أسر، بل سياسة عمومية واجهت على امتداد أكثر من عقدين تحديات عقارية واجتماعية وتمويلية وإدارية متشابكة. ومن ثم، فإن فهم نتائجه يمر عبر تتبع مساره منذ انطلاقه وقراءة التحولات التي عرفتها فلسفة تدبيره وآليات تنزيله، وقياس الأثر الذي أحدثته الإجراءات المعتمدة خلال الولاية الحكومية الحالية على وتيرة القضاء على دور الصفيح.

    من وعد بالقضاء على الصفيح إلى ورش مفتوح منذ عقدين

    عندما أعطى الملك محمد السادس في 26 يوليوز 2004، الانطلاقة الرسمية للبرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كانت الدولة تراهن على طي أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيدا داخل المجال الحضري، عبر استهداف نحو 270 ألف أسرة موزعة على 85 مدينة ومركزا حضريا.

    وقد قُدِّم البرنامج آنذاك باعتباره مشروعا وطنيا يروم القضاء التدريجي على السكن الصفيحي من خلال تعبئة مختلف المتدخلين واعتماد مقاربتي إعادة الإيواء وإعادة الهيكلة وربط التدخل السكني بتأهيل الأحياء وتجهيزها بالبنيات الأساسية، لكن مسار البرنامج لم يسر وفق التقديرات الأولى، فكلما تقدمت عمليات المعالجة كانت تتكشف معطيات جديدة توسع دائرة التدخل سواء نتيجة تحيين الإحصائيات أو إدراج تجمعات صفيحية لم تكن مشمولة عند الانطلاق أو استمرار تسجيل بؤر جديدة في عدد من المدن.

    وبذلك، لم يعد البرنامج يتعامل مع الرصيد الذي أحصي سنة 2004 فقط، بل مع واقع حضري متغير ليرتفع عدد الأسر المعنية تدريجيا إلى حوالي 509 آلاف أسرة، أي ما يقارب ضعف العدد الذي انطلق به البرنامج.

    وهذا التطور، تجاوز مجرد تغير في الأرقام إلى كشف أن القضاء على السكن الصفيحي يرتبط بتوفير وحدات سكنية بديلة، وأيضا بقدرة السياسات العمومية على مواكبة التحولات العمرانية والاجتماعية التي تعرفها المدن المغربية.

    بهذا الصدد، سجل المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الرقابية أن البرنامج واجه خلال مراحل تنزيله إكراهات متعددة من بينها صعوبة تعبئة الوعاء العقاري وتعقيد مساطر نزع الملكية واختلال التنسيق بين المتدخلين وتأخر إنجاز مشاريع التجهيز، إضافة إلى محدودية بعض آليات التتبع، وهي عوامل انعكست على وتيرة الإنجاز وأدت إلى تمديد آجال استكمال البرنامج مقارنة بالأهداف الزمنية التي حددت عند انطلاقته.

    ورغم هذه الإكراهات، حقق البرنامج نتائج مهمة خلال العقدين الماضيين، إذ أعلنت السلطات تباعا عددا من المدن والمراكز الحضرية “مدنا بدون صفيح”، فيما استفادت مئات الآلاف من الأسر من حلول سكنية مختلفة، غير أن استمرار وجود تجمعات صفيحية خاصة في الأقطاب الحضرية الكبرى أبقى هذا الورش مفتوحا، ودفع الحكومة الحالية إلى إعادة صياغة منهجية التدخل، ليس عبر رفع الاعتمادات المالية فقط، بل أيضا من خلال مراجعة أدوات التنفيذ نفسها، وهي المقاربة التي ستشكل أحد أبرز عناصر تقييم الحصيلة خلال الولاية الحكومية الحالية.

    قبل 2021.. 15 سنة من الاختلالات

    عندما تسلمت الحكومة الحالية في أكتوبر 2021، تدبير ورش “مدن بدون صفيح”، لم تكن تنطلق من برنامج يسير وفق أهدافه الأصلية، بل من ورش كانت قد شخصت اختلالاته أعلى هيئة رقابية بالمملكة.

    ففي 23 يونيو 2020، قدم المجلس الأعلى للحسابات أول تقييم شامل للبرنامج منذ إطلاقه سنة 2004، بعد افتحاص استغرق سبعة أشهر وشمل فترة 2004-2018، واعتمد على تحليل 162 عملية ميدانية وزيارات لسبع جهات تمثل 98 في المئة من الأسر المعنية إضافة إلى مراجعة 156 اتفاقية تغطي نحو 231 ألفا و675 أسرة.

