التصنيف: من الميدان

  • “ثقة البام لم تفاجئني”.. وكيلة لائحته بالداخلة تكشف لـAM+MEDIA كواليس التزكية وتعلن معركتها ضد بطالة وهجرة الشباب

    “ثقة البام لم تفاجئني”.. وكيلة لائحته بالداخلة تكشف لـAM+MEDIA كواليس التزكية وتعلن معركتها ضد بطالة وهجرة الشباب

    بطالة تدفع شبابا إلى التفكير في الهجرة، ومرضى تفصلهم مسافات طويلة عن العلاج المتخصص، وإكراهات تمتد من السكن والتعليم إلى أوضاع النساء والعالم القروي، بهذه الملفات تدخل زينب الكوري وكيلة اللائحة الجهوية النسوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة الداخلة وادي الذهب، غمار الاستحقاقات الانتخابية، واضعة في مقدمة أولوياتها نقل ما راكمته في العمل الميداني والجمعوي والنقابي والحقوقي إلى مستوى أقوى من الترافع المؤسساتي.

    واختارت الكوري في حوار خصت به AM+MEDIA، أن تبدأ من واحد من أكثر الملفات الاجتماعية ثقلا بالجهة والتي تتقدم البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة الذي تترشح باسمه وهو التشغيل، معتبرة أن صعوبة الولوج إلى فرص الشغل لم تعد مجرد رقم في مؤشرات البطالة، بل تحولت إلى معضلة دفعت عددا من الشباب إلى الهجرة نحو دول مجاورة بحثا عن آفاق بديلة.

    وقالت إن التشغيل يمثل بالنسبة إليها أولوية، خصوصا تشغيل الشباب والنساء إلى جانب الصحة والتعليم والسكن والعالم القروي، وهي الملفات التي أكدت أنها كانت وراء قرارها خوض المنافسة الانتخابية ومحاولة الإسهام في إيجاد حلول لها من داخل المؤسسات.

    وربطت الكوري هذه الأولويات بما يحمله البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، مشيرة إلى أن مواثيقه الخمسة والتزاماته العشرين تضع الشباب والقدرة الشرائية والقضايا الاجتماعية للمواطنين ضمن صلب العرض الذي يتقدم به الحزب خلال استحقاقات 2026.

    24 سنة في العمل الحزبي.. والترشح لم يكن هدفا

    خلف ترشح الكوري مسار تقول إنه يمتد لما يقارب 24 سنة من العمل والتأطير الحزبي، قبل دخولها أول تجربة انتخابية سنة 2021.

    وأكدت أنها لم تكن تحمل رغم هذا التراكم، طموحا شخصيا للترشح، قبل أن تغير تجربتها في العمل الجمعوي والنقابي والحقوقي نظرتها إلى موقع المنتخب وقدرته على التأثير في القرار.

    فبحسب الكوري، كشفت لها سنوات الاحتكاك المباشر بالمواطنين عن ملفات وحقائق يصعب الوصول إلى حلها بالاكتفاء بالترافع من خارج المؤسسات، وهو ما دفعها إلى الانتقال من العمل الميداني إلى خوض التجربة الانتخابية.

    وترى أن المسافة بين تجربتها الأولى سنة 2021 وانتخابات 2026 كبيرة، ليس فقط من حيث التجربة السياسية، وإنما أيضا من حيث فهمها للسياسات العمومية والقوانين والبرامج والمواثيق والخريطة السياسية.

    وقالت إن هذا التراكم جعلها تقف على قوانين ترى أنها أنصفت المواطنين، مقابل مقتضيات أخرى تعتبر أنها تحتاج إلى المراجعة، مؤكدة رغبتها في الترافع واقتراح تعديلات من داخل البرلمان تهم بشكل خاص، المناصفة ومقاربة النوع وقضايا النساء، إلى جانب التشغيل والسكن.

    اختياري لم يفاجئني”.. الكوري تحكي كواليس تزكيتها

    وعن اختيار حزب الأصالة والمعاصرة لها وكيلة للائحته الجهوية النسوية بجهة الداخلة وادي الذهب، قالت الكوري إنها لم تتفاجأ بالقرار، وربطت ذلك بمسارها وحضورها الميداني وقدرتها على الترافع.

    وأوضحت أنها خضعت لمقابلة على مستوى الجهة ضمن مسطرة الاختيار، وأجابت خلالها عن الأسئلة التي وجهت إليها، مشيرة إلى أن تقييم أدائها كان إيجابيا.

    وبالنسبة إليها، لا ينبغي أن يكون معيار العمل السياسي جنس المرشح أو موقعه، بل ما يستطيع تحقيقه للمواطنين، معتبرة أن السياسي امرأة كان أو رجلا، حين يمتلك مرجعية ويشتغل فعليا على ملفات الناس ومصالحهم، يجب أن يترك وراءه إنجازات يمكن العثور عليها على أرض الواقع.

    وتقدم الكوري قربها من المواطنين باعتباره أحد مرتكزات تجربتها، سواء في العمل السياسي أو الجمعوي والنقابي والحقوقي، مؤكدة أن ملفاتها لم تأت من خارج الواقع اليومي للجهة، بل من الاحتكاك المباشر بإشكالات ساكنتها.

    الصحة.. حين يصبح بُعد الداخلة جزءا من معاناة المريض

    ويبرز ملف الصحة بقوة ضمن القضايا التي توقفت عندها الكوري، إذ تحدثت عن إكراهات تعتبر أنها تجعل المرض في جهة بعيدة جغرافيا عن المراكز الاستشفائية الكبرى أكثر تعقيدا.

    وقالت إنها كانت في مقدمة من ترافعوا بقوة بشأن تدبير القطاع الصحي بالجهة، في ظل ما وصفته بعدم ملاءمة المستشفى لحاجيات الساكنة، إلى جانب مشاكل نقل المرضى ونقص بعض التخصصات والتجهيزات.

    لكن الإشكال الأكثر حساسية، وفق الكوري يرتبط بالمسافة، فبالنسبة إلى مريض يحتاج تدخلا متخصصا غير متوفر محليا، لا يتعلق الأمر فقط بالعثور على موعد طبي، وإنما بقطع مسافات طويلة للوصول إلى مؤسسة قادرة على التكفل بحالته.

    وتابعت: “أنا أول منتخبة تترافع ضد المدير الجهوي للصحة لأننا نعاني إكراهات كبيرة في الصحة بمستشفى غير لائق، وإشكالات في نقل المرضى والاختصاصات، والتجهيزات والبعد، لأننا نبعد بـ 2200 كيلومتر وأقرب مستشفى هو أكادير 1200 كيلومتر يعني إذا كنت مريض في حالة او وضعية حرجة يمكن يموت ما وصل”.

    وقالت في هذا السياق إن المريض الموجود في حالة حرجة قد يفقد حياته قبل الوصول إلى وجهته العلاجية، وهي الوضعية التي جعلت الصحة بالنسبة إليها، ملفا لا يحتمل الاكتفاء بالتشخيص.

    من مواجهة اختلالات الصحة إلى اتفاقيات مع مصحات

    وأكدت الكوري أن ترافعها في هذا الملف أثمر بحسب تصريحها، تغييرات وصفتها بـ”الجذرية”، من خلال اتفاقيات شراكة مع مصحات في الدار البيضاء ومراكش لتسهيل التكفل بعدد من الحالات القادمة من الجهة.

    وتضع هذه التجربة ضمن حصيلة ترافعها الميداني، إلى جانب ملف تشغيل الشباب، الذي تعتبره اليوم أحد أكبر التحديات المطروحة على جهة الداخلة وادي الذهب.

     وتدخل الكوري انتخابات 2026 بخطاب يركز على الملفات الاجتماعية المباشرة تنسجم والبرنامج الانتخابي لـ”البام” الشغل لشباب لا تريد لهم الهجرة، والعلاج لساكنة لا ينبغي أن تتحول الجغرافيا بالنسبة إليها إلى عائق أمام الحق في الصحة، وتمكين النساء، والسكن، والعالم القروي.

    وهي ملفات تقول وكيلة اللائحة الجهوية النسوية لحزب الأصالة والمعاصرة إنها دفعتها، بعد نحو 24 سنة من العمل الحزبي وتجربة انتخابية أولى سنة 2021، إلى البحث عن مساحة أوسع للتأثير في السياسات والقرارات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، مشددة على أن حزب الأصالة والمعاصرة وثق فيها بقدر ثقتها فيه وإعجابها بديمقراطيته الداخلية.

  • السكوري: “مغرب قاعات الانتظار” يحتاج إلى تغيير المسار والشباب في قلب الرهان

    السكوري: “مغرب قاعات الانتظار” يحتاج إلى تغيير المسار والشباب في قلب الرهان

    لم يعد النقاش حول القدرة الشرائية، بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مجرد حديث عن الأسعار أو الأجور، بل أصبح مدخلا لتشخيص أوسع لما يعتبره الحزب حالة يعيشها جزء من المجتمع المغربي، طبقة متوسطة تتراجع قدرتها على الصمود، وفئات محدودة الدخل تواجه ارتفاع كلفة الحياة، وشباب ينتظرون منذ سنوات فرصة للانطلاق.

    هذا التشخيص يضع شعار البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة” أمام رهان يتجاوز تقديم إجراءات متفرقة، نحو محاولة إعادة ترتيب الأولويات انطلاقا من الحياة اليومية للمغاربة.

    وفي حوار مع  “AM+ MEDIA”، أكد يونس السكوري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن البرنامج الانتخابي للحزب “يضع الأصبع على أولويات الشعب المغربي”، مشيرا إلى أن الطبقة المتوسطة توجد في مقدمة الفئات التي يستهدفها العرض الجديد.

    الطبقة المتوسطة أولوية في “تغيير المسار”

    يرى “البام” أن الطبقة المتوسطة كانت من بين الفئات التي لم تحظ بما يكفي من الاهتمام، رغم أنها تتحمل جزءا كبيرا من أعباء المعيشة والضرائب والنفقات اليومية.

    ومن هنا يأتي الإصلاح الضريبي كأحد أبرز مداخل البرنامج، على أن يبدأ تنزيله مع قانون المالية المقبل وبشكل تدريجي، بهدف منح الطبقة المتوسطة هامشا أكبر من القدرة المالية.

    أما بالنسبة إلى الفئات الأقل دخلا، فيقترح البرنامج إجراءات تستهدف المصاريف التي تثقل ميزانيتها بشكل مباشر، وفي مقدمتها فواتير الكهرباء، إلى جانب مجموعة من التدابير المرتبطة بالقدرة الشرائية.

    ويخصص “البام” نحو 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، وهو ما يربطه السكوري بمحاولة الحزب الاشتغال على الأولويات التي لمسها لدى المغاربة، بدل الاكتفاء بطرح إجراءات منفصلة عن واقعهم اليومي.

    من القدرة الشرائية إلى “مغرب قاعات الانتظار”

    لكن قراءة السكوري لا تتوقف عند الدخل والأسعار، فخلف أزمة القدرة الشرائية، يبرز في خطابه ما وصفه بصورة لافتة بـ”المغرب كله قاعات انتظار”.

    فالانتظار، وفق السكوري، لم يعد مرتبطا بفئة اجتماعية أو عمرية محددة، وإنما أصبح يطبع علاقة عدد من المواطنين بالمستقبل، سواء تعلق الأمر بالعمل أو الخدمات أو تحسين ظروف العيش.

    ويحضر الشباب بشكل خاص في هذه الصورة؛ فالشاب الذي يبلغ 18 أو 20 أو 22 سنة، يقول السكوري، يجد نفسه في مواجهة انتظار طويل لإيجاد فرصة أو مسار واضح، وهو ما يجعل سؤال المستقبل أكثر إلحاحا بالنسبة إلى جيل لا يريد أن يقضي سنواته في انتظار الحلول.

    ومن هذه الزاوية، يقدم “البام” شعار “تغيير المسار” باعتباره أكثر من مجرد شعار انتخابي، بل تعبيرا عن وعي، حسب السكوري، بضرورة بداية “حقبة سياسية جديدة”، تقوم على الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق الفعل.

    إدماج الشباب.. التكوين وحده لا يكفي

    وتظهر هذه الفكرة بشكل أوضح في الميثاق الثاني من البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة “إدماج الشباب”، الذي يضعه الحزب ضمن أبرز رهانات المرحلة المقبلة.

    ويشير السكوري إلى أن نحو 300 ألف شاب سنويا يغادرون المدرسة، خصوصا في مستويات مبكرة، دون أن يجدوا بالضرورة مسارا واضحا نحو الدراسة أو التكوين أو سوق الشغل.

