التصنيف: من الميدان

  • جيل فقد الثقة في الأحزاب.. هل تنجح الشبيبات في إعادته إلى السياسة؟

    جيل فقد الثقة في الأحزاب.. هل تنجح الشبيبات في إعادته إلى السياسة؟

    في انتخابات 2021، كان ثلث الشباب بين 18 و24 سنة فقط مسجلا في اللوائح الانتخابية أي ما يقارب 33.6 في المئة، مقابل أغلبية بقيت خارجها، وهو رقم يتحدث عن علاقة مأزومة بين جيل يتابع السياسة ويناقشها ويحتج على قراراتها، وبين أحزاب لم تعد بالنسبة إلى جزء واسع منه الطريق الطبيعي للمشاركة فيها.

    بدر العيساوي واحد من هذا الجيل، يتابع ما يجري، يناقش القرارات التي تمس مستقبله، ويغضب مثل كثيرين من أبناء سنه، لكنه يتوقف عند عتبة الحزب وصندوق الاقتراع، فهو لا يتبنى خطاب المقاطعة ولا يقدم نفسه خصما للسياسة، فيما حجته أبسط من ذلك هي أنه يؤمن بأنه لن يرى أثرا كافيا لصوته، ولا يجد في البرامج المطروحة ما يقنعه بأن انخراطه سيغير شيئا في حياته أو في حياة جيله.

    خلف موقف بدر، تختبئ فجوة أوسع لشباب حاضر في النقاش العام، لكنه أقل حضورا داخل التنظيمات التي يفترض أن تحول هذا النقاش إلى قرار، شباب يكتب مواقفه على المنصات، ينتقد الحكومة والأحزاب والمنتخبين، ويتفاعل مع كل قضية تمس التعليم والشغل والسكن والحريات، ثم يغيب جزء كبير منه عندما تنتقل السياسة من الشاشة إلى المقر ومن التعليق إلى صندوق الاقتراع.

    هذه هي المفارقة التي تدخل بها الأحزاب انتخابات 2026، لجيل لم يهجر السياسة بقدر ما هجر قنواتها التقليدية، وهنا يصبح الرهان على الشبيبات الحزبية أكثر صعوبة من مجرد استقطاب منخرطين جدد، فيما المطلوب إقناع شباب مثل بدر بأن الحزب يمكن أن يكون مكانا للتأثير وأن العضوية تمنح صوتا فعليا وأن الطريق إلى القرار لا ينتهي دائما عند الوجوه نفسها.

    اللوائح تكشف ما يُؤجَّل في الخطاب

    جيل “زد” ليس جيلا غائبا عن الشأن العام، فهو على المنصات يتابع الأحداث لحظة وقوعها، يناقش السياسات، ويرفع مطالبه من غير وسيط وحين قرر التعبير عن غضبه، لم يطلب من الأحزاب أن تتحدث باسمه غير أن هذا الحضور يتقلص كلما اقترب الموعد من التسجيل أو من يوم الاقتراع.

    وبالفعل، في استحقاق 2021 لم تتجاوز نسبة المسجلين في اللوائح الانتخابية لدى الفئة بين 18 و24 سنة 33.6 في المئة أما الرقم فقد صدر ومرّ، ثم استقر في التقارير كمعطى يُستعاد عند الحاجة.

    ويقدر فاروق المهداوي، المحامي بهيئة الرباط، حضور الشباب في الأصوات المعبر عنها بنحو 8 في المئة، التسجيل عتبة، التصويت عتبة ثانية والجيل يتوقف قبل العتبتين معا في أحيان كثيرة.

    ويقدم المهداوي معطى آخر أقل تداولا، إذ لا توجد شبيبات حزبية إلا لدى نحو 22 حزبا من أصل 35، أي ثلث الخريطة الحزبية تقريبا بلا إطار شبابي أصلا، متسائلا: كيف يُطلب من شاب أن يقترب من تنظيم لم يبنِ له مكانا؟

    المهداوي لا يحمّل الشباب وحدهم وزر هذا الابتعاد، فالأحزاب في تقديره، لم تنجح بما يكفي في تجديد نُخبها ولا في فتح الطريق أمام جيل جديد نحو مواقع القيادة والسلم نفسه يُعاد استعماله، الوجوه نفسها تطول إقامتها، والشاب الذي يدخل التنظيم سرعان ما يكتشف أن حضوره ينتهي عند العمل التنظيمي أو عند تعبئة مناسبة، من غير أن يمتد إلى صناعة القرار.

    الخطاب يصل بعد أن يكون النقاش قد انتهى

    جيل اليوم لا ينتظر النشرة ولا بيان المكتب السياسي، يعيش مع الهاتف ومع المنصات ومع الذكاء الاصطناعي ويصل إلى المعلومة بالسرعة التي تقع بها، يقرأ، ويعلّق، ويقارن، وفي الجهة الأخرى، يصل إليه الخطاب السياسي في الغالب متأخرا؛ مهرجان، أو ذكرى، أو أسبوع حملة، أو لغة ثقيلة، وإيقاع بطيء، وموعد لا يشبه مواعيده.

    النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة نادية بوزندوفة ترى أن الشباب لا يتواصل بسهولة مع الأحزاب لأن التواصل يظل مناسباتيا.

    ترى البرلمانية البامية أن المسؤولية مشتركة والأحزاب مطالبة بأن تكون حاضرة في القضايا التي تشغل هذا الجيل، لا في مواسم الانتخابات وحدها أما الحضور الذي يظهر أسابيع قبل الاستحقاق ثم ينسحب لا يبني ثقة، إنما هذه الأخيرة تُصنع في الأيام العادية أو لا تُصنع.

    وتذهب بوزندوفة إلى أبعد من لغة التواصل، فالشباب في نظرها، يجب أن يكون قوة اقتراح وضغط تدفع الأحزاب إلى إدراج انتظاراته ضمن برامجها وأولوياتها أي أن المطلوب ليس أن يُستدعى الجيل ليصفق بل أن يفرض أجندته غير أن تعديل الخطاب، وحده، لا يكفي إذا بقي التنفيذ على حاله.

    عبقري: ليست فجوة هذا خندق

    صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، يرفض الكلمة الخفيفة، فالحديث عن “فجوة” بين الشباب والسياسة، في تقديره، لا يصف المسافة كما هي فالأمر أقرب إلى “خندق” والأحزاب والسياسيون يتحملون قسطا كبيرا منه.

    الشباب يسمع، يقول عبقري خطابات رنانة ووعودا وبرامج لكنهم لا يرون دائما ما يكفي من النتائج، ومع كل وعد لا يتحقق ومع كل برنامج لا يجد طريقه إلى التنفيذ يتعمق الشك وتتراجع الرغبة في الانخراط وهذا الجيل يقيس السياسة بما وقع، لا بما أُعلن.

    احتجاجات جيل “زد” جاءت على هذه الخلفية، فالابتعاد عن الأحزاب لم يكن ابتعادا عن الشأن العام سيما وأن المطالب كانت هناك، والرغبة في التعبير أيضا لكن خارج المقرات جزء من هذا الجيل وجد في الشارع وفي المنصات مساحة أقرب إلى لغته، وأسرع في نقل ما يريد قوله.

    من بقي في الشارع ومن دخل المقر

    محمد المنصوري من جانبه، يرفض وضع الاحتجاج والانتماء الحزبي على طرفي نقيض، فقد شارك في احتجاجات وهو منخرط في شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، من دون أن يرى في ذلك تناقضا يحتاج إلى تبرير، فبالنسبة إليه الحزب ليس عقد ولاء يمنع الاعتراض، والشارع ليس إعلان قطيعة مع المؤسسات.

    يقول إنه نزل للاحتجاج خلال فترة انخراطه، ولم يتلق عتابا من الحزب، ولم يتصل به أحد لمساءلته عن وجوده هناك، وبالنسبة إليه كان الأمر امتداداً لحقه في اتخاذ موقف من قضايا لا يتفق معها، لا تمرداً على التنظيم الذي ينتمي إليه.

    تجربة المنصوري تضع اليد على واحدة من الصور التي أضرت طويلا بعلاقة الشباب بالأحزاب، أن الدخول إلى التنظيم يعني الدفاع عنه في كل الأحوال، وأن النقد يبدأ خارجه وينتهي بمجرد الحصول على بطاقة العضوية.

    قبل المنصوري بسنوات، انتقل عبدالله عيد من حركة 20 فبراير إلى العمل الحزبي، ولم يكن ذلك بالنسبة إليه تخليا عن فكرة التغيير بل تغييرا في موقع الاشتغال عليها؛ من الشارع، حيث يرتفع المطلب سريعا إلى المؤسسة، حيث يمر عبر التنظيم والتفاوض وموازين القوة قبل أن يجد طريقه إلى القرار.

    مر أكثر من عقد ونصف على احتجاجات 2011، وتراجعت موجة وظهرت أخرى، وانتقل جزء كبير من النقاش السياسي إلى الهواتف، لكن المسافة بين الاحتجاج والتنظيم ظلت قائمة.

    شباب كثيرون وجدوا في المنصات مساحة أرحب من المقرات، وفي التعبير الفردي حرية أكبر من الانضباط التنظيمي، وآخرون مثل عيد والمنصوري اختبروا طريقا أصعب هو حمل الاعتراض معهم إلى داخل الحزب.

    الانتقال من الشارع إلى المقر لا يطفئ الغضب بالضرورة، لكنه يغير شروط التعبير عنه، ففي الشارع تكفي لافتة واضحة ومطلب مباشر داخل الحزب، يدخل المطلب في مسار أطول، تحكمه الهياكل والبرامج والتوافقات وموازين القرار وهنا لا يعود التحدي أن يرفع الشاب صوته، بل أن يجد لصوته أثرا.

    بعد البطاقة يبدأ الامتحان

    لهذا لا تبدأ أزمة الأحزاب مع الشباب عند باب الانخراط، ولا تنتهي عندما يملأ الشباب قاعة لقاء حزبي، فاستقطابهم هو الجزء الأسهل من معادلة أكثر تعقيدا والأصعب يبدأ في اليوم التالي، عندما تنتهي صور النشاط ويعود التنظيم إلى اشتغاله العادي.

    سلمى أبلحساين، رئيسة المجلس الوطني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تضع تأطير الشباب ومواكبتهم في صلب إعداد نخبة سياسية جديدة.

    وفي تصورها، لا يكفي انتقاد الواقع من خارجه، لأن جزءا من تغييره يمر عبر المشاركة في المؤسسات والتنظيمات التي تنتج القرار، وتقول إن منظمة شباب الحزب تواكب نحو 25 ألف شاب وشابة ممن سجلوا في اللوائح الانتخابية، مع طموح إلى توسيع هذه القاعدة.

    ورغم كل هذه المبادرات، منحت المنصات الرقمية هذا الجيل ما لم يكن متاحا للأجيال السابقة بالقدر نفسه، وهي مساحة للتعبير من دون وسيط حزبي وقدرة على النقد من دون المرور عبر تنظيم وإمكانية بناء جمهور من خارج المؤسسات.

    لذلك لم يعد الحزب يحتكر التأطير ولا النقاش ولا حتى إنتاج الخطاب السياسي، ما بقي في يده هو شيء أكثر صعوبة يكمن في تحويل المشاركة إلى أثر، وفتح الطريق من الرأي إلى القرار.