    وخلص المجلس إلى أن البرنامج انحرف عن الجدول الزمني الذي وضع له، إذ كان يستهدف القضاء على دور الصفيح في أفق 2010، غير أن عدد الأسر المستهدفة ارتفع بدل أن يتراجع من نحو 270 ألف أسرة عند الانطلاق إلى 472 ألفا و723 أسرة بنهاية 2018 كما توسع نطاقه من 70 إلى 85 مدينة ومركزا حضريا، ما عكس استمرار الظاهرة بوتيرة أسرع من وتيرة معالجتها.

    وأرجع التقرير هذا التعثر إلى التمويل وتأخر بعض المشاريع، فضلا عن النموذج المعتمد نفسه، معتبرا أن البرنامج ركز على معالجة نتائج الظاهرة أكثر من أسبابها، في ظل غياب سياسة وقائية تحد من ظهور تجمعات جديدة، إلى جانب اختلالات في الحكامة تمثلت في ضعف التنسيق بين المتدخلين وغياب إطار قانوني ومنظومة معلوماتية موحدة وصعوبات مرتبطة بالعقار وتجهيز مواقع إعادة الإيواء وتعقيد المساطر، فضلا عن استمرار ظاهرة “الانزلاق” التي دفعت بعض الأسر إلى التخلي عن الوحدات أو البقع المستفاد منها.

    وهكذا، وجدت الحكومة الحالية نفسها عند بداية ولايتها أمام برنامج يعاني، وفق تشخيص رسمي للمجلس الأعلى للحسابات، اختلالات بنيوية مست الحكامة وآليات الاستهداف والسياسة العقارية ونموذج التدخل، بما جعل إصلاح هذه الأعطاب شرطا أساسيا قبل الحديث عن تسريع القضاء على دور الصفيح.

    من تغيير المقاربة إلى مضاعفة الوتيرة.. ماذا تغير منذ 2021؟

    إذا كان البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” قد حافظ منذ إطلاقه سنة 2004 على الهدف نفسه؛ وهو القضاء على السكن الصفيحي، فإن أدوات تنزيله لم تبق على حالها، فالسنوات الأخيرة عرفت تحولا في طريقة تدبير هذا الورش، انطلق من مراجعة فلسفة التدخل نفسها، بعدما أظهرت التجربة أن الصيغ المعتمدة خلال المراحل السابقة لم تعد قادرة، وحدها، على مجاراة الطلب المتزايد على السكن اللائق ولا على تقليص الرصيد المتبقي داخل المدن الكبرى.

    وتقوم المقاربة الجديدة، التي اعتمدتها الحكومة منذ الولاية الحالية، على الانتقال من منطق “إعادة الإيواء” إلى منطق “إعادة الإسكان”، ففي حين كانت الصيغة التقليدية تعتمد أساسا على إعادة إيواء الأسر داخل تجزئات سكنية مع ما يرافق ذلك من إكراهات مرتبطة بتجهيز الأحياء وإنجاز البنيات التحتية، أصبح التوجه الجديد يقوم على توفير وحدات سكنية جاهزة عبر تعبئة المنعشين العقاريين والقطاع الخاص بما يسمح بتقليص آجال الإنجاز وتسريع استفادة الأسر.

    هذا التحول، انعكس مباشرة على وتيرة التنفيذ، فبحسب المعطيات التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس النواب نهاية يونيو الماضي، ارتفع متوسط عدد الأسر التي تتم معالجة وضعيتها سنويا من حوالي 6200 أسرة خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025 أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف.

    وأكدت أن هذا التطور جاء نتيجة رفع وتيرة الإنجاز فضلا عن اعتماد هندسة جديدة لتدبير البرنامج شملت إشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي لضبط المستفيدين مع وتعزيز المراقبة الميدانية، وهو ما مكن وفق المعطيات الحكومية من تقليص انتشار دور الصفيح بنسبة 35 في المئة.

    ولتسريع إنهاء هذا الورش، اعتمدت الحكومة برنامجا خماسيا يمتد بين2024 و2028، يستهدف معالجة أوضاع 120 ألف أسرة ما تزال تقطن بدور الصفيح، تتوزع أساسا بين 62 ألف أسرة بالدار البيضاء الكبرى و30 ألف أسرة بمراكش و12 ألف أسرة بالقنيطرة وأكثر من 5100 أسرة بإقليم بنسليمان، إلى جانب تجمعات أخرى بمختلف جهات المملكة، فيما يقوم هذا البرنامج على هندسة مالية جديدة وعلى التوسع في إعادة الإسكان بدل إعادة الإيواء مع تعبئة الاستثمار الخاص لتسريع إنتاج الوحدات السكنية الجاهزة.