    لكن المشكلة، وفق طرحه، لا تنتهي بمجرد توفير فرصة للتكوين، فالشاب الذي يلتحق بتدريب داخل مقاولة قد يجد نفسه أمام كلفة يومية مرتبطة بالتنقل والأكل، أو أمام مصاريف أكبر إذا اضطر إلى تغيير المدينة واستئجار مسكن.

    وفي هذه الحالة، يصبح الاستمرار في التكوين نفسه تحديا ماديا، حتى عندما تكون الفرصة متاحة، وهو ما يجعل إدماج الشباب مرتبطا أيضا بالظروف التي تحيط بمساره، وليس فقط بتوفير برنامج للتكوين.

    شباب وكفاءات.. رهان “البام” على تجربة التدبير

    وفي مقابل هذه التحديات، يربط عضو المكتب السياسي لـ”البام” قدرة الحزب على تنفيذ برنامجه بما يعتبره نقطة قوة أساسية، أي الجمع بين الطاقات الشابة والكفاءة والخبرة في التدبير.

    ويؤكد أن حضور الشباب داخل الأصالة والمعاصرة لا يعني غياب التجربة، مشيرا إلى وجود قيادات شابة من النساء والرجال، إلى جانب كفاءات سبق لها أن راكمت تجربة في تدبير ملفات على المستويين الترابي والوطني.

    وشدد على أن قيادات الحزب “منبثقة من الشعب المغربي”، معتبرا أن هذه الخلفية، إلى جانب تجربة التدبير، تمنح الحزب، حسب طرحه، المصداقية اللازمة لتحويل برنامجه إلى سياسات عمومية.

    ويستند السكوري في هذا السياق إلى حجم البرنامج الانتخابي نفسه، الذي تقدر كلفته بنحو 350 مليار درهم، ويتضمن 20 التزاما موزعة على خمسة مواثيق، مؤكدا أن البرنامج يتوفر على تصور لمصادر تمويله.

    وبالنسبة إلى السكوري، فإن شعار “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة”، يحمل بالتالي التزاما أخلاقيا وقيميا، لأن الحديث عن مرحلة سياسية جديدة وتنزيل برنامج بهذا الحجم يفترض الثقة في الكفاءات والنزاهة والقدرة على التدبير.

  • السغروشني لـ”AM+MEDIA”: المواطن في قلب التحول الرقمي بالمغرب

    السغروشني لـ”AM+MEDIA”: المواطن في قلب التحول الرقمي بالمغرب

    تضع أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، التحول الرقمي في صلب إعادة صياغة علاقة المواطن بالإدارة، معتبرة أن الرقمنة لم تعد مجرد ورش تقني، وإنما أصبحت وسيلة لتبسيط المساطر وتقليص التنقلات وتسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية.

    وتحدثت السغروشني، في حوار مع “AM+MEDIA”، عن العمل على تبسيط ورقمنة مئات المسارات الإدارية، مستحضرة أمثلة على خدمات انتقلت من إجراءات طويلة ومعقدة إلى مسارات يمكن إنجازها في وقت أقصر، بما يجعل المواطن في قلب عملية إصلاح الإدارة.

    وبالتوازي مع هذا الورش، تضع السغروشني الذكاء الاصطناعي في صلب الرهان المستقبلي للمغرب، من خلال تطوير الكفاءات الرقمية، ودعم الابتكار والمقاولات الناشئة، مع استهداف تكوين 100 ألف شاب وشابة سنوياً في أفق 2030، بما يعكس توجها نحو إعداد الموارد البشرية لاقتصاد تتزايد فيه أهمية التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي.

    الرقمنة تختصر طريق المواطن

    وفي حديثها عن أثر الرقمنة على الحياة اليومية، استحضرت السغروشني مثال التسجيل في البكالوريا الحرة، باعتباره نموذجا للتحول الذي يمكن أن تحدثه إعادة تصميم المساطر الإدارية.

    وأوضحت أن هذا المسار كان يتطلب في السابق ستة أيام و18 وثيقة وتنقلات متعددة، قبل أن يصبح بالإمكان إنجازه في أقل من 20 دقيقة وبست وثائق.

    ولا تختزل السغروشني هذا التحول في نقل الخدمة من الورق إلى المنصة الرقمية، وإنما تربطه بإعادة النظر في المسار نفسه، بهدف تقليص الإجراءات والوثائق والتنقلات التي يتحملها المواطن.

    المواطن في قلب التحول الرقمي

    وتتجاوز المقاربة التي تتحدث عنها السغروشني فكرة توفير الخدمات على الإنترنت، لتصل إلى تغيير تجربة المواطن مع الإدارة نفسها.

    فكلما أمكن للإدارات تبادل المعطيات والوثائق التي تتوفر عليها، كلما تراجعت الحاجة إلى مطالبة المواطن بإعادة تقديم المعلومات نفسها في كل مرحلة من مراحل المسار الإداري.

    ويصبح الهدف، في هذه الحالة، هو بناء إدارة أكثر ترابطا، يكون فيها المواطن مستفيدا من الرقمنة بدل أن يتحمل كلفة تعدد الإدارات والإجراءات.

    الذكاء الاصطناعي يدخل حياة المغاربة

    ولا تحصر السغروشني التحول الرقمي في الإدارة، إذ تضع الذكاء الاصطناعي ضمن ورش يمكن أن يمتد إلى عدد من القطاعات، من الصحة والتعليم إلى الفلاحة والهندسة وغيرها.

    وتقوم الفكرة على تطوير حلول قادرة على الاستجابة للحاجيات المحلية، بما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لتحسين الخدمات والإنتاج وليس مجرد تكنولوجيا جديدة.

    وتبرز في هذا السياق أهمية تطوير حلول تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية اللغوية للمجتمع المغربي، بما فيها الدارجة والأمازيغية، حتى تكون التكنولوجيا أقرب إلى المستخدم وأكثر ارتباطا بحاجياته اليومية.

    تحويل الكفاءات إلى شركات

    ويرتبط الرهان على التكنولوجيا أيضا بتطوير منظومة المقاولات الناشئة، باعتبارها إحدى القنوات التي يمكن من خلالها تحويل الابتكار والكفاءات إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق.

    وتعمل المملكة على دعم هذه المنظومة ومواكبة المقاولات الناشئة، بهدف مساعدتها على النمو والوصول إلى الأسواق، وعدم الاكتفاء بالسوق الوطنية.

    ولا يصبح الاستثمار في الرقمنة موجها فقط إلى تحديث الإدارة، وإنما أيضا إلى خلق شركات جديدة قادرة على إنتاج التكنولوجيا والمنافسة في اقتصاد عالمي تتسارع فيه التحولات الرقمية.

    الرهان على الإنسان قبل التكنولوجيا

    ويضع هذا التحول الشباب في قلب الاستراتيجية الرقمية، باعتبار أن التكنولوجيا لا يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية من دون كفاءات قادرة على تطويرها واستعمالها.

    وفي هذا السياق، تستهدف المملكة تكوين 100 ألف شاب وشابة سنوياً في أفق 2030 في مجالات مرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الجديدة.

    ولا يتعلق الهدف فقط بتوفير يد عاملة مؤهلة للإدارة أو الشركات، وإنما بإعداد جيل قادر على مواكبة التحولات التي يعرفها سوق العمل، وخلق مشاريع جديدة والاستفادة من الفرص التي يفتحها الاقتصاد الرقمي.

    الشباب أمام سوق عمل جديد

    وترى الوزيرة أن التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي ستعيد تشكيل عددا من المهن والوظائف، وهو ما يجعل التكوين المستمر وتأهيل الشباب جزءا أساسيا من الاستعداد للمستقبل.

    ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في الكفاءات الرقمية مرتبطا أيضا بسؤال التشغيل، إذ يمكن للتخصصات الجديدة أن تفتح مجالات مهنية لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

    ويتحول الرهان، بالتالي، من مجرد تعليم الشباب كيفية استعمال التكنولوجيا إلى تمكينهم من إنتاج الحلول الرقمية والمشاركة في اقتصاد جديد يقوم بشكل متزايد على المعرفة والبيانات والابتكار.

  • نادية بزندفة: نريد مدرسة عمومية تعيد الثقة وتصبح الخيار الأول للأسرة المغربية

    نادية بزندفة: نريد مدرسة عمومية تعيد الثقة وتصبح الخيار الأول للأسرة المغربية

    حين نتحدث اليوم عن إصلاح المدرسة العمومية، لا يكفي أن نتوقف عند سؤال ماذا ندرس وكيف ندرس، بل يفرض سؤال إن كانت الأسرة المغربية ما تزال تثق في المدرسة العمومية نفسه، وما إن كانت المدرسة ستستعيد موقعها كخيار أول للأسر، ليس بحكم كلفتها، وإنما بحكم جودة ما تقدمه لأبنائها.

    هذا السؤال يضع إصلاح التعليم في قلب قضية أوسع تتجاوز المقررات والمناهج، لتلامس العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والقدرة على إعداد جيل قادر على مواجهة تحولات المستقبل.

    وفي برنامج حزب الأصالة والمعاصرة “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة”، يترجم الالتزام رقم 13 هذا التصور من خلال الدعوة إلى “مدرسة عمومية تربي، تكون، وتهيئ للمستقبل”، وهي مدرسة لا تكتفي بالتعلمات الأساسية، بل تراهن على بناء شخصية الطفل، وتنمية قدراته، وربطه بالثقافة والرياضة والتكنولوجيا واللغات، مع معالجة العوامل الاجتماعية التي قد تدفعه إلى مغادرة المدرسة.

    في هذا الحوار مع “AM+ MEDIA”، تقدم نادية بزندفة، البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة وعضوة لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، قراءة لهذا الالتزام، وتتوقف عند سؤال الثقة في المدرسة العمومية، وتكافؤ الفرص، ومضمون الإصلاح، ودور المدرسة في إعداد الأجيال الجديدة لمتطلبات المستقبل.

    بداية، حين نتحدث اليوم عن إصلاح المدرسة العمومية، هل المشكلة في ما ندرس وكيف ندرس، أم أن السؤال الأعمق أصبح مرتبطا بالثقة؟ وهل ما زالت المدرسة العمومية قادرة على أن تكون الخيار الأول للأسرة المغربية؟

    حين نتحدث اليوم عن إصلاح المدرسة العمومية، أعتقد أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس فقط: ماذا نُدرس؟ وكيف نُدرس؟ بل سؤال أبسط وأعمق في الوقت نفسه: هل ما زالت الأسرة المغربية تثق في المدرسة العمومية؟ وهل يمكن أن نجعل منها من جديد القبلة الأولى للأسر المغربية؟

    بالنسبة إلينا في حزب الأصالة والمعاصرة، هذا هو جوهر الرهان، فنحن نريد أن نصل إلى مرحلة لا تختار فيها الأسرة المدرسة العمومية لأنها لا تستطيع تحمل كلفة التعليم الخصوصي، وإنما تختارها عن قناعة، لأنها تثق في جودتها، وفي أطرها، وفي قدرتها على تعليم أبنائها وتربيتهم وإعدادهم للمستقبل.

    فالمدرسة العمومية تتجاوز كونها بناية وفصولا دراسية ومقررات وامتحانات، لتصبح بالأحرى المكان الذي يفترض أن يلتقي فيه أبناء المغاربة، مهما اختلفت أوضاع أسرهم ومناطقهم ومستويات دخلهم، وأن يحصلوا جميعا على فرصة حقيقية للنجاح.

    وعندما تبدأ جودة تعليم الطفل في الارتباط بقدرة أسرته على الأداء، فإننا لا نكون أمام مشكلة تعليمية فقط، بل أمام مشكلة تتعلق بالعدالة الاجتماعية نفسها.

    أذكر أن المدرسة كانت دائما، وينبغي أن تظل، واحدة من أهم آليات الترقي الاجتماعي. ابن الأسرة البسيطة يجب أن تكون أمامه الفرصة نفسها التي يمتلكها ابن الأسرة الميسورة، والطفل في القرية يجب ألا تكون أحلامه أصغر فقط لأنه ولد بعيدا عن المدن الكبرى.

    من هذا المنطلق، يضع برنامج “تغيير المسار” ضمن التزاماته مدرسة عمومية “تربي، تكون، وتهيئ للمستقبل”. ماذا تعني هذه الكلمات الثلاث؟ وما الذي يجب أن يتغير في وظيفة المدرسة نفسها؟

    من هنا جاءت فلسفة الالتزام رقم 13 في برنامج حزب الأصالة والمعاصرة: “مدرسة عمومية تربي، تكون، وتهيئ للمستقبل”، والكلمات الثلاث هنا مهمة بالنسبة إلينا: تربي، تكون، وتهيئ للمستقبل.

