الوسم: وزير العدل

  • بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، ابتداء من اليوم الخميس، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026.

    ونص الظهير على تنفيذ القانون ونشره كما وافق عليه مجلسا النواب والمستشارين، وذلك بعد الاطلاع على قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026، والذي صرحت بموجبه بـ”تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها”.

    وكانت المحكمة قد سجلت أن رسالة الإحالة الموجهة إليها من رئيس مجلس النواب أُرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وبنسخة من المشروع كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، من دون إرفاق النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز.

    واعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص المراد فحص دستوريته يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية، وبذلك كان “قرار المحكمة الدستورية” إجرائيا، ولم يتضمن حكما موضوعيا بشأن دستورية مقتضيات القانون.

    دخول فوري واستثناءات تنظيمية

    ونصت المادة 146 من القانون الجديد على دخوله حيز التنفيذ في تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي ابتداء من 20 غشت 2026، غير أن المشرع استثنى من النفاذ الفوري مقتضيات المواد 12 و39 والبند 11 من المادة 121، إذ لن تدخل هذه الأحكام حيز التنفيذ إلا بعد صدور النصوص التنظيمية الضرورية لتطبيقها ونشرها بدورها في الجريدة الرسمية.

    وبموجب القانون الجديد، ينسخ ابتداء من 20 غشت 2026 القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، غير أن القانون أقر مجموعة من المقتضيات الانتقالية لضمان استمرارية المؤسسات والمساطر المهنية.

    وفي هذا الإطار، ستستمر أجهزة هيئات المحامين القائمة حاليا في أداء المهام المسندة إليها، إلى حين تولي الأجهزة الجديدة مهامها، إثر انتخابها خلال شهر دجنبر الموالي لتاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، كما تتولى الأجهزة الحالية اتخاذ الإجراءات الضرورية لتنظيم هذه الانتخابات.

    ويستمر العمل بمقتضيات القانون رقم 28.08 في ما يتعلق بشروط الترشح لمهنة المحاماة والحصول على شهادة الأهلية، إلى حين شروع معهد تكوين المحامين في ممارسة مهامه بصورة فعلية.

    وحافظ القانون على الوضعية القانونية للمترشحين الحاصلين على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة قبل 20 غشت 2026، شريطة ألا يتجاوز سنهم 50 سنة عند تقديم طلب التسجيل في لائحة المحامين المتمرنين لدى إحدى هيئات المحامين.

    ويستفيد هؤلاء من مقتضيات القانون السابق في ما يخص التمرين والتسجيل في جدول الهيئة، بما يحول دون تأثر مراكزهم القانونية بالقواعد الجديدة بعد حصولهم على شهادة الأهلية في ظل التشريع المنسوخ.

    وتشمل المقتضيات الانتقالية كذلك المتابعات التأديبية التي تم تحريكها قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إذ يستمر تطبيق القانون رقم 28.08 عليها إلى حين صدور قرارات نهائية بشأنها.

    أيضا، تظل النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق قانون 2008 سارية المفعول إلى حين تعويضها بنصوص جديدة، تفاديا لأي فراغ قانوني أو مؤسساتي خلال المرحلة الانتقالية.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

  • وهبي: مدونة الأسرة بلغت مرحلة “الروتوشات” الأخيرة وستكون جاهزة في هذا الموعد

    وهبي: مدونة الأسرة بلغت مرحلة “الروتوشات” الأخيرة وستكون جاهزة في هذا الموعد

    كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن مدونة الأسرة الجديدة ستكون جاهزة خلال الدورة الأولى من السنة التشريعية المقبلة، بعدما أدى ضغط الأجندة التشريعية إلى تأخيرها، مؤكدا أن المشروع بلغ مرحلة “الرتوشات الأخيرة”.

    وأوضح وهبي، في حوار مع قناة “المشهد” الإماراتية، أن إصلاح مدونة الأسرة لا يمثل مجرد تعديل قانوني أو تقني، بل يشكل نقاشا مجتمعيا واسعا تتداخل فيه المرجعية الدينية مع الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية والفكرية.

    وعدّ أن تنوع المجتمع المغربي بين تيارات حداثية وأخرى محافظة يجعل الوصول إلى صيغة متوازنة أمرا معقدا، بالنظر إلى اختلاف التصورات.