    وتشير الحصيلة التي قدمتها الوزيرة إلى أن المقاربة الجديدة مكنت من إنتاج31 ألفا و538 وحدة سكنية من بينها 23 ألفا و884 وحدة تم تسليمها للمستفيدين، فيما توجد 7654 وحدة في مراحل الاستكمال والتسليم، كما أكدت أن الوزارة أولت أهمية خاصة لضبط لوائح المستفيدين عبر سجل وطني رقمي باعتباره أحد الآليات الرامية إلى تعزيز الشفافية وتفادي الازدواجية في الاستفادة.

    ولا تعكس هذه الأرقام، بحسب المسؤولة الحكومية، سوى جزء من حصيلة البرنامج، فإلى غاية نهاية مارس الماضي بلغ عدد الأسر التي تحسنت ظروف عيشها في إطار البرنامج الوطني 384 ألفا و818 أسرة، فيما ارتفع عدد المدن والمراكز الحضرية التي أعلنت رسميا “بدون صفيح” إلى 62 مدينة ومركزا حضريا، بعدما كان البرنامج قد انطلق سنة 2004 مستهدفا 85 مدينة ومركزا حضريا و270 ألف أسر.

    وتشير المعطيات الحكومية إلى أن الكلفة الإجمالية للبرنامج بلغت 73.71 مليار درهم ساهمت الوزارة الوصية منها بحوالي 16.48 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم الاستثمار العمومي الذي خصص لهذا الورش منذ انطلاقته.

    ومع ذلك، فإن بلوغ 62 مدينة ومركزا حضريا خالية من دور الصفيح لا يعني نهاية البرنامج لأن التحدي انتقل من معالجة المدن التي استكملت تدخلاتها إلى استهداف الأقطاب الحضرية التي تستأثر اليوم بأكبر كثافة للسكن غير اللائق، وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى ومراكش والقنيطرة، لهذا فإن الرهان الذي تضعه الحكومة لنهاية سنة 2028 يقاس بعدد الوحدات التي سيتم إنتاجها فضلا عن مدى قدرة المقاربة الجديدة على إنهاء الرصيد المتبقي ومنع إعادة تشكل بؤر صفيحية جديدة بعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش الوطني.

    وفي هذا الإطار يرى الخبير في السياسات الحضرية والإسكان أحمد بنزيان، أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو اختزال نجاح برنامج “مدن بدون صفيح” في عدد الأسر التي غادرت السكن العشوائي، إذ إن هذا المؤشر، على الرغم من أهميته، لكنه ليس المؤشر الحاسم، سيما وأن التجارب الدولية تبين أن النجاح الحقيقي يبدأ بعد تسليم المفاتيح وليس قبلها.

    وأوضح الخبير في حديثه لـ”AM PLUS MEDIA”، بأنه “إذا انتقلت الأسرة إلى سكن جديد لكنها بقيت بعيدة عن فرص الشغل أو عن النقل العمومي أو عن المدرسة أو عن الخدمات الصحية، فإننا نكون قد غيرنا شكل الهشاشة ولم نعالج مضمونها”.

    لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه الحكومة اليوم أكثر تعقيدا من تحدي الحكومات السابقة وفق تعبيره، لأنها “لم تعد مطالبة فقط بإزالة آخر الأحياء الصفيحية، بل بضمان ألا تعود هذه الظاهرة بأشكال جديدة داخل الهوامش الحضرية.”

    وزاد الخبير في حديثه للموقع، أن ما يلفت الانتباه في المقاربة الحالية هو أنها حاولت معالجة عدد من الاختلالات التي ظلت مطروحة لسنوات مثل رقمنة المستفيدين وإشراك القطاع الخاص والانتقال نحو إعادة الإسكان وهي خطوات يراها “يمكن أن ترفع من نجاعة التنفيذ، لكن نجاحها سيظل رهينا بقدرتها على الاندماج داخل سياسة حضرية أوسع”.

    وشدد بنزيان، على أن المدينة ليست مشروعا سكنيا بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، وإذا لم تتطور سياسات النقل والتشغيل والتجهيز والعدالة المجالية بالوتيرة نفسها، فإن خطر إعادة إنتاج الهشاشة سيظل قائما، حتى وإن اختفت آخر براكة.”