    فنحن داخل حزب الأصالة والمعاصرة نريد مدرسة تعلم أبناءنا القراءة والكتابة والرياضيات، لأن التعلمات الأساسية لا يمكن التهاون فيها، لكننا لا نريد أن يتوقف طموح المدرسة المغربية عند هذا الحد، لأن الطفل الذي يدخل المدرسة اليوم سيعيش ويشتغل غدا في عالم مختلف تماما عن العالم الذي نعرفه اليوم؛ عالم يتغير بسرعة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية والمهنية.

    ولذلك لا يكفي أن نعلمه كيف يجيب عن سؤال في امتحان، بل علينا أن نعلمه كيف يطرح السؤال، وكيف يفكر، وكيف يحلل ويقارن ويناقش، وكيف يبحث عن المعلومة ويميز بين الصحيح والزائف، وكيف يبدع ويتكيف مع التحولات.

    نريد مدرسة تجعل من القراءة عادة يومية، ومن الرياضة جزءا من تكوين الطفل، ومن الثقافة والفن والانفتاح على اللغات والعلوم والتكنولوجيا مكونات طبيعية في الحياة المدرسية، لا أنشطة هامشية نلجأ إليها داخل المؤسسات فقط عندما يتوفر الوقت.

    لكن جودة المدرسة لا ترتبط فقط بالمناهج والتعلمات. إلى أي حد يمكن إصلاح المدرسة العمومية من دون معالجة العوامل الاجتماعية التي تؤثر في مسار الطفل، خصوصا النقل والإطعام والصحة والهدر المدرسي؟

    نريد مدرسة ترى الطفل في صحته الجسدية والنفسية، تهتم بظروفه الاجتماعية، وبالصعوبات الفردية التي قد تمنعه من الاستمرار في الدراسة.

    وكل طفل يغادر المدرسة بسبب النقل، أو بسبب وجبة غذائية، أو بسبب إعاقة لم تجد المواكبة المناسبة، هو في النهاية فرصة ضائعة بالنسبة للمجتمع كله.

    ولهذا فإن الحديث عن جودة المدرسة لا يمكن فصله عن النقل المدرسي، والإطعام، والصحة المدرسية، والتعليم الأولي، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين ظروف عمل وكرامة نساء ورجال التعليم.

    لكن، في المقابل، يبقى تحدي تكافؤ الفرص قائما، خصوصا مع وجود تفاوت بين المؤسسات والمجالات. كيف يمكن ألا تتحول المدرسة العمومية إلى مدرسة بسرعتين، وأن يصبح تعميم الجودة فعلا وليس مجرد تعميم للتمدرس؟

    في حزب الأصالة والمعاصرة لا نريد مدرسة عمومية بسرعتين؛ مؤسسات تتوفر لها شروط الجودة وأخرى تنتظر دورها.

    أكيد كل تجربة إصلاحية تحقق نتائج إيجابية ينبغي تثمينها والاستفادة منها، لكن الغاية في النهاية يجب أن تكون تعميم الجودة، لأن الإنصاف لا يعني أن نتيح المدرسة للجميع فقط، وإنما أن نتيح مدرسة جيدة للجميع، وهنا بالضبط يوجد الفرق بين تعميم التمدرس وتكافؤ الفرص الحقيقي.

    يبدو أن الرهان يتجاوز إصلاح بعض تفاصيل المنظومة إلى إعادة بناء العلاقة بين الأسرة والمدرسة، كيف تتصورون المدرسة التي تجعل الأسرة المغربية تختارها عن قناعة؟

    لهذا طموحنا داخل حزب الأصالة والمعاصرة أكبر من إصلاح بعض التفاصيل داخل المنظومة، وطموحنا هو إعادة بناء الثقة بين الأسرة المغربية والمدرسة العمومية.

    نطمح أن يأتي يوم تقف فيه الأسرة أمام اختيار مدرسة أبنائها، فتكون المدرسة العمومية اختيارها الأول، ليس لأنها الأقل كلفة، وإنما لأنها الأفضل بالنسبة إليها؛ لأنها تعرف أن ابنها سيجد فيها أستاذا مؤهلا ومحفزا، وفضاء آمنا، وتعلمات جيدة، ولغات ورياضة وثقافة وتكنولوجيا، ومواكبة تساعده على اكتشاف قدراته وبناء مشروعه الشخصي.

    وهذا بالنسبة إلينا ليس حلما بعيدا ولا شعارا انتخابيا مستهلكا، بل هو اختيار سياسي ومجتمعي، قناعة منا أننا عندما نستثمر في المدرسة العمومية، فنحن لا نستثمر فقط في قطاع التربية والتعليم، بل نستثمر في مستقبل المغرب نفسه.

  • فاطمة الزهراء المنصوري: الشرعية السياسية تبدأ من المواطن وهذا شرط اختيار المرشحين

    فاطمة الزهراء المنصوري: الشرعية السياسية تبدأ من المواطن وهذا شرط اختيار المرشحين

    تربط فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، الشرعية السياسية بمسار يبدأ من المواطن ويمر عبر النضال والعمل المؤسساتي، معتبرة أن المناصب لا تمنح في حد ذاتها شرعية سياسية، وإنما تتحول إلى مسؤولية عندما تستند إلى ثقة المواطنين والمناضلين.

    وجاء ذلك خلال استضافة المنصوري في بودكاست “AM+ Talk” الذي يبث على قناة “AM+MEDIA” باليوتيوب، حيث استعرضت مسارها السياسي الذي بدأ من جماعة مراكش كمنتخبة محلية، قبل أن تنتقل إلى رئاسة المجلس الوطني للحزب لولايتين، ثم إلى القيادة الجماعية إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي.

    وفي حديثها عن هذا المسار، ربطت المنصوري بين الشرعية التي حصلت عليها من الناخبين في مراكش، والثقة التي اكتسبتها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، معتبرة أن القيادة الجماعية امتداد لمسار من النضال والعمل المشترك، قبل أن تنتقل إلى سؤال التزكيات الانتخابية، حيث وضعت الشعبية والقرب من المواطنين في مقدمة شروط اختيار المرشحين.

    من مراكش بدأت الشرعية

    استعادت المنصوري بداية مسارها السياسي من داخل جماعة مراكش، مؤكدة أن علاقتها بالعمل السياسي والمؤسساتي بدأت من موقع المنتخب المحلي، قائلة: “مساري السياسي بديت كمنتخبة محلية في جماعة مراكش، والشرعية ديالي خديتها من عند المواطنات والمواطنين ديال مراكش”.

    ولا تفصل المنصوري بين هذه البداية وما جاء بعدها، إذ تعتبر أن المسار السياسي هو الذي سمح لها بتراكم تجربة وثقة داخل المؤسسات، قبل أن تنتقل إلى مستويات أخرى من المسؤولية.

    العمل الجماعي داخل المجلس

    وتوقفت المنصوري عند تجربتها داخل المجلس الجماعي لمراكش بين 2009 و2015، مشيرة إلى أنها اشتغلت خلال هذه المرحلة بشكل جماعي مع عدة أطراف وفرقاء سياسيين من داخل المجلس، مبرز أن هذه التجربة جعلت العمل الجماعي جزءا من طبيعتها في ممارسة المسؤولية، خصوصا أن العمل داخل مؤسسة منتخبة يفرض التعامل مع مكونات سياسية مختلفة والبحث عن صيغ للاشتغال المشترك.

    وتربط المنصوري هذه التجربة أيضا بالصيغة التي تشتغل بها اليوم داخل القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، مؤكدة أن “العمل الجماعي” له خصوصيته، وأنها بطبيعتها تحب الاشتغال بشكل جماعي.

    من ثقة المواطنين إلى ثقة المناضلين

    إذا كانت جماعة مراكش قد شكلت بالنسبة إلى المنصوري مصدر الشرعية الأولى من خلال الانتخاب، فإن المسار داخل حزب الأصالة والمعاصرة أضاف مستوى آخر من الثقة، مصدره المناضلات والمناضلون.

    وتقول المنصوري إن مسارها السياسي هو الذي دفعها إلى أن تكون لها الشرعية داخل الحزب، بعدما تولت رئاسة المجلس الوطني لولايتين، قبل أن يقترح عليها المناضلون والمناضلات قيادة الحزب ضمن صيغة القيادة الجماعية.

    وبالنسبة إليها، فإن هذا الانتقال لم يكن منفصلا عن مسارها داخل الحزب، وإنما جاء نتيجة نضال وتجربة سابقة، وهو ما يجعل القيادة بالنسبة إليها امتدادا للمسار وليست بداية لمسؤولية جديدة.

    وتترأس المنصوري المكتب السياسي إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي، في صيغة تقوم على العمل المشترك وتقاسم المسؤولية داخل الحزب.

    “قيادة الحزب ماشي منصب”

    وفي حديثها عن القيادة الجماعية، شددت المنصوري على أنها لا تنظر إلى قيادة الحزب باعتبارها منصبا، وإنما باعتبارها امتدادا للنضال السياسي.

    وقالت: “في ما يخص قيادة الحزب لا أعتبره منصب، هداك نضال”، قبل أن تضيف أن “النضال روح، يا إما كيكون عندك روحو يا إما ما كتكونش”.

    وتربط المنصوري هذه الرؤية بمسارها خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن ما دفعها هو “روح النضال في خدمة وطننا”.

    ثلاثة مواقع ومسؤولية واحدة

    ولا تفصل المنصوري بين مسؤولياتها داخل الحزب والعمل الحكومي وتجربتها السابقة داخل المؤسسة المنتخبة، معتبرة أن المناصب الثلاثة التي تتبوؤها تحمل في الوقت نفسه معنى التشريف والتكليف.

    وقالت إنها تحاول أن تكون إيجابية في هذه المناصب، باعتبارها “مسؤوليات وتشريف”، لكنها في الوقت نفسه تكليف.

    وترى المنصوري أن هناك تكاملا بين الوزارة والمجلس الجماعي، بالنظر إلى أن كليهما يحمل بعدا ترابيا ويرتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين والمواطنات.

    التزكيات.. الكفاءة وحدها لا تكفي

    وينتقل تصور المنصوري للشرعية من تجربتها الشخصية إلى طريقة اختيار المرشحين للانتخابات، حيث تعتبر أن التزكية لا يمكن أن تقوم فقط على الانتماء الحزبي أو الكفاءة.

    وتقول إن المرشح ينبغي أن يجمع بين الكفاءة وروح النضال والتجربة، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن الأهم هو أن تكون له شعبية.

    وتوضح في هذا السياق: “زكينا المناضل، وصاحب الكفاءة والتجربة وقبل كل شيء تكون عنده الشعبية”، معتبرة أن المرشح لن يفيد الساحة السياسية إذا لم تكن له شعبية.

    “الشرعية تأتي من الشعبية”

    تختصر منسقة القيادة الجماعية لحزب “البام” تصورها للعلاقة بين المرشح والمواطن في معادلة مباشرة هي “الشرعية تأتي من الشعبية، والشعبية تأتي من القرب إلى المواطن والمواطنات”.

    وتعتبر أن الشعبية لا يمكن أن تكون منفصلة عن علاقة السياسي بالمواطنين، لأن المرشح الذي يطلب تمثيل المواطنين يحتاج قبل ذلك إلى أن تكون له علاقة فعلية بالمجال الذي يسعى إلى تمثيله.

    ولا تنظر المنصوري إلى القرب باعتباره ممارسة مرتبطة فقط بفترة الانتخابات، وإنما باعتباره أساسا لبناء الشعبية التي تمنح المرشح شرعية انتخابية حقيقية.

  • نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    قبل أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود النقاش السياسي إلى واجهة المشهد، محمّلا بأسئلة تتجاوز التنافس الانتخابي إلى تقييم التجارب الحكومية، وتجديد النخب، ومستقبل العمل الحزبي، وقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية.

    وتفرض هذه الأسئلة نفسها على مختلف الفاعلين السياسيين، في لحظة تقدم فيها الأحزاب حصيلتها، وتعرض تصوراتها للمرحلة المقبلة، في سياق وطني يعرف أوراشا إصلاحية كبرى وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

    ودخلت الأحزاب السياسية منذ أشهر مرحلة إعادة ترتيب أوراقها للسباق الانتخابي في 23 شتنبر المقبل، وصياغة خطاب يستعيد ثقة الناخبين وإقناعهم ببرامج المرحلة المقبلة، وهي الدينامية التي يبرز في قلبها حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره أحد مكونات الأغلبية الحكومية، والحزب المتفرد بنموذج القيادة الجماعية في تدبير شؤونه التنظيمية، في تجربة تخوض أول اختبار انتخابي لها منذ اعتمادها.

