المدونة

  • المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    المغرب يطالب بقاصريه وبروكسيل تدفع نحو إعادتهم ومدريد تسبح عكس التيار وتنقل 500 فتاة للداخل الإسباني

    تحولت أزمة سبتة من ملف حدودي بين المغرب وإسبانيا إلى اختبار سياسي وقانوني لحكومة بيدرو سانشيز داخل إسبانيا وأمام الاتحاد الأوروبي نفسه، فبعدما بنت مدريد خطابها منذ موجة العبور الجماعي في 30 يوليوز على إعادة الوافدين بطريقة غير نظامية إلى المغرب ومنع انتقالهم إلى شبه الجزيرة، تستعد الحكومة الإسبانية اليوم لنقل نحو 500 فتاة قاصر غير مصحوبة من سبتة إلى البر الإسباني، في خطوة تأتي بينما تطالب الرباط باستعادة قاصريها وتدفع بروكسيل بدورها نحو تسريع عمليات العودة في إطار القانون الأوروبي.

    ويعني نقل 500 قاصرة إلى شبه الجزيرة كما قررته الحكومة الإسبانية، أن الأزمة التي حرصت مدريد منذ البداية على إبقائها داخل حدود سبتة ستعبر فعليا إلى الداخل الإسباني، ولو تحت مظلة حماية الطفولة، كما يكشف عن تعدد مراكز القرار داخل الحكومة نفسها، فوزارة الخارجية تتحدث عن العودة إلى المغرب وحماية فضاء شنغن، بينما تبني وزارة الشباب والطفولة مسارا آخر أساسه استقبال القاصرين وتوزيعهم على الأقاليم وتقييم وضعية كل طفل على حدة.

    وتعمل وزارة الشباب والطفولة الاسبانية، على نقل عاجل لنحو 500 فتاة مع بحث صيغ مختلفة لاستقبالهن، بينها التوزيع على الأقاليم ذاتية الحكم والإيواء الأسري والاستعانة بمنظمات حماية الطفولة لتدبير الحالات الأكثر هشاشة في مرافق متخصصة بالبر الرئيسي، من دون اشتراط نقل الوصاية في جميع الحالات إلى الإقليم المستضيف.

    وتجد مدريد نفسها أمام معادلة دقيقة، فالمغرب يعرض التعاون لاستعادة القاصرين المغاربة، وطالب في أكثر من مناسبة بذلك وبنبرة شديدة على لسان وزير العدل عبد اللطيف وهبي، كما أن بروكسيل تؤيد بدورها تفعيل العودة بالنسبة إلى الموجودين بصورة غير قانونية، فضلا عن حكومة سبتة التي تتمسك بالمسار نفسه.

    وكل ذلك، بينما تتحرك الحكومة الاسبانية المركزية لنقل مئات القاصرات في الاتجاه المعاكس جغرافيا، من الحدود مع المغرب إلى عمق الأراضي الإسبانية.

    وعد بالعودة لم يصمد طويلا

    قبل أيام فقط، كان خطاب مدريد أكثر حسما ويبرز جليا هذا التناقض، ففي 11 غشت انتقل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى سبتة المحتلة، وبعد اجتماعه برئيس حكومة المدينة خوان خيسوس فيفاس، أكد أن جميع من دخلوا الأراضي الإسبانية بصورة غير نظامية سيعودون إلى المغرب.

    وربط ألباريس هذا الموقف بما وصفه بـ”الإرادة الصريحة” التي أبدتها الرباط لاستعادة مواطنيها، كما شدد على أن أحدا من المهاجرين لم يصل إلى شبه الجزيرة، في رسالة أراد من خلالها تأكيد حماية حدود شنغن وعدم تحول سبتة إلى ممر نحو أوروبا.

    وفي الحكومة نفسها، ذهب وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان فيليكس بولانيوس إلى أن الأولوية بالنسبة إلى القاصرين الذين عبروا إلى سبتة هي عودتهم إلى أسرهم في المغرب.

    لكن هذا الخط اصطدم سريعا بحقيقة مختلفة على الأرض، فالقاصر غير المصحوب لا يخضع للمسار نفسه الذي يخضع له المهاجر البالغ، ولا تكفي وضعيته الإدارية غير النظامية لاتخاذ قرار فوري بإعادته.

    وبمجرد تحديده باعتباره قاصرا غير مصحوب، تدخل منظومة حماية الطفولة إلى جانب قانون الهجرة، وتصبح المصلحة الفضلى للطفل ووضعه الأسري، وضمانات استقباله عناصر حاسمة في تحديد مصيره، ومن هنا بدأ خطاب مدريد يتشعب.

    الرباط تضع استعادة القاصرين على الطاولة

    المغرب، في المقابل، لم يكتف بإعلان استعداده لقبول عمليات إعادة البالغين، بل وضع ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين في صدارة مطالبه.

    في 6 غشت، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا وباقي الدول الأوروبية لتحديد هوية القاصرين المغاربة الموجودين لديها والعمل على إعادتهم، في موقف جاء تنفيذا لتعليمات ملكية سامية لوزارتي الداخلية والشؤون الخارجية لتسهيل هذه العملية.

    وبعد أربعة أيام، رفع وزير العدل عبد اللطيف وهبي سقف الموقف المغربي، مؤكدا تمسك المملكة باستعادة الأطفال والقاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا حديثا إلى سبتة، وأن المغرب سيتحرك في هذا الملف عبر القنوات القانونية والسياسية.

    وقال وهبي إن المغرب “لن يتخلى” عن أطفاله وشبابه ومراهقيه، بينما ربطت الرباط تعثر عمليات الإعادة بوجود عراقيل قضائية وإدارية في الجانب الإسباني.

    الموقف ليس جديدا بالكامل، ففي 2024 خلال زيارة رئيس حكومة جزر الكناري فرناندو كلافيخو إلى الرباط، أبدى وزير الخارجية ناصر بوريطة استعداد المغرب لاستعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين، مع الإشارة آنذاك أيضا إلى صعوبات قانونية مرتبطة بتنفيذ عمليات العودة.

    الجديد هذه المرة هو السياق والحجم، فالمطلب المغربي جاء مباشرة بعد أكبر موجة عبور عرفتها سبتة وتردد مرارا بشكل رسمي، وفي الوقت الذي تواجه فيه المدينة ضغطا غير مسبوق على مرافق استقبال الأطفال.

    من 1100 إلى أكثر من ألفي قاصر

    الأرقام نفسها تكشف سرعة تحول الملف، ففي 6 غشت، كانت التقديرات تشير إلى وجود نحو 1100 قاصر غير مصحوب في سبتة، بعضهم وصل خلال موجة نهاية يوليوز وبعضهم كان موجودا قبلها.

    وفي 7 غشت، تحدثت المعطيات الإسبانية عن تسجيل 1342 قاصرا، بينما كانت مرافق مخصصة أصلا لاستقبال نحو 90 طفلا تستوعب أعدادا تفوق قدرتها بكثير.

    وبحلول الثلاثاء 18 غشت، ارتفع عدد القاصرين الذين حددت الشرطة الوطنية هوياتهم وسلمتهم إلى حكومة سبتة إلى 2168 قاصرا، وفق المعطيات التي أوردتها “يورونيوز”.

    هذا الارتفاع السريع نقل المشكلة من تدبير مجموعة محدودة من الأطفال إلى أزمة حماية اجتماعية وقانونية واسعة داخل مدينة صغيرة المساحة والإمكانات.

    ولهذا بدأت مدريد، منذ الأيام الأولى للأزمة، إعداد سيناريو لنقل القاصرين إلى شبه الجزيرة، وفي 7 غشت قالت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو إن الحكومة تأمل تنفيذ عمليات النقل خلال أسابيع مع إعطاء الأولوية للفتيات والأطفال دون 13 سنة، ودراسة كل حالة بصورة فردية.

    الفتيات أولا

    ولا يشكل اختيار 500 فتاة تحديدا تفصيلا في الخطة، فالأزمة الإنسانية داخل سبتة أظهرت أن الفتيات والنساء من أكثر الفئات هشاشة في ظروف الاستقبال التي أعقبت موجة العبور.

    ولهذا وضعت السلطات القاصرات في فضاءات آمنة ومنفصلة بعد الإبلاغ عن اعتداءات جنسية، بينما أصبحت حمايتهن إحدى الأولويات المعلنة للحكومة.

    وتستند مدريد إلى هذه الوضعية لتبرير إخراجهن بصورة عاجلة من سبتة، ومن وجهة نظر وزارة الشباب والطفولة لا يتعلق الأمر بفتح طريق للمهاجرين نحو شبه الجزيرة بل بنقل أطفال خاضعين لحماية الدولة من فضاءات وصلت إلى حدود قدرتها الاستيعابية إلى مرافق تستطيع توفير شروط أفضل للرعاية.

    سياسيا، نقل 500 قاصر إلى البر الرئيسي يناقض الصورة التي حاولت مدريد تثبيتها بعد الأزمة، ومفادها أن سبتة لن تكون جسرا نحو شبه الجزيرة.

    أما قانونيا، فتستطيع الحكومة الاستناد إلى قواعد حماية الطفولة لتقول إن وضع القاصر لا يمكن اختزاله في طريقة دخوله الأراضي الإسبانية.

    المصلحة الفضلى للطفل” تغير قواعد الأزمة

    في 8 غشت، حددت سيرا ريغو المبدأ الذي ستتعامل به وزارتها مع القاصرين، فالأولوية بحسبها، هي لم الشمل العائلي كلما كان ذلك ممكنا ومتوافقا مع المصلحة الفضلى للطفل.

    واللافت أن لم الشمل الذي تحدثت عنه الوزيرة لا يعني بالضرورة البقاء في إسبانيا، فقد أوضحت الحكومة رسميا أن الأسرة قد تكون موجودة في بلد الأصل أو في إقليم إسباني آخر أو في دولة أوروبية، وأن مكان الأسرة ووضع الطفل هما اللذان يحددان المسار.

    أما الأطفال الذين لا تتوفر لهم أسر يمكن إسنادهم إليها، فتتحمل السلطات المختصة مسؤولية الوصاية عليهم وضمان حقوقهم، وهذه القاعدة تجعل عرض المغرب لاستعادة القاصرين عنصرا مهما، لكنه لا يحسم الملفات بصورة جماعية.

    فوجود استعداد رسمي من بلد الأصل لاستقبال مواطنيه يزيل عقبة سياسية كانت تعقد عمليات العودة، لكنه لا يلغي المسطرة التي تفرض على السلطات الإسبانية التحقق من هوية الطفل ووضع أسرته وشروط استقباله، ومدى توافق إعادته مع مصلحته الفضلى.