    من إنهاء الصفيح إلى منع عودته.. التحدي الذي ينتظر المغرب بعد 2026

    بعد أكثر من عقدين على إطلاق البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق أكثر منه أمام خط نهاية، فالأرقام الحكومية تشير إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة المعالجة وإلى اقتراب إغلاق آخر البؤر الكبرى.

    فبينما تكشف قراءة مسار البرنامج منذ 2004 أن كل مرحلة كان يُعتقد أنها الأخيرة كانت تفتح تحديات جديدة أكثر تعقيدا، بدأ المشروع كبرنامج لإزالة دور الصفيح، ثم تحول تدريجيا إلى سياسة لإنتاج السكن قبل أن يجد نفسه اليوم أمام سؤال مختلف تماما مفاده: كيف يمكن بناء مدينة لا تعود فيها ظاهرة الصفيح إلى الظهور؟

    وهنا تحديدا تنتقل المسؤولية من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الاستدامة، فإذا كانت المرحلة الأولى من البرنامج انصبت على إخراج الأسر من المساكن غير اللائقة، فإن المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بضمان ألا تدفع التحولات الاقتصادية والضغط العقاري واتساع الهوامش الحضرية إلى إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة السكنية.

    والتجارب الدولية، كما تؤكد أدبيات السياسات الحضرية، بينت أن القضاء على الأحياء الصفيحية لا يتحقق بمجرد نقل السكان إلى مساكن جديدة بل بقدرة المدينة على توفير بيئة عمرانية واجتماعية واقتصادية تمنع عودة الظاهرة في صور أخرى، سواء عبر البناء غير النظامي أو التوسع العشوائي أو الهشاشة السكنية المقنعة.

    ولهذا، فإن الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026 لن تبدأ من الصفر، كما أنها لن ترث برنامجا في بدايته بل ستتسلم المرحلة الأكثر حساسية منذ إطلاق هذا الورش، فالرصيد المتبقي حسب آخر المعطيات الرسمية التي قدمتها فاطمة الزهراء المنصوري لم يعد موزعا على عشرات المدن بل أصبح متمركزا في الأقطاب الحضرية الأكثر تعقيدا من حيث الضغط الديمغرافي والعقاري وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى حيث تتداخل رهانات السكن مع إكراهات الوعاء العقاري، والنقل، والتشغيل، والاندماج المجالي وهذا يعني أن النجاح في السنوات المقبلة لن يرتبط فقط بقدرة الدولة على بناء وحدات سكنية إضافية، بل بقدرتها على إنتاج نموذج حضري يجعل السكن اللائق جزءا من منظومة متكاملة أكثر منه منتج عقاري.

    ومن هذه الزاوية، فإن اختزال حصيلة الولاية الحكومية الحالية في عدد الأسر التي غادرت دور الصفيح أو في عدد المدن التي أعلنت “بدون صفيح” رغم إيجابيتها يظلمها، على اعتبار أن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى نجاح الإصلاحات التي أطلقتها في تحويل البرنامج من سياسة لمعالجة آثار الهشاشة إلى سياسة تمنع إعادة إنتاجها، فالمجلس الأعلى للحسابات كان قد شخص قبل وصول الحكومة الحالية، اختلالات مست الحكامة والعقار والوقاية وآليات الاستهداف، بينما تقول الحكومة إنها أعادت بناء جزء من هذه المنظومة عبر تغيير نموذج التدخل ورقمنة تدبير المستفيدين وإشراك القطاع الخاص، ورفع وتيرة الإنجاز.

    وبهذا، فإن الحكم النهائي على هذه التحولات لن يصدر مع نهاية الولاية، وإنما مع مرور السنوات عندما يتضح ما إذا كانت قد أغلقت فعلا آخر بؤر الصفيح، أم أنها أرست فقط شروط مرحلة جديدة من تدبيرها.

  • من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    تحول القضاء على دور الصفيح في المغرب من مجرد مشروع للسكن إلى واحد من أكبر الأوراش الاجتماعية والعمرانية التي أطلقتها المملكة منذ مطلع الألفية الثالثة، فعندما أعطى الملك محمد السادس سنة 2004 انطلاقة البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كان الهدف يتمثل في تمكين نحو 270 ألف أسرة من مغادرة السكن غير اللائق ووضع حد لظاهرة ظلت لعقود عنوانا للفوارق الاجتماعية والهشاشة داخل المجال الحضري، غير أن تعقيدات العقار وتسارع التوسع العمراني واستمرار الهجرة نحو المدن، إلى جانب ظهور تجمعات جديدة للسكن الصفيحي جعلت حجم التحدي يتضاعف مع مرور السنوات ليرتفع عدد الأسر المعنية بالبرنامج إلى أكثر من 509 آلاف أسرة.

    وبعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش، عاد الملف إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما أعلنت الحكومة الحالية أنها رفعت وتيرة معالجة دور الصفيح إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة، وانتقلت من متوسط 6200 أسرة مستفيدة سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025، بالتوازي مع اعتماد مقاربة جديدة تقوم على إعادة الإسكان بدل الاقتصار على إعادة الإيواء وإشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي للمستفيدين وتشديد المراقبة للحد من ظهور تجمعات صفيحية جديدة.

    ولا يمكن تقييم حصيلة هذا الورش الوطني بمنطق الأرقام وحدها، لأن البرنامج لم يكن مجرد عملية لبناء مساكن أو إعادة إيواء أسر، بل سياسة عمومية واجهت على امتداد أكثر من عقدين تحديات عقارية واجتماعية وتمويلية وإدارية متشابكة. ومن ثم، فإن فهم نتائجه يمر عبر تتبع مساره منذ انطلاقه وقراءة التحولات التي عرفتها فلسفة تدبيره وآليات تنزيله، وقياس الأثر الذي أحدثته الإجراءات المعتمدة خلال الولاية الحكومية الحالية على وتيرة القضاء على دور الصفيح.

    من وعد بالقضاء على الصفيح إلى ورش مفتوح منذ عقدين

    عندما أعطى الملك محمد السادس في 26 يوليوز 2004، الانطلاقة الرسمية للبرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كانت الدولة تراهن على طي أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيدا داخل المجال الحضري، عبر استهداف نحو 270 ألف أسرة موزعة على 85 مدينة ومركزا حضريا.

    وقد قُدِّم البرنامج آنذاك باعتباره مشروعا وطنيا يروم القضاء التدريجي على السكن الصفيحي من خلال تعبئة مختلف المتدخلين واعتماد مقاربتي إعادة الإيواء وإعادة الهيكلة وربط التدخل السكني بتأهيل الأحياء وتجهيزها بالبنيات الأساسية، لكن مسار البرنامج لم يسر وفق التقديرات الأولى، فكلما تقدمت عمليات المعالجة كانت تتكشف معطيات جديدة توسع دائرة التدخل سواء نتيجة تحيين الإحصائيات أو إدراج تجمعات صفيحية لم تكن مشمولة عند الانطلاق أو استمرار تسجيل بؤر جديدة في عدد من المدن.

    وبذلك، لم يعد البرنامج يتعامل مع الرصيد الذي أحصي سنة 2004 فقط، بل مع واقع حضري متغير ليرتفع عدد الأسر المعنية تدريجيا إلى حوالي 509 آلاف أسرة، أي ما يقارب ضعف العدد الذي انطلق به البرنامج.

    وهذا التطور، تجاوز مجرد تغير في الأرقام إلى كشف أن القضاء على السكن الصفيحي يرتبط بتوفير وحدات سكنية بديلة، وأيضا بقدرة السياسات العمومية على مواكبة التحولات العمرانية والاجتماعية التي تعرفها المدن المغربية.

    بهذا الصدد، سجل المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الرقابية أن البرنامج واجه خلال مراحل تنزيله إكراهات متعددة من بينها صعوبة تعبئة الوعاء العقاري وتعقيد مساطر نزع الملكية واختلال التنسيق بين المتدخلين وتأخر إنجاز مشاريع التجهيز، إضافة إلى محدودية بعض آليات التتبع، وهي عوامل انعكست على وتيرة الإنجاز وأدت إلى تمديد آجال استكمال البرنامج مقارنة بالأهداف الزمنية التي حددت عند انطلاقته.

    ورغم هذه الإكراهات، حقق البرنامج نتائج مهمة خلال العقدين الماضيين، إذ أعلنت السلطات تباعا عددا من المدن والمراكز الحضرية “مدنا بدون صفيح”، فيما استفادت مئات الآلاف من الأسر من حلول سكنية مختلفة، غير أن استمرار وجود تجمعات صفيحية خاصة في الأقطاب الحضرية الكبرى أبقى هذا الورش مفتوحا، ودفع الحكومة الحالية إلى إعادة صياغة منهجية التدخل، ليس عبر رفع الاعتمادات المالية فقط، بل أيضا من خلال مراجعة أدوات التنفيذ نفسها، وهي المقاربة التي ستشكل أحد أبرز عناصر تقييم الحصيلة خلال الولاية الحكومية الحالية.