  • محمد جدري: سوق الشغل استعاد جزءا من عافيته لكن التحديات مستمرة

    محمد جدري: سوق الشغل استعاد جزءا من عافيته لكن التحديات مستمرة

    شكل التشغيل أحد أبرز التحديات التي واجهت الحكومة خلال ولايتها، في ظل سياق اقتصادي استثنائي طبعته تداعيات جائحة كوفيد-19، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع التضخم العالمي، وما رافق ذلك من ضغوط على الاستثمار والنمو وسوق الشغل.

    وبينما تؤكد الحكومة أنها نجحت في إحداث مئات الآلاف من فرص العمل وربطت لأول مرة دعم الاستثمار بخلق مناصب الشغل، يرى محللون أن تقييم الحصيلة يقتضي التمييز بين استعادة المناصب التي فقدت خلال الأزمة وبين خلق فرص شغل جديدة قادرة على امتصاص البطالة الموروثة من الحكومة السابقة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي محمد جدري، رئيس المرصد للعمل الحكومي، قراءة في حصيلة التشغيل، ويحلل أثر الميثاق الجديد للاستثمار، ويقف عند مكامن القوة والاختلالات التي ما تزال تؤثر في سوق الشغل المغربي، كما يستشرف التحديات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.

    كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب توالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي.

    لذلك، انطلقت الحكومة من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل تقييم حصيلة التشغيل خلال هذه الولاية مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة. فالمطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    يعد هذا التوجه تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات. فربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين. ومع ذلك، ينبغي الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    الميثاق الجديد للاستثمار يوفر إطارا واعدا لإحداث تحول هيكلي في سوق الشغل، لكنه ليس كافيا بمفرده. فالنتائج ستتوقف على سرعة تنزيل المشاريع، وتحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتوفير العقار الصناعي، وربط التكوين المهني بحاجيات المستثمرين. وإذا تم تنفيذ هذه الإصلاحات بشكل متكامل، فإن الاستثمارات المعلن عنها، والتي تناهز 586 مليار درهم، يمكن أن تخلق دينامية جديدة في قطاعات الصناعة والخدمات والطاقات المتجددة، وأن توفر مناصب شغل أكثر استدامة وجودة.

    اقتصاديا، يعكس هذا الرقم وجود دينامية إيجابية في سوق الشغل مقارنة بالفترة التي أعقبت الجائحة، لكنه يحتاج إلى قراءة متأنية. فالأهم ليس فقط عدد المناصب المحدثة، بل أيضا طبيعتها وجودتها واستدامتها. كما ينبغي التمييز بين فرص الشغل التي تم خلقها خلال مختلف البرامج الحكومية وبين صافي مناصب الشغل الذي يعكس الفرق بين المناصب المحدثة والمفقودة. وبالنظر إلى أن الاقتصاد المغربي يحتاج سنويا إلى خلق مئات الآلاف من المناصب لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، فإن هذا الرقم يمثل تقدما مهما، لكنه لا يعني أن تحدي البطالة قد تم تجاوزه بشكل نهائي.

    لا يمكن تقييم حصيلة التشغيل بمعزل عن السياق الدولي الذي اتسم باستمرار آثار جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، إضافة إلى موجات التضخم العالمية وتوالي سنوات الجفاف. ورغم هذه الظروف الصعبة، تمكن الاقتصاد المغربي من استعادة جزء مهم من مناصب الشغل المفقودة، وتحقيق نتائج إيجابية في بعض القطاعات الإنتاجية. لذلك، يمكن القول إن الحصيلة تبدو إيجابية نسبيا إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الصدمات التي واجهها الاقتصاد، وإن كانت لا تزال دون مستوى الطموحات المرتبطة بخفض البطالة بشكل ملموس.

    من أبرز نقاط القوة في السياسة الحكومية أنها جعلت التشغيل في صلب السياسات العمومية وربطته بالاستثمار، وهو تحول مهم في طريقة تدبير الاقتصاد. كما تم توسيع برامج الإدماج والتأهيل وأوراش، وتعزيز دور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، إلى جانب تطوير منظومة التكوين المهني عبر إحداث مدن المهن والكفاءات ورفع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات. كما ساهمت هذه السياسة في تشجيع الانتقال نحو الاقتصاد المهيكل، وهو ما يتجلى في تراجع نسبة التشغيل غير المهيكل وارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

    رغم التقدم المحقق، ما تزال هناك تحديات كبيرة تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    كما أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، فالرهان في المرحلة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • خالد مونة: الفقر لم يعد كافيا لفهم لماذا يقرر الشباب الهجرة

    خالد مونة: الفقر لم يعد كافيا لفهم لماذا يقرر الشباب الهجرة

    لم تعد الهجرة، خصوصا في أوساط الأجيال الجديدة، قابلة للتفسير فقط من خلال ثنائية الفقر والبحث عن العمل، فإلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية، طرأت تحولات على بنية الأسرة وموقع الفرد داخلها، وعلى الطريقة التي يبني بها الشباب تطلعاتهم ومشاريعهم المستقبلية، بالتوازي مع حضور متزايد للفضاء الرقمي في تشكيل الصور والتمثلات المرتبطة بالهجرة والحياة في الخارج.

    وتعيد أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة المحتلة طرح هذه الأسئلة بإلحاح أكبر، خاصة أن التفكير في الرحيل لا يرتبط دائما بالفقر أو الحرمان المادي المباشر، وإنما قد يتداخل مع البحث عن الاستقلال، والرغبة في تغيير نمط الحياة، ونظرة الشباب إلى مستقبلهم والآفاق المتاحة أمامهم.

    في هذا الحوار مع  AM+ MEDIA، يقدم خالد مونة، الأنتروبولوجي وأستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس ورئيس مركز الرباط للدراسات الاجتماعية، قراءته للتحولات التي تعرفها الهجرة، ويتوقف عند تغير موقع الأسرة والفرد في صناعة قرار الرحيل، وحدود تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وخصوصية التحركات الجماعية نحو سبتة، فضلا عن طريقة تعاطي المؤسسات والفاعلين السياسيين مع الظاهرة.

    واقع الهجرة تغيّر بطبيعة الحال، لكن هذا التغير لا يرتبط فقط بتحول الدوافع والأسباب التي تدفع الأفراد إلى الهجرة، وإنما أيضا بالتحولات التي عرفتها البنية الاجتماعية، وبالأدوار التي أصبح يؤديها الأفراد داخل الأسرة والمجتمع. فالانتقال التدريجي من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وما رافقه من إعادة توزيع للأدوار وتنامٍ لاستقلالية الفرد في اتخاذ قراراته، غيّر بالضرورة طبيعة الممارسة الهجرية والآليات التي تُبنى من خلالها.

    لذلك، لا ينبغي النظر إلى الهجرة باعتبارها استجابة مباشرة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية ثابتة، فهذه الأسباب تختلف من فرد إلى آخر، ومن جيل إلى آخر، كما تختلف باختلاف السياقات الاجتماعية، والأهم أن التحولات الاجتماعية غيّرت الطريقة التي تُتخذ بها قرارات الهجرة، والجهات التي تشارك في صناعتها، والشبكات التي تسهّلها، وكذلك طبيعة العلاقة بين الفرد والأسرة عند بناء المشروع الهجروي.

    لهذا، فإن فهم التحول الذي تعرفه الهجرة لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: لماذا يهاجر الناس؟، وإنما يقتضي أيضا طرح أسئلة أخرى من قبيل: من يقرر الهجرة؟، وكيف يُتخذ هذا القرار؟، “ما الدور الذي تلعبه الأسرة وشبكات القرابة والصداقة في ذلك؟

    هذه الأسئلة تنقلنا من البحث عن سبب مباشر للهجرة إلى محاولة فهم السياق الاجتماعي الذي يُصنع داخله القرار، لأن قرار الهجرة نفسه يتغير بتغير المجتمع، وبتغير موقع الفرد داخل الأسرة، وبتحول طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحيط به.

    مع الانتقال التدريجي من نموذج الأسرة الممتدة إلى نموذج اجتماعي أكثر فردانية، لم تعد العوامل الاقتصادية وحدها كافية لفهم الظاهرة الهجرية. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، إلغاء أهمية العامل الاقتصادي، وإنما يعني أن اختزال الهجرة فيه وحده لا يسمح بفهم جميع المسارات والتجارب التي نلاحظها اليوم.

    وأتذكر في هذا السياق أحد الشباب الذين حاولوا الهجرة إلى سبتة، حيث قال: “وجدت في سبتة الجوع فقط، وأنا لست معتادا على ذلك، فأنا أعيش في خير في بيت والدي”. هذه الشهادة تكشف أن الهجرة لا ترتبط بالضرورة بالفقر أو الحرمان المادي المباشر.

    قد يكون الشاب يعيش في ظروف توفر له حاجياته الأساسية داخل أسرته، لكنه مع ذلك يفكر في الهجرة بسبب تطلعات أخرى، مثل البحث عن الاستقلال، أو الرغبة في تغيير نمط الحياة، أو محاولة الخروج من واقع ينظر إليه باعتباره محدود الآفاق.

    وهنا ينبغي الانتباه إلى موقع الفرد في هذه التحولات؛ فالمهاجر، خصوصا في الأجيال الجديدة، أصبح فاعلا أكثر استقلالية في بناء مشروعه الهجروي، حتى وإن ظل مرتبطا بشبكات القرابة والصداقة والتضامن.

    ومن ثم، يمكن الحديث عن انتقال تدريجي من هجرة تُبنى أساسا داخل استراتيجية أسرية جماعية، يكون فيها قرار هجرة أحد أفراد الأسرة مرتبطا بمصالح الأسرة ككل، إلى هجرة تصبح فيها المسارات الفردية والتطلعات الشخصية ومشاريع المستقبل عناصر أساسية في صناعة القرار.

    هذا التحول لا يعني اختفاء الأسرة من المشروع الهجروي، ولا انتهاء تأثير شبكات القرابة والتضامن، وإنما يعني أن الفرد أصبح يحتل موقعا أكبر في تحديد مساره وفي بناء تصوره لمستقبله، وبالتالي في اتخاذ قرار الهجرة نفسه.

    شبكات التواصل الاجتماعي ليست فاعلا أساسيا أو محركا مباشرا للهجرة، والقول بعكس ذلك قد يقود إلى قراءة مضللة للظاهرة. فالعالم الافتراضي لا يصنع الرغبة في الهجرة من العدم، كما أنه لا ينتج وحده الأزمات التي تدفع الأفراد إلى التفكير فيها.

    ما يقوم به هذا الفضاء، من خلال الصور والفيديوهات وقصص الأشخاص الذين نجحوا في مسارات الهجرة، هو أنه يقدم للأفراد تمثلات ومخارج محتملة للأزمات التي يعيشونها. فالشخص الذي يعيش وضعا معينا، أو يشعر بأن الآفاق أمامه محدودة، قد يجد عبر هذه المنصات صورا وتجارب ومسارات تجعله يرى الهجرة باعتبارها أحد المخارج الممكنة.

    بهذا المعنى، تشكل شبكات التواصل الاجتماعي عاملا مؤثرا في الظاهرة الهجرية، لكنها ليست عاملا مؤسسا أو بنيويا لها؛ فهي قد تسرّع اتخاذ القرار، وتعيد تشكيل التمثلات المرتبطة بالحياة في الخارج، وتوفر المعلومات، وتُظهر مسارات وتجارب لم تكن متاحة بالوضوح والسرعة نفسيهما في السابق.