    وأكد وزير العدل أن أي تغيير في مدونة الأسرة تحكمه حدود واضحة، في مقدمتها المبدأ الملكي القاضي بعدم تحليل الحرام أو تحريم الحلال، مضيفا أن “هذا الإطار المرجعي شكل منطلقا لعمل الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة، التي تشرفت بتعييني من طرف جلالة الملك محمد السادس عضوا فيها”.

    وذكر بأن الهيئة فتحت حوارا واسعا مع مختلف مكونات المجتمع المدني، واستمعت إلى مطالب ومقترحات اتسمت في أحيان كثيرة بالتناقض والتضارب، وتراوحت هذه المطالب، وفق وصفه، بين توجهات محافظة وأخرى متساهلة أو مندفعة، فضلا عن مقترحات اعتبرها مشروعة وأخرى رأى أنها تتجاوز حدود الإصلاح الممكن.

    وشدد وهبي على أن اللجنة تعاملت مع مختلف الآراء والمواقف باعتبارها جزءا من النقاش المجتمعي، وسعت إلى أخذها بعين الاعتبار خلال إعداد التصور الجديد للمدونة.

    ولم يقتصر النقاش على الجمعيات والفاعلين المدنيين، إذ أشار الوزير إلى الاستماع لآراء المؤسسات الدينية وإدماجها ضمن مسار المراجعة، إلى جانب رأي المجلس العلمي الذي حظي بالموافقة الملكية.

    وفي هذا السياق، أكد المسؤول الحكومي أن مراجعة المدونة وصلت إلى مرحلة متقدمة، وإن النقاش يتركز حاليا على بعض التعديلات والرتوشات الأخيرة.

    وأرجع تأخر إخراج المشروع إلى ضغط تشريعي عرفته السنة الحالية، بسبب أولوية عدد من القوانين التي كان يتعين استكمالها قبل الانتقال إلى مدونة الأسرة، معلنا أن المدونة ستكون من أبرز الملفات المطروحة خلال السنة الأولى من الولاية التشريعية المقبلة.

    وعرّج وهبي على الخلاف بين وزارة العدل وهيئات المحامين بشأن قانون مهنة المحاماة، معتبرا أن طبيعة الأطراف ومواقفها المتباينة دفعت النقاش إلى مستوى من التصعيد والمواجهة الفكرية.

    وأقر الوزير بحق المحامين في الدفاع عن مهنتهم وتقديم تصور يختلف عن رؤية الحكومة ووزارة العدل، مؤكدا أن هذا الاختلاف مشروع وطبيعي، مشيرا إلى أن البرلمان حسم المشروع من خلال المسطرة التشريعية والمصادقة عليه، وأن الملف أصبح حاليا أمام المحكمة الدستورية.

    وقال وهبي إن “وجود القانون أمام المحكمة الدستورية يفرض علي، بصفتي وزيرا، التحفظ، لأن أحكام المحكمة ملزمة لجميع المؤسسات والهيئات”، مردفا “نحن ننتظر قرار المحكمة الدستورية”، مشددا على أن كلمة الفصل في الجوانب الدستورية للقانون تعود إليها، وليس إلى الحكومة أو الهيئات المهنية.

    وأرجع وهبي جزءا من الأزمة مع “أصحاب البذلة السوداء” إلى وجود خلاف عميق في الرؤية والتصور بين الوزارة والمحامين، إلى جانب ما وصفه باحتمال سوء فهم بعض مواد القانون.

    واعتبر أن ردود الفعل المهنية المصاحبة لأي تغيير تشريعي تظل أمرا طبيعيا، لافتا إلى أن الاختلاف والاحتجاج والنقاش الحاد تندرج ضمن الممارسة الديمقراطية,

    غير أن وزير العدل ميز بين انتقاد مضمون القانون أو أداء الوزير، وبين توجيه أوصاف مهينة إلى المؤسسات الدستورية وممثلي الأمة.

    ونفى في هذا السياق أن يكون قد أعلن عزمه متابعة محامين قضائيا لمجرد نشرهم تدوينات تنتقده أو تهاجم سياساته، معتبرا أن تصريحاته السابقة نقلت بصورة مغلوطة.

    وأوضح وهبي أنه تعرض شخصيا لانتقادات وشتائم من بعض المحامين، لكنه لم يحرك أي متابعة قضائية ضدهم، لأن الوزير، بحسب تعبيره، يظل معرضا للنقد والهجوم بحكم مسؤوليته السياسية.

