الوسم: يونس السكوري

  • السكوري: “مغرب قاعات الانتظار” يحتاج إلى تغيير المسار والشباب في قلب الرهان

    السكوري: “مغرب قاعات الانتظار” يحتاج إلى تغيير المسار والشباب في قلب الرهان

    لم يعد النقاش حول القدرة الشرائية، بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مجرد حديث عن الأسعار أو الأجور، بل أصبح مدخلا لتشخيص أوسع لما يعتبره الحزب حالة يعيشها جزء من المجتمع المغربي، طبقة متوسطة تتراجع قدرتها على الصمود، وفئات محدودة الدخل تواجه ارتفاع كلفة الحياة، وشباب ينتظرون منذ سنوات فرصة للانطلاق.

    هذا التشخيص يضع شعار البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة” أمام رهان يتجاوز تقديم إجراءات متفرقة، نحو محاولة إعادة ترتيب الأولويات انطلاقا من الحياة اليومية للمغاربة.

    وفي حوار مع  “AM+ MEDIA”، أكد يونس السكوري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن البرنامج الانتخابي للحزب “يضع الأصبع على أولويات الشعب المغربي”، مشيرا إلى أن الطبقة المتوسطة توجد في مقدمة الفئات التي يستهدفها العرض الجديد.

    الطبقة المتوسطة أولوية في “تغيير المسار”

    يرى “البام” أن الطبقة المتوسطة كانت من بين الفئات التي لم تحظ بما يكفي من الاهتمام، رغم أنها تتحمل جزءا كبيرا من أعباء المعيشة والضرائب والنفقات اليومية.

    ومن هنا يأتي الإصلاح الضريبي كأحد أبرز مداخل البرنامج، على أن يبدأ تنزيله مع قانون المالية المقبل وبشكل تدريجي، بهدف منح الطبقة المتوسطة هامشا أكبر من القدرة المالية.

    أما بالنسبة إلى الفئات الأقل دخلا، فيقترح البرنامج إجراءات تستهدف المصاريف التي تثقل ميزانيتها بشكل مباشر، وفي مقدمتها فواتير الكهرباء، إلى جانب مجموعة من التدابير المرتبطة بالقدرة الشرائية.

    ويخصص “البام” نحو 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، وهو ما يربطه السكوري بمحاولة الحزب الاشتغال على الأولويات التي لمسها لدى المغاربة، بدل الاكتفاء بطرح إجراءات منفصلة عن واقعهم اليومي.

    من القدرة الشرائية إلى “مغرب قاعات الانتظار”

    لكن قراءة السكوري لا تتوقف عند الدخل والأسعار، فخلف أزمة القدرة الشرائية، يبرز في خطابه ما وصفه بصورة لافتة بـ”المغرب كله قاعات انتظار”.

    فالانتظار، وفق السكوري، لم يعد مرتبطا بفئة اجتماعية أو عمرية محددة، وإنما أصبح يطبع علاقة عدد من المواطنين بالمستقبل، سواء تعلق الأمر بالعمل أو الخدمات أو تحسين ظروف العيش.

    ويحضر الشباب بشكل خاص في هذه الصورة؛ فالشاب الذي يبلغ 18 أو 20 أو 22 سنة، يقول السكوري، يجد نفسه في مواجهة انتظار طويل لإيجاد فرصة أو مسار واضح، وهو ما يجعل سؤال المستقبل أكثر إلحاحا بالنسبة إلى جيل لا يريد أن يقضي سنواته في انتظار الحلول.

    ومن هذه الزاوية، يقدم “البام” شعار “تغيير المسار” باعتباره أكثر من مجرد شعار انتخابي، بل تعبيرا عن وعي، حسب السكوري، بضرورة بداية “حقبة سياسية جديدة”، تقوم على الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق الفعل.

    إدماج الشباب.. التكوين وحده لا يكفي

    وتظهر هذه الفكرة بشكل أوضح في الميثاق الثاني من البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة “إدماج الشباب”، الذي يضعه الحزب ضمن أبرز رهانات المرحلة المقبلة.

    ويشير السكوري إلى أن نحو 300 ألف شاب سنويا يغادرون المدرسة، خصوصا في مستويات مبكرة، دون أن يجدوا بالضرورة مسارا واضحا نحو الدراسة أو التكوين أو سوق الشغل.