    25 مليون يورو و”استقبال تضامني

    مع اتساع الأزمة، انتقلت الحكومة الإسبانية من تدبير الطوارئ داخل سبتة إلى توزيع العبء على بقية البلاد، ففي 10 غشت، أعلنت سيرا ريغو عن عقد اجتماع عاجل مع الأقاليم ذاتية الحكم، وعن اعتماد استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لفائدة سبتة، إضافة إلى إرسال فريق تقني من الوزارة للمساعدة على تسريع إجراءات ما تسميه مدريد “الاستقبال التضامني” للقاصرين غير المصحوبين.

    وقد أعلنت عدة أقاليم رفضها استقبال القاصرين القادمين من موجة سبتة، فيما اتهمتها الحكومة المركزية بنقص التضامن، ووصل الخلاف إلى النيابة العامة.

    ففي 7 غشت، أصدرت المدعية العامة للدولة تيريزا بيراماتو توجيهات لضمان حماية القاصرين الموجودين في سبتة، وأمرت المدعين المختصين بشؤون القاصرين بالتحرك إذا رفضت الأقاليم تنفيذ ترتيبات توزيعهم واستقبالهم.

    ولم تعد أزمة القاصرين بهذا المعنى مواجهة بين الرباط ومدريد فقط، بل أصبحت أيضا مواجهة داخل إسبانيا حول الجهة التي ستتحمل مسؤولية الأطفال وكلفة استقبالهم.

    بروكسيل تدفع نحو العودة

    وسط هذا التعقيد الداخلي، دخل الاتحاد الأوروبي على الخط بموقف زاد من حدة التناقض، ففي 18 غشت، قالت المفوضية الأوروبية إن الأولوية تتمثل في أن تعمل السلطات الإسبانية والمغربية على إبقاء الوضع تحت السيطرة وضمان العودة السريعة للأشخاص، الذين ما زالوا موجودين بصورة غير قانونية في سبتة.

    المتحدث باسم المفوضية ماركوس لامرت وضع عمليات العودة ضمن الإطار القانوني الأوروبي، وأشار إلى “توجيه العودة” وإلى النظام الأوروبي الجديد الذي سيؤطر عمليات الإعادة مستقبلا، لكن وبعد يوم واحد، كانت وزارة الشباب والطفولة الإسبانية تدفع نحو خطة لنقل 500 قاصرة في الاتجاه المعاكس إلى شبه الجزيرة.

    حكومة واحدة بخطابين

    هذا الوضع أظهر انقساما في الأولويات داخل الجهاز التنفيذي الإسباني نفسه، فوزارة الخارجية تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملف حدود وهجرة وعلاقة مع المغرب وأمن فضاء شنغن، وعلى هذا الأساس جاءت تصريحات وزير الخارجية ألباريس بأن جميع من دخلوا بصورة غير نظامية سيعودون، وأن أحدا لم ينتقل إلى شبه الجزيرة.

    أما وزارة الشباب والطفولة فتتعامل مع جزء من الأشخاص أنفسهم باعتبارهم أطفالا تحت الحماية القانونية للدولة، لا مجرد مهاجرين في وضعية غير نظامية.

    حكومة سبتة من جانبها، التقطت هذا التحول مبكرا، ولذلك رفضت إعطاء الانطباع بأنها وافقت على خطة نقل 500 فتاة، كما أن إدارة خوان خيسوس فيفاس تتمسك بأن الأولوية هي عودة من دخلوا خلال موجة نهاية يوليوز إلى المغرب، بمن فيهم القاصرون متى سمحت المساطر بذلك.

    يذكر، أن هذا الموقف يجد دعما في المعارضة اليمينية، فالحزب الشعبي يطالب مدريد بتفعيل الاتفاقات مع الرباط وتسريع عمليات العودة، ويستند إلى استعداد المغرب لاستقبال قاصريه ليجادل بأن لم الشمل العائلي داخل بلد الأصل يمكن أن يكون، في الحالات التي تسمح بذلك، أكثر اتساقا مع المصلحة الفضلى للطفل من نقله إلى مركز آخر داخل إسبانيا.

  • خريبكة تخلد ذكرى مظاهرة وادي زم وانتفاضة السماعلة وبني خيران

    خريبكة تخلد ذكرى مظاهرة وادي زم وانتفاضة السماعلة وبني خيران

    خلدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أمس الأربعاء بخريبكة، الذكرى الحادية والسبعين لمظاهرة وادي زم وانتفاضة قبائل السماعلة وبني خيران، التي شكلت محطة تاريخية وازنة في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال.

    وشكل هذا اللقاء، الذي احتضنه المركب الثقافي محمد السادس، مناسبة لاستحضار صفحات من تاريخ الكفاح الوطني والتضحيات التي قدمها أبناء المنطقة دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية، والتأكيد على قيم الوطنية والتلاحم الوثيق بين العرش والشعب.

    وأكد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، في كلمة بالمناسبة، أن هذه الانتفاضات الشعبية، التي اندلعت يومي 19 و20 غشت 1955، تزامنا مع الذكرى الثانية لنفي جلالة المغفور له محمد الخامس، شكلت محطة وازنة ومفصلية في مسيرة الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال.

    وأبرز أن أبناء وبنات هذه الربوع نظموا مظاهرات حاشدة وخاضوا أعمالا فدائية، مقدمين تضحيات جسيمة في سبيل عودة جلالة المغفور له محمد الخامس إلى أرض الوطن وتحقيق الاستقلال.

    وفي ارتباط بالسياق الراهن، شدد الكثيري على أن تخليد هذه الذكرى يتزامن مع الدينامية التي تشهدها قضية الوحدة الترابية للمملكة، وما حققته المملكة من مكتسبات دبلوماسية، منوها بالزخم الدولي المتنامي الداعم لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي.

    من جهته، أبرز الكاتب العام لعمالة إقليم خريبكة، المصطفى الحصار، أن تخليد هذه الذكرى يتزامن مع احتفال الشعب المغربي بالذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب المجيدة، التي تجسد أسمى صور التلاحم بين العرش والشعب، وتستحضر صفحة مشرقة من الكفاح الوطني دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية.

    وأشاد بمبادرة المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بإحياء هذه الذكرى، مبرزا أن تخليدها يجسد تمسك أبناء هذه الربوع بالعرش العلوي المجيد، ويبرز التضحيات التي قدموها دفاعا عن السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة.

    وخلص المتدخلون إلى أن تخليد هذه الذكرى الوطنية يشكل مناسبة لاستحضار بطولات أبناء المنطقة وتضحياتهم، واستلهام قيم الوطنية والتضحية ونكران الذات، بما يسهم في صون الذاكرة الوطنية وتعزيزها لدى الأجيال الصاعدة.

    وتميز هذا اللقاء بتكريم عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، تقديرا لما قدموه من تضحيات وأعمال في سبيل الوطن، إلى جانب توزيع إعانات ومساعدات على عدد من المنتمين إلى أسرة المقاومة وجيش التحرير، في إطار العناية الموصولة بهذه الأسرة.

  • أطفال القدس يستكشفون معالم شفشاون

    أطفال القدس يستكشفون معالم شفشاون

    قام الأطفال المقدسيون المشاركون في المخيم الصيفي السنوي، الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس الشريف، اليوم الأربعاء، بزيارة لمدينة شفشاون، إحدى أبرز الوجهات السياحية الجبلية بالمملكة.

    وشكلت هذه الزيارة، التي تندرج ضمن فعاليات المرحلة الثانية من الدورة السابعة عشرة للمخيم الصيفي السنوي “منارة السلام”، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مناسبة للأطفال المقدسيين لاكتشاف تاريخ المدينة العريق وخصوصياتها الجغرافية والمعمارية، ولاسيما طابعها الأندلسي المميز.

    وتجول الأطفال، رفقة مؤطريهم، بين عدد من المعالم التاريخية والحضارية للمدينة، من ساحة وطاء الحمام إلى القصبة الأثرية وحي السويقة، وصولا إلى شلال رأس الماء، كما اكتشفوا أزقة المدينة القديمة وأبوابها وجدرانها وألوانها المتناسقة التي تجمع بين الأبيض والأزرق.

    وفي إطار الأنشطة المبرمجة خلال هذه المحطة، شارك الأطفال المقدسيون في ورشات فنية للنسيج والرسم والتلوين على قطع من الخزف، في تجربة تفاعلية أتاحت لهم التعبير عن مواهبهم الفنية والتعرف على جانب من الحرف والصناعات التقليدية المحلية.

    وعبر عدد من الأطفال المقدسيين عن سعادتهم بهذه التجربة، التي أتاحت لهم فرصة التعرف عن قرب على مدينة شفشاون واستكشاف مؤهلاتها التاريخية والثقافية والطبيعية.

    كما أعربوا، بهذه المناسبة، عن امتنانهم العميق لصاحب الجلالة الملك محمد السادس على العناية الموصولة التي يوليها لأطفال القدس، وكذا لوكالة بيت مال القدس الشريف على الأنشطة والزيارات المنظمة لفائدتهم، والتي مكنتهم من الانفتاح على تنوع التراث المغربي، وتقاسم لحظات مميزة مع أقرانهم المغاربة، والاحتفاظ بذكريات لا ت نسى من إقامتهم بالمملكة.

    ويتميز برنامج الدورة السابعة عشرة، الذي تتواصل فعالياته إلى غاية 26 غشت الجاري، بتنوع محطاته، بما يتيح للأطفال المشاركين الانتقال بين عدد من المجالات الطبيعية والجغرافية بالمملكة، من المناطق السهلية إلى الفضاءات البحرية، وصولا إلى المناطق الجبلية، ويوفر لهم بذلك تجربة تربوية وثقافية وترفيهية غنية.

    يذكر أن مخيم أطفال القدس، الذي انطلق سنة 2008 برعاية سامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، يعد أحد البرامج الاجتماعية والتربوية التي تنفذها وكالة بيت مال القدس الشريف سنويا، بهدف تنمية قدرات الأطفال واليافعين، وتعزيز التواصل الثقافي، وإتاحة فرص التعارف والتبادل مع أقرانهم في المملكة المغربية.

  • ترامب يهدد إيران بحرب اقتصادية “مدمرة”

    ترامب يهدد إيران بحرب اقتصادية “مدمرة”

    أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الأربعاء، أن الولايات المتحدة ستشن ضد إيران الحرب الاقتصادية “الأكثر تدميرا على الإطلاق”، وذلك بعد فشل المفاوضات الرامية إلى إنهاء الصراع بين واشنطن وطهران.