    في هذا الحوار، تتحدث نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عن تقييم تجربة القيادة الجماعية بعد أكثر من سنتين على إطلاقها، واستعدادات الحزب لانتخابات 2026، ورهانات برنامجه الانتخابي، وحصيلة مشاركته في الحكومة، كما تتناول قضايا تجديد النخب، وتمكين الشباب والنساء، ومعايير منح التزكيات، وعلاقة الأحزاب بالمواطن، إضافة إلى رؤية الحزب لأولويات المرحلة المقبلة، في حوار يسلط الضوء على الأسئلة السياسية والتنظيمية التي تسبق واحدة من أهم المحطات الانتخابية في المغرب.

    نص الحوار:

    اعتمد حزب الأصالة والمعاصرة، خلال مؤتمره الأخير، نموذج القيادة الجماعية باعتباره تحولا في أسلوب تدبير الحزب، وانتقالا من نموذج القيادة الفردية الذي كان معمولا به في أغلب الأحزاب. بصفتكم رئيسة للمجلس الوطني، وبعد قرابة سنتين ونصف من هذا الاختيار، هل يمكن القول إن التجربة حققت أهدافها؟ وما أبرز التغييرات التي أحدثتها داخل الحزب مقارنة بالمراحل السابقة؟

    كان المؤتمر الوطني لسنة 2024 محطة مفصلية في تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة، لأنه جاء بعد أول تجربة للحزب في تدبير الشأن الحكومي منذ سنة 2021، كما تزامن مع مرحلة أعقبت مؤتمر 2020، الذي شكل بدوره نقطة تحول مهمة في مسار الحزب، سواء على مستوى أساليب التدبير أو اتخاذ القرار أو حتى في ما يتعلق بالمرجعية الفكرية والقيم التي يقوم عليها الحزب.

    لقد كانت الإرادة، منذ مؤتمر 2020، قائمة على تثمين ما تحقق من إيجابيات، مع القطع في المقابل مع الممارسات التي لم تعد تستجيب لطموحات الحزب. وجاء مؤتمر 2024 ليترجم هذه الإرادة إلى قرار جماعي يقضي باعتماد القيادة الجماعية بدل الاكتفاء بمنصب فردي، كما هو معمول به في عدد من الأحزاب السياسية. وقد كان هذا الاختيار ثمرة نقاش داخلي وإرادة جماعية عبرت عنها مختلف هياكل الحزب.

    واليوم، يمكن القول إن هذه التجربة مكنت أبناء وبنات الحزب من استخلاص العديد من الدروس. فمنذ التأسيس رفعنا شعارات تخليق الحياة السياسية، وتحرير الطاقات، وتجديد النخب، وأعتقد أننا نجحنا إلى حد كبير في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، وهو ما يظهر من خلال الدينامية التي تعرفها مختلف تنظيمات الحزب، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو داخل التنظيمات الموازية.

    أما فيما يتعلق بالقيادة الجماعية، فإنها أثبتت نجاعتها لأنها تقوم على إشراك الجميع في صناعة القرار، فلا مجال لقرار فردي داخل الحزب، بل إن مختلف القرارات يتم التداول بشأنها داخل القيادة الجماعية، كما تُعرض على المكتب السياسي، بل إن بعض القرارات تُحال أيضا على المجلس الوطني، وهو ما يعزز مبدأ المؤسسات ويكرس العمل الجماعي.

    ورغم الحملات التي تعرض لها الحزب من خصومه، فإننا نعتبر أن هذه التجربة أثبتت قدرتها على الصمود، بل إن تلك الضغوط شكلت بالنسبة إلينا حافزا إضافيا لمواصلة العمل من أجل بناء حزب قوي، يخدم المواطن، ويسترشد بالتوجيهات الملكية السامية باعتبارها الإطار المرجعي الذي نتحرك داخله.

    لذلك، أستطيع القول إن تجربة القيادة الجماعية حققت نتائج إيجابية إلى حدود اليوم، ونثق بأنها ستبرهن على نجاحها بشكل أكبر خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، باعتبارها أول انتخابات يخوضها الحزب تحت هذا النموذج القيادي.

    يستعد حزب الأصالة والمعاصرة لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والقيادة الجماعية التي تضم ثلاثة أمناء عامين تعد تجربة غير مسبوقة في المشهد الحزبي المغربي. كيف ستُدار الحملة الانتخابية في ظل هذا النموذج؟ وهل تعتبرون القيادة الجماعية نقطة قوة تضيف تكاملا في الأدوار، أم أنها قد تطرح تحديات مرتبطة بوحدة الخطاب والقرار خلال المرحلة الانتخابية؟

    عندما نتحدث عن الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، أو السيد محمد مهدي بنسعيد، أو الأستاذة فاطمة السعدي، فإننا نتحدث عن أبناء هذا الحزب الذين ساهموا في بنائه منذ تأسيسه، ويجمعهم المشروع السياسي نفسه، والمرجعية ذاتها، والقيم والمبادئ نفسها. لذلك، من الطبيعي أن يكون الخطاب منسجما، لأن الجميع ينطلق من المدرسة الفكرية والتنظيمية نفسها.

    فالاختلاف في الخطاب قد يطرح عندما يكون الأشخاص من تيارات أو مرجعيات مختلفة، أما نحن فقد ساهمنا جميعا، إلى جانب باقي قيادات الحزب، في بناء هذا التنظيم، وفي صياغة وثائقه السياسية والفكرية، وفي مختلف المحطات التنظيمية التي مر بها. كما أن مؤتمر 2012، الذي اعتمد شعار “تحصين الديمقراطية”، كان محطة مفصلية شاركنا فيها فكريا وتنظيميا، وهو ما جعلنا نتقاسم الرؤية نفسها تجاه المشروع الحزبي.

    ولهذا، فإن ما يجمع أعضاء القيادة الجماعية يتجاوز مجرد تحمل المسؤولية، لأنه يقوم على مسار نضالي مشترك وعلى قناعة واحدة بمبادئ الحزب واختياراته، وهو ما يفسر الانسجام الذي يطبع خطاباتنا، سواء في اللقاءات الإعلامية أو في التواصل مع المناضلين، حيث نكمل بعضنا بعضا ولا نقدم خطابات متعارضة.

    أما فيما يتعلق بتدبير العملية الانتخابية، فإن الأمور تسير، إلى حدود اليوم، بشكل جيد، وهناك توزيع واضح للأدوار بين أعضاء القيادة الجماعية، الذين يشكلون أمانة عامة واحدة تعمل في إطار من التكامل والتنسيق المستمر، وهو ما يجعل هذا النموذج مصدر قوة أكثر من مصدر اختلاف.

    ما هو الرهان الأكبر الذي يضعه الحزب في برنامجه الانتخابي المقبل؟ وما الذي سيجعل عرضه السياسي مختلفا وقادرا على إقناع الناخب مقارنة بما تقدمه باقي الأحزاب؟

    رهاننا هو نفسه رهان الشعب المغربي. منذ تأسيسه، ظل حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى التفاعل مع انتظارات المواطنات والمواطنين، كما يسترشد في توجهاته الكبرى بالتوجيهات الملكية السامية، التي تشكل بالنسبة إلينا مرجعا أساسيا في رسم اختياراتنا الاستراتيجية. ولا ينبغي أن ننسى أن جلالة الملك له دور محوري في توجيه السياسات الكبرى للدولة، بينما من ضمن مسؤولية الأحزاب تنزيل هذه التوجهات واقتراح البرامج والسياسات العمومية الكفيلة بتحقيقها.

    أما بخصوص أولويات البرنامج الانتخابي، فإنها تنطلق من أولويات المواطن المغربي نفسه، وفي مقدمتها القدرة الشرائية والصحة والتعليم، فما يزال هذان القطاعان يشكلان أكبر التحديات التي تواجه بلادنا، ولا يمكن الادعاء بأننا تجاوزنا كل الإشكالات المطروحة فيهما.

    ورغم ما تحقق في إطار ورش التغطية الصحية الإجبارية، الذي جاء بفضل المبادرة الملكية، فإننا لا نزال نواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والموارد البشرية، والحكامة داخل القطاع الصحي، وهي أوراش ما تزال تتطلب عملا كبيرا خلال المرحلة المقبلة.

    والوضع نفسه ينطبق على قطاع التعليم. ففي تقديري، لا يمكن الحديث عن تعليم ناجح ما دام التردد السمة الأبرز في اختيار الأسر المغربية للمدرسة العمومية. وبالنسبة إلي، سيصبح بإمكاننا القول إننا حققنا تقدما حقيقيا عندما تصبح المدرسة العمومية الخيار الأول للمغاربة، وليس خيارا اضطراريا، وحتى نصل إلى تلك المرحلة، ما يزال أمامنا الكثير من العمل.

    أما التشغيل، فرغم أنه يشكل أولوية وطنية، فإنه أصبح اليوم ملفا أكثر تعقيدا من السابق، لأن أزمة البطالة لم تعد ترتبط فقط بقدرة الدولة أو القطاع الخاص على خلق فرص الشغل، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتحولات اجتماعية وثقافية تمس علاقة الشباب بقيمة العمل. ولذلك نحن بحاجة إلى دراسات سوسيولوجية عميقة تساعد على فهم هذه التحولات، حتى نستطيع صياغة سياسات أكثر نجاعة في هذا المجال.

    إلى جانب ذلك، هناك أوراش استراتيجية أخرى، من بينها تنزيل مشروع الحكم الذاتي، ومواكبة مشروع “المغرب الصاعد”، وهي مشاريع كبرى تحتاج إلى حكامة جيدة وإلى حسن التدبير حتى تحقق أهدافها على أرض الواقع.

    شارك الحزب في انتخابات سنة 2021 وساهم في تدبير الشأن الحكومي. ما أبرز الدروس التي خرج بها من هذه التجربة؟ وما الأخطاء التي لا ترغبون في تكرارها خلال الاستحقاقات المقبلة؟

    خضنا انتخابات 2021 بكل ما حملته من رهانات، واستطعنا أن نحتل المرتبة الثانية، رغم أن طموحنا كان تحقيق المرتبة الأولى. ورغم ذلك، تعاملنا مع النتيجة بروح المسؤولية، وشاركنا في الحكومة، وتحملنا مسؤوليتنا كاملة داخل الأغلبية الحكومية.

    ومنذ بداية هذه التجربة، عمل الحزب على الحفاظ على تماسك الأغلبية الحكومية، وعلى ضمان استقرارها، رغم ما قد ينشأ داخل أي تحالف سياسي من اختلافات في وجهات النظر. وكان همنا الأساسي هو الحفاظ على هذا الاستقرار بما يخدم مصلحة المواطنين، لأن أي توتر داخل الأغلبية كان سينعكس مباشرة على الأداء الحكومي وعلى مصالح المغاربة، لذلك تحملنا مسؤوليتنا إلى آخر لحظة، وسنواصل القيام بذلك بالروح نفسها.

    أما بخصوص القطاعات التي أشرف عليها وزراء حزب الأصالة والمعاصرة، فإن حصيلتها تقاس بما تحقق فيها من نتائج وأرقام. ومع ذلك، فمن غير الواقعي انتظار تحقيق جميع الأهداف خلال خمس سنوات فقط، لأن تدبير القطاعات الحكومية يرتبط بإصلاحات عميقة تحتاج إلى الوقت حتى تظهر آثارها، وهناك مشاريع ستبرز نتائجها بشكل أوضح بعد سنة 2026، ونأمل أن تمنحنا ثقة المواطنين فرصة أكبر لمواصلة تنزيلها.

    أما الأخطاء، فنحن لا ندعي الكمال، بل نعتبرها جزءا من التجربة السياسية، ونسعى دائما إلى التعلم منها وتجاوزها في المحطات المقبلة.

    يتحدث حزب الأصالة والمعاصرة باستمرار عن تمكين الشباب والنساء، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: هل تمت ترجمة هذا الخطاب، من خلال منح الشباب والنساء مواقع متقدمة داخل اللوائح الانتخابية، أم سيظل الأمر في حدود الشعارات؟

    لو لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة يؤمن فعلا بتمكين الشباب والنساء لما شهدنا هذا التجديد المستمر في قياداته منذ تأسيسه. ففي كل مؤتمر يفرز الحزب قيادة جديدة، ومكتبا سياسيا متجددا، كما تعرف مختلف تنظيماته الموازية تداولا دائما على المسؤوليات، وهو ما يعكس قناعة راسخة بضرورة تجديد النخب وضخ دماء جديدة داخل الحزب.

    ولو لم نتبنَّ هذا الاختيار، لكنا اليوم نعيش الوضع نفسه الذي تعرفه بعض الأحزاب، حيث تستمر القيادات نفسها لولايات متتالية، وتتكرر الأسماء ذاتها داخل مختلف الأجهزة، بينما تبقى فرص الشباب والنساء محدودة. نحن لم نستورد مسؤولين من خارج الحزب، بل عملنا منذ البداية على تكوين أبناء وبنات الحزب وتأهيلهم وتحمل مسؤولياتهم داخله.