    لكن المشكلة، وفق طرحه، لا تنتهي بمجرد توفير فرصة للتكوين، فالشاب الذي يلتحق بتدريب داخل مقاولة قد يجد نفسه أمام كلفة يومية مرتبطة بالتنقل والأكل، أو أمام مصاريف أكبر إذا اضطر إلى تغيير المدينة واستئجار مسكن.

    وفي هذه الحالة، يصبح الاستمرار في التكوين نفسه تحديا ماديا، حتى عندما تكون الفرصة متاحة، وهو ما يجعل إدماج الشباب مرتبطا أيضا بالظروف التي تحيط بمساره، وليس فقط بتوفير برنامج للتكوين.

    شباب وكفاءات.. رهان “البام” على تجربة التدبير

    وفي مقابل هذه التحديات، يربط عضو المكتب السياسي لـ”البام” قدرة الحزب على تنفيذ برنامجه بما يعتبره نقطة قوة أساسية، أي الجمع بين الطاقات الشابة والكفاءة والخبرة في التدبير.

    ويؤكد أن حضور الشباب داخل الأصالة والمعاصرة لا يعني غياب التجربة، مشيرا إلى وجود قيادات شابة من النساء والرجال، إلى جانب كفاءات سبق لها أن راكمت تجربة في تدبير ملفات على المستويين الترابي والوطني.

    وشدد على أن قيادات الحزب “منبثقة من الشعب المغربي”، معتبرا أن هذه الخلفية، إلى جانب تجربة التدبير، تمنح الحزب، حسب طرحه، المصداقية اللازمة لتحويل برنامجه إلى سياسات عمومية.

    ويستند السكوري في هذا السياق إلى حجم البرنامج الانتخابي نفسه، الذي تقدر كلفته بنحو 350 مليار درهم، ويتضمن 20 التزاما موزعة على خمسة مواثيق، مؤكدا أن البرنامج يتوفر على تصور لمصادر تمويله.

    وبالنسبة إلى السكوري، فإن شعار “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة”، يحمل بالتالي التزاما أخلاقيا وقيميا، لأن الحديث عن مرحلة سياسية جديدة وتنزيل برنامج بهذا الحجم يفترض الثقة في الكفاءات والنزاهة والقدرة على التدبير.

  • مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    مهدي فقير: التدرج المهني رافعة أساسية لتعزيز قابلية التشغيل

    يشكل تقييم أداء سوق الشغل محطة أساسية لفهم أثر السياسات العمومية على الاقتصاد والمجتمع، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

    وبين المؤشرات المتعلقة بإحداث فرص الشغل، وبرامج الإدماج والتكوين، والإصلاحات المرتبطة بالاستثمار، تبرز الحاجة إلى قراءة اقتصادية تضع هذه المعطيات في سياقها العام.

    ويرى خبراء أن تقييم هذه الحصيلة يقتضي التمييز بين الظرفية الاستثنائية التي انطلقت منها الولاية وبين الاختلالات البنيوية التي كانت وما تزال تطبع سوق الشغل المغربي، وفي مقدمتها ضعف التوازن بين العرض والطلب، وإشكالية ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، واستمرار بطالة الشباب.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي، المهدي فقير، قراءة في واقع سوق الشغل بالمغرب، ويحلل دلالات أرقام حصيلة الوزارة الوصية، كما يتوقف عند حدود السياسات العمومية في هذا المجال، ويبرز أهمية التكوين المهني والتدرج المهني باعتبارهما من أبرز المداخل لتعزيز قابلية إدماج الشباب في سوق العمل.

    وضعية سوق الشغل بالمغرب كانت دائما مطبوعة بالهاجس المتعلق بالبطالة، ويجب أن نعترف أن سنة 2020 كانت سنة كارثية، بحكم جائحة كورونا وتلتها فترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، وهذا أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة.

    بالتالي، ليس دفاعا عن الحكومة، لكن أعتقد أن تركيبة سوق الشغل لم تختلف كثيرا، ومع الأسف كل الجهود لم تمكن من إعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل.

    التكوينات هناك تكوينات قابلة للإدماج، ولكن ما يزال هناك تكوينات غير قابلة، إضافة إلى أن هناك إشكالية ثقافية في تأهيل الشباب من أجل ولوج سوق الشغل، وهذا شيء مهم جدا، ونحن أمام ظاهرة شباب “NEET” التي تؤثر بشكل كبير على قابلية الشباب للدخول لسوق الشغل.

    بالتالي، فالكوارث التي وقعت على الصعيد الدولي كان لها تداعيات، والتضخم العالمي كان عاملا مؤثرا بدرجة كبيرة، والمغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع.