    وكتب ترامب على منصته “تروث سوشال”: “لم يمنح أحد الجمهورية الإسلامية الإيرانية فرصة أفضل مني لإبرام اتفاق. ولسوء حظهم، لم يعرفوا كيفية استثمارها. ولهذا السبب، أعلن اليوم عن العملية الاقتصادية الأكثر تدميرا، على الإطلاق”.

    وأشار القاطن بالبيت الأبيض إلى أن الأمر سيتعلق بـ “حرب اقتصادية وعزلة غير مسبوقة”، مضيفا أن “البحرية الإيرانية قد اختفت، وسلاحهم الجوي دمر، ومصانعهم العسكرية لم تعد سوى أنقاض، وعملتهم لم تعد تساوي شيئا، وبلدهم بات معلقا بخيط رفيع”.

    من جهة أخرى، هدد الرئيس الأمريكي بفرض إجراءات اقتصادية “خانقة” على “أي دولة” تساند إيران في مساعيها، معلنا في هذا الصدد “أن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية، أو شركاتها، أو مطاراتها، أو مؤسساتها الحكومية بتقديم أي شكل من أشكال المساعدة لإيران، ستواجه تداعيات اقتصادية جسيمة”.

    وأضاف أنه “يتعين وضع حد لتهريب النفط، وخطوط مبادلة العملات (سواب)، وتحويلات الأموال، وأنشطة مكاتب الصرف، والسجلات البحرية، والشركات الصورية، المتعلقة بإيران، نحن بحاجة إلى أن يقف جميع حلفائنا إلى جانبنا لعزل التهديد الإيراني وهزيمته”.

    وخلص رئيس الجهاز التنفيذي الأمريكي إلى أن هذه “الإجراءات التاريخية ستشل إيران وتنهي قدرتها على نشر الرعب في جميع أنحاء العالم”.

  • ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    ثورة الملك والشعب.. من منفى محمد الخامس إلى فجر الاستقلال

    دخل المغرب صيف 1953 واحدة من أكثر لحظات تاريخه المعاصر حساسية، بعدما بلغ التوتر بين السلطان محمد الخامس وسلطات الحماية مستوى لم تعد معه الضغوط السياسية كافية لضبط المشهد، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية توسع مطالبها، ويتقدم التقارب بينها وبين القصر حول مستقبل البلاد.

    اختارت سلطات الحماية أن تكسر هذه المعادلة من أعلى سلطة في البلاد، ففي 20 غشت، أبعدت السلطان محمد الخامس رفقة أسرته عن المغرب، ونصبت محمد بن عرفة مكانه، في رهان لم يكن يستهدف تغيير السلطان فقط، بل فصل العرش عن الحركة الوطنية وإعادة ترتيب موازين القوة بما يسمح باستمرار الحماية.

    لكن القرار أعطى نتيجة معاكسة لما كانت تنتظره سلطات الحماية، فبعد نفي محمد الخامس، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، تصاعد رفض المغاربة للقرار، واتسعت المقاومة، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان ترتبط أكثر فأكثر بالمطالبة بإنهاء الحماية واستقلال المغرب.

    وبين 20 غشت 1953 و16 نونبر 1955، انقلبت المعادلة، ونجحت سلطات الحماية في إبعاد محمد الخامس عن بلاده، لكنها لم تنجح في نقل شرعيته إلى البديل الذي اختارته.

    حين أصبح الخلاف حول مستقبل المغرب

    وتروي كتب التاريخ أن الأزمة لم تبدأ في غشت 1953، بل سبقتها سنوات من التوتر المتصاعد بين القصر وسلطات الحماية، بالتوازي مع تطور الحركة الوطنية وانتقال مطالبها تدريجيا من الإصلاح إلى المطالبة بالاستقلال.

    وشكل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944 محطة أساسية في هذا المسار، قبل أن تأتي زيارة “أب الأمة” محمد الخامس إلى طنجة في أبريل 1947 لتمنح المرحلة دلالة سياسية أكبر، في وقت كان فيه النقاش حول مستقبل المغرب ووحدته وسيادته يتقدم داخل الحركة الوطنية.

    ومع بداية الخمسينيات، لم يعد الخلاف مع الإقامة العامة مرتبطا بملفات متفرقة، بل أصبح موقع السلطان نفسه داخل المعادلة التي أقامتها الحماية منذ 1912 جزءا من الأزمة، فقد تعزز التقارب بين السلطان محمد الخامس والحركة الوطنية، في مقابل ضغوط متزايدة لإبعاده عنها ودفعه إلى مواقف أكثر انسجاما مع ما تريده سلطات الحماية.

    لذلك، لم يكن 20 غشت حدثا مفاجئا أو معزولا، بل جاء في نهاية مسار من الضغط والتوتر ومحاولات إعادة ضبط موقع القصر داخل المشهد السياسي.

    وفي قراءة لهذه المرحلة، يعتبر المؤرخ نور الدين بلحداد أن قرار النفي لا يمكن فصله عن السياق الذي سبقه، موضحا أن “نفي السلطان محمد الخامس في 20 غشت 1953 لا يمكن فهمه وحده دون العودة إلى المسار الذي سبق هذه المرحلة، خصوصا وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وخطاب طنجة سنة 1947، والتقارب الذي بدأ يكبر بين السلطان والحركة الوطنية”.

    لكن بلحداد أكد أن المسار غير تدريجيا نظرة سلطات الحماية إلى محمد الخامس، بعدما بدأت ترى أنه “لم يعد مجرد سلطان يمكن ممارسة الضغط عليه، وإنما أصبح رمزا وطنيا يلتقي حوله العرش والحركة الوطنية وجزء كبير من المغاربة”.

    ويضيف أن “الهدف من النفي لم يكن فقط إبعاد محمد الخامس عن القصر، وإنما كان كذلك محاولة لضرب العلاقة التي كانت تتقوى بين العرش والحركة الوطنية واسترجاع التحكم في المشهد السياسي”.

    وفي الأيام التي سبقت النفي، تسارعت التحركات المعارضة لمحمد الخامس بدعم من سلطات الحماية، وصولا إلى الدفع بمحمد بن عرفة، لتحاصر القوات التابعة للإقامة العامة القصر الملكي بالرباط في 20 غشت، قبل إبعاد السلطان محمد الخامس وأسرته عن البلاد، أولا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر.

    من البيعة إلى ثورة الملك والشعب

    لم تبدأ علاقة العرش العلوي بمكونات المجتمع المغربي مع أحداث 20 غشت، إذ شكلت البيعة تاريخيا إحدى الآليات التي انتظمت عبرها العلاقة بين السلاطين العلويين ومكونات المجتمع، ضمن استمرارية الدولة المغربية قبل فرض الحماية سنة 1912.

    وجاءت مرحلة محمد الخامس لتضيف إلى هذا الامتداد التاريخي بعدا وطنيا ارتبط بالتحولات التي عاشها المغرب خلال سنوات الحماية، وبالتقارب الذي تشكل بين السلطان والحركة الوطنية في سياق تصاعد مطلب الاستقلال.

    وهذه الخلفية تساعد على تفسير أحد جوانب الخطأ في الحسابات الفرنسية، فسلطات الحماية استطاعت تغيير الشخص الموجود في القصر، لكنها تعاملت مع الأمر كما لو أن تغيير السلطان يكفي تلقائيا لنقل المكانة والقبول اللذين أصبح محمد الخامس يحظى بهما إلى البديل الذي اختارته.

    ويتوقف بلحداد عند هذه النقطة، معتبرا أن فرنسا “كانت تراهن على أن تنصيب محمد بن عرفة يمكن أن يفرض واقعا جديدا، لكن هذا كان واحدا من الأخطاء الكبيرة، لأنها تعاملت مع العرش وكأنه مجرد موقع سياسي يمكن تغيير الشخص الموجود فيه وتستمر الأمور بشكل عادي”.

    ويربط المؤرخ ذلك بالامتداد التاريخي للعلاقة بين العرش والمغاربة، موضحا أن سلطات الحماية “لم تستوعب بشكل كاف أن العلاقة بين المغاربة والعرش لها امتداد تاريخي، وأن البيعة كانت دائما جزءا من هذه العلاقة، ومع محمد الخامس أضيف إليها بعد وطني مرتبط بالتحرر والاستقلال”.

    ويمتد هذا المعطى، بحسب بلحداد، إلى المناطق الصحراوية، حيث يستحضر روابط البيعة التاريخية بين قبائل صحراوية والسلاطين العلويين، إلى جانب مظاهر التضامن مع محمد الخامس والمطالبة بعودته خلال مرحلة النفي.

    بهذا المعنى، لم تكن المشكلة التي واجهت سلطات الحماية مرتبطة فقط بمن يوجد داخل القصر، وإنما بقدرتها على جعل التغيير الذي فرضته من الأعلى مقبولا على الأرض.

    سلطان في المنفى

    على الورق، بدا مخطط سلطات الحماية قادرا على إنتاج واقع جديد، فالسلطان الشرعي محمد الخامس خارج البلاد، ومحمد بن عرفة على العرش، والإقامة العامة أمام فرصة لإعادة الإمساك بالمشهد.

    لكن ما لم تستطع القوة فرضه كان قبول المغاربة بهذا الترتيب، إذ يختصر بلحداد هذه المفارقة بالقول: “استطاعوا نفي محمد الخامس بالقوة، لكنهم لم يستطيعوا نقل شرعيته بالطريقة نفسها إلى محمد بن عرفة، لأن الشرعية لا تنتقل بقرار إداري، وليس مجرد وضع شخص على العرش يعني أنه سيأخذ المكانة نفسها لدى المغاربة”.

    وتشكل هذه العبارة مدخلا لفهم ما جرى بعد 20 غشت، فسلطات الحماية امتلكت الوسائل التي مكنتها من تغيير السلطان، لكنها لم تستطع أن تمنح البديل المكانة نفسها التي راكمها محمد الخامس خلال السنوات السابقة.

    وبدل أن يؤدي النفي إلى إنهاء حضوره في المشهد، أصبح السلطان المنفي أكثر ارتباطا بخطاب الحركة الوطنية والمقاومة، فيما تحولت المطالبة بعودته إلى أحد العناوين المركزية للمواجهة مع سلطات الحماية.

    وبدأت تداعيات القرار تظهر سريعا، وشهد المغرب احتجاجات وتحركات مقاومة، وتشكلت خلايا فدائية وتنظيمات سرية، وتصاعدت العمليات ضد الوجود الاستعماري.