    فلسفة الحزب منذ تأسيسه تقوم على بناء مدرسة سياسية حقيقية، تخرج أطره وقياداته من داخله، وتمنحهم التكوين والتأطير اللازمين لتحمل المسؤولية. وهذا هو المعنى الحقيقي لتجديد النخب، أي أن يكون الحزب قادرا على إنتاج كفاءاته بنفسه، لا البحث عنها خارج تنظيمه.

    ولهذا، فعندما يُطرح السؤال حول من يقود الحزب اليوم، فإن الجواب واضح: إنهم أبناء وبنات الحزب الذين تدرجوا داخله، واكتسبوا تجربتهم السياسية والتنظيمية بين صفوفه. أما بالنسبة لنا، فإن المعيار الحاسم في تحمل المسؤولية يظل هو الكفاءة والاستحقاق، لأن الهدف هو وضع الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المكان الذي يستحقانه، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.

    منذ سنوات يثار الجدل حول المعايير التي تتحكم في منح التزكيات، بين من يعتبر أن الكفاءة والخبرة والقدرة على الترافع هي الأساس، وبين من يرى أن الإمكانيات المالية والقدرة على تمويل الحملات الانتخابية ما تزال حاضرة بقوة. وبعد أن حسم الحزب في أغلب مرشحيه للاستحقاقات المقبلة، هل يمكن القول إن معيار الكفاءة كان هو الحاسم؟

    في تقديري، لا ينبغي أن يكون امتلاك المال معيارا لتقييم أهلية المنتخب، لأن وظيفة المسؤول المنتخب ليست الإنفاق من ماله الخاص على المواطنين، بل تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم، والعمل على إيجاد الحلول لمشاكلهم، أما تحويل الإمكانيات المالية إلى وسيلة للتأثير في الناخبين أو لكسب الأصوات، فهو يدخل في إطار الفساد الانتخابي.

    الدولة لا تحتاج إلى أشخاص ينفقون أموالهم الخاصة على تدبير الشأن العام، لأنها تتوفر على مواردها ومؤسساتها، ما تحتاج إليه هو منتخبون، ووزراء، وبرلمانيون، ورؤساء جماعات ترابية يمتلكون الكفاءة والحكامة، ويعرفون كيف يستقطبون الاعتمادات المالية، ويوظفونها في إنجاز المشاريع التي تستجيب لانتظارات المواطنين.

    أما من يستثمر مبالغ طائلة في الحملات الانتخابية، فمن الطبيعي أن يطرح السؤال حول كيفية استرجاع تلك الأموال بعد الانتخابات، وهو ما يثير إشكالا حقيقيا على مستوى النزاهة والشفافية.

    لذلك، فنحن لا نبحث عن مسؤولين ينفقون أموالهم الخاصة على الدولة أو على المواطنين، بل عن مسؤولين قادرين على تدبير المال العام، وأموال دافعي الضرائب، بكفاءة ونزاهة ومصداقية، بما يخدم المصلحة العامة.

    يخوض حزب الأصالة والمعاصرة الاستحقاقات المقبلة بعد تجربة في التدبير الحكومي راكم خلالها عددا من المنجزات. هل ستكون هذه الحصيلة مدخلا أساسيا لاستعادة ثقة المواطن في العمل السياسي؟ وإلى أي حد سيكون الحزب مستعدا للحديث، بكل صراحة، ليس فقط عما تحقق، بل أيضا عما لم يتحقق، وتفسير الإكراهات التي واجهت العمل الحكومي، باعتبار أن النقد الذاتي يمثل أحد عناصر القوة والمصداقية؟

    هذا ليس نقاشا سنفتحه اليوم فقط، لأن ثقافة المصارحة والنقد الذاتي رافقت حزب الأصالة والمعاصرة منذ بداية هذه الولاية الحكومية. فمنذ السنوات الأولى، كانت اجتماعات المكتب السياسي والمجلس الوطني فضاء مفتوحا للنقاش الحر، حيث كنا نعبر بكل مسؤولية عن آرائنا وملاحظاتنا، حتى وإن كانت أحيانا مكلفة سياسيا.

    كما أن فريق الحزب داخل مجلسي البرلمان كان يتمتع بهامش واسع من حرية التعبير، ولم يتردد في مناقشة مختلف القضايا والملفات، بل وحتى في توجيه النقد إلى القطاعات التي يشرف عليها وزراء الحزب أنفسهم عندما كان ذلك ضروريا. وربما كنا من أكثر الأحزاب ممارسة لهذا النوع من النقد تجاه القطاعات التي نتولى تدبيرها، لأننا نؤمن بأن المسؤولية تقتضي تقييم الأداء باستمرار، وليس الاكتفاء بالدفاع عنه.

    لذلك، فإن النقد الذاتي بالنسبة إلينا ليس مجرد شعار ظرفي، بل هو جزء من هوية الحزب منذ تأسيسه، ويظهر ذلك أيضا في احترامنا الدائم للمواعيد التنظيمية، وفي النقاشات الواسعة التي تسبق مؤتمرات الحزب، وترافقها، وتستمر بعدها، في إطار من الديمقراطية الداخلية والشفافية.

    في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب المغربي، وخاصة أولئك الذين ما زالوا مترددين في الانخراط في العمل السياسي أو المشاركة في الانتخابات؟

    رسالتي إلى الشباب المغربي هي ألا يسمحوا لليأس أو الإحباط بأن يسيطر عليهم، لأن المغرب يتوفر على كل مقومات الأمل، فنحن ننعم بالاستقرار السياسي والأمني، كما نعيش استقرارا اجتماعيا يشكل أرضية مهمة لمواصلة البناء والإصلاح، أما باقي التحديات، مهما كانت كبيرة، فهي ليست مستحيلة الحل.

    ولهذا أدعو الشباب إلى الثقة بالله أولا، ثم الثقة في وطنهم، وفي مؤسساتهم، وإلى العمل بروح جماعية، والانخراط في الأحزاب السياسية، والتسجيل في اللوائح الانتخابية، والمشاركة المكثفة في مختلف الاستحقاقات الديمقراطية، لأن التغيير لا يتحقق بالمقاطعة، بل بالمشاركة وتحمل المسؤولية.

    فكل مشاركة مواطنة واعية تساهم في تقوية المؤسسات، وفي إيجاد حلول لمختلف التحديات التي تواجه بلادنا، وتفتح المجال أمام الشباب ليكونوا جزءا من صناعة القرار، لا مجرد متابعين له.

  • محمد المهدي بنسعيد: حماية التراث المغربي تتجاوز الثقافة إلى الاقتصاد

    محمد المهدي بنسعيد: حماية التراث المغربي تتجاوز الثقافة إلى الاقتصاد

    يضع وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، ملف حماية التراث المغربي في صلب الدبلوماسية الثقافية، رابطا بين استرجاع الممتلكات الثقافية وحماية التراث المادي وغير المادي وتطوير المتاحف والسياحة الثقافية.

    وتحدث بنسعيد، في أثناء حلوله ضيفا على برنامج “AM+ Talk”، عن استرجاع قطع أثرية من فرنسا، وعن القفطان والمطبخ المغربي، معتبرا أن حماية هذه العناصر تتجاوز البعد الثقافي إلى أبعاد اقتصادية وسياسية.

    ويشدد المسؤول الحكومي على أن التراث المغربي “حي” وما يزال مرتبطا بالحياة اليومية وبمصالح الصناع والحرفيين، ما يجعل حمايته مرتبطة أيضا بحماية مصادر الدخل المرتبطة به، واضعا محاولات نسب بعض عناصر التراث المغربي إلى جهات أخرى في سياق صراع سياسي أوسع، رابطا الدبلوماسية الثقافية بتعزيز حضور المغرب دوليا وحماية مصالحه الثقافية والاقتصادية.

    ولا يقدم بنسعيد استرجاع القطع الأثرية باعتباره نهاية للملف، بل يربطه برؤية أوسع تقوم على تطوير المتاحف، وتنشيط السياحة الثقافية، وتعزيز التعاون مع الدول، بالتوازي مع حماية تراث ما يزال حاضرا في الحياة اليومية للمغاربة، ويرتبط بمصالح اقتصادية واجتماعية لصناع وحرفيين وعائلات.

    حماية التراث المغربي.. من الخزائن إلى المتاحف

    وفي حديثه عن الدبلوماسية الثقافية، قال بنسعيد إن التعاون الذي يطوره المغرب مع عدد من الدول، إلى جانب المسؤولية التي يتحملها العاملون في مجال التراث، جعلا مجموعة من الدول تدرك وجود توجه مغربي صارم في هذا المجال.

    وأوضح أن المملكة المغربية طالبت باسترجاع ممتلكاتها الثقافية، غير أن الهدف، بحسبه، لا يتمثل في إعادة القطع إلى المغرب ثم وضعها داخل الخزائن، بل في إدماجها ضمن رؤية ثقافية أوسع.

    ويربط الوزير هذه الرؤية بالتوجيهات الملكية المتعلقة بالثقافة والمتاحف، مشيرا إلى أن مجموعة من المتاحف تفتح أبوابها أمام الجمهور، بالتوازي مع استثمارات كبرى في هذا المجال.

    وبالنسبة إلى بنسعيد، فإن المتاحف لا تؤدي وظيفة حفظ التراث فقط، بل يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على ما يسمى بالسياحة الثقافية، بما يجعل استرجاع الممتلكات الثقافية جزءا من منظومة يمكن أن تنتج آثارا اقتصادية واجتماعية.

    قطع ديناصورات تعود إلى المغرب

    وضرب بنسعيد مثالا بالتعاون الأخير مع فرنسا، مشيرا إلى إعادة قطع مرتبطة بديناصورات مغربية يعود عمرها إلى أكثر من 60 مليون سنة.

    ولا يتوقف، وفق هذا التصور، أثر استرجاع هذه القطع عند إعادتها إلى المغرب، إذ ينتظر أن تتيح للباحثين مواصلة العمل العلمي عليها، قبل عرضها في متحف أثري بما يسمح للمغاربة والأجانب باكتشاف جانب من تاريخ هذه الأرض والمملكة.

    وتعكس هذه الحالة، بحسب الوزير، طبيعة التعاون الإيجابي الذي يمكن أن ينتج عن الدبلوماسية الثقافية، حين تتحول استعادة الممتلكات إلى فرصة للبحث العلمي والعرض المتحفي والتعريف بالتاريخ المغربي.

    حين يتحول التراث إلى قضية اقتصادية

    ولا يحصر بنسعيد النقاش في الممتلكات الأثرية، إذ ينتقل إلى ما يعتبره محاولات للسطو على عناصر من التراث المغربي، خصوصا في ظل انتشار المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي.

    ويستحضر في هذا السياق المطبخ المغربي، موضحا أن الزائر إلى دول مختلفة، مثل فرنسا أو الولايات المتحدة، عندما يبحث عن مطعم يقدم الأكل العربي قد يجد نفسه أمام مطعم يقدم الطاجين أو الكسكس باعتبارهما جزءا من المطبخ المغربي.

    وبالنسبة إلى الوزير، فإن هذه العناصر ليست مجرد منتجات سياحية أو رموزا فولكلورية، بل أطباق مرتبطة بالحياة اليومية داخل البيوت المغربية.

    والأمر نفسه ينطبق على اللباس، إذ يرفض بنسعيد اختزال القفطان والجلابة في مجرد أزياء فلكلورية، مشيرا إلى أنهما ما يزالان حاضرين في الأعراس والأعياد والتجمعات العائلية.

    “تراث حي ماشي ميت”

    ويقدم بنسعيد أحد أهم مفاتيح قراءته للملف من خلال التأكيد أن المغرب يتوفر على “تراث حي ماشي ميت”، شارحا أن عددا من الدول تتوفر على تراث يعود إلى مئات أو آلاف السنين، غير أن هذا التراث لا يظهر اليوم إلا داخل المتاحف، بينما ما يزال التراث المغربي حاضرا في الحياة اليومية.

    فالقفطان والجلابة ما يزالان يلبسان، والمطبخ المغربي ما يزال يمارس داخل البيوت، كما أن هناك صناعا وعائلات تستمر في العيش من هذا التراث وممارساته.

    وتكمن أهمية هذا المعطى، بالنسبة إلى بنسعيد، في أن التراث المغربي ليس مجرد ماض محفوظ داخل المتاحف، وإنما منظومة ثقافية واقتصادية مستمرة.

    وهذه الحيوية، بحسب الوزير، هي التي تجعل حماية التراث أكثر ارتباطا بالواقع، لأنها لا تتعلق فقط بالحفاظ على رموز تاريخية، وإنما أيضا بحماية الأشخاص والمهن والاقتصاد الذي يقوم حولها.