    قبل 2021.. 15 سنة من الاختلالات

    عندما تسلمت الحكومة الحالية في أكتوبر 2021، تدبير ورش “مدن بدون صفيح”، لم تكن تنطلق من برنامج يسير وفق أهدافه الأصلية، بل من ورش كانت قد شخصت اختلالاته أعلى هيئة رقابية بالمملكة.

    ففي 23 يونيو 2020، قدم المجلس الأعلى للحسابات أول تقييم شامل للبرنامج منذ إطلاقه سنة 2004، بعد افتحاص استغرق سبعة أشهر وشمل فترة 2004-2018، واعتمد على تحليل 162 عملية ميدانية وزيارات لسبع جهات تمثل 98 في المئة من الأسر المعنية إضافة إلى مراجعة 156 اتفاقية تغطي نحو 231 ألفا و675 أسرة.

    وخلص المجلس إلى أن البرنامج انحرف عن الجدول الزمني الذي وضع له، إذ كان يستهدف القضاء على دور الصفيح في أفق 2010، غير أن عدد الأسر المستهدفة ارتفع بدل أن يتراجع من نحو 270 ألف أسرة عند الانطلاق إلى 472 ألفا و723 أسرة بنهاية 2018 كما توسع نطاقه من 70 إلى 85 مدينة ومركزا حضريا، ما عكس استمرار الظاهرة بوتيرة أسرع من وتيرة معالجتها.

    وأرجع التقرير هذا التعثر إلى التمويل وتأخر بعض المشاريع، فضلا عن النموذج المعتمد نفسه، معتبرا أن البرنامج ركز على معالجة نتائج الظاهرة أكثر من أسبابها، في ظل غياب سياسة وقائية تحد من ظهور تجمعات جديدة، إلى جانب اختلالات في الحكامة تمثلت في ضعف التنسيق بين المتدخلين وغياب إطار قانوني ومنظومة معلوماتية موحدة وصعوبات مرتبطة بالعقار وتجهيز مواقع إعادة الإيواء وتعقيد المساطر، فضلا عن استمرار ظاهرة “الانزلاق” التي دفعت بعض الأسر إلى التخلي عن الوحدات أو البقع المستفاد منها.

    وهكذا، وجدت الحكومة الحالية نفسها عند بداية ولايتها أمام برنامج يعاني، وفق تشخيص رسمي للمجلس الأعلى للحسابات، اختلالات بنيوية مست الحكامة وآليات الاستهداف والسياسة العقارية ونموذج التدخل، بما جعل إصلاح هذه الأعطاب شرطا أساسيا قبل الحديث عن تسريع القضاء على دور الصفيح.

    من تغيير المقاربة إلى مضاعفة الوتيرة.. ماذا تغير منذ 2021؟

    إذا كان البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” قد حافظ منذ إطلاقه سنة 2004 على الهدف نفسه؛ وهو القضاء على السكن الصفيحي، فإن أدوات تنزيله لم تبق على حالها، فالسنوات الأخيرة عرفت تحولا في طريقة تدبير هذا الورش، انطلق من مراجعة فلسفة التدخل نفسها، بعدما أظهرت التجربة أن الصيغ المعتمدة خلال المراحل السابقة لم تعد قادرة، وحدها، على مجاراة الطلب المتزايد على السكن اللائق ولا على تقليص الرصيد المتبقي داخل المدن الكبرى.

    وتقوم المقاربة الجديدة، التي اعتمدتها الحكومة منذ الولاية الحالية، على الانتقال من منطق “إعادة الإيواء” إلى منطق “إعادة الإسكان”، ففي حين كانت الصيغة التقليدية تعتمد أساسا على إعادة إيواء الأسر داخل تجزئات سكنية مع ما يرافق ذلك من إكراهات مرتبطة بتجهيز الأحياء وإنجاز البنيات التحتية، أصبح التوجه الجديد يقوم على توفير وحدات سكنية جاهزة عبر تعبئة المنعشين العقاريين والقطاع الخاص بما يسمح بتقليص آجال الإنجاز وتسريع استفادة الأسر.

    هذا التحول، انعكس مباشرة على وتيرة التنفيذ، فبحسب المعطيات التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس النواب نهاية يونيو الماضي، ارتفع متوسط عدد الأسر التي تتم معالجة وضعيتها سنويا من حوالي 6200 أسرة خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025 أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف.

    وأكدت أن هذا التطور جاء نتيجة رفع وتيرة الإنجاز فضلا عن اعتماد هندسة جديدة لتدبير البرنامج شملت إشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي لضبط المستفيدين مع وتعزيز المراقبة الميدانية، وهو ما مكن وفق المعطيات الحكومية من تقليص انتشار دور الصفيح بنسبة 35 في المئة.