    إحداث 851 ألف فرصة عمل يبقى رقما حسابيا ورد في حصيلة الحكومة، لكن يجب أن نوضح ماذا نقصد؟ إذا كانت فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كانت عرضية ومؤقتة وليست دائمة فلا يمكن اعتبارها خلقا لفرص الشغل.

    واليوم، هناك نقاش حول ماهية الإحصائيات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني، لكننا في المغرب ما زلنا قاصرين على خلق سياسات إدماجية، ونحتاج دائما تدخل الحكومة هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج.

    لكن هذا التدخل ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يسمى “FIRST JOB ACT” ومعتمدة في أمريكا وفرنسا، والمغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل.

    تجربة المكتب الوطني للتكوين المهني كانت سباقة في هذا الباب واستجابة لحاجيات السوق وقابلية الإدماج، لأن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل كان الركيزة والمعيار والبديل لخلق فرص الإدماج عن طريق التكوين المهني، وبالتالي فمدن الكفاءات في بدايتها مدعمة بأجيال جديدة من المعاهد ومؤسسات التكوين فلسفتها التي أحدثت من أجلها هي الإدماج انطلاقا من حاجيات سوق الشغل.

    كما أن التدرج المهني اليوم هو أهم خيار وأفضل بديل من أجل امتصاص بطالة الشباب لأنه يتيح تكوينات مواتية لروح ومتطلبات العصر، وتمكن أيضا من دعم التكوين المستمر الذي هو آلية هامة للحفاظ على استقرار وفرص الشغل، وهي مسألة مهمة وتعد أحد الحلول.

    لكن يجب الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي أن تكون هناك مقاربة شاملة تتماهى مع منظومة التكوين الأكاديمي وكذلك النموذج الاقتصادي، الذي يجب أن يكون دامجا وخالقا للثروة وفرص الاندماج المهني على المديين المتوسط والطويل.

  • كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    كيف تحوّلت تداعيات الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء سياسات التشغيل بالمغرب؟

    يظل ملف التشغيل أحد أكثر الملفات تعقيدا في أي حصيلة حكومية، كونه المجال الذي تختبر فيه السياسات العمومية قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل حقيقية.

    وخلال الولاية الحكومية الحالية، وجد المغرب نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، فرضتها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع معدلات التضخم، والاضطرابات الجيوسياسية، إلى جانب سنوات الجفاف المتتالية وزلزال الحوز والفيضانات التي ضربت العديد من المدن المغربية، وهي عوامل ألقت بظلالها على دينامية سوق الشغل ورفعت منسوب الانتظارات بشأن قدرة الحكومة على الحد من البطالة وتحفيز الإدماج المهني.

    وفي مواجهة هذه الإكراهات، راهنت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات على حزمة من البرامج والإصلاحات الرامية إلى تنشيط سوق الشغل، وتعزيز قابلية التشغيل، وتوسيع فرص التكوين والإدماج المهني، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب والنساء.

    سوق شغل هش عند بداية الولاية

    “كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب تتالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي”، يؤكد محمد جدري، الخبير الاقتصادي ومدير المرصد للعمل الحكومي.

    وبالعودة إلى آخر أشهر في الولاية الحكومية السابقة، تكشف معطيات 2021، استنادا إلى مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط، أن الحكومة الحالية تسلمت ملف التشغيل في سياق بالغ الصعوبة، كان فيه أكثر من 4.47 ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة (من أصل 5.9 ملايين شاب) خارج سوق الشغل، أي ما يمثل 76.1 في المئة من هذه الفئة العمرية، بينما لم يكن يشتغل سوى 962 ألف شاب، مقابل 448 ألف شاب عاطل عن العمل.

    ولم يتجاوز معدل نشاط الشباب 23.9 في المئة، مقابل 45.3 في المئة بالنسبة لمجموع السكان، مع تفاوت كبير بين الذكور والإناث، حيث لم يتعد معدل نشاط النساء الشابات 12.1 في المئة.

    وظل ارتفاع معدل البطالة ملحوظا لدى الشباب بين سنتي 2019 و2021 بـ6.9 نقطة مقابل 3.1 نقطة لدى مجموع السكان النشيطين، وبلغ معدل البطالة، على المستوى الوطني، 31.8 بالمئة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة مقابل 13.7 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 سنة و 3.8 بالمئة بالنسبة للأشخاص الذين البالغين 45 سنة أو أكثر.