    وفي 11 شتنبر 1953، بعد أسابيع قليلة من النفي، حاول المقاوم علال بن عبدالله استهداف محمد بن عرفة، في واقعة ستصبح واحدة من أبرز رموز المقاومة المغربية خلال تلك المرحلة.

    ولم يظل الرفض محصورا داخل الحركة الوطنية أو في بعض المراكز الحضرية، إذ يشير بلحداد إلى أن رد الفعل امتد إلى مناطق مختلفة من المغرب، وهو ما يعكس، في قراءته، أن القضية تجاوزت حدود صراع سياسي بين الإقامة العامة والتنظيمات الوطنية.

    وبذلك بدأت معادلة 20 غشت تنقلب، فأصبح محمد الخامس خارج المغرب، لكنه حاضر في قلب المواجهة داخله، بينما يوجد محمد بن عرفة في البلاد دون أن يتمكن من اكتساب الشرعية التي كان يفترض أن تسمح بتثبيت الوضع الجديد.

    حين تحولت عودة السلطان إلى معركة استقلال

    راكمت الحركة الوطنية قبل 1953 سنوات من العمل السياسي والتنظيمي والاحتجاجي، لكن نفي محمد الخامس نقل المواجهة إلى مرحلة مختلفة، فالمساس بالعرش وسع دائرة الأزمة إلى أبعد من التنظيمات السياسية، وأصبحت المطالبة بعودة السلطان تتقاطع بصورة متزايدة مع مطلب إنهاء الحماية.

    ويرى بلحداد أن النفي “غير طبيعة المواجهة”، موضحا أن الحركة الوطنية كانت قبل 1953 تراكم العمل السياسي والمطالبة بالإصلاح ثم الاستقلال، قبل أن يدخل المغرب بعد نفي محمد الخامس مرحلة اتسعت فيها المقاومة والعمل الفدائي.

    ومع مرور الأشهر، تصاعدت العمليات الفدائية والمقاومة المسلحة، قبل انطلاق عمليات جيش التحرير في شمال المغرب في أكتوبر 1955، في وقت كانت فيه سلطات الحماية تواجه أزمة لم يعد ممكنا احتواؤها بالطريقة التي سبقت قرار النفي.

    ويشرح بلحداد هذا التحول قائلا: “مع الوقت أصبح مطلب رجوع محمد الخامس مرتبطا بشكل مباشر بإنهاء الحماية والاستقلال، وهنا وقع العكس مما كانت تريده سلطات الحماية. فبدل أن يضعف النفي الحركة الوطنية ويعزل السلطان عنها، زاد من تقارب العرش والشعب ووسع دائرة المواجهة ضد الحماية”.

    من النفي إلى العودة

    فصلت سنتان وثلاثة أشهر تقريبا بين خروج السلطان محمد الخامس من المغرب وعودته إليه، لكنها كانت كافية لتغيير ميزان الأزمة.

    وتواصلت المقاومة واتسعت، ولم ينجح تنصيب محمد بن عرفة في إنتاج الاستقرار الذي كانت تنتظره سلطات الحماية، فيما ازدادت القضية المغربية تعقيدا بالنسبة إلى فرنسا، بالتزامن مع تصاعد حركات التحرر في شمال إفريقيا.

    ومع استمرار الأزمة، أصبح البحث عن تسوية سياسية يمر عبر السلطان الشرعي محمد الخامس نفسه، ويرى بلحداد أن هذه الحصيلة تجعل قرار النفي “واحدا من أكبر الأخطاء السياسية لسلطات الحماية”، لأنها أرادت “أن تفرق الملك عن الشعب، لكن النتيجة كانت أنها زادت من تقاربهما”.

    وفي 16 نونبر 1955، عاد محمد الخامس إلى المغرب، ولم تكن العودة مجرد نهاية لمنفى بدأ في غشت 1953، بل جاءت في سياق تغيرت فيه موازين المواجهة وسقط فيه عمليا رهان السلطان البديل.

    ويعتبر بلحداد أن عودة محمد الخامس “لم تعد مجرد مسألة رجوع سلطان إلى العرش، وإنما أصبحت جزءا أساسيا من حل الأزمة والمسار الذي سيقود إلى استقلال المغرب”.

    وكان السلطان الذي أخرج من البلاد لإضعاف موقعه يعود إليها وقد أصبحت عودته جزءا من الحل السياسي، بينما دخل المغرب المرحلة الحاسمة من المسار الذي سيقود خلال 1956 إلى إنهاء نظام الحماية واستعادة الاستقلال.

    وانتهت بذلك تجربة بدأت بمحاولة إبعاد السلطان محمد الخامس عن المعادلة بنتيجة معاكسة، وسقط رهان محمد بن عرفة، فيما أصبحت نهاية الحماية أقرب مما كانت عليه لحظة اتخاذ قرار النفي.

    من معركة التحرير إلى مغرب اليوم

    بعد أكثر من سبعة عقود، لا تستعيد ذكرى ثورة الملك والشعب واقعة نفي محمد الخامس وحدها، بل تستحضر واحدة من اللحظات التي كشفت طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب.

    وبالنسبة إلى بلحداد، فإن “ثورة الملك والشعب ليست فقط حدثا وقع في 20 غشت 1953، وإنما لحظة تاريخية بينت بشكل واضح طبيعة العلاقة بين العرش والمغاربة في ظرف كان حاسما”.

    لكن المؤرخ ذاته لا يحصر دلالة هذه العلاقة في مرحلة الحماية، إذ يعتبر أنها “لم تبدأ سنة 1953 ولم تنته مع الاستقلال، وإنما الذي تغير هو طبيعة التحديات التي يجتمع عليها المغرب”.

    ففي الخمسينيات كان التحدي هو التحرر والاستقلال، قبل أن تنتقل الوحدة الترابية إلى قلب مرحلة أخرى من تاريخ المملكة، وهو ما يربطه بلحداد بالمسيرة الخضراء باعتبارها إحدى المحطات الكبرى التي جاءت لاحقا.

    أما اليوم، فيرى أن طبيعة الرهانات تغيرت وأصبحت مرتبطة أكثر “بالتنمية والسيادة والدفاع عن الوحدة الترابية وتقوية موقع المغرب ومصالحه الاستراتيجية”.

    وتسمح هذه القراءة بنقل الذكرى من مجرد استعادة سنوية لأحداث 1953 إلى سؤال ما الذي تقوله تلك الأحداث للأجيال التي لم تعش الحماية ولا معركة الاستقلال.

    ويخلص بلحداد إلى أن “هذه هي الدلالة التي يجب أن تصل إلى الجيل الجديد من ذكرى ثورة الملك والشعب، حتى لا تبقى مجرد ذكرى نعود فيها إلى أحداث الماضي، وإنما تكون كذلك مدخلا لفهم مسار الدولة المغربية وعلاقتها بتاريخها”.

  • جلالة الملك يهنئ هاكيندي هيشيليما لإعادة انتخابه رئيسا لزامبيا

    جلالة الملك يهنئ هاكيندي هيشيليما لإعادة انتخابه رئيسا لزامبيا

    بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى فخامة السيد هاكيندي هيشيليما، وذلك على إثر إعادة انتخابه رئيسا لجمهورية زامبيا.

    وأعرب جلالة الملك في هذه البرقية عن أحر التهاني للسيد هاكيندي هيشيليما، مشفوعة بمتمنيات جلالته له بكامل التوفيق في مواصلة مهامه الرئاسية السامية.

    ومما جاء في برقية جلالة الملك: “كما أغتنمها مناسبة سانحة لأعرب لفخامتكم عن تطلعي الدائم إلى مزيد من توطيد علاقات الصداقة والأخوة بين المملكة المغربية وجمهورية زامبيا، وتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات لما فيه مصلحة شعبينا الشقيقين”.

    وأضاف جلالة الملك: “وإذ أجدد لكم تهانئي على هذه الثقة المتجددة للشعب الزامبي في شخصكم لمواصلة تحقيق تطلعاته إلى مزيد من الإنجازات على درب التنمية والتقدم، أرجو أن تتفضلوا، فخامة الرئيس، بقبول فائق عبارات تقديري”.

  • جلالة الملك يصدر عفوه السامي على 935 شخصا في ذكرى ثورة الملك والشعب

    جلالة الملك يصدر عفوه السامي على 935 شخصا في ذكرى ثورة الملك والشعب

    أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب المجيدة لهذه السنة، أمره السامي بالعفو على 935 شخصا، منهم 807 في حالة اعتقال و 128 في حالة سراح.

    وفي ما يلي نص بلاغ وزارة العدل بهذا الخصوص:

    “بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب المجيدة لهذه السنة 1448 هجرية 2026 ميلادية تفضل جلالة الملك أدام الله عزه ونصره، فأصدر حفظه الله أمره السامي المطاع بالعفو على مجموعة من الأشخاص منهم المعتقلين ومنهم الموجودين في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة الشريفة وعددهم 935 شخصا وهم كالآتي:

    المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة اعتقال وعددهم 807 نزيلا وذلك على النحو التالي:

    – العفو مما تبقى من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة: 08 نزلاء

    – التخفيض من عقوبة الحبس أو السجن لفائدة: 796 نزيلا

    – تحويل السجن المؤبد إلى السجن المحدد لفائدة : 03 نزلاء

    المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة سراح وعددهم 128 أشخاص موزعين كالتالي:

    – العفو من العقوبة الحبسية أو مما تبقى منها لفائدة: 34 شخصا

    – العفو من العقوبة الحبسية مع إبقاء الغرامة لفائدة: 12 شخصا

    – العفو من الغرامة لفائدة: 73 شخصا

    – العفو من عقوبتي الحبس والغرامة لفائدة: 09 أشخاص

    المجموع : 935

    أبقى الله سيدنا المنصور بالله ذخرا وملاذا لهذه الأمة، ومنبعا للرأفة والرحمة، وأعاد أمثال هذا العيد على جلالته بالنصر والتمكين وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن وجميع أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنه سميع مجيب، والسلام”.

  • من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    قد يكون الحصول على فرصة عمل بداية لتحسن دخل أسرة تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر، غير أن الانتقال إلى الوظيفة كان يمكن أن يتزامن مع فقدان الإعانات التي ظلت تشكل جزءا من مواردها، بمجرد تغير وضعيتها والتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص.

    وتحاول الحكومة جعل المسافة بين الاستفادة من الدعم والاستقرار داخل سوق الشغل أكثر أمانا، من خلال آلية جديدة تمنح الأسر المعنية فترة انتقالية قد تصل إلى سنة، تحصل خلالها على مبلغ يعادل الإعانات التي كانت تستفيد منها قبل فقدان أهليتها بسبب الالتحاق بعمل مصرح به.