    في المقابل، اعتبر المتحدث عينه أن الأمر يختلف عندما تتضمن المنشورات إساءة إلى البرلمان أو اتهاما لممثلي الأمة بالخيانة بسبب تصويتهم على قانون وفق قناعاتهم.

    وشدد على أن البرلمان مؤسسة دستورية تمارس اختصاصاتها، وأعضاؤه لا يمكن أن يصبحوا “رهائن لخطابات مهنية مستفزة أو يتعرضوا للإهانة بسبب مواقفهم التشريعية”.

    وشدد على أن المحامي، بحكم موقعه داخل منظومة العدالة، يفترض أن يكون أول من يحترم القانون والمؤسسات الدستورية والمساطر التشريعية.

    وكشف الوزير عن إعداد تقرير بشأن منشورات اعتبر أنها تمس بالاحترام الواجب للمؤسسات الدستورية وممثلي الأمة، من دون أن يعلن طبيعة الخطوات التي قد تترتب عليه.

  • كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    ظلت أوراش كبرى لإصلاح العدالة لسنوات حاضرة في النقاش المؤسساتي والقانوني بالمغرب، فيما بقيت نصوص أساسية تنتظر المراجعة أو الحسم، رغم التحولات التي عرفها المجتمع وتطور انتظارات المواطنين والمهنيين.

    وبين تعقيد المساطر، وتراكم القضايا، وتحديات السياسة الجنائية، وضغط التحول الرقمي، استمر سؤال تحديث منظومة العدالة، مع الحفاظ على التوازن بين النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات، يطرح نفسه بقوة.

    وسط هذا المشهد، تولى عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في أكتوبر 2021، ليجد أمامه تراكما من المشاريع والقوانين والمطالب المهنية التي امتد بعضها عبر حكومات متعاقبة.

    وغير أن أوراش الإصلاح بدأت قبل الحكومة الحالية، فالسمة التي طبعت الولاية الحالية تمثلت في فتح عدد من الملفات الثقيلة، والدفع بها من دائرة الانتظار إلى مراحل التشريع والتنفيذ.

    من المسطرتين المدنية والجنائية إلى العقوبات البديلة، ومن تنظيم المؤسسات السجنية إلى إعادة تأطير المهن القانونية والقضائية، ارتبط اسم وهبي بأوراش أثارت نقاشات واسعة واحتجاجات مهنية وخلافات انتقلت، في بعض المحطات، من طاولات الحوار إلى البرلمان ووسائل الإعلام.

    وفي أكثر من مناسبة، بدا الجدل حول شخصية الوزير وتصريحاته أعلى صوتا من النقاش حول طبيعة التحولات التي كانت تتحرك داخل الوزارة. ومع الاقتراب من نهاية الولاية الحكومية، يصبح السؤال المحوري حول الحصيلة التشريعية، ماذا تحقق؟ وهل تعبر كثافة النصوص التي تم إخراجها عن تحول فعلي في منظومة العدالة، أم عن إنتاج تشريعي سيظل أثره رهينا بقدرة المؤسسات على التنفيذ؟

    المسطرة المدنية.. من تراكم الملفات إلى فتح الأوراش الثقيلة

    تكشف قراءة حصيلة وزارة العدل عن تحرك الإصلاح على ثلاثة مستويات متوازية؛ قوانين دخلت حيز التنفيذ، ومشاريع قطعت مراحل متقدمة من المسطرة التشريعية، وأوراش ما تزال في طور الإعداد أو التفاوض.

    ولا تكمن خصوصية هذه الحصيلة في العدد وحده، وإنما في طبيعة المجالات التي مستها، فقد تحرك الإصلاح من قواعد التقاضي المدني والجنائي إلى فلسفة العقوبة وظروف تنفيذها، ومن التنظيم القضائي إلى المهن المرتبطة بالمحكمة، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية والموارد البشرية وتوسيع الخدمات الرقمية.

    ويتقدم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قائمة الأوراش الكبرى التي طبعت هذه المرحلة، الذي يحدد الطريق الذي تسلكه الدعوى منذ ولوجها إلى المحكمة، مرورا بالتبليغ والإجراءات والطعن، وصولا إلى صدور الحكم وتنفيذه.