    ولم تكن الأزمة مرتبطة بندرة فرص العمل فقط، بل أيضا بجودة التشغيل، إذ كشفت مذكرة مندوبية التخطيط آن ذاك أن 41.9 في المئة من الشباب المشتغلين يزاولون عملا غير مؤدى عنه، بينما كان أكثر من 73 في المئة من الأجراء الشباب يشتغلون دون عقد عمل، في وقت بلغت فيه بطالة الشباب 31.8 في المئة، وارتفعت إلى أكثر من 61 في المئة في صفوف الحاصلين على شهادات عليا، في مؤشر على ضعف قدرة الاقتصاد على استيعاب الكفاءات.

    بهذا الصدد، يشدد المحلل والخبير الاقتصادي، المهدي فقير، على أن “سنة 2020 كانت سنة كارثية بامتياز للاقتصاد المغربي، بحكم جائحة كورونا وفترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، ما أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة”.

    ويرى أن القلاقل التي طبعت تلك الفترة على الصعيد الدولي، كان لها تأثيرات كبيرة على التضخم العالمي، وبالتالي، المغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع غير المستقرة”.

    خارطة طريق جديدة للتشغيل

    بدوه، يؤكد جدري أن الحكومة انطلقت من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، ما يجعل تقييم حصيلة قطاع التشغيل مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة، لأن المطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة، وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    وفي مواجهة هذا الواقع، اختارت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الانتقال من تدبير برامج متفرقة إلى اعتماد خارطة طريق وطنية للتشغيل، تقوم على تعبئة مختلف القطاعات الحكومية وربط الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية بهدف خلق فرص الشغل.

    وتؤكد الحصيلة المرحلية لوزارة يونس السكوري أن مختلف التدخلات مكنت من إحداث أكثر من 851 ألف فرصة شغل خلال الولاية الحالية، في وقت سجل فيه الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 وحدها إحداث 193 ألف منصب شغل صاف، منها 249 ألف منصب مأجور، مقابل تراجع عدد المناصب غير المأجورة بـ55 ألف منصب، بما يعكس تحولا تدريجيا نحو التشغيل المنظم.

    كما تراجع معدل التشغيل غير المهيكل خارج القطاع الفلاحي من 36.3 في المئة سنة 2021 إلى 33.1 في المئة سنة 2025، بالتوازي مع ارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بأكثر من 500 ألف أجير، ليتجاوز أربعة ملايين مصرح بهم لأول مرة.

    غير أن مهدي فقير ينبه إلى أن خلق 851 ألف فرصة عمل يبقى “حديثا فضفاضا”، موضحا أنه “إذا كان الحديث عن خلق فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كان عرضيا ومؤقتا وليس دائما فلا يمكن اعتباره خلقا لفرص الشغل”، مضيفا “اليوم هناك نقاش حول ماهية الإحصاءات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني”.

    وأشار إلى أن المغرب ما يزال قاصرا على خلق سياسات إدماجية في مجال التشغيل، موضحا وجهة نظره بالقول: “نحتاج دائما تدخلا حكوميا هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج، وهذا ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يمسى ‘FIRST JOB ACT’ ومعتمدة في أمريكا وفرنسا”، لافتا إلى أن “المغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات في القطاع، لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل”.

    الإدماج المهني يقفز بـ45 بالمئة

    وكان برنامج “أوراش” أول تدخل لمواجهة تداعيات الجائحة على التشغيل، حيث استهدف الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، خاصة غير الحاصلين على مؤهلات عالية.

    وأسفر البرنامج عن استفادة 224.371 شخصا، بنسبة إنجاز بلغت 90 في المئة، بينما بلغ غلافه المالي حوالي 4.5 مليارات درهم، مع تخصيص حوالي ثلث المناصب لفائدة النساء.

    أيضا، عملت الوزارة، وفق معطيات تحصلت عليها جريدة “AM+ MEDIA”، على إعادة توجيه برامج التشغيل النشيطة، فقد بلغ مجموع الإدماجات المهنية 694.415 إدماجا، منها 594.981 عبر برنامج “إدماج” و99.434 عبر برنامج “تحفيز”، كما ارتفع عدد الإدماجات السنوية من 112.733 سنة 2021 إلى 163.259 سنة 2025، بزيادة قاربت 45 في المئة.

