لم يكن يوم 14 غشت 1979 مجرد تاريخ أضيف إلى رزنامة الأعياد الوطنية، ولا مجرد انتقال إداري لإقليم من وضع إلى آخر، ففي الذاكرة المغربية، يمثل استرجاع وادي الذهب لحظة التقت فيها روابط البيعة الموروثة، وإرادة سكان الإقليم، والتضحيات العسكرية، بجهود استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
ولا تكتمل قراءة هذه الذكرى من خلال مشهد البيعة الذي احتضنه القصر الملكي بالرباط وحده، بل ينبغي وضعها ضمن تسلسل تاريخي انطلق من انسحاب موريتانيا من الإقليم، ومعركة بئر أنزران في 11 غشت 1979، فبيعة وفود قبائل وادي الذهب للملك الحسن الثاني في 14 غشت، ثم إدماج الإقليم في التنظيم الإداري للمملكة وزيارة الملك الراحل الحسن الثاني للداخلة سنة 1980.
حلقة في مسار استكمال الاستقلال
تنظر الذاكرة الوطنية المغربية إلى استرجاع وادي الذهب باعتباره حلقة ضمن مسار طويل لم ينته بحصول المغرب على استقلاله سنة 1956، حيث استُرجعت طرفاية في 15 أبريل 1958، ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، قبل أن تفتح المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975 الطريق أمام إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء.
وسبق المسيرة الخضراء صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975، والذي أقر بوجود روابط قانونية من البيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الصحراء، ما اعتبرته الرباط إقرارا بروابط البيعة وتثبيتا لعنصر أساسي في الحجة التاريخية المغربية.
وفي اليوم نفسه أعلن الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء باعتبارها وسيلة سلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية. “محكمة العدل الدولية.
وأفضت اتفاقية مدريد الموقعة في 14 نونبر 1975 إلى إنهاء الوجود الإسباني وتقاسم إدارة الإقليم بين المغرب وموريتانيا، فأصبحت الساقية الحمراء تحت الإدارة المغربية، بينما تولت موريتانيا إدارة الجزء الجنوبي المعروف بوادي الذهب.
غير أن التطورات السياسية والعسكرية التي عرفتها موريتانيا دفعتها، في مطلع غشت 1979، إلى إنهاء وجودها في وادي الذهب.
وفي أعقاب هذا الانسحاب، أبرمت السلطات الموريتانية اتفاقا مع ميليشيا البوليساريو في الجزائر، تخلت بموجبه عن مطالبها في الجزء الذي كانت تسيطر عليه، وهو ما فتح الباب أمام تحول جديد في وضع وادي الذهب.
وبعد الانسحاب الموريتاني، اعتبر المغرب أن تخلي نواكشوط عن الإقليم لصالح البوليساريو يخلق وضعا يهدد مصالحه ووحدته الترابية، فتدخلت القوات المغربية في غشت 1979 وبسطت سيطرتها على المنطقة بعد انسحاب موريتانيا.
الانسحاب الموريتاني وخطاب الحسم
وتطرق الملك الحسن الثاني إلى الانسحاب الموريتاني من الصحراء ووضع وادي الذهب بوضوح في خطاب ألقاه خلال افتتاح الدروس الحسنية يوم 2 غشت 1979، أي بعد أسابيع قليلة من “الانقلاب” في موريتانيا وقبل تقديم وفود وادي الذهب بيعتها له.
موقف الملك الراحل كان أن على موريتانيا عدم تجاهل الالتزامات الدولية والاتفاقيات التي أبرمتها، وقال إن الاتفاقيات الدولية تلزم الدول الموقعة عليها، مضيفا أن نواكشوط لا يمكنها اتخاذ تشريع داخلي يتجاهل الاتفاقات المبرمة مع المغرب.
والأهم أنه ربط احتمال تخلي موريتانيا عن التزاماتها بمسؤولية المغرب في الدفاع عن مصالحه، قائلا إن المغرب سيكون عندها أمام “المسؤولية الوحيدة الضرورية الواجبة، وهي مسؤولية الدفاع عن البقاء”.
وبعد استرجاع وادي الذهب، عاد الملك الراحل الحسن الثاني إلى الموضوع في ندوة صحافية بفاس يوم 19 غشت 1979، وصف فيها ما سمي بـ”اتفاق الجزائر”، الذي أنهى الوجود الموريتاني في المنطقة، بأنه “بطاقة تافهة وقعت في لحظة عابرة”، عادا أن الاتفاق جعل وادي الذهب “أرضا خلاء” من الناحية القانونية لأنه أراد تسليمها إلى جهة لا يعترف بوجودها، أي الجبهة الانفصالية البوليساريو.
وشدد الحسن الثاني على أن توجه المغرب إلى الداخلة واستقباله سكانها كان دفاعا عن المشروعية وعن قرار محكمة العدل الدولية.
معركة السلاح دفاع عن الوحدة الترابية
قبل ثلاثة أيام فقط من احتفال المغرب باسترجاع وادي الذهب، شهدت منطقة بئر أنزران، في 11 غشت 1979، واحدة من أبرز المعارك في تاريخ القوات المسلحة الملكية بالصحراء.