    حماية التراث المادي وغير المادي

    وفي مقابل ما يعتبره محاولات للسطو على عناصر من التراث المغربي، يرى بنسعيد أن المطلوب هو تقوية الإطار القانوني الخاص بالتراث المادي وغير المادي.

    ولا يعطي الوزير الأهمية نفسها لما يصفه بالسطو على الأقوال أو الموروث الشفوي، معتبرا أن الأولوية يجب أن تنصب على المجالات التي يمكن أن يكون لها أثر فعلي على التراث وعلى الأشخاص الذين يعيشون منه.

    بنسعيد: هذا ماشي صراع ثقافي هذا صراع سياسي

    لكن بنسعيد لا يكتفي بالبعد الثقافي والاقتصادي للملف، إذ يقدم قراءة سياسية مباشرة لمحاولات السطو على التراث المغربي.

    ويقول: “أنا ما نسميش هاد الشي صراع ثقافي، هاد صراع سياسي”، معتبرا أن أطرافا خسرت، بحسب قراءته، معارك دبلوماسية حول قضية سياسية تهمنا، وبالنسبة لنا هي قضية وطنية، وتحاول الانتقال إلى مجالات أخرى لمواصلة المواجهة.

    ويذكر في هذا السياق مجالات متعددة، من الرياضة إلى السياحة والثقافة، معتبرا أن الصراع يمكن أن ينتقل من مجال إلى آخر عندما يتعذر تحقيق أهدافه في المجال السياسي والدبلوماسي.

    القفطان.. اعتراف دولي بالهوية المغربية

    ويستحضر بنسعيد القفطان باعتباره أحد الأمثلة على ما يعتبره اعترافا دوليا بالثقافة المغربية، ويقول إن شخصيات عالمية ترتدي القفطان وتقدمه باعتباره “قفطان مغربي”، معتبرا أن هذا الأمر يشكل في حد ذاته اعترافا دوليا بالهوية المرتبطة بهذا اللباس.

    ولا ينظر الوزير إلى الانتشار الدولي للقفطان باعتباره مشكلة في حد ذاته، وإنما إلى الطريقة التي يمكن أن يتم بها استغلال عناصر التراث المغربي لأغراض اقتصادية دون حماية حقوق الصناع والحرفيين الذين ينتجونه.

  • حنان السرغيني: الإعادة الفورية للمهاجرين بسبتة قد تردع الهجرة لكن بشروط

    حنان السرغيني: الإعادة الفورية للمهاجرين بسبتة قد تردع الهجرة لكن بشروط

    تخضع إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا لضوابط ينص عليها الاتفاق الثنائي الموقع سنة 2007، إلى جانب القانونين الإسباني والأوروبي واتفاقية حقوق الطفل، وتشترط هذه المرجعيات التحقق من هوية القاصر وأسرته، وتقييم مصلحته الفضلى، وضمان تسليمه إلى أسرته أو إلى مؤسسة رعاية مؤهلة.

    وترى حنان السرغيني، الأستاذة بجامعة القاضي عياض والباحثة في قضايا الهجرة، أن تسريع إعادة المهاجرين غير النظاميين قد يشكّل أداة ردع، لكن الإعادة الفورية التي تتجاوز التقييم الفردي لا يمكن أن تكون سياسة قانونية ومستدامة، خصوصا بالنسبة إلى إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا.

    وتوضح السرغيني في حوار خصت به جريدة “AM+ MEDIA”، أن مطالبة المغرب لجاره الشمالي بتبسيط المساطر لها سند قانوني، غير أن موافقته على استقبال القاصرين لا تعفي إسبانيا من ضمان حمايتهم ومراعاة مصلحتهم الفضلى، مؤكدة أن الإطار الأوروبي لا يعارض التعاون مع المغرب.

    في ظل تصاعد الهجرة غير النظامية وأزمة سبتة الأخيرة التي أعادت إلى الواجهة سؤال البحث عن أدوات أكثر فاعلية للحد منها، إلى أي حد يمكن أن تشكّل الإعادة الفورية آلية ردع ناجعة؟

    في تقديري، الإعادة السريعة يمكن أن تكون أداة ردع للهجرة غير النظامية، لكنها لا تصبح ناجعة إلا إذا كانت قانونية وقابلة للتنفيذ ومنظمة، فالردع لا ينتج فقط عن شدة الإجراء، وإنما عن وضوحه وسرعته واحتمال تطبيقه فعليا، لكن يجب التفريق بين البالغين والقاصرين غير المصحوبين.

    بالنسبة إلى الشخص البالغ الذي لا يملك حقا قانونيا في البقاء، فإن تسريع إجراءات العودة ينسجم مع الاتجاه الجديد للاتحاد الأوروبي نحو جعل العودة أكثر فعالية. فالإطار الأوروبي الجديد للعودة يتجه إلى توحيد الإجراءات، وفرض التزامات على الشخص موضوع قرار العودة، وتعزيز التعاون مع الدول المستقبلة. وقد اتفق المجلس والبرلمان الأوروبيين في يونيو 2026 على إطار جديد للعودة، مع التأكيد في الوقت نفسه على احترام حقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية. لكن لا يمكن إسقاط هذا المنطق بصورة آلية على القاصر غير المصحوبين.

    فالمادة 22 من اللائحة الأوروبية 2024/1348 تجعل المصلحة الفضلى للطفل اعتبارا أساسيا عند تطبيق قواعد الحماية الدولية، بينما تفرض المادة 23 ضمانات خاصة للقاصر غير المصحوب، بما في ذلك التمثيل والمساعدة. بل إن المادة المتعلقة بالدولة المستقبلة الآمنة تشترط، عندما يتعلق الأمر بقاصر غير مصحوب، ألا تتعارض العودة مع مصلحته الفضلى، وأن تحصل سلطات الدولة الأوروبية مسبقا على ضمان من هذه الدولة بأنها ستتكفل به وأن يحصل فورا على حماية فعالة.

    إذن الإعادة السريعة نعم، الإعادة الفورية بمعنى تجاوز التقييم الفردي لا. السرعة في تنفيذ القانون قد تكون رادعة، أما تجاوز القانون فلا يمكن أن يكون سياسة ردع مستدامة.

    مع مطالبة المغرب لإسبانيا بتسريع إجراءات إعادة المهاجرين، سيما القاصرين، ما الذي يتيحه الإطار القانوني المنظم لهذه العمليات؟

    هنا أعتقد أن الموقف المغربي يجب أن يُقرأ بصورة أكثر دقة.

    المغرب لا يطلب، من الناحية القانونية، اختراع آلية جديدة لإرجاع القاصرين، فهناك أصلا إطار ثنائي قائم منذ الاتفاق المغربي الإسباني المؤرخ في 6 مارس 2007 عنوانه نفسه واضح: التعاون في الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين، وحمايتهم، وإعادتهم المتفق عليها سنة 2007 والذي دخل حيز التنفيذ في  2012.

    وتنص المادة الأولى على إنشاء إطار عمل مشترك للوقاية والحماية والإرجاع، والأهم أن المادة الثانية، الفقرة 3 لا تتحدث عن مجرد ترحيل، وإنما عن العودة المساعدة للقاصر إلى أسرته أو إلى مؤسسة الوصاية في بلد الأصل، وإعادة إدماجه اجتماعيا، وهذه العبارة مهمة جدا، لأنها تكشف أن فلسفة الاتفاق منذ البداية لم تكن إرجاع القاصر إلى المغرب وإنما إرجاع القاصر في إطار حماية وإعادة إدماجه.

     على ضوء الاتفاق المغربي الإسباني بشأن إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا، ما الأساس القانوني لمطلب تبسيط مساطر الإعادة، وما حدوده؟

    هنا يمكن القول إن للمطلب المغربي أساسا قانونيا، ولكن له حدود أيضا، لأن المادة 4 من الاتفاق تنص على أن السلطات المغربية تقوم بتحديد هوية القاصر وأسرته وإثبات جنسيته، كما تنص على أن الطرفين يتفقان مسبقا بشأن حالات القاصرين الذين يمكن أن يكونوا موضوع العودة، وكذلك بشأن عددهم، وهذه العبارة الأخيرة بالغة الأهمية لأنها تعني أن الاتفاق لا يبني العودة على إجراء أحادي الجانب، وإنما على تعاون وتنسيق مسبق بين الطرفين.

    وفي المقابل، المادة 5/1 تمنح السلطات الإسبانية صلاحية اتخاذ قرار العودة، سواء من تلقاء نفسها أو بناء على اقتراح الجهة العامة التي تتولى وصاية القاصر، لكن مع الالتزام الصارم بالقانون الإسباني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل. اذن المعادلة القانونية هي:

    ويستطيع المغرب أن يطلب تسريع التعاون والتعرف على القاصر والأسرة وتبادل المعلومات، لكن إسبانيا لا تستطيع أن تختصر الضمانات القانونية التي تسبق قرار العودة.

    وهنا أقول إن المشكلة ليست بالضرورة في وجود عوائق قانونية أمام العودة، وإنما في طول المسطرة وتعدد المتدخلين وغياب آليات سريعة وفعالة وهذا فرق مهم جدا.

    ⁠المغرب أبدى استعداده الجدي لاستقبال القاصرين، فهل يكفي ذلك لكي تنفّذ إسبانيا إعادتهم، أم تظل ملزمة بضمانات قانونية فردية؟

    ليس بهذه البساطة، لأن المادة 5/2 من الاتفاق المغربي الإسباني تشترط أن يتم التعاون في كل حالة عودة في إطار الحفاظ على المصلحة الفضلى للقاصر، بهدف ضمان إعادة لمّ الشمل الأسري فعليا أو تسليمه إلى مؤسسة وصاية، كما تنص المادة 5/3 على التعاون في إنشاء جهاز استقبال بموارد بشرية ومادية مؤهلة. إذن، إذا قالت إسبانيا المغرب مستعد لاستقبال القاصر، فلنعِده فورا.

    فالجواب القانوني هو: استعداد المغرب للاستقبال مهم، لكنه لا يغني عن ضمانات الاستقبال والحماية في الحالة الفردية.

    وهنا يصبح المطلب المغربي أكثر قابلية للتطبيق إذا تمت صياغته على النحو التالي: تسريع التحقق من الهوية ثم تسريع تحديد الأسرة ثم تقييم المصلحة الفضلى ثم تحديد جهة الاستقبال وأخيرا اتخاذ القرار بسرعة.

    أي أننا لا نحتاج بالضرورة إلى إلغاء المسطرة، بل إلى إعادة هندستها وهذه، في رأيي، هي المقاربة الأكثر واقعية.

    في ظل القواعد الأوروبية الجديدة للهجرة واللجوء، ما الحدود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على إسبانيا في ملف إعادة القاصرين المغاربة من إسبانيا؟

    هنا يجب ألا ننسى أن إسبانيا، رغم امتلاكها صلاحيات وطنية في مجال الهجرة، تعمل داخل منظومة أوروبية ودولية والميثاق الأوروبي الجديد، الذي أصبحت أدواته الرئيسية قابلة للتطبيق منذ 12 يونيو 2026، لا يتجه فقط إلى تشديد الحدود، بل إلى توحيد الإجراءات وتسريعها مع الحفاظ على ضمانات معينة.

    ومن أبرز الأمثلة أن إجراءات الحدود الأوروبية الجديدة لا تنطبق كقاعدة على القاصرين غير المصحوبين، إلا في حالات مرتبطة بالتهديد الأمني، وهذا يعطينا دلالة مهمة، فالاتحاد الأوروبي نفسه يميز قانونيا بين إدارة الهجرة غير النظامية وإدارة وضع القاصر غير المصحوب، لذلك لا يمكن لإسبانيا أن تتعامل مع القاصر في سبتة بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع شخص بالغ صدر بحقه قرار العودة.

    رغم تقاطع المصالح المغربية والأوروبية بشأن رفع فعالية الإعادة، هل تتعارض مقتضيات الميثاق الأوروبي الجديد مع المطالب المغربية؟

    لا، وهنا أعتقد أن التحليل يصبح أكثر إثارة للاهتمام، لأن هناك تقاطع بين الموقف المغربي والاتجاه الأوروبي الجديد في مسألة واحدة هي ضرورة جعل العودة أكثر فعالية.

    فالاتحاد الأوروبي يريد رفع فعالية العودة، والمغرب يريد تبسيط إجراءات العودة، وإسبانيا تريد تخفيف الضغط عن سبتة، إذن المصالح تلتقي في الهدف، لكن الاختلاف يوجد في شروط التنفيذ، خصوصا بالنسبة إلى القاصرين،

    بل إن الميثاق الأوروبي الجديد بشأن العودة ينص على أن اتفاقات أو ترتيبات العودة مع الدول الثالثة يجب أن ترتبط باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية، كما يستثني القاصرين غير المصحوبين من بعض ترتيبات العودة القائمة على هذه الآلية، وهذه نقطة قانونية مهمة جدا.