    وفي المقابل، استفاد 339.893 شخصا من برامج التأهيل، بينما تجاوز عدد المستفيدين من خدمات التوجيه والمواكبة التي تقدمها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات 1.34 مليون مستفيد.

    ودعمت “وزارة السكوري” التشغيل الذاتي، حيث تمت مواكبة 38.788 مشروعا، وإحداث 11.482 مقاولة صغيرة أو نشاطا مدرا للدخل، أسهمت في توفير 18.370 منصب شغل، فضلا عن استفادة أكثر من 50 ألف شخص من برنامج “انطلاقة”، وإطلاق النسخة الثالثة من برنامج “من أجلك” الذي مكن من مواكبة 1.089 مقاولة نسائية وتكوين 8.099 امرأة.

    مناصب الشغل في قلب دعم الاستثمار

    أحد أبرز التحولات خلال الولاية الحالية، تمثلت في جعل خلق فرص الشغل معيارا أساسيا للاستفادة من الدعم العمومي في إطار الميثاق الجديد للاستثمار، وفق ما يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد جدري.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يشكل تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات، لأن ربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين.

    وبالعودة إلى الحصيلة المرحلية لوزارة التشغيل، أسفرت المشاريع التي تمت المصادقة عليها عن تعبئة استثمارات بقيمة 586.6 مليار درهم، موزعة على 381 مشروعا، يرتقب أن توفر أكثر من 245.500 منصب شغل، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والسياحة والصناعات الغذائية.

    ويعكس هذا التوجه انتقال سياسة الاستثمار من منطق تشجيع الرساميل إلى ربطها مباشرة بالأثر الاجتماعي وخلق فرص العمل، وفق رئيس المرصد للعمل الحكومي، الذي نبه أيضا إلى ضرورة الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    التكوين المهني لسد فجوة الكفاءات

    بالتوازي مع برامج التشغيل، توسعت منظومة التكوين المهني، إذ تظهر الحصيلة المرحلية للوزارة ارتفاع عدد مؤسسات التكوين من 668 إلى 792 مؤسسة، بينما ارتفع عدد المتدربين من حوالي 291 ألفا إلى أكثر من 526 ألف متدرب، أي بزيادة بلغت 80 في المئة.

    كما دخلت 10 مدن للمهن والكفاءات حيز الخدمة بطاقة استيعابية تصل إلى 34 ألف مقعد بيداغوجي، واستقبلت حوالي 58.872 متدربا، مع تركيز العرض التكويني على القطاعات الأكثر إحداثا لمناصب الشغل، وفي مقدمتها الصناعة، والتدبير والتجارة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

    وفي السياق نفسه، تم توسيع التكوين بالتدرج المهني، مع برمجة بلوغ 100 ألف مستفيد سنويا، باعتباره أحد المسارات الموجهة لإدماج الشباب غير الحاصلين على شهادات.

    ويقرأ الخبير الاقتصادي المهدي فقير هذه الأرقام باعتبارها امتدادا لنهج يقوم على ربط سياسات التشغيل بمنظومة التكوين، معتبرا أن المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل كان سباقا إلى اعتماد هذا التوجه من خلال تكوينات تستجيب لحاجيات سوق الشغل وتوفر قابلية أكبر للإدماج المهني.

    ويرى أن “مدن الكفاءات” تعزز هذا المسار، باعتبارها مؤسسات تقوم فلسفتها على تكوين الموارد البشرية انطلاقا من الاحتياجات الفعلية للمقاولات والقطاعات الاقتصادية.

    ويضيف أن التدرج المهني يشكل اليوم أحد أبرز الخيارات لامتصاص بطالة الشباب، لما يوفره من تكوينات مواكبة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب دعمه للتكوين المستمر باعتباره آلية للحفاظ على استقرار مناصب الشغل.

    لكن فقير يشدد على أن فعالية هذه البرامج تظل رهينة باعتماد مقاربة أشمل، تنسق بين منظومة التكوين الأكاديمي والنموذج الاقتصادي، بما يضمن خلق الثروة وتوفير فرص إدماج مهني مستدامة على المديين المتوسط والطويل.

    بين حصيلة البرامج وتحديات السوق

    ورغم هذه الدينامية، ما تزال الحكومة تواجه تحديات مرتبطة باستمرار ارتفاع البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتأثير التغيرات المناخية والظرفية الدولية على قدرة الاقتصاد على خلق مناصب الشغل بالوتيرة المطلوبة.