    لكن كل ذلك لا يعني أنها تفسر بمفردها لماذا يقرر شخص معين الهجرة، لأنه علينا أن نميز بين العامل الذي يؤثر في الظاهرة والعامل الذي يؤسس لها.

    لذلك، فإن العلاقة بين العالم الافتراضي والهجرة هي، في تقديري، علاقة ارتباط وليست علاقة سببية مباشرة، فالفضاء الرقمي يتفاعل مع دوافع اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية موجودة أصلا، وقد يمنحها سرعة وانتشارا أكبر، لكنه لا يمكن اعتباره السبب المؤسس للظاهرة.

    وإذا ركزنا على شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها التفسير الرئيسي للهجرة، فإننا نخاطر بإبعاد النقاش عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تجعل الفرد مستعدا أصلا للتفاعل مع ما يشاهده في العالم الافتراضي، والتفكير في الهجرة باعتبارها حلا ممكنا.

    لا يمكن فهم هذه التجربة فقط من خلال مسارات الأفراد، لأنها كانت مرتبطة أساسا بالطابع الجماعي والاستثنائي للحركة. فقد تحرك آلاف الأشخاص في الوقت نفسه تقريبا، وهو ما خلق دينامية مختلفة تماما عن تلك المرتبطة بالهجرة الفردية أو الأسرية.

    عندما نتحدث عن حركة بهذا الحجم وفي فترة زمنية متقاربة، فإننا لا نكون أمام مجرد مجموعة من القرارات الفردية المنفصلة، وإنما أمام وضع جماعي واستثنائي يحتاج إلى أن يُقرأ أيضا من زاوية الدينامية التي يخلقها وجود أعداد كبيرة من الأشخاص في المكان والزمان نفسيهما.

    ومن المحتمل أيضا أن جزءا من الأشخاص الذين شاركوا في هذه الحركة لم يكن يتوقع بالضرورة الاستقرار الفوري في أوروبا، وإنما كان ينتظر نوعا من الاستقبال أو التكفل المؤقت. فقد يكون لدى بعضهم اعتقاد بأن الوصول إلى سبتة سيتيح لهم الاستفادة من الماء والغذاء، أو من أشكال من المساعدة التي تقدمها جهات حكومية أو منظمات غير حكومية.

    لكن ينبغي التعامل مع هذه الفرضية بحذر، وتجنب افتراض أن جميع المشاركين كانت لديهم النية نفسها أو التوقعات ذاتها، لأن الطابع الجماعي للحركة لا يعني بالضرورة أن كل فرد شارك فيها كان يحمل المشروع نفسه أو يتصور النتيجة بالطريقة ذاتها.

    كما لا ينبغي التقليل من أثر هذا الوصول الجماعي على سكان المدينة. فالخوف الذي ساد بين جزء من السكان يمكن فهمه، في جانب منه، باعتباره رد فعل اجتماعيا أمام وضع استثنائي.

    أن يشاهد سكان مدينة صغيرة، ذات مجال جغرافي محدود ويقطنها أكثر من ستين ألف شخص، آلاف الشباب يصلون إليها في وقت واحد، هو حدث كفيل بإنتاج شعور قوي بالقلق وعدم الأمان والارتباك. وهنا نحن لا نصدر حكما على الأشخاص الذين وصلوا، وإنما نحاول فهم الأثر الاجتماعي الذي يمكن أن ينتجه حدث بهذا الحجم على السكان الموجودين أصلا داخل مجال محدود.

    لذلك، لا تكمن المسألة فقط في الحكم على ما إذا كان هذا الخوف “مبررا” أم لا، وإنما في فهم الكيفية التي أدى بها هذا التدفق الاستثنائي، من حيث حجمه وتزامنه، إلى إعادة تشكيل تصورات السكان وسلوكياتهم والعلاقات بينهم وبين الوافدين الجدد، في ظرف زمني قصير جدا.

    لا يمكنني أن أعطي دروسا في هذا المجال، لكن بإمكاني أن أقرأ، من خلال التصريحات والمواقف الحكومية، كيف تنظر الدولة إلى هذه المسألة وكيف تحدد أولوياتها.

    فبعد أيام قليلة من أحداث سبتة، صدرت تعليمات من طرف رئيس الحكومة، في إطار التحضير للميزانية الجديدة للسنة المقبلة، تقضي بإعطاء الأولوية للأوراش الكبرى. وهذا التوجه يكشف، في نظري، عن استمرار مقاربة اقتصادية كلية تركز على المؤشرات والمشاريع الكبرى، من دون أن تمنح الاهتمام نفسه لمسألة الاستقرار الاجتماعي وللأسباب العميقة التي تدفع جزءا من الشباب إلى فقدان الأمل في المستقبل.

    وفي المقابل، رأينا كيف اختارت الأحزاب السياسية، في معظمها، الصمت وانتظار الرواية الرسمية للأحداث، خصوصا أن الحدث قُدِّم منذ البداية باعتباره قضية ذات أبعاد خارجية وأمنية.

    وبعد أن تبلورت هذه الرواية، لاحظنا أن الجميع تقريبا أصبح يردد الخطاب نفسه، بما في ذلك الخطاب الذي يحمّل شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولية ما حدث؛ والحال أن اختزال الظاهرة في دور شبكات التواصل الاجتماعي يُغفل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأعمق التي أنتجت السياق الذي جعل هذا النوع من التحرك ممكنا.

    فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون عاملا مؤثرا ومسرّعا، لكنه ليس العامل المؤسس أو البنيوي للظاهرة. وإذا جعلناه في مركز التفسير، فقد نغفل الأسئلة المرتبطة بالواقع الاجتماعي نفسه، وبالظروف التي تجعل جزءا من الشباب يرى في الهجرة مخرجا ممكنا.

    وهنا تكمن، في تقديري، المشكلة الأساسية: نحن في النهاية نحصد ما ننتجه. فعندما ننتج التهميش، ونقتل الأمل، ولا نوفر للشباب آفاقا حقيقية للمستقبل، لا ينبغي أن نتفاجأ عندما يبحث هؤلاء الشباب عن مخارج أخرى، بما فيها الهجرة.

    المسألة، إذن، ليست فقط مسألة مراقبة الحدود أو تشديد المقاربة الأمنية، وإنما تتعلق أيضا بنوع المجتمع الذي ننتجه، وبالفرص التي نوفرها لأفراده، وبمدى قدرتنا على جعل المستقبل ممكنا وقابلا للحياة بالنسبة إلى الشباب.

  • أمينة بنخضرة لـ”AM+MEDIA”: أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي دخل مرحلة التفعيل

    أمينة بنخضرة لـ”AM+MEDIA”: أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي دخل مرحلة التفعيل

    لم يعد مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب في مرحلة التصورات أو الدراسات الأولية، بل دخل مرحلة جديدة بعد استكمال الدراسات الهندسية ووضع الإطار القانوني والتنظيمي الذي سيؤطر تنفيذه، تمهيدا لإنشاء شركة المشروع وإطلاق ترتيبات التمويل واتخاذ قرار الاستثمار النهائي.

    في هذا الحوار مع جريدة “AM+ MEDIA”، تكشف المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، آخر مستجدات هذا الورش القاري، وتوضح المراحل المقبلة، كما تتوقف عند رهاناته الاقتصادية والاستراتيجية، معتبرة أن المشروع يتجاوز نقل الغاز ليؤسس لممر تنموي يربط غرب إفريقيا بالمغرب وأوروبا، ويعزز الاندماج الاقتصادي والأمن الطاقي في القارة.

     مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب قطع أشواط مهمة منذ انبثاقه من الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري. كما تم تأكيد هذا الالتزام من قبل فخامة الرئيس بولا أحمد تينوبو. وقد تمت مواصلة تطوير هذا المشروع الضخم بشكل مشترك من قبل المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن وشركة البترول الوطنية النيجيرية حيث تم انهاء الدراسات الهندسية التفصيلية وتم تنفيذ حملات مسح واستطلاع مسار الانبوب، وشهدت الدراسات البيئية والاجتماعية تقدما ملحوظا، كما تم وضع الأسس القانونية والتنظيمية والتجارية الرئيسية للمشروع، مما يتيح الاقتراب من تنفيذ مرحلة تفعيل المشروع.

    كما يعد التوقيع على الاتفاق الحكومي الدولي من طرف رؤساء الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ضمن اشغال قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في فريتاون، تتويجا للجهود التي بدأت بالتنسيق مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وفقا لمذكرة التفاهم الموقعة مع المغرب ونيجيريا، والتي تعكس الالتزام الجماعي والمشترك للأطراف.

    وتُضفي الاتفاقية الحكومية الدولية على هذا التعاون طابعا قانونيا ومؤسساتيا، حيث تُحدِّد حقوق الدول الأطراف والتزاماتها، ومبادئ حوكمة المشروع، فضلا عن الالتزامات المتعلقة باستقرار الإطار التنظيمي، والنظام الضريبي، وضمان أمن الاستثمارات، والتعاون العابر للحدود.

    ستشمل المراحل المقبلة من إطلاق المشروع، والتي ستشمل على وجه الخصوص إنشاء شركة المشروع، التي سيكون مقرها بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب إحداث الهيئة العليا لخط أنبوب الغاز (Pipeline Higher Authority)، وهي هيئة الحوكمة الخاصة بالمشروع، والمقرر أن يكون مقرها في أبوجا، وذلك قبل الشروع في تعبئة المستثمرين والإعداد لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي.(FID)

    ستكون شركة المشروع بمثابة الأداة التنفيذية المكلَّفة بتطوير المشروع، إذ تنهض بمهمة هيكلة أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي وتمويله وتطويره وإنجازه وتشغيله. وتتولى، على وجه الخصوص، قيادة الهيكلة المالية، وتعبئة المستثمرين، والإشراف على إجراءات طرح المناقصات، وإبرام العقود مع الموردين وشركات الإنجاز، فضلا عن ضمان تشغيل هذه البنية التحتية في مرحلة لاحقة.

    أما الهيئة العليا لأنبوب الغاز، فتضطلع بمهام الحوكمة المشتركة بين الدول الأطراف، إذ تسهر على حسن تنفيذ أحكام الاتفاقية الحكومية الدولية، وتكفل التنسيق ما بين الدول الشريكة، وتعمل على مواءمة الأطر التنظيمية والبيئية والضريبية والتعريفية، وتسهر على ضمان انسجام مسار تطوير المشروع وتماسكه.

    وستُتوَّج المرحلة الأخيرة بتنظيم مراسم خاصة ستُعقد في موعد لاحق بالمملكة المغربية، يتم خلالها التوقيع المشترك على الاتفاق من قبل المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، وذلك بحضور فخامة رئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية

    المشروع تم تصميمه كبنية تحتية مهيكلة حيت يهدف إلى ربط موارد الغاز في غرب أفريقيا بمراكز الاستهلاك الإقليمية الرئيسية، مع تعزيز ادماج أسواق الطاقة الأفريقية وإنشاء ممر تنمية جديد يربط غرب أفريقيا، بدول الساحل والمملكة المغربية ووصولا الى أوروبا.