    ودخل الإجراء مرحلته التطبيقية بعد استكمال الإطار القانوني والتنظيمي للمنحة الاستثنائية التي أحدثها القانون رقم 41.26، المغير والمتمم للقانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434 ليحدد مدة الاستفادة منها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    ويكشف هذا التغيير عن مرحلة جديدة في تطور نظام الدعم الاجتماعي المباشر بعد ما يقارب ثلاث سنوات من إطلاقه، إذ لم يعد الرهان مرتبطا فقط بإيصال الإعانة إلى الأسر المستحقة، بل بدأ يمتد إلى مواكبتها عندما تتحسن وضعيتها وتنتقل نحو النشاط الاقتصادي، بما يجعل الحماية الاجتماعية أقرب إلى جسر نحو الشغل بدل أن تنتهي بمجرد الحصول على أول وظيفة.

    من حماية الأسرة إلى مواكبتها نحو الشغل

    انطلق نظام الدعم الاجتماعي المباشر نهاية سنة 2023 باعتباره إحدى الركائز الأساسية لورش الحماية الاجتماعية، قبل أن تتوسع قاعدة المستفيدين منه لتشمل، وفق معطيات قدمتها الحكومة أمام البرلمان، أكثر من أربعة ملايين أسرة.

    ومع توسع البرنامج، أتاح التطبيق العملي الوقوف عند جوانب تحتاج إلى التطوير، من بينها العلاقة بين الاستفادة من الدعم وتغير الوضعية المهنية للأسرة.

    فالتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص يمكن أن يؤدي، إذا ترتب عنه فقدان شروط الأهلية، إلى خروج الأسرة من نظام الدعم.

    وفي المقابل، لا يعني الحصول على أول وظيفة بالضرورة أن الاستقرار المالي تحقق منذ الشهر الأول، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببداية مسار مهني جديد.

    وهنا ظهرت الحاجة إلى حلقة انتقالية بين الوضعيتين، تسمح للأسرة بالانتقال إلى العمل المصرح به دون أن تفقد بشكل مفاجئ موردا كانت تعتمد عليه، وتمنحها في الوقت نفسه فرصة لبناء استقرارها انطلاقا من الدخل الناتج عن العمل.

    وحضر هذا التوجه خلال إعداد القانون رقم 41.26 ومناقشته داخل البرلمان، إذ قدمت الحكومة التعديل باعتباره جزءا من معالجة ما كشفه التطبيق العملي، وربطته بتعزيز الإدماج الاقتصادي وتحقيق تكامل أكبر بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وخلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، توقف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عند هذا الجانب، موضحا أن التطبيق أظهر وجود مستفيدين يترددون في ولوج سوق الشغل خشية فقدان الدعم، إلى جانب حالات قد يفضل فيها المعنيون الاشتغال دون التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حفاظا على الاستفادة.

    ومن هنا جاء التعديل ليعيد ترتيب العلاقة بين الاثنين، إذ لا ينبغي للحصول على عمل مصرح به أن يضع الأسرة أمام فقدان فوري لشبكة الحماية، بل يمكن أن يشكل بداية انتقال تدريجي من الإعانة إلى دخل مهني أكثر استدامة.

     في هذا السياق، يرى محمد أمين سامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات العمومية، أن أهمية هذا التحول تكمن في أخذه بعين الاعتبار طبيعة المرحلة الأولى من الاندماج المهني، موضحا أن “الأسرة المستفيدة لا تقارن فقط بين قيمة الدعم وقيمة الراتب الجديد، بل تأخذ بعين الاعتبار مدى استقرار الوظيفة وإمكانية استمرارها، إضافة إلى المصاريف التي قد ترافق بداية العمل، من نقل وغيره”.

    ويضيف سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “وجود فترة انتقالية يخفف حالة عدم اليقين التي يمكن أن ترافق بداية العمل، ويمنح الأسرة الوقت الكافي للتكيف مع مصدر دخل جديد، بدل الانتقال بشكل مفاجئ من وضعية إلى أخرى”.

    12 شهرا بين الدعم والاستقرار في الشغل

    ترجم القانون رقم 41.26 هذا التوجه إلى آلية عملية، من خلال إحداث منحة استثنائية لفائدة الأسر التي تفقد حقها في الاستفادة من الإعانات نتيجة التصريح بأحد الزوجين أو رب الأسرة لدى نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في القطاع الخاص.

    وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبح بإمكان الأسرة المعنية الاستفادة من منحة تعادل مبلغ الإعانة أو الإعانات التي كانت تستفيد منها في إطار نظام الدعم الاجتماعي المباشر.

    وحدد القانون مبدأ هذه الاستفادة، بينما ترك مدتها للنص التنظيمي، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434، المتمم للمرسوم المتعلق بتطبيق قانون الدعم الاجتماعي المباشر، ليحدد سقفها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    وكان مجلس الحكومة قد صادق على مشروع المرسوم في 22 يوليوز 2026، قبل نشره في الجريدة الرسمية عدد 7530 الصادرة في 30 يوليوز، ليستكمل بذلك الإطار التنظيمي لتنزيل الآلية الجديدة.

    وتحتسب مدة الاستفادة ابتداء من تاريخ التصريح بنظام الضمان الاجتماعي، في حدود اثني عشر شهرا، فيما ترتبط قيمة المنحة بالإعانات التي كانت تحصل عليها الأسرة قبل تغير وضعيتها.

    وتمنح هذه القاعدة للأسرة فترة للتكيف مع انتقالها من مورد اجتماعي إلى دخل مهني، بحيث لا يصبح أول راتب نقطة توقف مباشرة للدعم الذي اعتادت عليه، وإنما بداية مسار تدريجي يفترض أن يقود في نهايته إلى الاستقلال الاقتصادي.

    كما أن إمكانية احتساب الأشهر الاثني عشر بشكل متصل أو غير متصل تمنح الآلية قدرا من المرونة، بالنظر إلى أن بداية المسار المهني لا تكون دائما مستقرة أو متواصلة منذ أول تجربة.

    خطوة نحو توسيع العمل المصرح به

    لا تتوقف دلالة التعديل عند حماية دخل الأسرة خلال فترة محددة، إذ يحمل أيضا رهانا يرتبط بتوسيع دائرة العمل المصرح به والاندماج في الاقتصاد المهيكل، لأن الربط المباشر بين الحصول على وظيفة وفقدان الدعم كان يمكن أن يجعل بعض المستفيدين أكثر تحفظا تجاه العمل المصرح به، وهو ما حاول القانون الجديد تجاوزه عبر توفير مرحلة انتقالية تجعل الانتقال إلى الوظيفة أكثر سلاسة.

    ولهذا ربطت الحكومة القانون، منذ المصادقة على مشروعه في مجلس الحكومة في 21 ماي 2026، بتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمستفيدين، وبإقامة تكامل وظيفي بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وتبرز هنا دلالة تتجاوز المستفيد المباشر، لأن الانتقال إلى العمل المصرح به يعني أيضا دخول الأجير إلى منظومة الضمان الاجتماعي والاستفادة من الحقوق المرتبطة بها، بما يجعل الانتقال من الدعم إلى الشغل انتقالا نحو شكل آخر من أشكال الحماية الاجتماعية المرتبطة بالنشاط المهني.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن هذه النقطة تمثل أحد الأبعاد الاقتصادية المهمة للإجراء، موضحا أن “المنحة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها استمرارا للدعم لمدة إضافية، بل باعتبارها أيضا آلية يمكن أن تشجع على الانتقال إلى العمل المصرح به، لأن تقليص كلفة الانتقال بالنسبة للأسرة يزيل أحد العوامل التي قد تجعلها مترددة في دخول سوق الشغل المهيكل”.

    ويضيف الخبير الاقتصادي أن “توسيع العمل المهيكل له أثر يتجاوز الدخل الذي يحصل عليه المستفيد، لأنه يعني أيضا توسيع التغطية المرتبطة بالضمان الاجتماعي وتعزيز التصريح بالأجراء، وفي المقابل يسمح للأسرة بأن تنتقل تدريجيا من الاعتماد على التحويلات الاجتماعية إلى دخل ناتج عن النشاط الاقتصادي”.

    فقدان العمل لا يغلق باب الدعم

    وتكتمل هذه المقاربة بمقتضى آخر يعالج الاتجاه المعاكس، أي ما يحدث إذا لم تستمر تجربة العمل بعد خروج الأسرة من نظام الدعم.

    فبداية العمل لا تضمن دائما استمرار الوظيفة، خصوصا في المراحل الأولى من المسار المهني، ولذلك جاءت التعديلات لتتيح للأسرة العودة إلى الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر عند فقدان رب الأسرة أو أحد الزوجين للعمل، دون التقيد بالمدة التي كانت تفرضها القواعد السابقة، مع ضرورة استيفاء باقي شروط الاستفادة.

    ويعني ذلك أن النظام الجديد لا يواكب الأسرة فقط عند خروجها من الدعم، وإنما يحتفظ لها بإمكانية العودة إلى شبكة الحماية إذا تعثر انتقالها إلى النشاط المهني.

    وهكذا تتحرك الآلية في اتجاهين، تمنح فترة أمان عند الانتقال إلى الشغل، وتبقي باب الحماية الاجتماعية مفتوحا عندما لا يستمر مصدر الدخل الجديد.

    وتعطي هذه المرونة معنى أوسع للمقتضيات الجديدة، لأنها تتعامل مع الاندماج الاقتصادي باعتباره مسارا قد يحتاج إلى وقت حتى يستقر، بدل اعتباره تحولا نهائيا يتحقق بمجرد أول تصريح لدى نظام الضمان الاجتماعي.

    سنة للانتقال.. والرهان على الاستقرار بعدها

    توفر الأشهر الاثنا عشر للأسرة وقتا إضافيا لبناء استقرارها المهني، لكن نجاح الآلية في تحقيق غايتها سيظهر أساسا فيما يحدث بعد انتهاء هذه الفترة.

    فإذا استطاع المستفيد الاستمرار في وظيفته وتحسين دخله، تكون المنحة قد قامت بدورها باعتبارها جسرا ساعد الأسرة على الانتقال تدريجيا من الدعم إلى مورد ناتج عن العمل، دون صدمة مفاجئة في دخلها.

    وهنا يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي أن “السنة الانتقالية توفر هامشا مهما للأسرة حتى تدخل سوق الشغل في ظروف أكثر أمانا، لكنها تظل جزءا من منظومة أوسع، لأن الاستقرار بعد انتهائها سيبقى مرتبطا بمستوى الأجر واستمرارية الوظيفة وجودة فرصة العمل التي حصل عليها المستفيد”.