    ويرى محمد جدري بهذا الصدد أن التقدم المحقق لا يخفي حقيقة التحديات الكبيرة التي تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    وشدد جدري على أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، لافتا إلى أن الرهان أمام الحكومة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    يشكل القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل أحد أبرز مخرجات الحوار الاجتماعي لسنة 2026، بعدما تقدمت به وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، وصادق عليه البرلمان بغرفتيه، في خطوة تروم إخضاع حراس الأمن الخاص لمدة الشغل القانونية العادية المحددة في ثماني ساعات يوميا، بدل نظام الاثنتي عشرة ساعة الذي ظل معمولا به لسنوات.

    ويأتي هذا الإصلاح استجابة لمطالب نقابية وحقوقية متواصلة، كما يندرج ضمن توجه يهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وإنهاء الاستثناء القانوني الذي ظل يميز هذه الفئة عن باقي الأجراء.

    استثناء قانوني

    عانى حراس الأمن الخاص لسنوات من نظام استثنائي يتيح تشغيلهم لمدة تصل إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا مقابل الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية، باعتبارهم ضمن فئة الحراس الذين تعد أشغالهم ذات طبيعة متقطعة.

    ويستند هذا التصنيف إلى مقتضيات المادة 193 من مدونة الشغل، التي اعتبرت أن بعض المهن تكون “معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي”، وهو ما كان يشمل حراس الأمن الخاص إلى جانب فئات مهنية أخرى.

    ويعني ذلك أن المشرِّع اعتبر أن بعض فئات الأجراء لا تؤدي عملا متواصلا طوال فترة وجودها داخل مقر العمل، وإنما تتخلل عملها فترات انتظار أو راحة، الأمر الذي شكل أحد المبررات لإخضاع هذه الفئة لنظام استثنائي في تنظيم مدة العمل.

    وينسجم هذا التوجه مع مقتضيات المادة 190 من مدونة الشغل، التي تجيز تمديد مدة الشغل إلى اثنتي عشرة ساعة كحد أقصى عندما يكون العمل متقطعا بطبيعته، أو عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال تحضيرية أو تكميلية يتعذر القيام بها داخل مدة الشغل العادية، بما يعكس تمييز المشرِّع المغربي بين ساعات الحضور وساعات العمل الفعلية.

    وفي المقابل، تعالج المادة 192 وضعا مختلفا لا يرتبط بطبيعة العمل، وإنما بحالات استثنائية وطارئة، إذ تجيز تمديد مدة الشغل عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال مستعجلة، من قبيل اتقاء أخطار وشيكة، أو تنظيم تدابير النجدة، أو إصلاح ما تلف من معدات وتجهيزات وبنايات المقاولة.

    كما حددت المادة نطاق هذا التمديد زمنيا، من خلال السماح بالاستمرار في العمل طيلة يوم واحد، ثم تمديده بساعتين خلال الأيام الثلاثة الموالية، مما يؤكد أن الأمر يتعلق بتدبير استثنائي ومؤقت لمواجهة أوضاع طارئة، وليس نظاما دائما لتنظيم مدة الشغل.

    غير أن التحولات التي عرفها قطاع الحراسة الخاصة خلال السنوات الأخيرة جعلت استمرار إخضاع حراس الأمن الخاص لهذا التصنيف محل نقاش، بعدما أصبحت مهامهم تقوم على المراقبة المستمرة، وتأمين المؤسسات والمنشآت، ومراقبة الولوج، واستعمال أنظمة المراقبة الإلكترونية، والتدخل في الحالات الاستعجالية، الأمر الذي جعل ساعات حضورهم تقترب، في كثير من الأحيان، من ساعات العمل الفعلية.

    وفي هذا السياق، برزت مطالب نقابية وحقوقية تدعو إلى مراجعة هذا الاستثناء القانوني، معتبرة أن طبيعة عمل حراس الأمن الخاص لم تعد تنسجم مع المقتضيات الواردة في المادة 193 من مدونة الشغل المتعلقة بالأعمال ذات الطبيعة المتقطعة، وهو ما فتح الباب أمام مراجعة الإطار القانوني المنظم لمدة عمل هذه الفئة المهنية.

    ماذا تغير في مدونة الشغل؟

    جاء القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من مدونة الشغل ليضع حدا لهذا الوضع، من خلال إضافة مقتضى يستثني الحراس المرتبطين بعقود شغل مع المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة، طبقا للتشريع الجاري به العمل، من فئة الحراس الذين تعتبر أشغالهم ذات طبيعة متقطعة. ويترتب عن هذا التتميم إخضاع هذه الفئة للمقتضيات العامة المتعلقة بمدة الشغل القانونية المطبقة على باقي الأجراء، أي ثماني ساعات يوميا.