    كما تزخر منطقة غرب أفريقيا بموارد طبيعية هائلة من معدن الحديد والبوكسيت والفوسفات والمعادن الاستراتيجية، الأمر الذي يستلزم توفر طاقة بتكلفة تنافسية تمكن من تثمين هذه الموارد على الوجه الأمثل. كما سيُسهم في تطوير الصناعات التحويلية، لا سيما صناعات الإسمنت والزجاج والخزف والصلب والألومنيوم، في إحداث تحول هيكلي مستدام في اقتصادات الدول المعنية

    ستتيح مرحلة الإنجاز دينامية متجددة لأسواق رؤوس الأموال المحلية، فضلا عن تحفيز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لفائدة القارة الإفريقية. وستمكن هذه المرحلة أيضا من استحداث ما يقارب 12.000 منصب شغل، مباشر وغير مباشر، بالنسبة للأجزاء الأولى من المسار، فضلا عن أثر اقتصادي يُقدَّر بنحو 3,5 نقطة من الناتج الداخلي الخام بالنسبة للدول المعنية، وذلك وفق التوقعات الأولية المعتمدة.

    أما في المراحل التشغيلية للمشروع، وبمجرد بلوغ وتيرة الإنتاج القصوى المحددة في 30 مليار متر مكعب سنويا، فإن تسويق الغاز من شأنه أن يُدرّ موارد سنوية تُناهز 13 مليار دولار أمريكي، في حين قد تبلغ عائدات نقل الغاز ما يقارب 4 مليارات دولار سنويا.

    وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن حصة من عائدات النقل هذه ستُخصَّص لفائدة دول العبور في شكل إتاوة، تخضع طريقة احتسابها لمعايير منسجمة مع الممارسات الإقليمية السائدة، ومتماشية في الآن ذاته مع أفضل المعايير الدولية المعمول بها. ويُقدَّر الأثر المرتقب على الناتج الداخلي الخام للدول المعنية خلال المرحلة التشغيلية بنسبة 2,5% بالنسبة للمقاطع الأولى من هذا الصرح الاستراتيجي.

    وسيمكن المشروع من ربط ثلاثة عشرة دولة مطلة على الساحل الأطلسي الأفريقي، وكذلك الدول غير الساحلية عبر الربط الجهوي، كما سيتم ربطه بخط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي وبالتالي شبكة الغاز الأوروبية وسيشكل هذا الانبوب ممرا استراتيجيا للطاقة يربط موارد الغاز بغرب أفريقيا بالأسواق الإقليمية والدولية.

    بقدرة نقل تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، بما في ذلك 15 مليار متر مكعب مخصصة للتصدير إلى المغرب وأوروبا، ستمكن هذه البنية التحتية الاستراتيجية من تلبية الاحتياجات المتزايدة لأسواق الغاز الأفريقية مع تعزيز الأمن الطاقي في القارة وتنويع الإمدادات الدولية.

    وبهذا، لا يمكننا اعتبار أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي مجرد مشروع لنقل الغاز، بل يُشكِّل، بالدرجة الأولى، إرساء لممر استراتيجي للتنمية الاقتصادية، تُقاس مردوديته بالأساس من خلال تسريع مسار التصنيع، وتعزيز الأمن الطاقي، وخلق فرص الشغل، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام يشمل مجموع دول المنطقة.

  • المهدي فقير: التدرج المهني مدخل لامتصاص بطالة الشباب

    المهدي فقير: التدرج المهني مدخل لامتصاص بطالة الشباب

    يشكل تقييم أداء سوق الشغل محطة أساسية لفهم أثر السياسات العمومية على الاقتصاد والمجتمع، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

    وتبرز الحاجة إلى قراءة اقتصادية للمؤشرات المتعلقة بإحداث فرص الشغل، وبرامج الإدماج والتكوين، والإصلاحات المرتبطة بالاستثمار ملحة لتضع هذه المعطيات في سياقها العام.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي، المهدي فقير، قراءة في واقع سوق الشغل بالمغرب، ويحلل دلالات أرقام حصيلة الوزارة الوصية، كما يتوقف عند حدود السياسات العمومية في هذا المجال، ويبرز أهمية التكوين المهني والتدرج المهني باعتبارهما من أبرز المداخل لتعزيز قابلية إدماج الشباب في سوق العمل.

    غير أنه يؤكد أن تقييم هذه الحصيلة يقتضي التمييز بين الظرفية الاستثنائية التي انطلقت منها الولاية وبين الاختلالات البنيوية التي كانت وما تزال تطبع سوق الشغل المغربي، وفي مقدمتها ضعف التوازن بين العرض والطلب، وإشكالية ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، واستمرار بطالة الشباب.

    وضعية سوق الشغل بالمغرب كانت دائما مطبوعة بالهاجس المتعلق بالبطالة، ويجب أن نعترف أن سنة 2020 كانت سنة كارثية، بحكم جائحة كورونا وتلتها فترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، وهذا أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة.

    بالتالي، ليس دفاعا عن الحكومة، لكن أعتقد أن تركيبة سوق الشغل لم تختلف كثيرا، ومع الأسف كل الجهود لم تمكن من إعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل.

    إلى أي حد أثرت التحولات الاقتصادية العالمية على فرص إدماج الشباب في سوق الشغل بالمغرب؟

    هناك تكوينات قابلة للإدماج، ولكن ما يزال هناك تكوينات غير قابلة، إضافة إلى أن هناك إشكالية ثقافية في تأهيل الشباب من أجل ولوج سوق الشغل، وهذا شيء مهم جدا، ونحن أمام ظاهرة شباب “NEET” التي تؤثر بشكل كبير على قابلية الشباب للدخول لسوق الشغل.

    بالتالي، فالكوارث التي وقعت على الصعيد الدولي كان لها تداعيات، والتضخم العالمي كان عاملا مؤثرا بدرجة كبيرة، والمغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع.

    إحداث 851 ألف فرصة عمل يبقى رقما حسابيا ورد في حصيلة الحكومة، لكن يجب أن نوضح ماذا نقصد؟ إذا كانت فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كانت عرضية ومؤقتة وليست دائمة فلا يمكن اعتبارها خلقا لفرص الشغل.

    واليوم، هناك نقاش حول ماهية الإحصائيات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني، لكننا في المغرب ما زلنا قاصرين على خلق سياسات إدماجية، ونحتاج دائما تدخل الحكومة هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج.

    لكن هذا التدخل ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يسمى “FIRST JOB ACT” ومعتمدة في أمريكا وفرنسا، والمغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل.

    تجربة المكتب الوطني للتكوين المهني كانت سباقة في هذا الباب واستجابت لحاجيات السوق وقابلية الإدماج، لأن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل كان الركيزة والمعيار والبديل لخلق فرص الإدماج عن طريق التكوين المهني، وبالتالي فالفلسفة التي أحدث من أجلها مدن الكفاءات، في بدايتها مدعمة بأجيال جديدة من المعاهد ومؤسسات التكوين فلسفتها أحدثت من أجلها هي الإدماج انطلاقا من حاجيات سوق الشغل.

    كما أن التدرج المهني اليوم هو أهم خيار وأفضل بديل من أجل امتصاص بطالة الشباب لأنه يتيح تكوينات مواتية لروح ومتطلبات العصر، وتمكن أيضا من دعم التكوين المستمر الذي هو آلية هامة للحفاظ على استقرار وفرص الشغل، وهي مسألة مهمة وتعد أحد الحلول.

    لكن يجب الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي أن تكون هناك مقاربة شاملة تتماهى مع منظومة التكوين الأكاديمي وكذلك النموذج الاقتصادي، الذي يجب أن يكون دامجا وخالقا للثروة وفرص الاندماج المهني على المديين المتوسط والطويل.

  • الخطاط ينجا لـ”AM+ Media”: “البام” أمام دور حاسم في ملف الصحراء والداخلة مؤهلة لقيادة التحول الاقتصادي نحو إفريقيا

    الخطاط ينجا لـ”AM+ Media”: “البام” أمام دور حاسم في ملف الصحراء والداخلة مؤهلة لقيادة التحول الاقتصادي نحو إفريقيا

    اختار رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا، ألا يفصل انتقاله إلى حزب الأصالة والمعاصرة وعضويته لمكتبه السياسي عن اللحظة التي تعيشها الأقاليم الجنوبية، حيث تتقاطع أوراش تنموية كبرى مع تحولات متقدمة في مسار قضية الصحراء المغربية، مشددا على أن الهدف لم يتغير بقدر ما تغيرت الأداة السياسية التي اختار الاشتغال من داخلها، وهو ما يلخصه بوضوح في قوله “انضمامي للبام ليس تغييرا للمبادئ، وإنما تغييرا للوسيلة”.

    وجاء ذلك، في أول خروج إعلامي له ضمن حوار خص مع “AM+ Media”، حيث شرح ينجا خلفيات هذا الاختيار، وهو يذهب أبعد من مسألة الالتحاق الحزبي ليضعها ضمن رهانات السنوات المقبلة، حيث تحدث عن جهة الداخلة وادي الذهب باعتبارها تنتقل تدريجيا من موقعها في أقصى جنوب المملكة إلى موقع اقتصادي واستراتيجي أكثر تأثيرا، مدفوعة بميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت-الداخلة والمشاريع المائية، وبموقعها داخل التوجه المغربي نحو الساحل وإفريقيا الأطلسية في إطار المبادرة الملكية لتعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

    وفي الشق السياسي، ربط ينجا بين ما يجري على الأرض وما تحقق دبلوماسيا في ملف الصحراء، وهو يصف التنمية والانتصارات الدبلوماسية بـ”المسارين التوأمين”، معتبرا أن السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى الوحدة الترابية.

     ومن هذا المنطلق، شدد رئيس جهة الداخلة وادي الذهب على أن حزب الأصالة والمعاصرة وحضوره في جهتي السمارة والداخلة وادي الذهب، يكفل له أن يلعب دورا حاسما، كبيرا ومهما خلال المرحلة المقبلة بالنظر إلى تشكيلة الحزب القيادية الحالية.

    وقال ينجا، إن اختياره لـ”البام” جاء أيضا بالنظر إلى موقع الحزب ضمن الأحزاب السياسية الكبرى بالمملكة، وما لمسه، بعد تعرفه عن قرب على قياداته ومناضليه، من اشتغال من أجل المصلحة العامة، إلى جانب ما يوفره الحزب من هيئات وآليات تسمح بالتمثيلية والعمل السياسي.

    كما توقف عند الرؤية التي يحملها الحزب للمستقبل وبرنامجه الطموح، معتبرا أن ما اطلع عليه يمثل “خارطة طريق” تلتقي مع مجموعة من الرهانات التي يؤمن بها، وفي مقدمتها مواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها جهة الداخلة وادي الذهب والمشاركة في الدينامية التنموية التي تشهدها المملكة.

    وينظر ينجا إلى العمل داخل الحزب أيضا بمنطق الفريق، إذ شدد على أهمية وجود كفاءات متكاملة قادرة على الاشتغال المشترك، مثمنا انفتاح قيادة حزب الأصالة والمعاصرة على الكفاءات المغربية وإتاحة المجال أمامها للانخراط في العمل السياسي.