    وبالنسبة إلى سامي، فإن المؤشر الأهم لقياس أثر الآلية لن يكون فقط عدد الأسر التي حصلت على المنحة، بل أيضا “عدد الأسر التي استطاعت خلال هذه الفترة تثبيت موقعها داخل سوق الشغل والانتقال إلى دخل مهني مستقر يسمح لها تدريجيا بالاستغناء عن الدعم”.

    ومن هذه الزاوية، تصبح السنة الانتقالية نقطة التقاء بين الحماية الاجتماعية وسياسة التشغيل، فالأولى توفر للأسرة الأمان عندما تحتاج إليه، والثانية يفترض أن تمنحها فرصة بناء دخل يجعل حاجتها إلى الإعانة تتراجع مع مرور الوقت.

  • سبتة بعد موجة العبور.. تحذيرات من تحول الانتظار إلى أزمة إنسانية

    سبتة بعد موجة العبور.. تحذيرات من تحول الانتظار إلى أزمة إنسانية

    دخلت تداعيات موجة العبور نحو سبتة مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما انتقل مركز الضغط من الحدود إلى داخل المدينة، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على استيعاب أعداد الأشخاص الموجودين فوق ترابها بل بات مرتبطا بتحديد مصيرهم القانوني، ومعالجة طلبات الحماية الدولية، وتأمين الرعاية الصحية والنفسية، خصوصا للقاصرين والفئات الأكثر هشاشة.

    وكل يوم إضافي يقضيه هؤلاء في مراكز مؤقتة أو في ظروف استقبال غير مستقرة، من دون جواب واضح بشأن ما سيحدث لاحقا، يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة، فبين مطالب اللجوء وضغط مرافق الاستقبال والحاجة إلى تعزيز الخدمات الصحية، والمخاوف التي يعبر عنها جزء من السكان المحليين، تجد السلطات الإسبانية نفسها أمام اختبار يتجاوز تدبير ظرف إنساني طارئ إلى إدارة ملفات قانونية واجتماعية وأمنية متشابكة.

    هذا التحول رصده المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز “CCLD”، بمبادرة من معهد “بروميثيوس” للديمقراطية وحقوق الإنسان، في أحدث “نقطة يقظة” خصصها للوضع في سبتة خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 17 غشت الجاري.

    ودعا المجلس إلى تسريع دراسة طلبات اللجوء وتعزيز قدرات الاستقبال والرعاية الصحية والنفسية، مع منح حماية القاصرين والأشخاص الأكثر هشاشة أولوية خاصة، محذرا من أن طول مدة الانتظار وعدم وضوح الوضع القانوني والمستقبل يتحولان، في حد ذاتهما، إلى عامل إضافي للهشاشة.

    1500 مكان إضافي.. لكن الضغط يتجاوز الإيواء

    في محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت الحكومة الإسبانية في 17 غشت ترتيبات إنسانية مؤقتة تقضي بتوفير 1500 مكان إضافي موزعة على عدد من المواقع في سبتة.

    المجلس اعتبر الإعلان خطوة إيجابية، لكنه وضعها في سياق أوسع هي زيادة عدد الأسرة أو أماكن الإيواء يمكن أن تعالج جزءا من الضغط المادي، لكنها لا تحسم السؤال الأصعب المتعلق بالمصير القانوني للأشخاص الموجودين في المدينة.

    ولهذا شدد على ضرورة دخول القدرات الجديدة حيز التشغيل في أسرع وقت، وأن تراعي اختلاف أوضاع المستفيدين وحاجاتهم، بدل التعامل معهم باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة.

    فداخل المشهد نفسه توجد حالات مختلفة من حيث السن والوضع العائلي والحالة الصحية ومستوى الهشاشة، كما توجد حالات تعلن رغبتها في طلب الحماية الدولية، ما يجعل الانتقال من التدبير الجماعي للأزمة إلى دراسة المسارات الفردية أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

    نريد اللجوء” الملف ينتقل إلى القانون

    ظهر هذا التحول بشكل واضح يوم 16 غشت في شاطئ ترامبولين، حيث شهد المكان وقفة سلمية عبّر خلالها عدد من الأشخاص عن رغبتهم في طلب الحماية الدولية، ورفع بعض المشاركين لافتات كُتبت عليها عبارة “نريد اللجوء” وفق ما أورده المجلس ونقلته وسائل إعلام إسبانية.

    هذه المطالب، نقلت جزءا من الملف من النقاش حول كيفية وصول الأشخاص إلى سبتة إلى سؤال مختلف يتعلق بما إذا كانت تتوافر في حالاتهم شروط الحصول على الحماية الدولية.

    وشدد المجلس في هذا السياق على أن الدخول غير النظامي إلى التراب لا ينبغي أن يؤدي بمفرده، إلى إسقاط حق الشخص في طلب الحماية وأن كل طلب يتم التعبير عنه يفترض تسجيله ودراسته بصورة فردية، قبل اتخاذ قرار معلل بشأنه.

    وأورد المصدر نفسه مواقف منسوبة إلى الجمعية المهنية للقضاء والمنتدى القضائي المستقل تؤكد بدورها ضرورة التعامل مع طلبات الحماية الدولية حالة بحالة، وفق الضمانات القانونية المعمول بها.

    الانتظار يتحول إلى عامل ضغط نفسي

    خلف الأرقام والإجراءات القانونية، برز وجه آخر أقل ظهورا للأزمة يتعلق بالصحة النفسية للأشخاص الذين يعيشون منذ أيام في حالة انتظار مفتوحة.

    المجلس حذر من أثر اجتماع ثلاثة عوامل في وقت واحد هي هشاشة ظروف العيش، وعدم وضوح الوضع القانوني، وغياب تصور واضح للمستقبل.

    ونقل عن روجرفان روباتينو، الطبيب النفسي الشرعي والمتخصص في علم نفس الأطفال والمراهقين بسبتة، تسجيل مظاهر من القلق الحاد وفرط اليقظة والأرق والشعور بالهشاشة لدى بعض الفئات المتضررة.

    وتزداد حساسية هذا الجانب بالنسبة إلى القاصرين غير المصحوبين، الذين قد يكون بعضهم قد مر بتجارب شديدة التوتر قبل الوصول وأثناءه وبعده، فيما يستمر الغموض بشأن ما ينتظرهم.

    لذلك دعا المجلس إلى ألا يقتصر التكفل بهذه الحالات على توفير المأوى والغذاء، بل أن يشمل تقييما نفسيا واجتماعيا ودعما ملائما، خصوصا للقاصرين والأشخاص الذين تعرضوا للعنف.

    الصحة تحت الضغط.. وتحذير من تحويل المرض إلى وصمة

    الضغط لا يقف عند مرافق الاستقبال، ففي 17 غشت حذرت نقابة الممرضين “SATSE” في سبتة وفق ما أورده المجلس، من الحاجة إلى تعزيز القطاع الصحي بمهنيين إضافيين.

    وتكتسب هذه الدعوة أهمية في ظل الحاجة إلى التعامل مع احتياجات صحية متباينة، من الرعاية الأساسية إلى الحالات التي تحتاج متابعة أكثر تخصصا، في وقت يرى المجلس أن أي استجابة إنسانية ممتدة تحتاج إلى موارد بشرية قادرة على مواكبتها.

    لكن النقاش الصحي أخذ في المقابل منحى آخر أثار تحذيرات المجلس، مع تداول خطابات تربط وجود المهاجرين بانتشار الأمراض.

    وفرق المجلس بين احتمال ظهور مخاطر صحية بسبب الاكتظاظ أو نقص المياه والنظافة وصعوبة الولوج إلى الرعاية، وبين تحويل الأصل أو الوضع القانوني للأشخاص إلى تفسير للخطر الصحي.

    وفي هذا السياق، أشار إلى موقف وزيرة الصحة الإسبانية التي نددت بالرسائل التي تربط الهجرة بالمرض ووصفتها بأنها ذات طابع عنصري.

    وبالنسبة إلى المجلس، ينبغي أن تظل الاستجابة الصحية متمحورة حول شروط الإيواء والمياه والنظافة والوقاية والولوج إلى العلاج، بدل تحويل النقاش إلى وصم جماعي للمهاجرين أو الأجانب.

    القاصرون.. الحلقة الأكثر هشاشة

    يبقى وضع الأطفال والقاصرين من أكثر أجزاء الملف حساسية، سواء بالنسبة إلى الموجودين داخل سبتة أو أولئك الذين ظهرت صورهم خلال محاولات العبور.

    وأشار المجلس إلى تداول محتويات سمعية بصرية ومعلومات تتحدث عن مغادرة فتيات قاصرات لبعض مرافق الاستقبال المؤقتة، لكنه أكد أن هذه المعطيات لم تخضع للتحقق المستقل مطالبا بالتحقق منها والتحقيق في الظروف المحيطة بها.

    وهذه نقطة يظل التعامل معها بحذر ضروريا، إذ لا يمكن الجزم بمصير هؤلاء القاصرات أو ظروف مغادرتهن استنادا إلى محتويات متداولة وحدها.

    وفي الجانب المغربي، دعا المجلس السلطات إلى تحديد وتأمين أطفال صغار قال إن صورهم ظهرت خلال محاولة عبور يوم 15 غشت، والتحقق من ظروف وجودهم والأشخاص المسؤولين عن مرافقتهم.

    كما نبه إلى خطورة إعادة تداول صور الأطفال على شبكات التواصل الاجتماعي، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن كشف هوياتهم أو مضاعفة هشاشتهم.

    السكان المحليون يدخلون المعادلة

    ومع استمرار وجود أعداد من الأشخاص في سبتة، بدأ الملف يلامس بصورة أكبر الحياة اليومية داخل المدينة.

    وأقر المجلس بوجود مخاوف لدى بعض السكان مرتبطة بالهدوء والحركة والأمن والضغط على الخدمات العمومية، لكنه حذر من الانتقال من التعبير عن هذه المخاوف إلى تعميمها على جميع الأشخاص الموجودين في المدينة بسبب أصلهم أو وضعهم القانوني.

    واقترح المجلس في هذا الصدد، توسيع أدوات التدبير لتشمل الوساطة والحضور الاجتماعي والصحي وتوفير أماكن استقبال مناسبة، إلى جانب حضور متناسب للمصالح العمومية، بدل اختزال التعامل مع الوضع في المقاربة الأمنية وحدها.