    وبموجب هذا التعديل، سيصبح حراس الأمن الخاص خاضعين لمقتضيات المادة 184 من مدونة الشغل، التي تحدد مدة الشغل القانونية في ثماني ساعات يوميا، وهو ما يكرس مبدأ المساواة بين الأجراء، ويعزز الحماية القانونية لفئة ظلت لسنوات تستفيد من حقوق أقل فيما يتعلق بتنظيم وقت العمل.

    ولا يقتصر أثر هذا التعديل على تقليص ساعات العمل، بل يعكس أيضا توجها نحو ملاءمة التشريع الاجتماعي مع التحولات التي يعرفها قطاع الحراسة الخاصة، ومع المعايير الحديثة للعمل اللائق، بما يضمن حماية أفضل للأجراء وتحسين ظروف اشتغالهم.

    وفي هذا السياق، أشار وزير الشغل والتكوين المهني السابق، جمال أغماني، إلى أن هذا التعديل يمثل أول مراجعة تهم مدونة الشغل منذ دخولها حيز التنفيذ سنة 2004، معتبرا أنه يشكل خطوة مهمة نحو إنصاف حراس الأمن الخاص بعد سنوات من خضوعهم لنظام استثنائي.

    وأوضح أغماني في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن اعتماد مدة الشغل القانونية المحددة في ثماني ساعات من شأنه أن يعزز الحقوق القانونية والاجتماعية لهذه الفئة، ويضعها على قدم المساواة مع باقي الأجراء.

    وفي المقابل، نبه إلى أن تنزيل هذا الإصلاح قد يواجه تحديات عملية، بالنظر إلى أن حراس الأمن الخاص لا يشتغلون فقط داخل الإدارات العمومية أو المقاولات الكبرى، بل يوجدون أيضاً داخل الإقامات والتجمعات السكنية وغيرها من الفضاءات التي قد تجد صعوبة في تحمل الكلفة المالية الناتجة عن توظيف عدد أكبر من الحراس.

    ورغم ذلك، اعتبر أن المؤسسات العمومية ستكون قادرة على احترام المقتضيات الجديدة من خلال تضمينها في دفاتر التحملات والصفقات العمومية، بما يضمن التطبيق الفعلي للإصلاح.

    قانون مع وقف تنفيذ مؤقت

    لم يقتصر الإصلاح على تقليص ساعات العمل، وإنما رافقه تنظيم قانوني يهدف إلى ضمان تنزيله بشكل سلس، بالنظر إلى ارتباط عدد من شركات الحراسة بصفقات عمومية وخاصة أبرمت وفق نظام الاثنتي عشرة ساعة.

    فبينما يدخل القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، نص المشروع على مقتضى انتقالي يمنح المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة أجلا أقصاه اثنا عشر شهرا لتسوية أوضاعها وملاءمة عقودها مع الأحكام الجديدة، وذلك بالنسبة لعقود الشغل الناشئة عن العقود المبرمة قبل هذا التاريخ.

    ويهدف هذا الأجل الانتقالي إلى تمكين شركات الحراسة والجهات المتعاقدة معها من مراجعة الصفقات السارية، وإعادة تنظيم مواردها البشرية وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة للانتقال إلى نظام الثماني ساعات، بما يضمن استمرارية الخدمات واحترام المقتضيات القانونية الجديدة دون إحداث اضطرابات في سير المرافق والمؤسسات المستفيدة من خدمات الحراسة.

    رهانات اجتماعية واقتصادية للإصلاح

    ومن المرتقب أن يحمل هذا الإصلاح أبعادا اجتماعية واقتصادية متعددة، إذ من الناحية الاجتماعية، يرتقب أن يسهم في تحسين ظروف اشتغال حراس الأمن الخاص والحد من الإرهاق البدني والضغط النفسي الذي تسببه ساعات العمل الطويلة، فضلا عن تمكينهم من تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والأسرية.

    وفي هذا السياق، أكد الكاتب المحلي للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ بسلا، منير سنينة، أن عددا كبيرا من حراس الأمن الخاص يعانون من ساعات عمل طويلة تصل أحيانا إلى 12 ساعة يوميا، الأمر الذي انعكس سلبا على صحتهم الجسدية والنفسية، مشيرا إلى استمرار عدد من الإشكالات المرتبطة بعدم احترام بعض الحقوق القانونية، من قبيل الاستفادة من العطل السنوية، والتعويض عن الساعات الإضافية، والتصريح الكامل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فضلا عن قضايا الأقدمية والحقوق النقابية.