    وحدد المتحدث الهدف الأساسي بالنسبة إليه في “المشاركة الفعالة في الدينامية التنموية التي تعرفها المملكة عامة والدفاع عن المقدسات، وخصوصا الوحدة الترابية”، وهو ما يجعل قراره السياسي، وفق تصوره، مرتبطا بشكل مباشر بالتحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية والموقع الذي أصبحت تحتله داخل الرهانات الوطنية الكبرى.

    التنمية والدبلوماسية.. “مساران توأمان

    وفي قراءة للعلاقة بين ما تحقق على الأرض في الأقاليم الجنوبية وبين التحولات التي عرفها ملف الصحراء دبلوماسيا، اعتبر ينجا أنه “لا يمكن فصل الدينامية التنموية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية عن الانتصارات الدبلوماسية الكبيرة التي حققتها الوحدة الترابية”، واصفا المسارين بأنهما “مساران توأمان”.

    فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بمسار اقتصادي يسير منفصلا عن التحرك السياسي والدبلوماسي للمملكة، بل بتراكم متواز بين الاستثمار في الأقاليم الجنوبية وتعزيز موقع المقترح المغربي على المستوى الدولي.

    وأشار في هذا السياق إلى التحولات التي عرفتها مواقف عدد من القوى الدولية المؤثرة، مستحضرا الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا، معتبرا أن تغير المواقف داخل عدد من العواصم الكبرى يعكس التحول الذي عرفه الملف خلال السنوات الأخيرة.

    وتختلف الطبيعة القانونية والسياسية لهذه المواقف، فالولايات المتحدة اعترفت في دجنبر 2020 بالسيادة المغربية على الصحراء، فيما أعلنت فرنسا في يوليوز 2024 أن “حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية”، وأن مخطط الحكم الذاتي يشكل بالنسبة إليها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي، أما بريطانيا فأعلنت سنة 2025 أن مقترح الحكم الذاتي المغربي يشكل “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للحياة والواقعية” للتوصل إلى تسوية دائمة.

    وبالنسبة إلى الخطاط ينجا، فإن أهمية هذه التحولات لا تنفصل عن الوزن الذي تتمتع به بعض هذه الدول داخل مجلس الأمن، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا باعتبارها أعضاء دائمين فيه.

    القرار 2797.. الحكم الذاتي في صلب المفاوضات

    وتوقف ينجا عند قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، معتبرا أنه جسد أحد أبرز التحولات في مسار القضية الوطنية، بالنظر إلى الموقع الذي منحه لمبادرة الحكم الذاتي المغربية داخل العملية السياسية الأممية.

    فالقرار، الذي اعتمد بأحد عشر صوتا مقابل عدم وجود أصوات معارضة وثلاثة امتناعات، مدد ولاية بعثة “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، لكنه ذهب أبعد من التجديد التقني للمهمة الأممية، إذ عبر عن دعم مجلس الأمن لتيسير وإجراء مفاوضات “على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي”، ودعا الأطراف إلى الانخراط في النقاشات دون شروط مسبقة انطلاقا من المقترح ذاته.

    كما نص القرار على أن “الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق”، وهو تطور منح المبادرة المغربية موقعا مركزيا وغير مسبوق داخل الصياغة التفاوضية لمجلس الأمن.

    وينظر ينجا إلى هذا التطور باعتباره “انتصارا كبيرا للمملكة المغربية”، معتبرا أن المشاورات التي أعقبت القرار أصبحت تتحرك داخل إطار سياسي يعطي لمقترح الحكم الذاتي موقعا مركزيا ووحيدا للنزاع المفتعل

    وقال إن القضية الوطنية راكمت خلال السنوات الأخيرة “انتصارات باهرة”، سواء من خلال التحولات في مواقف القوى الكبرى أو اتساع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة، في قراءته، مرحلة حاسمة في مسار الملف.

    السنوات الخمس المقبلة.. مرحلة حاسمة

    وشدد الخطاط ينجا، على أن السنوات المقبلة ستكون ذات أهمية استثنائية بالنسبة إلى ملف الوحدة الترابية، قائلا إن “السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة ستكون حاسمة جدا فيما يتعلق بملف وحدتنا الترابية”.

    وفي هذا السياق، يرى أن حزب الأصالة والمعاصرة، بتشكيلته الحالية، يمكن أن يضطلع بدور مهم، خصوصا بالنظر إلى حضوره السياسي والتنظيمي في جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب.

    ويستند هذا التصور إلى فكرة أن تدبير المرحلة المقبلة لن يكون دبلوماسيا فقط، بل سيتطلب أيضا استمرارا في تنزيل التنمية على الأرض وتعزيز المشاركة السياسية والاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، وهي مجالات يرى ينجا أن الأحزاب ذات الحضور المحلي القوي يمكن أن تسهم فيها.

    وبذلك ربط ينجا الدور السياسي المنتظر للحزب بحضوره الميداني داخل الجهتين، وبقدرته على مواكبة المشاريع المفتوحة فيهما، وفي الوقت نفسه المساهمة في ما يسميه الدفاع عن القضية الوطنية وتنزيل الدبلوماسية الموازية.

    الداخلة.. موقع جيوستراتيجي يتجاوز حدود الجهة

    ويشكل موقع الداخلة وادي الذهب أحد المفاتيح الأساسية لفهم قراءة ينجا للمرحلة المقبلة، إذ يرى أن الجهة تكتسي “أهمية كبيرة جدا نتيجة لمجموعة من العوامل”، يتصدرها موقعها الجيوستراتيجي ومؤهلاتها الاقتصادية والطبيعية.

    فالداخلة وفق تصوره، ليست مجرد إحدى الجهات الجنوبية للمملكة، بل بوابة نحو العمق الإفريقي، بالنظر إلى موقعها على الواجهة الأطلسية وقربها من دول إفريقيا جنوب الصحراء والساحل، فضلا عن وجودها داخل فضاء بحري وتجاري تتزايد أهميته في الحسابات الاقتصادية الدولية.

    ويمنح هذا الموقع بحسب ينجا، الجهة إمكانات كبيرة للتحول إلى قطب اقتصادي صاعد، خصوصا مع تطور البنيات التحتية التي من شأنها ربط الإمكان الجغرافي للداخلة بالأسواق الإفريقية والدولية.

    ويعتبر أن الرؤية الملكية كانت حاضرة منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي وضع تأهيل هذه الجهات وجعلها أكثر قدرة على جذب الاستثمار في صلب التحول التنموي.

    وبالنسبة إلى ينجا، فإن الغاية لم تكن فقط تمويل مشاريع محلية أو تقليص الخصاص في البنيات الأساسية، بل بناء نموذج اقتصادي يسمح للأقاليم الجنوبية بأداء وظيفة أوسع داخل الاقتصاد الوطني، وتحويلها إلى أرضية للتعاون مع إفريقيا جنوب الصحراء.

    من التنمية المحلية إلى المنصة الإفريقية

    وقدم ينجا عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الداخلة باعتبارها إحدى الجهات المرشحة بقوة لأداء هذه الوظيفة، بالنظر إلى المشاريع التي يجري تنزيلها فيها وإلى موقعها الذي يجعل منها صلة وصل طبيعية بين المغرب وعمقه الإفريقي.

    فالمشاريع التي تشهدها الجهة، في قراءته، لا ينبغي التعامل معها كأوراش متفرقة، بل كعناصر ضمن بناء منظومة اقتصادية متكاملة بما فيها ميناء، طريق سريع، ماء، استثمارات، وربط مع الأسواق الإفريقية.

    ومن هنا استحضر رئيس الجهة، المبادرة الملكية الأطلسية التي ترمي إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، باعتبارها واحدة من المشاريع التي يمكن أن تمنح للأقاليم الجنوبية، والداخلة على وجه الخصوص، وظيفة استراتيجية جديدة.

    ويرى ينجا أن فتح الواجهة الأطلسية أمام دول الساحل من شأنه خلق دينامية اقتصادية أوسع تساعد على تحقيق التنمية وتعزيز الاستقرار، في منطقة تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.

    وتضع هذه المبادرة المغرب، وفق القراءة التي يقدمها، في موقع يتجاوز العلاقة الثنائية التقليدية مع دول إفريقيا، نحو بناء فضاء اقتصادي أطلسي مترابط تكون بنياته التحتية أحد مفاتيح نجاحه.

    أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي.. بنية للاندماج

    وفي السياق ذاته، استحضر ينجا مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، باعتباره مشروعا استراتيجيا لا تقتصر انعكاساته على قطاع الطاقة.

    وأشار إلى أن مسار المشروع عبر عدد من الدول على الساحل الأطلسي الإفريقي يمكن أن يفتح إمكانات تنموية كبيرة أمام البلدان المعنية، وأن يعزز فرص الاندماج الاقتصادي بينها.

    وبالنسبة إليه، فإن أهمية المشروع تكمن كذلك في قدرته على ربط مشاريع الطاقة بالبنية الاقتصادية والاجتماعية للدول التي يعبرها، وصولا إلى المغرب وارتباطه المحتمل بالأسواق الأوروبية.

    وهنا أيضا تظهر الداخلة في تصور ينجا كجزء من منظومة أكبر، تتقاطع فيها مصالح المغرب الوطنية مع مشاريعه الإفريقية والأطلسية.

    ميناء الداخلة الأطلسي.. بوابة الاقتصاد الجديد

    ويضع الخطاط ينجا مشروع ميناء الداخلة الأطلسي في مقدمة البنيات التي ستحدد مستقبلا الوظيفة الاقتصادية للجهة.

    وأوضح خلال الحوار، أن نسبة تقدم أشغال المشروع تجاوزت 65 في المائة، معتبرا أن الميناء يمثل أحد المشاريع الكبرى القادرة على رفع جاذبية الداخلة للاستثمار وتعزيز قدرتها على الاندماج في المبادلات التجارية.

    ولا يفصل ينجا المشروع عن بقية التحولات، بل يراه عنصرا ضمن شبكة بنيوية يفترض أن تسمح للداخلة بالانتقال من اقتصاد محلي محدود نسبيا إلى قطب قادر على استقطاب الاستثمار وتقديم خدمات لوجستية للأسواق المحيطة.

    ويكتسب الميناء بعدا إضافيا حين يوضع إلى جانب المشاريع الإفريقية للمملكة، بالنظر إلى دوره الممكن في المبادلات مع دول الساحل والغرب الإفريقي، وإلى قدرته على تحويل الواجهة الأطلسية للجهة إلى أداة اقتصادية فعلية.

    تزنيت-الداخلة.. شريان يربط الشمال بالعمق الإفريقي

    إلى جانب الميناء، توقف ينجا عند الطريق السريع تزنيت-الداخلة، الذي اعتبره “شريانا اقتصاديا مهما” بالنظر إلى دوره في تعزيز الربط بين الأقاليم الجنوبية وبقية مناطق المملكة، ثم امتداد هذا الربط نحو إفريقيا.

    ولا تقتصر أهمية هذا المحور الطرقي بالنسبة إليه على تقليص زمن التنقل أو تحسين حركة الأشخاص، بل تشمل تسهيل حركة البضائع وتحسين شروط الاستثمار وربط المراكز الاقتصادية الجنوبية بالشبكة الوطنية.

    وتعكس هذه البنية الطرقية، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي، انتقال الجهة تدريجيا من موقع جغرافي بعيد عن المراكز الاقتصادية الكبرى إلى منطقة يمكن أن تتموقع داخل شبكة إقليمية للمبادلات.