    الاتحاد الأوروبي لا يغلق باب التعاون مع المغرب، لكنه يريد أن يكون التعاون قابلا للتوفيق مع ضمانات حقوق الطفل.

    ⁠ أمام الضغط المتزايد على سبتة والمصالح المشتركة بين الرباط ومدريد، هل ستجد المطالب المغربية آذانا مصغية في إسبانيا، وما الشروط التي قد تحكم تنفيذها؟

    أعتقد أن الإجابة هي نعم سياسيا، ولكن التنفيذ سيكون مشروطا قانونيا، لأن إسبانيا لديها مصلحة مباشرة في تخفيف الضغط عن سبتة، والمغرب لديه مصلحة في ألا يتحول إلى مجرد حارس للحدود الأوروبية.

  • بنسعيد في AM+ Talk: “التمغربيت” في قلب مشروع المغرب الصاعد

    بنسعيد في AM+ Talk: “التمغربيت” في قلب مشروع المغرب الصاعد

    قال محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، إن صناعة الألعاب الإلكترونية في المغرب تعرف تحولا متسارعا، بعدما انتقلت خلال سنوات قليلة من ثلاث مقاولات صغيرة إلى نحو 50 مقاولة، مع شروع عدد منها في توسيع فرقها وخلق فرص شغل جديدة، رابطا هذا التحول برؤية أوسع لـ”التمغربيت” التي تقوم، وفق تصوره، على الجمع بين الاعتزاز بالهوية والانتماء إلى الجذور والانفتاح على تحولات العالم في إطار رؤية الحزب التي يلخصها “المغرب الصاعد”.

    وجاء ذلك، خلال استضافة المسؤول الحكومي في بودكاست AM+ Talk الذي يُبث على منصة “AM+MEDIA” وتُقدمه مديرة نشر المنصة خولة اجعيفري، حيث فتح بنسعيد أيضا ملفات الحزب والهوية والمرحلة المقبلة، معتبرا أن الأصالة والمعاصرة يعيش منذ التحاقه به سنة 2008، مرحلة استقرار تنظيمي أتاحت تقوية هياكله الجهوية والإقليمية والمحلية وتنظيماته النسائية والشبابية.

    وفي موازاة ذلك، دافع عن “تامغربيت” الواردة في إصداره الأخير، باعتبارها قاعدة مشتركة تجمع المغاربة مهما اختلفت توجهاتهم السياسية والفكرية، وتقوم على معادلة الانتماء إلى التاريخ والجذور والانفتاح في الآن نفسه على تحولات العالم.

    من ثلاث مقاولات إلى خمسين

    وفي حديثه عن حصيلة ورش صناعة الألعاب الإلكترونية، قال بنسعيد إن المؤشرات المسجلة خلال السنوات الأخيرة تعكس بداية تشكل منظومة اقتصادية ومهنية حول القطاع بعدما انتقل المغرب، بحسب الأرقام التي قدمها من ثلاث مقاولات صغرى إلى خمسين مقاولة.

    وأوضح الوزير أن الأثر بدأ يظهر أيضا على مستوى التشغيل، مشيرا إلى وجود مقاولات كانت تشغل شخصا واحدا وأصبحت تشغل سبعة أشخاص، في مؤشر على قدرة الشركات الصغيرة العاملة في المجال على توسيع نشاطها تدريجيا واستقطاب كفاءات جديدة.

    ودعا بنسعيد، في هذا السياق، إلى النظر إلى تجربة Moroccan Gaming Expo وما تعرضه المقاولات المشاركة فيه من مشاريع وتجارب، باعتبارها إحدى واجهات التحول الذي بدأ يعرفه القطاع خصوصا مع دخول شباب مغاربة إلى سوق كانت إلى وقت قريب محدودة الحضور وطنيا.

    ولا يقدم بنسعيد هذا الورش باعتباره رهانا على استهلاك الألعاب أو إنتاجها فقط، بل يوسع دائرته لتشمل ما يعرف بـGamification، أي توظيف تقنيات وآليات مستمدة من تصميم الألعاب في تطوير حلول وخدمات تتجاوز المجال الترفيهي.

    وقال في هذا الصدد إن الحديث عن صناعة الألعاب الإلكترونية “لا يهم فقط اللعبة كلعبة” موضحا أن الاستوديوهات والكفاءات التي تتكون داخل هذه الصناعة يمكن أن تنتج حلولا تستعمل في قطاعات أخرى، من بينها الصحة والبيئة والأمن.

    وشدد على أن الاستثمار في الـGaming، وفق هذا التصور الذي عرضه ويؤمن به بات مدخلا لبناء خبرة رقمية يمكن أن تتحرك بين أكثر من قطاع وليس سوقا مستقلة ينتهي نشاطها عند تطوير لعبة إلكترونية وطرحها للمستهلك.

    الـGaming داخل رهان المغرب الصاعد

    وربط بنسعيد تطور هذا القطاع بـ”المغرب الصاعد”، معتبرا أن ما يجري في صناعة الألعاب الإلكترونية جزء من تحول أشمل يراد من خلاله إدخال الشباب والكفاءات المغربية إلى مجالات اقتصادية وتكنولوجية جديدة.

    وقال إن “تطور هذا المجال منخرط مرة أخرى، في هذا المغرب الصاعد الذي تكلمنا عليه” في إحالة على الرؤية التي يقدمها حزب الأصالة والمعاصرة للمرحلة المقبلة.

    وتكشف هذه المقاربة عن محاولة وضع الصناعات الرقمية والإبداعية في قلب النقاش حول فرص الشغل الجديدة، خصوصا أن الرهان الذي يطرحه بنسعيد لا يقوم فقط على استقطاب شركات أو استهلاك منتجات جاهزة، بل على خلق مقاولات واستوديوهات مغربية وتكوين كفاءات قادرة على إنتاج خدمات وحلول من داخل المملكة.

    بنسعيد: أنا في “البام” منذ 2008

    وفي انتقاله من حصيلة القطاع الحكومي إلى وضع حزب الأصالة والمعاصرة، استعاد بنسعيد علاقته التنظيمية بالحزب، قائلا “أنا في الحزب من 2008”

    ومن موقع هذه التجربة الممتدة، اعتبر بنسعيد أن الأصالة والمعاصرة يعيش حاليا مرحلة استقرار تنظيمي وصفها بأنها قد تكون الأولى من نوعها داخل الحزب، بالنظر إلى ما عرفه “البام” خلال مراحل سابقة من تحولات على مستوى القيادة والتنظيم.

    وبالنسبة إليه، لا تتوقف أهمية هذا الاستقرار عند تدبير الهياكل المركزية، وإنما تكمن أساسا في المساحة التي أتاحها لإعادة ترتيب التنظيمات الترابية والموازية وتقوية حضور الحزب على المستويات الجهوية والإقليمية والمحلية.

    وقال بنسعيد إن “الاستقرار التنظيمي” يسمح للحزب بتقوية تنظيماته الجهوية والإقليمية والمحلية، إلى جانب التنظيمات الموازية، مشيرا إلى أن المرحلة أتاحت أيضا تعزيز حضور النساء والشباب من خلال منظمتي الحزب المخصصتين لهما.

    تنظيمات جديدة في جهات وأقاليم

    وأوضح بنسعيد أن عددا من الأقاليم والجهات لم تكن تتوفر سابقا على تنظيمات محلية أو جهوية للحزب، بينما باتت اليوم تتوفر على هياكل تنظيمية، مع إقراره في الوقت نفسه بأن تأسيس هذه التنظيمات لا يعني أن المهمة انتهت.

    وشدد القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة على أن المرحلة المقبلة تقتضي تقوية هذه الهياكل حتى تتحول إلى فاعل حقيقي داخل الأحياء والمدن التي توجد بها، في تصور يجعل التنظيم الحزبي المحلي أكثر ارتباطا بالمجال الذي يتحرك داخله.

    ووضع بنسعيد، التحدي التنظيمي للحزب في مرحلة ثانية تتجاوز إنشاء الهياكل إلى قياس قدرتها على الفعل والحضور محليا، وعلى الانتقال من الوجود التنظيمي إلى التأثير داخل محيطها الاجتماعي والسياسي.

    “التمغربيت هي حنا”

    وفي محور آخر من الحوار، توقف بنسعيد عند مفهوم “التمغربيت” الذي يشكل أحد المرتكزات التي يدافع عنها في تصوره للثقافة والهوية.

    وقال بنسعيد: “في الأخير، التمغربيت هي حنا” رافضا حصر المفهوم في الحزب الذي ينتمي إليه، قبل أن يستدرك بأن “التمغربيت” تحمل في جوهرها الجمع بين الأصالة والمعاصرة بالمعنى الثقافي والحضاري للمفهومين.

    ويشرح بنسعيد ذلك بالانتماء إلى التاريخ والجذور وبالإحساس بالهوية المغربية، من دون تحويل هذا الانتماء إلى انغلاق، فالمغرب وفق قراءته، لم يكن تاريخيا بلدا منغلقا على نفسه وإنما ظل منفتحا على التجارب القادمة من الخارج واستفاد منها في تطوير مساره.

    ولا يحصر هذا الانفتاح في التكنولوجيا والتحولات التقنية، بل يمده إلى الأفكار والتجارب السياسية والأيديولوجية التي عرفها العالم، مع الحفاظ في المقابل على قاعدة مشتركة يعتبر أنها تظل قائمة مهما اختلفت المرجعيات والاختيارات.

    ما الذي يبقى حين يختلف المغاربة؟

    في تصور بنسعيد، لا تعني “تامغربيت” إلغاء الاختلاف أو إنتاج قالب فكري واحد للمغاربة على العكس، ينطلق المفهوم لديه من الاعتراف بإمكانية اختلاف التوجهات السياسية والفكرية مع استمرار وجود أرضية مشتركة تجمع أصحابها.

    ووصف بنسعيد هذه الأرضية بـ”le socle”، أي القاعدة التي تظل جامعة للمغاربة مهما تباينت مواقعهم، قائلا إن هناك “شيئا يجمعنا كلنا” وإن هذه القاعدة هي “تامغربيت”

    وبصيغة أكثر مباشرة، شرح فكرته بالقول إن ما يجمع مغربيين لا يفترض أن تكون لهما التوجهات السياسية أو الفكرية نفسها، يمكن لكل واحد منهما أن يحمل تصورا مختلفا، فيما يظل الانتماء المغربي قاعدة مشتركة لا يلغيها ذلك الاختلاف.

    ويحاول بنسعيد، من خلال هذا التعريف نقل “تامغربيت” من مستوى الشعار الهوياتي إلى مفهوم يراد له أن يؤطر تصورا أوسع للثقافة والسياسات العمومية وهي جذور تاريخية وهوية مشتركة من جهة، وانفتاح على العالم وتجاربه وأفكاره من جهة ثانية.

    وربط بنسعيد هذا التصور أيضا بالكتاب الذي قدم فيه رؤيته للمشروع الثقافي، موضحا أن الغاية كانت شرح مضمون “تامغربيت” باعتبارها أساسا يمكن أن يؤطر المشروع الثقافي نفسه.

    ولا يقف الأمر بحسب حديثه، عند التأطير النظري أو الثقافي إذ يعتبر أن المفهوم يمكن أن يمتد إلى طريقة بناء السياسات العمومية التي تقدم مستقبلا للمغاربة.

  • تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    تزامنا وأزمة سبتة.. منصة حكومية إسبانية تفصل الصحراء رقميا عن المغرب وتخترِع “جنسية صحراوية”

    في مفارقة صريحة وغريبة مع الموقف السياسي للدولة الذي أعلنته مدريد منذ 2022، فصلت منصة رسمية تابعة للحكومة الإسبانية الأقاليم الجنوبية عن باقي تراب المملكة، سواء في الخريطة أو في تصنيفاتها الإحصائية إذ أفرد المرصد الدائم للهجرة لما يسميه “الصحراء الغربية” ملفا مستقلا عن المغرب، فيما تذهب قواعد البيانات الحكومية أبعد من الفصل الجغرافي باستخدام توصيف “مواطنين من الصحراء الغربية” وإدراج الإقليم ضمن خانة “بلد الجنسية” وهو تصنيف صادر من داخل الإدارة الإسبانية يضعها أمام تناقض مع موقف حكومة بيدرو سانشيز.

    وبينما تواصل مدريد، على منصات الدبلوماسية الرسمية للبلاد وفي أروقة الأمم المتحدة، التمسك بموقفها المعلن منذ 14 مارس 2022، والقاضي باعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، خرجت المنصة التابعة للحكومة الإسبانية نفسها لتبرز هذا الشرخ العميق داخل الجهاز الإداري للدولة، والذي لم يعد ممكنا إخفاؤه أو ردّه إلى “خطأ فني” غير مقصود سيما وأن  الإدارة الإسبانية تشغّل، بصمت ودأب، سردية موازية تنفي ما اعترف به رئيس حكومتها في رسالته إلى جلالة الملك محمد السادس.