    وأضاف أن التطبيق الفعلي لنظام الثماني ساعات من شأنه أن ينعكس إيجابا على جودة الخدمات الأمنية، معتبرا أن حارس الأمن الذي يشتغل في ظروف لائقة يكون أكثر يقظة وتركيزا وقدرة على أداء مهامه، بما يعزز أمن المؤسسات ويحسن جودة الخدمات المقدمة.

    وعدّ سنينة أن هذا التحول سيدفع الشركات إلى تنظيم مواردها البشرية بشكل أفضل، والحد من الاعتماد على ساعات العمل المفرطة.

    أما على المستوى الاقتصادي، فمن المرتقب أن يدفع اعتماد نظام الثماني ساعات شركات الحراسة إلى إعادة تنظيم أنماط العمل والانتقال تدريجيا نحو نظام يعتمد موارد بشرية كافية، وهو ما قد يساهم في خلق فرص شغل جديدة واستيعاب عدد أكبر من العاملين.

    وفي المقابل، ستتحمل المقاولات أعباء مالية وتنظيمية إضافية مرتبطة بتوظيف موارد بشرية جديدة وإعادة هيكلة العقود والصفقات.

    ترحيب نقابي وتحذير من عراقيل التنزيل

    ولم يقتصر النقاش حول تعديل المادة 193 على الجوانب القانونية والتنظيمية فحسب، بل امتد أيضا إلى مدى قدرة مختلف المتدخلين على ضمان تنزيله الفعلي على أرض الواقع. وفي هذا السياق، اعتبرت النقابات المهنية أن هذا الإصلاح يشكل خطوة مهمة نحو تحسين أوضاع حراس الأمن الخاص، مع التأكيد على أن نجاحه يظل رهيناً بآليات المراقبة واحترام المقتضيات الجديدة من طرف مختلف الجهات المعنية.

    وفي هذا الإطار، اعتبرت الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، لبنى نجيب، أن المصادقة على مشروع القانون تمثل “مكسبا تاريخيا” لفائدة حراس الأمن الخاص، مؤكدة أن هذا الإصلاح هو ثمرة سنوات من الترافع والنضال النقابي.

    وأوضحت أن النقابة تابعت هذا الملف منذ مراحله الأولى، معبرة عن تفاؤلها بعد المصادقة على المشروع، خاصة في ظل التخوفات التي كانت مطروحة بشأن تأخر إخراجه إلى حيز التنفيذ.

    وأشارت لبنى نجيب إلى وجود تنسيق مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات لمواكبة تنزيل هذا الورش، مع تأكيدها أن التنزيل الفعلي سينطلق ابتداءً من فاتح يناير 2027، بما يسمح للشركات بملاءمة أوضاعها وتجديد عقودها.

    وفيما يتعلق بضمان احترام المقتضيات الجديدة، شددت المتحدثة على أهمية دور مفتشيات الشغل والوزارة في مواكبة التنفيذ ومراقبته، مشيرة إلى أن عددا من المؤسسات العمومية شرعت بالفعل في مراجعة صفقاتها وفق نظام الثماني ساعات.

    وأكدت النقابية أن نجاح الإصلاح يقتضي أيضا التزام الإدارات العمومية بعدم الضغط على شركات الحراسة لتقديم خدمات بأثمان لا تراعي الكلفة الحقيقية لتطبيق النظام الجديد، معتبرة أن دور النقابة لن يتوقف عند المصادقة على القانون، بل سيشمل تتبع مدى احترامه ورصد مختلف الخروقات المحتملة.

    لذلك، فالأثر الحقيقي لهذا الإصلاح سيظل رهينا بمدى احترام شركات الحراسة الخاصة والجهات المستفيدة من خدماتها للمقتضيات الجديدة، فضلا عن قدرتها على ملاءمة صفقاتها ومواردها المالية مع النظام الجديد، بما يضمن انتقالا سلسا من نظام الاثنتي عشرة ساعة إلى نظام الثماني ساعات، ويحول هذا التعديل من مجرد مقتضى قانوني إلى مكسب اجتماعي ينعكس فعليا على ظروف عمل حراس الأمن الخاص بالمغرب.