    الماء والاستثمار.. بناء شروط الجاذبية

    وتطرق ينجا كذلك إلى مشاريع تحلية مياه البحر، واضعا الأمن المائي ضمن عناصر تأهيل الجهة اقتصاديا.

    فبناء قطب اقتصادي قادر على استقطاب الاستثمارات، في منطقة ذات خصائص مناخية ومائية خاصة، يقتضي توفير الموارد الأساسية بالتوازي مع الطرق والموانئ وبقية المرافق.

    وينظر ينجا إلى مجموع هذه الأوراش باعتبارها أساسا لتحول الداخلة إلى جهة واعدة قادرة على لعب دور مزدوج بين رافعة للاقتصاد الجهوي والوطني، وجسر للتعاون الاقتصادي مع دول إفريقيا جنوب الصحراء.

    حين يلتقي السياسي بالتنموي

    وكشف حديث الخطاط ينجا لـAM+ Media عن تصور يجعل من التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة جزءا من قراءة أوسع للمرحلة التي تدخلها الأقاليم الجنوبية.

    فالاختيار السياسي بالنسبة إليه، يأتي في لحظة تتقدم فيها مشاريع البنية التحتية الكبرى بالتوازي مع تحول واضح في البيئة الدبلوماسية المحيطة بملف الصحراء.

    ويختصر ينجا هذه العلاقة بتوصيف التنمية والدبلوماسية بـ”المسارين التوأمين”، بين بناء واقع اقتصادي واجتماعي جديد داخل الأقاليم الجنوبية من جهة، وتعزيز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي داخل المواقف الدولية والمسار الأممي من جهة ثانية.

    وفي هذا المشهد، وضع الداخلة في موقع يتجاوز حدودها الجغرافية، باعتبارها قطبا اقتصاديا صاعدا وبوابة أطلسية على إفريقيا، ومجالا يمكن أن تتقاطع فيه المشاريع الوطنية الكبرى مع المبادرات الموجهة نحو دول الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

    كما وضع حزب الأصالة والمعاصرة، بحضوره في جهتي كلميم السمارة والداخلة وادي الذهب، ضمن الفاعلين الذين يتوقع لهم دورا خلال السنوات المقبلة، سواء في مواكبة التنمية أو في التأطير السياسي والدفاع عن الوحدة الترابية.

  • عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    بعد مرور 25 سنة على خطاب أجدير، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النهوض بالأمازيغية، راكم المغرب سلسلة من المكتسبات الدستورية والمؤسساتية، نقلت هذا الورش من دائرة المطالب الثقافية إلى صلب السياسات العمومية.

    وتعزز حضور “تيفيناغ” بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودسترة الأمازيغية لغة رسمية، ثم ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية، في إطار رؤية ملكية تقوم على صيانة التعدد الثقافي وترسيخ الوحدة الوطنية.

    وفي هذا الحوار، يقدم عبدالله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة قراءة في أبرز التحولات التي شهدها هذا المسار، ويستعرض أهم المنجزات التي تحققت خلال ربع قرن، كما يتوقف عند التحديات المرتبطة باستكمال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في مختلف المرافق والقطاعات.

    لقد شكل خطاب أجدير (2001) منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”. فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”. وقد مكن هذا المسار الأمازيغية من تبوّء مكانتها كـ”رصيد مشترك” لكل المغاربة، وهو ما توج بدمج “الزمن الأمازيغي” ضمن الذاكرة الوطنية بقرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية سنة 2023، مؤكداً بذلك أن التعدد الثقافي ليس عائقاً أمام الوحدة، بل جزء أصيل منها.

    وقد أحدث الاعتراف الدستوري لسنة 2011 تحولاً جذرياً في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحوراً حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها. فمن خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16. لقد وضع الدستور حداً قانونياً لمرحلة التجاهل، وجعل من الأمازيغية مكوناً بنيويًا في الشخصية المغربية، مما نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    ومع ذلك، تظل هناك مفارقة جوهرية بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الواقع الميداني؛ إذ تؤكد التحليلات أن المكاسب القانونية لا تتحول تلقائياً إلى إنصاف فعلي ما لم تكن مصحوبة بإرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فرغم التوسع الكمي في التعليم والانتشار البصري في الإدارة، لا تزال الأمازيغية تواجه تحديات حقيقية في “التنزيل الوظيفي”. وتظل الفجوة قائمة في مجالات التعليم، والإدارة، والقضاء، والإعلام، مما يجعل “العدالة اللغوية” ورشاً مفتوحاً يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطن.

    أسهمت التوجيهات الملكية منذ خطاب أجدير (2001) بشكل حاسم في إخراج القضية الأمازيغية من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”، مما ساهم في إعادة تعريف الهوية الوطنية لتصبح قائمة على التعدد والتنوع. يمكن تلخيص مدى هذا الإسهام وتأثيره في النقاط التالية:

    • الانتقال منالمطالبة الهامشيةإلىالالتزام المؤسساتي، بحيث شكل خطاب 20 غشت 1994 “انفراجاً رمزياً” وبداية الإعلان عن العناية بالأمازيغية، إلا أن خطاب أجدير (2001) مثل المنعطف الحاسم الذي أرسى “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. هذا التوجه أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حداً للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني.
    • تغيير مركز الثقل في الهوية الوطنية، إذ ساهمت هذه التوجيهات في تكريس الأمازيغية كمكون بنيوي في الشخصية المغربية، وليس مجرد “زينة تراثية” أو “فولكلور” يُستدعى في المناسبات. هذا التراكم أدى إلى ترسيمها لغة رسمية في دستور 2011، وهو ما نقل النقاش من دائرة “هل الأمازيغية مستحقة للترسيم” إلى دائرة “كيفية التفعيل”.
    • الاعتراف بالذاكرة والزمن الأمازيغي من خلال قرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية (2023)، الذي جاء ليعزز هذا المسار، حيث دمج “الزمن الأمازيغي” ضمن “الزمن الوطني”، مؤكداً أن التعدد ليس عائقاً أمام الوحدة، بل هو جزء أصيل منها.
    • منالخطابإلىالتزام السياسات العمومية، فالتوجيهات الملكية فرضت على الدولة الانتقال من الاعتراف اللفظي إلى الالتزام القانوني والمالي. فقد صار تفعيل الأمازيغية يتطلب تخطيطاً، وميزانيات، وتقييماً، وهو ما تجسد في إصدار القانون التنظيمي 26.16 (2019) والاعتمادات المالية المخصصة لتفعيله في قطاعات التعليم، الإدارة، والقضاء.

    بالرغم من هذا الأثر المؤسساتي الواضح، تؤكد التحليلات أن “الاعتراف الرسمي”، مهما علا شأنه، لا يتحول تلقائياً إلى “إنصاف فعلي” ما لم يواكب ذلك إرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فالمفارقة لا تزال قائمة بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الفجوة التي تعاني منها الأمازيغية في “الحياة اليومية للمواطن” (كالمدرسة، والإدارة، والقضاء، والإعلام).

    غير الاعتراف الدستوري سنة 2011 طبيعة الترافع الأمازيغي ومسار النهوض بها بشكل جذري، حيث شكل منعطفاً انتقالياً بتغيير مركز الثقل في النقاش؛ نقل النقاش من دائرة “المطالبة بالاعتراف بوجود الأمازيغية أو استحقاقها له” إلى دائرة “كيفية تفعيل رسميتها”.

    كما تم تأسيس مرجعية قانونية ملزمة، إذ تحولت الأمازيغية من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى “التزام دستوري” صريح بموجب الفصل الخامس، مما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية تتعلق بالتخطيط، والميزانية، والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16.

    وتم أيضا وضع حد قانوني لمرحلة الإنكار، بحيث أرسى الدستور حداً لمرحلة “التجاهل والإقصاء” التي ميزت التعامل السابق مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، مما فرض على السياسات العمومية التعامل معها كمكون بنيوي في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    أيضا هناك تحدي “الاعتراف الرمزي”، إذ حملت صياغة الفصل الخامس من الدستور قوة الاعتراف، لكنها أحالت التفعيل على قانون تنظيمي، وهو ما أطلق معركة مدنية لمنع تحويل هذا الاعتراف إلى “احتفال رمزي” أو أداة لتأجيل المساواة. فقد كشف تأخر صدور القانون التنظيمي (من 2011 إلى 2019) أن الترسيم الدستوري، رغم أهميته، لا يحمي نفسه بنفسه ولا يضمن التنفيذ دون إرادة سياسية موازية لقوة النص.

    بناءً على المعطيات المتوفرة لدينا والتي تم رصدها خلال العقود الاخيرة، يمكن تلخيص مظاهر حضور الأمازيغية اليوم في هذه القطاعات مقارنة بما قبل خطاب أجدير، مع الإشارة إلى الفجوة بين “الحضور الرمزي/البصري” و”الحضور الوظيفي”.

    على مستوى التعليم، انتقل الوضع من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32% من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16,530 قسماً.

    ورغم هذا التوسع، لا تزال هناك تحديات بنيوية تتعلق بالجودة البيداغوجية، واستمرار صيغة “الأستاذ المزدوج”، والبطء في التعميم الأفقي والعمودي (في مستويات الإعدادي والثانوي).

    وفيما يرتبط بالإدارة، تحول المشهد من الغياب الكلي إلى “حضور بصري” (مثل لوحات التشوير واللافتات). إلا أن هذا الحضور يفتقر إلى “الخدمة الوظيفية”، إذ لا تزال الإدارة تعاني من نقص في الموظفين الناطقين بالأمازيغية، وضعف في توفير الوثائق الإدارية والخدمات الرقمية باللغة الأمازيغية.

    أما على مستوى القضاء، يظل الحضور “ضعيفاً جداً” مقارنة بالمأمول، لأن المتقاضين يعانون من غياب مأسسة الترجمة والوساطة اللغوية المهنية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على شروط المحاكمة العادلة وضمان حق الفهم والولوج إلى العدالة.

    أما في الإعلام، فقد تجسد الحضور في إطلاق قناة “تمازيغت” (2010)، والتي تعد أداة للتمثيل والاعتراف.

    ومع ذلك، تظل التحديات قائمة في ضرورة “التعميم الأفقي” للأمازيغية داخل كافة أقطاب الإعلام العمومي، وتطوير مضامين تفاعلية رقمية تتجاوز منطق النافذة الإعلامية المعزولة.

    وخلاصة القول، نحن اليوم في منطقة وسطى؛ فقد قطعنا مسافة معتبرة في “النص والقانون”، لكن التحدي الكبير يكمن في الانتقال من “الأمازيغية البصرية” التي نراها في الواجهات، إلى “الأمازيغية الوظيفية” التي يلمسها المواطن في قضاء مآربه اليومية، وهو ورشٌ مفتوح يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية.

  • محمد شكال: أرقام “جواز الشباب” دليل على نجاحه وإنصاف شباب القرى أولوية

    محمد شكال: أرقام “جواز الشباب” دليل على نجاحه وإنصاف شباب القرى أولوية

    بعد عامين من إطلاقه، يواصل “جواز الشباب” توسيع قاعدة مستفيديه، بعدما تجاوز سقف مليوني تحميل و500 ألف مستخدم فعلي، ليصبح إحدى أبرز المنصات الرقمية الموجهة للشباب بالمغرب.