    ولتسريع إنهاء هذا الورش، اعتمدت الحكومة برنامجا خماسيا يمتد بين2024 و2028، يستهدف معالجة أوضاع 120 ألف أسرة ما تزال تقطن بدور الصفيح، تتوزع أساسا بين 62 ألف أسرة بالدار البيضاء الكبرى و30 ألف أسرة بمراكش و12 ألف أسرة بالقنيطرة وأكثر من 5100 أسرة بإقليم بنسليمان، إلى جانب تجمعات أخرى بمختلف جهات المملكة، فيما يقوم هذا البرنامج على هندسة مالية جديدة وعلى التوسع في إعادة الإسكان بدل إعادة الإيواء مع تعبئة الاستثمار الخاص لتسريع إنتاج الوحدات السكنية الجاهزة.

    وتشير الحصيلة التي قدمتها الوزيرة إلى أن المقاربة الجديدة مكنت من إنتاج31 ألفا و538 وحدة سكنية من بينها 23 ألفا و884 وحدة تم تسليمها للمستفيدين، فيما توجد 7654 وحدة في مراحل الاستكمال والتسليم، كما أكدت أن الوزارة أولت أهمية خاصة لضبط لوائح المستفيدين عبر سجل وطني رقمي باعتباره أحد الآليات الرامية إلى تعزيز الشفافية وتفادي الازدواجية في الاستفادة.

    ولا تعكس هذه الأرقام، بحسب المسؤولة الحكومية، سوى جزء من حصيلة البرنامج، فإلى غاية نهاية مارس الماضي بلغ عدد الأسر التي تحسنت ظروف عيشها في إطار البرنامج الوطني 384 ألفا و818 أسرة، فيما ارتفع عدد المدن والمراكز الحضرية التي أعلنت رسميا “بدون صفيح” إلى 62 مدينة ومركزا حضريا، بعدما كان البرنامج قد انطلق سنة 2004 مستهدفا 85 مدينة ومركزا حضريا و270 ألف أسر.

    وتشير المعطيات الحكومية إلى أن الكلفة الإجمالية للبرنامج بلغت 73.71 مليار درهم ساهمت الوزارة الوصية منها بحوالي 16.48 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم الاستثمار العمومي الذي خصص لهذا الورش منذ انطلاقته.

    ومع ذلك، فإن بلوغ 62 مدينة ومركزا حضريا خالية من دور الصفيح لا يعني نهاية البرنامج لأن التحدي انتقل من معالجة المدن التي استكملت تدخلاتها إلى استهداف الأقطاب الحضرية التي تستأثر اليوم بأكبر كثافة للسكن غير اللائق، وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى ومراكش والقنيطرة، لهذا فإن الرهان الذي تضعه الحكومة لنهاية سنة 2028 يقاس بعدد الوحدات التي سيتم إنتاجها فضلا عن مدى قدرة المقاربة الجديدة على إنهاء الرصيد المتبقي ومنع إعادة تشكل بؤر صفيحية جديدة بعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش الوطني.

    وفي هذا الإطار يرى الخبير في السياسات الحضرية والإسكان أحمد بنزيان، أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو اختزال نجاح برنامج “مدن بدون صفيح” في عدد الأسر التي غادرت السكن العشوائي، إذ إن هذا المؤشر، على الرغم من أهميته، لكنه ليس المؤشر الحاسم، سيما وأن التجارب الدولية تبين أن النجاح الحقيقي يبدأ بعد تسليم المفاتيح وليس قبلها.

    وأوضح الخبير في حديثه لـ”AM PLUS MEDIA”، بأنه “إذا انتقلت الأسرة إلى سكن جديد لكنها بقيت بعيدة عن فرص الشغل أو عن النقل العمومي أو عن المدرسة أو عن الخدمات الصحية، فإننا نكون قد غيرنا شكل الهشاشة ولم نعالج مضمونها”.

    لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه الحكومة اليوم أكثر تعقيدا من تحدي الحكومات السابقة وفق تعبيره، لأنها “لم تعد مطالبة فقط بإزالة آخر الأحياء الصفيحية، بل بضمان ألا تعود هذه الظاهرة بأشكال جديدة داخل الهوامش الحضرية.”