    ففي 16 يوليوز الجاري، حدّث المرصد الدائم للهجرة التابع لوزارة الضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، أداته الإحصائية المعروفة بـ”مؤشرات الهجرة حسب الجنسية”، وهي أداة تبدو للوهلة الأولى، بيروقراطية محضة تتضمن خرائط، جداول، قوائم منسدلة، مذكرة تفسيرية من 26 صفحة، لكن القراءة المتأنية لبنيتها والتي أجرتها “AM+MEDIA” تكشف أن المنصة ليست أداة محايدة لتوليد أرقام بل بنية سياسية إدارية كاملة تنتج، على مدار الساعة، سردية معاكسة تماما للموقف الرسمي للدولة الإسبانية.

    اللافت أن ما يقدم في الواجهة بوصفه “توصية فنية من المعهد الوطني للإحصاء (INE) وأوروستات”، وهي الحجة الدفاعية الجاهزة التي تضعها المنصة في تذييل خرائطها، ينهار عند أول اختبار.

    فالمنصة نفسها في تقريرها المخصص للصحراء، تعترف صراحة بأن “المعهد الوطني للإحصاء الإسباني لا يفرد الصحراء الغربية بخانة مستقلة، بل يدرج الأشخاص القادمين منها ضمن خانة ‘بلدان إفريقية أخرى’، أي أن المرصد الدائم للهجرة بشكل استثنائي ومقصود، خرج عن مرجعيته الإحصائية الوطنية ليتبنّى تصنيفا أشد حدة، وأكثر توافقا مع أطروحات جبهة البوليساريو الانفصالية منه مع الموقف الرسمي للدولة التي يشتغل تحت لوائها، والتي تدافع عن سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية في أروقة الأمم المتحدة.

    هنا يطرح السؤال الأول الذي لن تستطيع مدريد التهرّب منه، سيما وأننا في قلب أزمة بين البلدين تتعلق أساسا بالهجرة، وهو من أعطى وزارة حكومية صلاحية الذهاب أبعد من التوصيات الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء، في اتجاه يناقض السياسة الخارجية للدولة؟

    ولم يعد ممكنا وصف ما نشرته المنصة واطلعت عليه “AM+MEDIA”، بأنه “زلّة إدارية أو تقنية”، فالفصل بين المغرب والصحراء جازم ومتعدد الطبقات، سواء على مستوى القائمة المنسدلة “بلد الجنسية” (País de nacionalidad)، التي تظهر “Marruecos” وما تصفه زورا بـ”Sahara Occidental” كخانتين مستقلتين ضمن 203 مداخل، وحين يختار المستخدم ما يوصف بـ”الصحراء الغربية”، يتم تصنيفها آليا كبلد ضمن منطقة “إفريقيا”، منفصل عن المغرب.

    على مستوى الخريطة التفاعلية، يطبع الإسمان جنبا إلى جنب كتسميتين مستقلتين، وحين ينقر المستخدم على المنطقة الجنوبية، تنقله المنصة إلى ملف منفصل تماما عن ملف المغرب.

    على مستوى الملفات والتقارير، للصحراء رابط خاص بها يتضمّن خمسة أقسام إحصائية، مقابل تقرير المغرب في المسار الذي يضم 13 قسما، أي أن الفصل ليس مجرد خانة في قائمة، بل بنية توثيقية موازية تنتج وثيقتين مستقلتين لدولة واحدة.

    على مستوى الملحق التفسيري الرسمي، وهذا هو الأخطر، يتضمّن الملحق الثاني من المذكرة التفسيرية جدولا ثلاثي الأعمدة يوزّع الأقاليم على بلدان الجنسية والمناطق الجغرافية، والفحص الدقيق الذي قامت به “AM+MEDIA” لهذا الجدول يكشف مفارقة لا تحتمل التأويل، فبورتوريكو تنسب إلى الولايات المتحدة، وكاليدونيا الجديدة، ومايوت، وريونيون تنسب إلى فرنسا، وجزر مالوين، وجزر العذراء تنسب إلى المملكة المتحدة.

    أما الصحراء المغربية فتنسب إلى نفسها، أي أن الأقاليم غير السيادية في العالم كلها تلحق، في وثائق مدريد نفسها، بدولها المدبِّرة، باستثناء وحيد ومقصود هو الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وهذا ليس تصنيفا فنيا بل موقفا سياسيا مرمزا في جدول إحصائي.

    وتذهب المنصة وفق ما عاينته “AM+MEDIA” أبعد من الفصل الجغرافي إلى إنتاج معجم سياسي بأكمله، فالتقرير المخصص للصحراء لا يتردد في استعمال عبارات من قبيل “الجنسية الصحراوية” “”nacionalidad saharaui” أو”مواطنو الصحراء الغربية”، و”أشخاص قادمون من الصحراء الغربية”، كما يقدّم أرقاما تفصيلية تكرّس هذا المعجم في المتخيل الإداري، بما فيها أن 1328 شخصا من “الجنسية الصحراوية” منخرطون في الضمان الاجتماعي الإسباني إلى غاية 29 ماي 2026، و13 شخصا من “مواطني الصحراء الغربية” طلبوا الحماية الدولية سنة 2025، و1472 شخصا “قادمون من الصحراء الغربية” طلبوا وضع اللاجئ عديم الجنسية خلال سنة 2024، أي 71% من إجمالي طلبات “انعدام الجنسية” في إسبانيا، و192 شخصا “من جنسية صحراوية سابقة” حصلوا على الجنسية الإسبانية منذ 2009.

    الأخطر أن المنصة تقرّ صراحة بأن السجل المركزي للأجانب “RCE” يقبل ما يصفه بـ”الصحراء الغربية” كبلد جنسية لصاحب وثيقة الإقامة، أي أن الدولة الإسبانية من خلال إدارتها الداخلية، تصدر وثائق رسمية تحمل شعارها تسجل فيها “جنسية صحراوية” لأشخاص هم وفق الاعتراف السياسي الذي أعلنته الحكومة نفسها مغاربة، وهذا ليس تفصيلا بيروقراطيا بل إنتاجا يوميا لواقع قانوني مضاد لموقف الدولة يتراكم منذ سنوات ويترسّخ في السجلات والملفات وقواعد البيانات.

    ثمة مفارقة إضافية تستحق التوقف، وهي أن التقرير نفسه يعترف بأن 82 بالمئة من الأشخاص الذين حصلوا في إسبانيا على وضع اللاجئ “عديم الجنسية” إلى غاية مارس 2026 ولدوا في الصحراء المغربية، أي أن الإدارة الإسبانية تستقبل وتنظّم وتحصي وتموّل  ضمنا بنية كاملة لمنح صفة “انعدام الجنسية” لأبناء إقليم تعترف حكومتها رسميا بمغربيته، وهو ما يعني بلغة السياسة أن دافع الضرائب الإسباني يموّل عبر آليات إدارية بنية إنتاجِ “لا مغربية” لا يقرّها موقف حكومته الرسمي.

    يكتسب هذا التناقض حدته حين يقرأ على خلفية التسلسل الدبلوماسي الذي راكمته مدريد منذ 2022، ففي 14 مارس 2022، وجّه بيدرو سانشيز رسالته الشهيرة إلى الملك محمد السادس، معلنا التحول التاريخي في موقف إسبانيا.

    وفي أبريل من السنة نفسها، اجتمع في الرباط مع الملك محمد السادس ليطلقا “مرحلة جديدة” في العلاقات الثنائية، كما أنه وفي فبراير 2023 رسّخ الاجتماع رفيع المستوى الثاني عشر بالرباط هذا الموقف في إعلان مشترك.

    و في 31 أكتوبر 2025، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره التاريخي رقم 2797، الذي كرّس أن “حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية يشكّل الحل الأكثر واقعية” لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، وتلاه ترحيب مدريد، في دجنبر من العام ذاته، بهذا القرار خلال الاجتماع الرفيع المستوى الثالث عشر بالعاصمة الإسبانية، مؤكدة في النقطة الثامنة من الإعلان المشترك “التزامها بموقفها المعبر عنه منذ 7 أبريل 2022”.

    وهذا يعني، أن أربع سنوات وأربعة أشهر من البناء الدبلوماسي، التي توجه تحت مؤطر قرار أممي صريح يتحدث عن “السيادة المغربية”، رحّبت به مدريد رسميا، ومع ذلك، بعد ثمانية أشهر فقط من ذلك القرار، تحدّث وزارة إسبانية منصتها الرقمية، فتبقي على “الصحراء الغربية” بلد جنسية مستقلا وتبقي على “الجنسية الصحراوية” فئة إدارية سارية وتبقي على الخريطة المفصولة كما هي.

    ولا يحتمل هذا التناقض سوى قراءتين، كلتاهما تحرج الحكومة الإسبانية، الأولى، مفادها أن ما يجري هو عجز إداري عن ترجمة القرار السياسي إلى بنية تصنيفية، وهي قراءة إن قبلتها مدريد تفضح ضعف قبضة الحكومة على أجهزتها، وتطرح تساؤلا مؤسّسا حول جدية الالتزامات الإسبانية تجاه شراكتها الاستراتيجية مع الرباط،وهي الشراكة التي أعادت إحياء ملفات الهجرة والأمن والاستثمار والتبادل التجاري.

    القراءة الثانية الأشد خطورة، أن قطاعات داخل الإدارة الإسبانية، وربما داخل بعض الوزارات الحساسة، تمارس شكلا من المقاومة الصامتة للتحول الذي أقرّه رئيس الحكومة، وتواصل تشغيل بنى تصنيفية موروثة من الحقبة الاستعمارية وهي أن الصحراء كانت مستعمرة إسبانية حتى 1975 أو متأثرة بجماعات ضغط إسبانية تاريخيا هي قريبة من جبهة البوليساريو الانفصالية.

    هذه القراءة تحوّل السؤال إلى سياسي صرف حول هوية من يقف داخل الجهاز الإداري الإسباني ويقاوم قرار سانشيز ويسمح له بذلك، سيما وأن هذا يتزامن والأزمة بين البلدين بسبب ملف الهجرة، وإصرار الجانب الإسباني على الإبقاء على القاصرين غير المصحوبين فوق أراضيها رغم المطالب المتكررة للمغرب.

    وخطورة ما يحدث يكمن في أنه مع استمرار هذه المنصة الاشتغال بمعجمها الحالي، تنتج آثارا عملية، إذ تتراكم في السجلات الإسبانية آلاف الوثائق التي تثبت ما تصفه افتراء”جنسية صحراوية” لأشخاص يحمل أغلبهم قانونيا الجنسية المغربية، وهذه الوثائق ستتحول مع الزمن إلى مادة أرشيفية قانونية يمكن استعمالها في سياقات تقاض دولية أو في ملفات لجوء أو في نزاعات إدارية، لصالح أطروحات تناقض موقف الدولة الإسبانية المعلن.

    وتشكّل هذه المنصة أيضا مرجعا مفتوحا يستشهد به الباحثون والصحافيون والمنظمات غير الحكومية والبرلمانيون الأوروبيون كوثيقة حكومية إسبانية رسمية، أي أن الدولة الإسبانية تنتج ذخيرة حجج لخصوم الموقف الذي تتبناها هي نفسها.

    الأخطر، أن استمرار هذا الوضع يقدّم لكل الفاعلين الدوليين المتردّدين رسالة ضمنية مفادها أن الاعتراف الإسباني بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي قد لا يكون التزاما كاملا للدولة، بل موقفا سياسيا ظرفيا لرئيس الحكومة، قابلا للنقض من داخل جهازه الإداري.

    وفي العلاقات الدولية، السيادة تقاس بالتفاصيل، فحين توقّع دولة ما إعلانا مشتركا تقرّ فيه بأن الحكم الذاتي سيمارس “تحت السيادة المغربية”، وهي الصيغة التي استعادها الإعلان الأخير لمدريد في دجنبر 2025، فإن أدنى مستويات الاتساق تقتضي أن تنعكس هذه السيادة في وثائق الدولة، وفي خرائطها، وفي سجلاتها، وفي منصاتها الرقمية.

    ولا يكفي أن توقّع مدريد رسائل إلى الملك وبيانات في مجلس الأمن، وإعلانات مشتركة في القمم الرفيعة المستوى، فالمطلوب اليوم فعل إداري ملموس يكمن في حذف كل ما يمس بالوحدة الترابية للمغرب، بدمج تقارير المرصد الدائم للهجرة في وثيقة واحدة تعكس الوحدة الترابية للمملكة المغربية كما اعترف بها رئيس الحكومة الإسبانية.