    وفي هذا الحوار، يكشف محمد شكال، رئيس مشروع “جواز الشباب” الخلفيات التي رافقت إطلاقه، والتحديات التي سعى إلى معالجتها، وكيفية اختيار الخدمات التي يوفرها، وأسباب الإقبال الكبير على بعضها، خاصة خدمات التنقل والثقافة.

    ويستعرض شكال في الحوار الذي خص به منصة “+AM” الإجراءات المعتمدة لضمان استفادة شباب العالم القروي وتحقيق الإنصاف المجالي، كما يتوقف عند مؤشرات الاستعمال وآفاق تطوير المنصة بما يواكب انتظارات الشباب واحتياجاتهم المتجددة.

    لم يكن الهدف معالجة إشكال واحد فقط، بل مواجهة مجموعة من التحديات المتداخلة التي كانت تحد من استفادة الشباب من الفرص والخدمات المتاحة. فقد أظهرت التشخيصات المنجزة وجود تشتت الخدمات والبرامج الموجهة للشباب بين عدة قطاعات ومؤسسات، وضعف الولوج إلى هذه الخدمات، خاصة بالنسبة للشباب في المناطق القروية والنائية، ونقص المعلومة وصعوبة التعرف على الفرص المتاحة وشروط الاستفادة منها، وغياب منصة موحدة تجمع مختلف الخدمات والعروض في فضاء رقمي واحد.

    ومن هنا جاء “جواز الشباب” كمنصة وطنية موحدة تهدف إلى تقريب الخدمات من الشباب وتسهيل الولوج إليها وتعزيز تكافؤ الفرص بينهم أينما كانوا.

    تم تحديد الخدمات والعروض بناءً على مقاربة تشاركية وواقعية اعتمدت على دراسة حاجيات وانتظارات الشباب في مختلف جهات المملكة، وتحليل الخدمات الأكثر طلباً من طرف هذه الفئة العمرية.

    وتم أيضا التنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الخواص، مع الحرص على تغطية المجالات الأساسية التي تهم الشباب، مثل التنقل، والصحة، والتكوين، والثقافة، والترفيه، والمشاركة المواطنة، والخدمات البنكية.

    وبخصوص العروض التي يقدمها “جواز الشباب”، فيتم إخضاعها بشكل مستمر للتقييم والتطوير وفق مؤشرات الاستعمال وملاحظات المستفيدين، بما يضمن ملاءمتها لاحتياجات الشباب المتجددة.

    تشير معطيات الاستعمال إلى أن خدمات التنقل تحتل صدارة الخدمات الأكثر طلباً، وعلى رأسها التخفيضات الممنوحة بشراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية (أكثر من 800 ألف سفر على متن القطارات).

    كما تعرف الخدمات الثقافية والترفيهية إقبالا مهما، خاصة العروض المتعلقة بالسينما والمتاحف والتظاهرات الثقافية، إضافة إلى الخدمات الصحية والتكوينية.

    ويرجع هذا الإقبال إلى عدة عوامل، أهمها، ارتباط هذه الخدمات بالحاجيات اليومية للشباب، والأثر المباشر للتخفيضات على القدرة الشرائية، إضافة إلى سهولة الاستفادة من الخدمات عبر التطبيق، وتنوع العروض وتغطيتها لمجالات متعددة تهم الشباب.

    يعكس هذا الإنجاز نجاح الرؤية التي تأسس عليها المشروع، ويعود إلى مجموعة من العوامل المتكاملة، من بينها توفير خدمات حقيقية وذات قيمة مضافة للشباب، والحرص على اعتماد مسطرة تسجيل مبسطة وآمنة بفضل التكامل مع الهوية الرقمية الوطنية.

    وتم أيضا توسيع شبكة الشركاء بشكل مستمر وإضافة عروض جديدة، مع تنظيم حملات تواصلية وتحسيسية على المستوى الوطني والجهوي، زيادة على اعتماد التطبيق كمنصة موحدة تجمع خدمات متعددة داخل فضاء رقمي واحد.

    كما أن عدد المستخدمين الفعليين يعكس مستوى التفاعل الحقيقي مع الخدمات، وليس فقط تحميل التطبيق، وهو ما يؤكد أن الشباب لا يكتفون بالتسجيل وإنما يستفيدون فعلياً من العروض المتاحة.

    يشكل الإنصاف المجالي أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها “جواز الشباب”، ولذلك تم اتخاذ مجموعة من التدابير لفائدة شباب العالم القروي، من بينها تمكين الشباب من الولوج إلى التطبيق دون الحاجة إلى تعبئة رصيد أو اشتراك في الإنترنت، وذلك بشراكة مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات وفاعلي الاتصالات، وتعميم الاستفادة من الخدمات الرقمية على الصعيد الوطني دون تمييز جغرافي.

    وتم أيضا إدماج خدمات التكوين عن بعد بما يسمح للشباب بالعالم القروي من الاستفادة من برامج تكوينية عالية الجودة من أي مكان، وإتاحة خدمات المواكبة والتوجيه والمعلومات عبر التطبيق دون الحاجة إلى التنقل.

    وعملنا أيضا على توسيع شبكة الشركاء والخدمات على المستوى الترابي لضمان استفادة أكبر للشباب في مختلف الأقاليم والجماعات، مع توفير فضاءات للتفاعل المباشر مع الخبراء والشخصيات الوطنية من خلال برامج رقمية مثل “ضيف الجواز”.

    زيادة على ذلك، قمنا بتسهيل الولوج إلى مختلف برامج ومشاريع قطاع الشباب، مثل برنامج “متطوع”، وبرنامج “جائزة المغرب للشباب”، وبرنامج “مهارات”، وغيرها من المبادرات الوطنية.

    وتهدف هذه الإجراءات إلى جعل مكان الإقامة عاملاً غير مؤثر في فرص الاستفادة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين شباب العالم القروي ونظرائهم في الوسط الحضري.

  • أنس هدان: نجاح السياسة الشبابية يقاس بالأثر والإنصاف المجالي التحدي الأكبر

    أنس هدان: نجاح السياسة الشبابية يقاس بالأثر والإنصاف المجالي التحدي الأكبر

    بعد خمس سنوات من الولاية الحكومية، وفي ظل سياق استثنائي طبعته تداعيات جائحة كورونا، والضغوط التضخمية العالمية، وتداعيات الحروب والكوارث الطبيعية، يظل تقييم السياسة العمومية الموجهة للشباب أحد أبرز الأسئلة المطروحة.

    وبين إطلاق برامج جديدة، على رأسها “جواز الشباب” و”تدرج”، وتوسيع الخدمات الرقمية والاستثمار في البنيات التحتية، يبرز نقاش حول مدى نجاح هذه المبادرات في الانتقال من منطق الأنشطة الظرفية إلى منطق الإدماج والتمكين وصناعة الأثر الحقيقي في حياة الشباب.

    وفي هذا الحوار، يقدم الخبير في السياسات الشبابية أنس هدان، المدير التنفيذي لحركة مواطنون، قراءة لحصيلة قطاع الشباب، ويتوقف عند مكامن القوة وحدود التجربة، كما يناقش قدرة البرامج الحكومية على مواجهة تحديات البطالة والهشاشة المجالية وظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، وآفاق تطوير السياسة العمومية خلال المرحلة المقبلة.

    أعتقد أن تقييم حصيلة قطاع الشباب خلال السنوات الخمس الأخيرة يجب أن ينطلق من مبدأ الإنصاف والموضوعية. فمن جهة، لا يمكن إغفال الظرفية الاستثنائية التي اشتغلت فيها الحكومة، والتي اتسمت بتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والحروب الدولية، ثم الكوارث الطبيعية، وعلى رأسها زلزال الحوز والفيضانات. كل هذه العوامل فرضت ضغوطاً كبيرة على المالية العمومية وعلى أولويات الدولة.

    ورغم هذا السياق، شهد قطاع الشباب ارتفاعاً في الميزانية بحوالي 16 بالمئة، كما تم إطلاق برامج جديدة مثل “جواز الشباب”، وتعزيز الاستثمار في البنيات التحتية، وتوسيع الشراكات مع مختلف الفاعلين. وهي مؤشرات إيجابية تعكس وجود إرادة لتطوير القطاع.

    لكن في المقابل، أعتقد أننا بحاجة اليوم إلى الانتقال من منطق تقييم الإنجاز بالأرقام إلى تقييمه بالأثر. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم عدد المستفيدين؟ بل: كيف تغيرت حياة هؤلاء الشباب؟ وهل ساهمت هذه البرامج فعلاً في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل عززت الثقة بين الشباب والمؤسسات؟

    المغرب اليوم يعيش ما يمكن أن نسميه “مغرباً بسرعتين”. هناك شباب في المدن الكبرى يستفيدون بسهولة من الخدمات الرقمية، وفرص التكوين، والشراكات، والمواكبة، وفي المقابل هناك شباب في العالم القروي، والمناطق الجبلية، والأحياء الهامشية، ما زالوا يواجهون صعوبات في الولوج إلى نفس الفرص. لذلك، فإن نجاح أي سياسة شبابية لا يقاس فقط بعدد البرامج الوطنية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الشباب أينما كانوا، وتقليص الفجوة بين المجالات.

    وفي هذا السياق، أرى أن السياسة العمومية الموجهة للشباب عرفت تطوراً مهماً من حيث الأدوات، خصوصاً مع اعتماد الرقمنة والخدمات المندمجة. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة “التفريد” أو “التكييف الترابي” للسياسات العمومية. فاحتياجات شاب في الدار البيضاء ليست هي احتياجات شاب في الحوز أو جرادة أو زاكورة أو فكيك. لذلك، يجب أن تمنح الجهات والجماعات الترابية ودور الشباب هامشاً أكبر لتطوير برامج تستجيب لأولويات كل مجال، بدل اعتماد مقاربة موحدة على المستوى الوطني.

    بخصوص “جواز الشباب”، فأعتبره من بين المبادرات التي تحمل إمكانات كبيرة. فهو لا يقتصر فقط على تقديم تخفيضات أو خدمات، بل ساهم أيضاً في التعريف بحقوق وخدمات كانت موجودة منذ سنوات لكنها لم تكن معروفة لدى أغلب الشباب، مثل المراكز الصحية الخاصة بالشباب وبعض الخدمات العمومية الأخرى. وهذا في حد ذاته مكسب مهم.

    لكن لكي يتحول جواز الشباب إلى رافعة حقيقية للإدماج، ينبغي أن يتجاوز منطق “تجميع الخدمات” إلى منطق “مرافقة المسار”. أي أن يصبح منصة تربط الشاب بالتكوين، والتوجيه، وفرص الشغل، وريادة الأعمال، والصحة النفسية، والسكن، والثقافة، والعمل التطوعي، والمشاركة المواطنة، مع تتبع لمساره وليس فقط توفير خدمة معزولة.

    ومن النقاط التي أعتقد أنها تستحق مزيداً من التطوير، مسألة إشراك الشباب أنفسهم في تصميم السياسات العمومية. فغالباً ما نستشير الشباب بعد إعداد البرامج، بينما المطلوب هو إشراكهم منذ مرحلة التشخيص، ثم تصميم الحلول، ثم التتبع والتقييم. الشباب ليسوا فقط مستفيدين من السياسات، بل يجب أن يكونوا شركاء في إنتاجها. وهذا ما سيجعل البرامج أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم وأكثر قدرة على تحقيق الأثر.