    وزاد الخبير في حديثه للموقع، أن ما يلفت الانتباه في المقاربة الحالية هو أنها حاولت معالجة عدد من الاختلالات التي ظلت مطروحة لسنوات مثل رقمنة المستفيدين وإشراك القطاع الخاص والانتقال نحو إعادة الإسكان وهي خطوات يراها “يمكن أن ترفع من نجاعة التنفيذ، لكن نجاحها سيظل رهينا بقدرتها على الاندماج داخل سياسة حضرية أوسع”.

    وشدد بنزيان، على أن المدينة ليست مشروعا سكنيا بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، وإذا لم تتطور سياسات النقل والتشغيل والتجهيز والعدالة المجالية بالوتيرة نفسها، فإن خطر إعادة إنتاج الهشاشة سيظل قائما، حتى وإن اختفت آخر براكة.”

    من إنهاء الصفيح إلى منع عودته.. التحدي الذي ينتظر المغرب بعد 2026

    بعد أكثر من عقدين على إطلاق البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق أكثر منه أمام خط نهاية، فالأرقام الحكومية تشير إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة المعالجة وإلى اقتراب إغلاق آخر البؤر الكبرى.

    فبينما تكشف قراءة مسار البرنامج منذ 2004 أن كل مرحلة كان يُعتقد أنها الأخيرة كانت تفتح تحديات جديدة أكثر تعقيدا، بدأ المشروع كبرنامج لإزالة دور الصفيح، ثم تحول تدريجيا إلى سياسة لإنتاج السكن قبل أن يجد نفسه اليوم أمام سؤال مختلف تماما مفاده: كيف يمكن بناء مدينة لا تعود فيها ظاهرة الصفيح إلى الظهور؟

    وهنا تحديدا تنتقل المسؤولية من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الاستدامة، فإذا كانت المرحلة الأولى من البرنامج انصبت على إخراج الأسر من المساكن غير اللائقة، فإن المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بضمان ألا تدفع التحولات الاقتصادية والضغط العقاري واتساع الهوامش الحضرية إلى إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة السكنية.

    والتجارب الدولية، كما تؤكد أدبيات السياسات الحضرية، بينت أن القضاء على الأحياء الصفيحية لا يتحقق بمجرد نقل السكان إلى مساكن جديدة بل بقدرة المدينة على توفير بيئة عمرانية واجتماعية واقتصادية تمنع عودة الظاهرة في صور أخرى، سواء عبر البناء غير النظامي أو التوسع العشوائي أو الهشاشة السكنية المقنعة.

    ولهذا، فإن الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026 لن تبدأ من الصفر، كما أنها لن ترث برنامجا في بدايته بل ستتسلم المرحلة الأكثر حساسية منذ إطلاق هذا الورش، فالرصيد المتبقي حسب آخر المعطيات الرسمية التي قدمتها فاطمة الزهراء المنصوري لم يعد موزعا على عشرات المدن بل أصبح متمركزا في الأقطاب الحضرية الأكثر تعقيدا من حيث الضغط الديمغرافي والعقاري وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى حيث تتداخل رهانات السكن مع إكراهات الوعاء العقاري، والنقل، والتشغيل، والاندماج المجالي وهذا يعني أن النجاح في السنوات المقبلة لن يرتبط فقط بقدرة الدولة على بناء وحدات سكنية إضافية، بل بقدرتها على إنتاج نموذج حضري يجعل السكن اللائق جزءا من منظومة متكاملة أكثر منه منتج عقاري.

    ومن هذه الزاوية، فإن اختزال حصيلة الولاية الحكومية الحالية في عدد الأسر التي غادرت دور الصفيح أو في عدد المدن التي أعلنت “بدون صفيح” رغم إيجابيتها يظلمها، على اعتبار أن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى نجاح الإصلاحات التي أطلقتها في تحويل البرنامج من سياسة لمعالجة آثار الهشاشة إلى سياسة تمنع إعادة إنتاجها، فالمجلس الأعلى للحسابات كان قد شخص قبل وصول الحكومة الحالية، اختلالات مست الحكامة والعقار والوقاية وآليات الاستهداف، بينما تقول الحكومة إنها أعادت بناء جزء من هذه المنظومة عبر تغيير نموذج التدخل ورقمنة تدبير المستفيدين وإشراك القطاع الخاص، ورفع وتيرة الإنجاز.

    وبهذا، فإن الحكم النهائي على هذه التحولات لن يصدر مع نهاية الولاية، وإنما مع مرور السنوات عندما يتضح ما إذا كانت قد أغلقت فعلا آخر بؤر الصفيح، أم أنها أرست فقط شروط مرحلة جديدة من تدبيرها.