    من أزمة هجرة إلى “حرب هجينة”؟

    وسط هذا الوضع، حذر المجلس من مستوى آخر من التصعيد يتعلق باللغة المستعملة في توصيف ما يجري، خصوصا الخطابات التي تقدم الأحداث باعتبارها مواجهة جيوسياسية أو “حربا هجينة”

    وطالب باعتماد خطاب يستند إلى الوقائع، وتجنب المصطلحات التي قد تدفع النقاش نحو مزيد من التوتر أو تبرر التعامل مع جميع الأشخاص الموجودين في سبتة من زاوية أمنية واحدة.

    كما دعا المسؤولين السياسيين ووسائل الإعلام والفاعلين المؤسساتيين إلى تجنب التعميم وخطابات الكراهية، وعدم تحويل الأزمة إلى مناسبة لربط الهجرة بصورة منهجية بالجريمة أو المرض أو انعدام الأمن أو التهديد.

    ويمتد هذا التحذير وفق المجلس، إلى تجنب الوصم الجماعي للمغاربة وللأشخاص المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الموجودين في سبتة..

    لا يمكن إدارة الأزمة بمنطق الانتظار

    لكن أكثر ما يضغط على الوضع الحالي وفق قراءة المجلس، هو غياب أفق واضح بالنسبة إلى الأشخاص الذين ما زالوا في سبتة، وحذر من إدارة الملف بمنطق الانتظار، على أساس أن الزمن قد يدفع الأشخاص إلى المغادرة من تلقاء أنفسهم أو التخلي عن المطالبة بحقوقهم.

    وطالب، بدلا من ذلك، بتوجيه واضح وفردي لكل حالة، بناء على وضعها القانوني واحتياجاتها إلى الحماية ومستوى هشاشتها.

    كما خلص المجلس المدني لمكافحة جميع أشكال التمييز إلى أن مدة البقاء نفسها أصبحت عاملا من عوامل الهشاشة وأن توسيع قدرات الاستقبال رغم أهميته، لن يكون كافيا من دون وضوح في ملفات الحماية الدولية والإيواء والوضع القانوني والمستقبل.

  • ما بعد السدود والميغاواطات.. هل يملك المغرب مفاتيح الأمن المائي والطاقي؟

    ما بعد السدود والميغاواطات.. هل يملك المغرب مفاتيح الأمن المائي والطاقي؟

    في التعريف الجديد لاقتصاد السيادة كما تُعيد كتابته العواصم الكبرى اليوم، لم يعد امتلاك الماء والطاقة شرطا لتأمين الاستهلاك الداخلي وحسب، بل صار محدِّدا مباشرا لقدرة الدولة على استقطاب الاستثمار وحماية صناعتها وتموقعها داخل سلاسل القيمة العالمية.

    فالدول التي تتوفّر على كهرباء نظيفة ومستقرّة، وعلى موارد مائية قابلة للتعبئة وإعادة التوزيع، هي التي تُفرض عليها الرسوم الكربونية بأقلّ كلفة، والتي تُوقَّع فيها عقود الشراء الطويلة الأمد، والتي تُوطَّن فيها الصناعات الاستراتيجية من السيارات الكهربائية إلى الهيدروجين الأخضر.

    المغرب دخل هذا السباق مبكرا، منذ إطلاق الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009، وراكم منذئذ مشاريع بنيوية جعلت المملكة تحتلّ اليوم موقعا متقدّما في الترتيب الإقليمي، بشهادة أغلب المؤسسات الدولية غير أن قراءة متأنية للأرقام، وللتحوّلات التنظيمية التي عرفتها الأشهر الأخيرة، تكشف أن مرحلة جديدة من السباق قد انطلقت، هي مرحلة لم يعد فيها السؤال “كم من الميغاواطات؟” ولا “كم من السدود؟” بل هل تملك المملكة اليوم شبكة وسوقا وحكامة، قادرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى ميزة تنافسية دائمة تعبر القطاعات والجهات معا؟

    أرقام تعكس مسارا وأخرى تكشف الحلقة المتبقّية

    بحلول متمّ 2025، بلغت القدرة الكهربائية المركّبة على الصعيد الوطني نحو 12 جيغاواط، منها ما يفوق 5.5 جيغاواط من مصادر متجدّدة، لترتفع حصة الطاقات النظيفة في المزيج المركّب إلى ما يفوق 46 في المئة، مقابل 37 في المئة سنة 2021، بحسب المعطيات المقدَّمة من طرف ليلى بنعلي وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، أمام مجلس المستشارين في ماي 2025، وهو ارتفاع قياسي بتسع نقاط في أربع سنوات فقط، جعل هدف 52 في المئة المرسوم أصلا لأفق 2030 قابلا للبلوغ ابتداء من 2026 كما أعلنت الحكومة رسميا.

    هذا التحسّن يقرأه المراقبون الدوليون بنبرة إيجابية عموما، وإن اختلفت الحسابات، فالوكالة الدولية للطاقات المتجدّدة “IRENA” تُقدِّر حصة المتجدّدات في القدرة الكهربائية الإجمالية بنحو 39.6 في المئة إلى حدود متمّ 2025، بفارق ستّ نقاط عن الرقم الرسمي، بسبب اختلاف منهجي في احتساب الطاقة الكهرومائية ومحطّات الضخّ والتخزين، وحتى بهذا الاحتساب الأدنى فإن القدرة المتجدّدة الوطنية تضاعفت خلال عشر سنوات، إذ انتقلت من 2.417 ميغاواط سنة 2016 إلى 4.851 ميغاواط متمّ 2025.

    المسألة الأكثر أهمّية من الأرقام الإجمالية تكمن في التمييز الدقيق بين القدرة المركّبة والإنتاج الفعلي، فحين تُمثّل الطاقات المتجدّدة نحو 46 في المئة من القدرة الوطنية، فإن مساهمتها الفعلية في الكهرباء المُنتَجة تظلّ في حدود 26 في المئة سنة 2025، ويُنتظر أن ترتفع إلى 34 في المئة في أفق 2030.

    هذه الفجوة ليست خللا في التخطيط، بل هي الطبيعة التقنية لمصادر الطاقة المتقطّعة فالشمس تغيب ليلا والريح متغيّرة، بينما الطلب على الكهرباء مستمرّ 24 ساعة في اليوم، وبالتالي فإن السؤال الاستراتيجي في المرحلة المقبلة لم يعد سؤال إضافة قدرات جديدة، بل سؤال قدرة الشبكة على استيعاب هذه القدرات وتحويلها إلى كهرباء متاحة في الوقت المناسب.

    التخزين والنقل ورشا المرحلة الثانية

    الحكومة الحالية ومعها الفاعلون في القطاع، انتبهوا مبكرا إلى هذا التحوّل، فالوكالة المغربية للطاقة المستدامة “MASEN” صادقت في دجنبر 2025 على برنامج يتضمّن 1.7 جيغاواط من مشاريع الطاقات المتجدّدة، ستنطلق تدريجيا في 2026، ضمن أفق إضافة نحو 5 جيغاواط إلى القدرة الوطنية بحلول 2030.

    في الموازاة، رصد المخطّط الوطني لتجهيز المنظومة الكهربائية 2023-2027 استثمارات تناهز 85.6 مليار درهم، منها 73.2 مليار موجّهة للطاقات المتجدّدة وحدها .

    والمخطّط يتضمّن مكوّنَين جوهريَّين يحملان مفتاح المرحلة الثانية، الأول هو التخزين حيث ترتقب المنظومة الوطنية إطلاق محطّة للضخّ والتخزين المائي بقدرة 350 ميغاواط في أفق 2029، إلى جانب نشر بطاريات صناعية بقدرة تصل إلى 1.500 ميغاواط خلال الفترة 2025-2026، أما البطاريات بحسب الفاعلين في القطاع، هي التي ستُعطي للطاقات المتجدّدة قيمتها الاقتصادية الكاملة، لأنها تسمح بتحويل الفائض النهاري إلى استهلاك مسائي، وبضبط تقلّبات الشبكة.

    المكوِّن الثاني، هو الطريق السيار الكهربائي الداخلة-الدار البيضاء، بقدرة 3 جيغاواط ممتدة على مرحلتين، وطول يقارب 1.400 كيلومتر فالمشروع أُسند بعد سلسلة من إعلانات إبداء الاهتمام إلى تحالف “TAQA -Nareva”، فيما سيتولّى المكتب الوطني للكهرباء تمويله عبر شراء الإنتاج بموجب اتفاقيات طويلة الأمد، والمرحلة الأولى بقدرة 1.5 جيغاواط مبرمجة لتشغيلها في أفق 2028، والثانية بعدها بأربع سنوات.

    هذا المشروع يمثّل في حدّ ذاته منعطفا في تصوّر البنية التحتية الطاقية للمملكة، لأنه ينقل الأقاليم الجنوبية من موقع الخزّان الطاقي المعزول إلى موقع المصدِر الرئيسي للكهرباء النظيفة للمحاور الاقتصادية بالوسط والشمال، وطول الأشغال، ومدى تعقيدها التقني وحجم الاستثمار المرصود، تجعل من هذا الورش المؤشّر العملي الأدقّ على ما إذا كان المغرب سيكسب رهان “شبكة موحّدة” على المدى المتوسّط.

    المرسوم الذي غيّر قواعد اللعبة في 2026

    من دون شكّ، أهمّ تحوّل تنظيمي عرفه القطاع الكهربائي في السنوات الأخيرة هو دخول مرسوم رقم 2.25.100 حيّز التنفيذ في 9 يونيو 2026، فهذا النصّ التطبيقي للقانون 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي، الذي صدر سنة 2023، ظلّ لمدّة ثلاث سنوات موضوع مفاوضات معقّدة بين الحكومة والهيئة الوطنية لضبط الكهرباء “ANRE”، والفاعلين الاقتصاديين، بشأن الشروط التي تحفظ توازن الشبكة الوطنية دون تعطيل الاستثمار الخاص.

    والنتيجة النهائية جاءت متوازنة بشكل لافت، المرسوم فتح للمقاولات وللأسر إمكانية تركيب منشآت شمسية للاستهلاك الذاتي، وحقن ما لا يتجاوز 20 في المئة من إنتاجها السنوي في الشبكة، مقابل تعريفة حدّدتها الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء في 0.21 درهم/كيلوواط ساعة في ساعات الذروة و0.18 درهم خارجها، ما يُشجّع الاستثمار في الاستهلاك الذاتي ويحفظ في الآن ذاته استقرار الشبكة، عبر تحديد سقف حقن يُجنِّبها الاختلالات التي عرفتها شبكات دول أخرى منها إسبانيا وألمانيا بعد الفتح غير المؤطَّر.