    تشير المعطيات إلى وجود 1.5 مليون من الشباب في وضعية “NEET”، إلى أي حد يمكن لهذه البرامج أن تساهم في معالجة هذه الظاهرة، بالدرجة الأولى برنامج تدرج بالشراكة مع وزارة التشغيل، وأيضا التكوينات عبر الجمعيات بدور الشباب؟

    أما فيما يتعلق بظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل “NEET”، والتي تقدر بحوالي 1.5 مليون شاب، فهي تعكس تحدياً بنيوياً لا يمكن لأي برنامج بمفرده أن يحله. أيضا، برنامج “تدرج” والتكوينات التي تقدمها الجمعيات داخل دور الشباب تمثل خطوة مهمة، لكنها ستظل محدودة إذا لم تكن مرتبطة بمنظومة متكاملة تضم التوجيه المهني، والمواكبة الفردية، والتكوين المرتبط بحاجيات سوق الشغل، والتحفيز على المبادرة، وربط الشباب بالمقاولات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى تتبع المستفيدين بعد انتهاء التكوين لمعرفة من اندمج فعلاً ومن بقي خارج الدورة الاقتصادية.

    كما أعتقد أن الجمعيات يجب أن تُنظر إليها كشريك استراتيجي في تنفيذ السياسة العمومية للشباب، لأنها الأقرب إلى الواقع المحلي والأقدر على الوصول إلى الفئات الهشة، خاصة في المناطق التي يصعب على المؤسسات العمومية تغطيتها بنفس الفعالية.

    يمكن القول إن السنوات الخمس الماضية عرفت انتقالا مهما من منطق تنظيم الأنشطة إلى منطق تقديم الخدمات، وهو تحول إيجابي يجب تثمينه، لكن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال إلى مستوى ثالث: منطق صناعة الأثر، أي بناء سياسة شبابية قائمة على الإنصاف المجالي، وعلى إشراك الشباب منذ مرحلة التصميم، وعلى الاعتماد على المعطيات والاحتياجات الترابية، وعلى قياس النتائج الحقيقية في حياة الشباب وليس فقط عدد المستفيدين.

    فنجاح السياسة الشبابية لن يقاس بعدد التطبيقات أو التكوينات، وإنما بقدرتها على بناء مغرب بسرعة واحدة، لا يشعر فيه أي شاب، أينما كان، بأنه أقل حظا في الوصول إلى الفرص والخدمات.

  • كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يعزف الشباب عن السياسة، بل كيف يمكن للأحزاب أن تستعيد قدرتها على مخاطبة جيل تغيرت اهتماماته ووسائل تواصله وتطلعاته. وبين الاحتجاج والانتخابات، وبين الفضاء الرقمي والعمل الحزبي، تتجدد النقاشات حول مستقبل الوساطة السياسية ودور الشبيبات الحزبية في إعادة بناء الثقة.

    في هذا الحوار، يقدّم كريم عايش، محلل سياسي وباحث في القانون والعلاقات الدوليين، قراءة في واقع العلاقة بين الشباب والأحزاب بالمغرب، ويتوقف عند أسباب تنامي أشكال التعبير الجديدة، وآفاق تجديد الخطاب الحزبي، ودور المجتمع المدني والشبيبات في ترسيخ المشاركة السياسية لدى الأجيال الصاعدة.

    في تقديري، لا يمكن القول إن الشباب المغربي ابتعد عن السياسة كليا، بل ابتعد عن الأشكال التقليدية لممارسة السياسة. هناك جيل يعيش يوميا ضغط التشغيل، التعليم، الصحة، السكن، والهجرة، ويريد أجوبة سريعة وواضحة. عندما نعرف أن معدل البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغ حوالي 37.2 بالمئة سنة 2025، لدى نستطيع ان نفهم لماذا أصبح جزء من الشباب يشعر بأن الخطاب الحزبي لا يلامس دائما واقعه اليومي. وهذا لا يعني أن الأحزاب فقدت دورها، بل يعني أن عليها أن تقترب أكثر من لغة الشباب ومن قضاياه الملموسة.

    الأحزاب في الأصل لها وظيفة مهمة جدا؛ الدستور المغربي ينص على أنها تؤطر المواطنات والمواطنين وتساهم في تكوينهم السياسي وفي التعبير عن إرادة الناخبين. لذلك، المشكل ليس في وجود الأحزاب وهياكلها، بل في طريقة حضورها وسط الشباب. الشاب اليوم لا يريد فقط أن يسمع وعودا في فترة الانتخابات، بل يريد تواصلا مستمرا، حضورا في الجامعة، في الأحياء، في المنصات الرقمية، ويريد أيضا أن يرى شبابا حقيقيين داخل مواقع القرار الحزبي، لا فقط في الصفوف الخلفية.

    يمكن اعتبار هذه الاحتجاجات مؤشرا على وجود ضعف في الوساطة السياسية، لكن يجب أن نقول ذلك بحذر. الاحتجاج ليس دائما ضد الأحزاب أو ضد الانتخابات، بل أحيانا يكون رسالة قوية تقول إن هناك مطالب لم تجد طريقها الطبيعي عبر المؤسسات والهيئات الوسيطة. خلال العقد الأخير رأينا احتجاجات اجتماعية في مناطق مختلفة، وآخرها احتجاجات “جيل زد” حول قضايا مثل التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وتم تنظيم جزء كبير منها عبر “تيكتوك”، و”إنستغرام” و”ديسكورد” وهذا معناه أن جزءا من الشباب أصبح يعتبر المنصات الرقمية أسرع من القنوات الحزبية والنقابية والجمعوية.

    لكن في المقابل، لا ينبغي أن نسقط في فكرة أن الاحتجاج بديل كامل عن الحوارات والنقاشات المؤسساتية. فالاحتجاج ينبه، يضغط، يطرح السؤال، لكنه لا يصوغ بالضرورة السياسات العمومية ولا يحول المطالب إلى قوانين وميزانيات وبرامج. وهنا تظهر أهمية الأحزاب والانتخابات؛ لأن الاقتراع هو الذي يفرز المجالس الجماعية والجهوية والبرلمان، وهذه المؤسسات هي التي تملك أدوات القرار والمراقبة والمساءلة. لذلك، المطلوب ليس معارضة الاحتجاج بالانتخابات، بل خلق جسر بينهما: مطالب الشارع يجب أن تجد من يصغي إليها داخل الأحزاب والمؤسسات.

    الشبيبات الحزبية يمكن أن تلعب دورا أساسيا، لأنها الأقرب عمريا ونفسيا إلى الشباب. دورها لا يجب أن يبقى محصورا في تعبئة انتخابية موسمية أو في ترديد خطاب القيادات. فالمطلوب أن تتحول إلى فضاء للتكوين والنقاش والاقتراح، وأن تفتح نقاشات صريحة حول التشغيل، التعليم، الصحة النفسية، الرقمنة، المقاولة، المشاركة المحلية، والبيئة. المغرب اليوم يضم أكثر من 36,8 مليون نسمة، وجزء كبير من النقاش العمومي يمر عبر الشباب والفضاء الرقمي، وبالتالي لا يمكن لأي حزب أن يتجدد دون تجديد علاقته بهذه الف ولا يمكنه مسايرة التغيرات المجتمعية دون العودة والانصات للشباب..

    كما أن الشبيبات مطالبة بأن تكون مدرسة سياسية حقيقية، لا مجرد واجهة تنظيمية. يجب أن تُكَوِّن الشباب في فهم الدستور، الجماعات الترابية، الميزانية، دور البرلمان، ودور المنتخب. كثير من الشباب ينتقد السياسة لأنه لا يرى نتائج مباشرة، لكن جزءا من المشكل أيضا هو ضعف الثقافة المؤسساتية. عندما نشرح للشباب كيف تُتخذ القرارات، وكيف يمكن التأثير فيها عبر التصويت، العرائض، الجمعيات، الإعلام، والمجالس المنتخبة، نكون قد بدأنا فعلا في إعادة بناء الثقة. الثقة لا تعود بالشعارات، بل بالممارسة والقرب والصد في الخطاب السياسي الذي يلامس الهموم والانتظارات ويبرز سبل الحل وكيفية تحقيقه.

    أكيد، لأننا أمام جيل رقمي بامتياز. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، حوالي 76.9 بالمئة من الشباب ما بين 15 و34 سنة يستعملون الإنترنت، وهذا رقم مهم جدا، ويعني أن الشاب لا ينتظر البلاغ الحزبي الطويل ولا الندوة التقليدية فقط؛ فهو يتابع فيديوها قصيرة، وبودكاست، ونقاشات مباشرة، وتدوينات، أو محتوى بصريا مبسطا. لذلك، فتجديد الخطاب لا يعني تبسيط السياسة إلى حد التفاهة، بل يعني شرح السياسة بلغة مفهومة ومباشرة ومرتبطة بحياة الناس.

    لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن الرقمنة ليست فقط نشر صور وأنشطة على مواقع التواصل، فالخطاب الرقمي الناجح هو خطاب يتفاعل، يجيب، يعترف بالأخطاء، ويشرح المواقف دون تعالٍ.

    الشباب اليوم يميز بسرعة بين التواصل الحقيقي والتسويق السياسي، لذلك، إذا أرادت الشبيبات أن تكون مؤثرة، فعليها أن تذهب نحو محتوى يشرح مثلا ماذا يفعل المستشار الجماعي؟ كيف تُصرف ميزانية الجماعة؟ لماذا نصوت؟ كيف نحاسب المنتخب؟ هنا يصبح الخطاب الرقمي أداة للتربية السياسية، وليس مجرد دعاية.

    أرى أن هذا التوجه يمكن أن يكون إيجابيا إذا تم باحترام واضح لمنطق التربية المدنية، وليس بمنطق الاستقطاب المبكر أو التوظيف الحزبي الضيق. فالتلاميذ، حتى لو لم يكونوا ناخبين اليوم، هم مواطنو الغد. تعريفهم بالدستور، بالمؤسسات، بالمشاركة، بالانتخابات، وبقيم الحوار والاختلاف، يمكن أن يخلق جيلا أكثر وعيا وأقل نفورا من السياسة. في دول كثيرة، التربية على المواطنة تبدأ قبل سن التصويت، وهذا أمر طبيعي إذا كان الهدف هو تكوين وعي ديمقراطي لا توجيه اختيارات حزبية مسبقة.

    على المدى البعيد، مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة إذا احترمت ثلاثة شروط: الشفافية، التعددية، والبعد التربوي. بمعنى ألا تتحول المدرسة إلى مجال للدعاية، بل إلى فضاء لفهم الحياة العامة، وهنا يمكن لكل الشبيبات الحزبية، وليس شبيبة حزب واحد فقط، أن تساهم في تأهيل النقاش العمومي، لأن العملية الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط؛ بل قبل ذلك بسنوات، عبر بناء الثقة، وتكوين المواطن، وتعليمه أن صوته له قيمة، وأن السياسة ليست صراعا فارغا، بل وسيلة لتنظيم الاختلاف وخدمة الصالح العام. في انتخابات 2021 مثلا، بلغت المشاركة 50.18 بالمئة، وهذا رقم مهم، لكنه يذكرنا أيضا بأن توسيع المشاركة يحتاج عملا مستمرا مع الشباب قبل موعد الانتخابات، لا أثناء الحملة فقط.