فقد تعرض الموقع العسكري المغربي لهجوم واسع نفذته مرتزقة البوليساريو، وكان الهدف منه السيطرة على بئر أنزران وقطع الطريق أمام تثبيت الحضور المغربي في وادي الذهب.
وتدخل في المعركة الطيران المغربي، وغار فيها على قافلة من 500 سيارة مصفحة للعدو، واستشهد فيها 125 جنديا مغربيا، وتركت ميليشيا الجبهة الانفصالية ما يفوق 500 قتيل بالإضافة إلى خسائره في العتاد والذخيرة الحربية.
وبعد هذه المعركة دخل الجيش المغربي إلى إقليم وادي الذهب، وضمه إلى أقاليم المملكة، وأطلق على هذا الدخول “عملية قدر”.
لذلك، تحتل المعركة مكانة خاصة في الذاكرة العسكرية المغربية لأنها جاءت في لحظة حاسمة، كان يتقرر فيها مصير الإقليم بعد الانسحاب الموريتاني، ولهذا لا يمكن فصل استرجاع وادي الذهب عن تضحيات الجنود المغاربة الذين دافعوا عن بئر أنزران.
تجديد البيعة ووصل الجنوب بالشمال
في 14 غشت 1979، استقبل الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي في الرباط وفدا ضم علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب.
وجاء الوفد ليعلن تجديد البيعة للملك، مستحضرا روابط البيعة التي جمعت قبائل المنطقة بسلاطين المغرب عبر التاريخ.
ووقع وثيقة البيعة ممثلو قبائل أولاد دليم، والرقيبات أولاد الشيخ، وسكارنا، وآيت لحسن، وفيلالا، وآيت با عمران، وأولاد تيدرارين، والشيخ ماء العينين، وال محمد سالم، وتندغة.
وضمت أيضا لائحة الموقعين كلا من آل بارك الله، ويكوت، والميراكن، والرقيبات أولاد داود، والعروسيين، والزرفيين، والرقيبات السواعد، وأولاد اللب، وإد يقب، والمناصير.
ولخص الملك الراحل الحسن الثاني دلالة اللحظة مخاطبا علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب: “إننا قد تلقينا منكم اليوم البيعة، وسوف نرعاها ونحتضنها كأثمن وأغلى وديعة. فمنذ اليوم، بيعتنا في أعناقكم ومنذ اليوم، من واجباتنا الذود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوما إلى إسعادكم، وإننا لنشكر الله سبحانه وتعالى أغلى شكر وأغزر حمد على أن أتم نعمته علينا فألحق الجنوب بالشمال ووصل الرحم وربط الأواصر”.
وقام الملك الراحل بتوزيع السلاح رمزيا على ممثلي القبائل، في إشارة إلى أن البيعة تقترن بمسؤولية مشتركة في الدفاع عن الوحدة الترابية وحماية الإقليم، في مشهد جمع رمزية العرش، وتمثيلية القبائل، وإرادة الانتماء، وواجب الدفاع عن الأرض.
حضور مؤسساتي ورسائل لأعداء الوحدة الترابية
لم تتوقف عملية استرجاع إقليم وادي الذهب عند مراسم البيعة، إذ في اليوم نفسه، صدر المرسوم رقم 2.79.430 الذي أدرج وادي الذهب ضمن التقسيم الإداري للمملكة باعتباره الإقليم السادس والثلاثين.
ثم صدر في 20 غشت 1979 المرسوم رقم 2.79.659 المتعلق بتنظيم الدوائر والقيادات والجماعات التابعة للإقليم. وتكشف هذه الدقة الزمنية أن الدولة المغربية أرادت تحويل الدلالة التاريخية والسياسية للبيعة إلى حضور إداري ومؤسساتي مباشر. “التسلسل القانوني لأحداث سنة 1979.
وفي مارس 1980، انتقل الملك الحسن الثاني إلى الداخلة، حيث احتفل بعيد العرش وأقيمت مراسم الولاء، لتكون هذه الزيارة بمثابة تثبيت رمزي لوجود الدولة في الإقليم، ورسالة لأعداء الوحدة الترابية أن الداخلة لم تعد منطقة بعيدة عن مركز القرار، بل أصبحت فضاء يحتضن أحد أهم الطقوس السياسية في الدولة المغربية.
وبعد سبعة وأربعين عاما، يظل 14 غشت حاضرا في الوعي المغربي باعتباره اليوم الذي انتقلت فيه وادي الذهب من منطقة مهددة بالفراغ إلى عنوان لاستكمال الوحدة الترابية.
غير أن قصة الداخلة لم تتوقف عند لحظة الاسترجاع، فـ”لؤلؤة الجنوب”، التي دخلت التاريخ الوطني من بوابة الوحدة الترابية، أصبحت اليوم في قلب تحول اقتصادي وجيوسياسي أوسع، تقوده مشاريع الميناء الأطلسي والطريق السريع والطاقات المتجددة، إلى جانب المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
وإذا كان عام 1979 قد حسم سؤال الانتماء، فإن التحولات الجارية تطرح سؤال الوظيفة، وكيف انتقلت الداخلة من رمز تاريخي للوحدة إلى قطب اقتصادي وبوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي.