    والأثر الاقتصادي المحتمل مهمّ، فالمنصّات المتخصّصة كـ “PV Magazine” تقدّر السوق المحتملة للشمسي الصناعي في المغرب بـ28.6 جيغاواط مع أفق استثماري قد يبلغ 31 مليار دولار و”Morocco Konnect” فتح هذه السوق أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة والأسر يفتح إمكانية لتوسيع قاعدة المنتجين، وتقليص الفاتورة الطاقية للنسيج الصناعي، وزيادة قدرة الاقتصاد على استيعاب الصدمات المرتبطة بأسعار المحروقات.

    في المقابل، تظل ملفّات فرعية تنتظر جولة تنظيمية ثانية أبرزها تعميق الفصل بين أنشطة إنتاج الكهرباء ونقلها، وتوسيع صلاحيات الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء التي بدأت فعلا، فمنذ 2024 تُحدِّد تعريفات ولوج الشبكة الوطنية (6.39 سنتيم/كيلوواط ساعة للنقل و6.35 سنتيم لخدمات المنظومة، وهذه التعريفات هي بنية تحتية غير مرئية للسوق الجديد لأنها هي التي ستحدّد في نهاية المطاف، ما إذا كان المنتج المستقل يستطيع فعلا بلوغ زبونه بأسعار تنافسية.

    من أزمة الجفاف إلى إعادة التفكير في السياسة المائية

    في الجهة المائية، دخل المغرب مرحلة جديدة تختلف عن سنوات الجفاف الثمانية التي امتدّت بين 2018 و2025، والتي عرف خلالها البلد عجزا سنويا تراوح بين 54 و85 في المئة.

    التساقطات الاستثنائية للموسم الفلاحي 2025-2026 كسرت هذه الموجة موقّتا، وأدت إلى قفزة لافتة في مخزون السدود، إذ انتقلت نسبة الملء الوطنية من 27.7 في المئة يوم 27 يناير 2025 إلى 53.9 في المئة في التاريخ نفسه من 2026 قبل أن تبلغ ذروتها في 75.86 في المئة يوم 23 أبريل 2026، وأن تستقرّ عند 69.8 في المئة يوم 3 غشت 2026، بحجم مائي يقارب 12 مليار متر مكعّب.

    هذه المؤشّرات، وإن كانت مبعث ارتياح على المدى القصير لا تلغي معطى بنيويا وهو نصيب الفرد من المياه المتجدّدة الذي استقرّ في حدود 600 متر مكعّب سنويا، وهو مستوى أدنى بكثير من عتبة الشُّح المائي المحدّدة في 1.000 متر مكعّب وفق تصنيفات الأمم المتحدة مقابل 2.560 مترا مكعّبا سنة 1960، أي أن التحسّن السنوي في مخزون السدود لا يُغيّر من طبيعة الخصاص المائي البنيوي على المدى البعيد، والذي تتحكّم فيه معطيات مناخية وديموغرافية وليس تعبئة السدود وحدها.

    الأخطر، أن المتوسّط الوطني يُخفي تفاوتا مجاليا حادّا، ففي دجنبر 2025، كان حوض بورقراق يسجّل نسبة ملء تبلغ 82.2 في المئة، وحوض اللوكوس 53.9 في المئة، في مقابل 11.5 في المئة فقط بحوض أم الربيع، و19.9 في المئة بحوض سوس ماسة، و28.5 في المئة بحوض درعة واد نون، وهذه المفارقة تكشف أن سدّا على وادي أبي رقراق قد يكون قريبا من الفيضان، بينما لا يبعد عنه سوى بضع مئات من الكيلومترات سدّ يحتضر.

    التضامن المائي” بديلا عن التعبئة المحلية

    يُقرأ المنعطف الذي دخله المغرب في سياسته المائية، بانتقاله من نموذج التعبئة داخل كل حوض إلى نموذج إعادة التوزيع بين الأحواض والجهات، فالمشروع الأكثر رمزية لهذا التحوّل هو الربط بين حوضَي سبو-أبي رقراق، الذي دخل الخدمة صيف 2023 بكلفة تفوق 6 مليارات درهم، ويمتدّ على 67 كيلومترا من القنوات الفولاذية بقطر 3.200 ملم، بتدفّق يبلغ 15 مترا مكعّبا في الثانية.

    هذه المنشأة، التي أنقذت خلال أشهر التزويد بالماء الشروب لمنطقة الدار البيضاء الكبرى ومحيط الرباط، وحوّلت أكثر من 953 مليون متر مكعّب بين غشت 2023 ودجنبر 2025، أصبحت الآن النموذج المعياري لتوسيع الشبكة الوطنية للربط المائي، مرحلة ثانية نحو حوض أم الربيع، ومرحلة ثالثة نحو أحواض اللوكوس واللاو وسبو، فيما المنطق الاقتصادي واضح هو تحويل السدود من نقاط طرفية للتخزين إلى عُقد داخل شبكة وطنية للتضامن المائي.

    في مسار متوازٍ، تتطوّر منظومة تحلية مياه البحر بسرعة لافتة، فالمغرب يُشغِّل حاليا 17 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تراوح بين 320 و350 مليون متر مكعّب سنويا، مقابل 40 مليون متر مكعّب فقط سنة 2021.

    أربع محطّات إضافية في طور الإنجاز ستضيف نحو 540 مليون متر مكعّب، أبرزها محطة الدار البيضاء، الأكبر إفريقيا بطاقة 300 مليون متر مكعّب سنويا، أُنجز منها 81 في المئة إلى غاية يوليوز 2026، ومن المرتقب أن تُشغَّل مرحلتها الأولى (200 مليون م³) في فاتح فبراير 2027.

    الطموح الرسمي هو بلوغ 1.7 مليار متر مكعّب سنويا من التحلية في أفق 2030، بما يُعادل تغطية 60 في المئة من الحاجيات المائية، وقد رُصد لهذا الورش ضمن مخطّط الاستثمار المائي 2026-2030، غلاف مالي إجمالي يبلغ 248 مليار درهم.

    الطاقة تُشغِّل الماء

    هنا يبرز التقاطع الاستراتيجي الأكثر أهمّية بين الملفَّين، عملية التحلية شديدة الاستهلاك للكهرباء، وأي توسيع لطاقتها الإنتاجية يفترض قدرة كهربائية إضافية مستقرّة، لهذا اتُّخذ التزام رسمي بأن تُوصَل جميع محطات التحلية الجديدة كليا بالطاقات المتجدّدة، بما يُعادل خلقا لمنظومة “ماء أخضر”.

    هذا الالتزام يعطي الطريق السيار الكهربائي الداخلة-الدار البيضاء بُعده الاستراتيجي الحقيقي فبدون هذا الخطّ الجديد لا يمكن نقل الطاقة الشمسية والريحية للأقاليم الجنوبية إلى محطات التحلية المُبرمجة على السواحل الأطلسية، أي أن الملفَّين ينتميان في الواقع إلى معادلة واحدة، لا إلى استراتيجيتَين منفصلتَين فتسريع أحدهما يقتضي تسريع الآخر، وأي بطء في إحدى الحلقتَين ينعكس مباشرة على الأخرى.

    اتفاقية 14 مليار دولار المُوقَّعة مع الإمارات في ماي 2025 تدخل ضمن هذا المنطق نفسه، بحيث تربط بين إنجاز 900 مليون متر مكعّب سنويا من التحلية من طرف تحالف إماراتي-مغربي، وبناء الطريق السيار الكهربائي بقدرة 3.000 ميغاواط كشرط لتشغيلها، وهي بذلك تُدشّن ما يمكن تسميته صفقات الجيل الثاني في مجال البنية التحتية، صفقات تُبنى على معادلة “طاقة نظيفة تُنتج ماء”، بدل معادلة تقليدية تفصل بين الملفَّين.

    في هذا الإطار، يرى محمد بادو، الخبير في اقتصاديات الطاقة والماء وسياسات الاستدامة، أن التحول الأهم الذي يجري اليوم لا يتعلق فقط بقدرة المغرب على إنتاج مزيد من الكهرباء أو تعبئة مزيد من المياه بل بتغيير جغرافية الاقتصاد نفسه.

    بادو، وفي حديثه لـ “AM+MEDIA “، أشار إلى أنه تاريخيا كان النشاط الصناعي والفلاحي يتجه نحو المناطق التي تتوفر فيها الموارد، أما مع التحلية والطاقة المتجددة وشبكات النقل والربط، فالدولة تحاول للمرة الأولى أن تنقل المورد إلى حيث تريد أن تنشئ النشاط الاقتصادي.

    واعتبر الخبير أن هذا تحول عميق لأن الماء والطاقة ينتقلان من كونهما مجرد خدمتين عموميتين إلى عنصرين في القرار الاستثماري وفي توزيع النشاط الاقتصادي بين الجهات، مصنع أو مشروع فلاحي كبير لن يسأل مستقبلا فقط عن العقار واليد العاملة والقرب من الموانئ، بل عن ضمان الماء لعشرين سنة، وعن مصدر الكهرباء وكلفتها واستقرارها وبصمتها الكربونية.

    لكن هنا يوجد أيضا الاختبار الحقيقي، وفق الخبير الذي استحضر بناء محطة أو إضافة قدرة إنتاجية يمكن إنجازه في سنوات، بينما بناء منظومة مترابطة وفعالة يحتاج إلى تنسيق دائم بين الاستثمار والتخطيط الترابي والتسعير والتنظيم، لذلك، فإن “نجاح المغرب لن يُقاس فقط بحجم البنية التحتية التي أنجزها، بل بقدرته على تحويل الأمن المائي والطاقي إلى يقين اقتصادي يسمح للمستثمر بأن يعرف أن الماء والكهرباء لن يتحولا بعد عشر سنوات إلى قيد على مشروعه”وفق تعبيره.

    وفي أفق سنوات 2027-2030، سيكون المغرب أمام لحظة اختبار مزدوجة، من جهة، ستكون محطّة الدار البيضاء للتحلية قد دخلت الخدمة، والمرحلة الأولى من الطريق السيار الكهربائي قد اقتربت من الاكتمال وستُصبح الطاقات المتجدّدة 56 في المائة من المزيج الكهربائي، كما أنه ومن جهة أخرى، سيكون المرسوم التطبيقي للقانون 82.21 قد أنتج آثاره الأولى في السوق، وستتّضح ملامح فاعل جديد اسمه المُنتج-المستهلك سواء كان مقاولة صناعية أو تعاونية فلاحية أو أسرة في مدينة كبرى.