    وتنبع أهمية مراجعة هذا النص من كون قواعد التقاضي المدني ظلت تواجه تحديات مرتبطة بطول الآجال وتعقيد بعض المساطر وصعوبة تنفيذ الأحكام، بالتوازي مع الحاجة إلى إدماج التكنولوجيا في العمل القضائي.

    وقد مر القانون بمسار دستوري وتشريعي دقيق، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، التي صرحت بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة بعض مقتضياته للدستور. وبعد تعديل النص وترتيب الأثر على القرار، صودق على الصيغة الجديدة، قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026.

    ولا تقتصر أهمية المسطرة المدنية الجديدة على تحديث الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى توفير سند تشريعي للتحول الرقمي، إذ إن بناء محكمة رقمية لا يمكن أن يتم عبر التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنح الإجراءات والوثائق الإلكترونية حجيتها القانونية وتنظم موقع التكنولوجيا في مختلف مراحل التقاضي.

    المسطرة الجنائية.. الإصلاح في منطقة الحقوق والحريات

    وبموازاة ذلك، شكل القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية واحدا من أكثر الأوراش حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحرية الفردية والحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.

    وقد نشر القانون في الجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025، حاملا مقتضيات تتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظرية في بعض الجرائم، وتنظيم ظروف تغذيتهم، وإحداث قاعدة بيانات مركزية للسجل العدلي، إلى جانب تدابير تراعي وضعية الأطفال الموجودين في تماس مع القانون.

    وتكمن حساسية النص في المعادلة التي تحكم كل سياسة جنائية، أي منح الدولة الوسائل الضرورية للبحث عن الجرائم وحماية المجتمع، مع إحاطة هذه السلطة بضمانات تحمي حقوق الأشخاص وتصون شروط المحاكمة العادلة.

    وبهذا المعنى، لم تمثل مراجعة المسطرة الجنائية تعديلا تقنيا لبعض المواد، وإنما محاولة لإعادة ترتيب جوانب من العلاقة بين سلطة البحث وحقوق الأفراد، فيما سيظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بكيفية تنزيل الضمانات وتوحيد تطبيقها داخل مختلف المحاكم.

    وفي قراءة لطبيعة هذه الدينامية التشريعية، يرى خليل عبد العزيز، المحامي بهيئة الرباط والخبير القانوني، أن ولاية عبد اللطيف وهبي تميزت بإعطاء دفعة قوية لعدد من الأوراش الإصلاحية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز سيادة القانون، وتسريع البت في القضايا، وتقريب العدالة من المواطن.

    ويعتبر عبد العزيز أن الوزارة قادت ورشا تشريعيا واسعا شمل إصلاح المسطرة الجنائية، وتعزيز حقوق الدفاع، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة، وتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بموجب القانون رقم 46.21، إلى جانب أوراش مرتبطة بالتوثيق والأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية.

    ويرى أن أهمية هذه الإصلاحات لا تكمن فقط في عدد النصوص، وإنما في اتصالها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، سواء تعلق الأمر بضمانات المحاكمة، أو تنفيذ الأحكام، أو حماية المعاملات القانونية والعقارية وتحسين البيئة الاستثمارية.

    لكن قياس أثر هذه الدينامية لا يمكن أن يتوقف عند النصوص، فالقانون لا يتحول إلى إصلاح بمجرد نشره، وإنما حين تبدأ مقتضياته في تغيير الممارسة، ومن بين مختلف الأوراش المفتوحة، تقدم العقوبات البديلة نموذجا يسمح بقياس المسافة بين إخراج القانون وبدء إنتاج أثره.

    العقوبات البديلة.. ثورة في قلب السياسات الزجرية

    يعد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة أحد أبرز النصوص التي ميزت هذه المرحلة، ليس فقط لأنه أضاف أنواعا جديدة من العقوبات، بل لأنه أعاد طرح السؤال حول فلسفة الجزاء الجنائي نفسها.

    فبعدما ظل السجن العقوبة المركزية في التعامل مع عدد واسع من الجرائم، فتح القانون المجال أمام بدائل تستهدف تحقيق التناسب بين الجريمة والجزاء، وتشجيع إعادة الإدماج، وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

    وتشمل هذه البدائل الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى المراقبة الإلكترونية.

    وبعد ثمانية أشهر من دخول القانون حيز التنفيذ، كشف وزير العدل، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، أن عدد العقوبات البديلة الصادرة بلغ، إلى غاية 14 أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبات.

    وتصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ1075 مقررا، أي 41 في المئة من المجموع، تلاها العمل لأجل المنفعة العامة بـ1027 عقوبة، بنسبة 39 في المئة، ثم تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بـ483 مقررا، أي 19 في المئة، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودا في 20 عقوبة فقط، بما يمثل واحدا في المئة.

    ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الأحكام فقط، وإنما في أثرها المباشر، فقد مكن تطبيق القانون، وفق معطيات الوزير، من الإفراج عن 1578 معتقلا، كما جنب 90 شخصا مدانا كانوا يتابعون في حالة سراح دخول المؤسسات السجنية.

    وبالنسبة إلى مئات الأسر، أصبحت العقوبات البديلة تغييرا فعليا في مسار تنفيذ العقوبة، فيما يمكن أن تساهم، بالنسبة إلى المؤسسات السجنية، في الحد من الاكتظاظ وتوجيه الإمكانات والبرامج التأهيلية نحو الحالات التي تقتضي طبيعة جرائمها تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.

    غير أن الأرقام تكشف أيضا حدود التنزيل، فاستحواذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة على معظم الأحكام، مقابل محدودية المراقبة الإلكترونية، يعكس استمرار صعوبات مرتبطة بتفعيل بعض العقوبات ذات الطابع التقني.

    وقد أقر وهبي بوجود تحديات تتعلق بتتبع تطبيق المقررات القضائية، وتنوع الوضعيات الإجرائية، وحالات رفض التنفيذ أو الإخلال بشروطه، إلى جانب ضعف تفعيل بعض العقوبات، داعيا إلى تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية وتقوية العدالة التصالحية والوساطة الجنائية.

    كما طالب بتوسيع نطاق الجرائم القابلة للاستفادة من العقوبات البديلة، مع مراعاة طبيعة الجريمة وخطورتها وشخصية مرتكبها وإمكانية جبر الضرر.

    من العقوبة إلى السجن وإعادة الإدماج

    لم يتوقف إصلاح السياسة العقابية عند إيجاد بدائل للسجن، بل امتد إلى ظروف تنفيذ العقوبة من خلال القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، الصادر سنة 2024.

    وتنبع أهمية النص من كونه ينقل الإصلاح من قاعة المحكمة إلى مرحلة تنفيذ الحكم، لأن العدالة لا تنتهي بصدور العقوبة، وإنما تشمل أيضا ظروف الاعتقال وحماية كرامة السجين وإعداده للعودة إلى المجتمع.

    ويتقاطع هذا التوجه مع تطور اللجوء إلى الإفراج المقيد بشروط، إذ ارتفع عدد المستفيدين من 13 شخصا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نهاية 2021، إلى 160 سنة 2022، ثم 204 سنة 2023، و420 سنة 2024، وصولا إلى 447 مستفيدا إلى غاية 14 أكتوبر 2025.

    كما أبرمت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط ومساعدتهم على الاندماج في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

    وتكشف هذه الدينامية توجها نحو توسيع أدوات السياسة الجنائية خارج منطق السجن وحده، من خلال الجمع بين العقوبات البديلة والإفراج المقيد بشروط وإعادة الإدماج. غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على مواكبة المستفيدين اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تتحول البدائل القانونية إلى حلول مؤقتة.

    الرقمنة.. إصلاح لا يرى في القانون فقط

    إذا كانت المسطرتان المدنية والجنائية والعقوبات البديلة تمثل الواجهة التشريعية للإصلاح، فإن الرقمنة شكلت وجهه التنفيذي الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للمرتفقين.

    فقد تجاوزت نسبة الطلبات الإلكترونية للسجل العدلي 80 في المئة، فيما ناهزت طلبات شهادة الجنسية المغربية المقدمة عن بعد 90 في المئة من مجموع الطلبات المعالجة.

    كما تم إطلاق بوابة إلكترونية لطلبات العفو والإفراج المقيد، وخدمة الأداء الإلكتروني للغرامات، وتطبيق “محاكم”، والبوابة الإلكترونية للشكايات، والمكتبة القانونية الرقمية “عدالة”، ومنصة الحماية الإلكترونية “e-Himaya”، إلى جانب خدمات تتبع الملفات وجدول الجلسات وأداء مخالفات السير.

    وامتدت الرقمنة إلى العلاقة بين المحاكم والمهن القانونية والمؤسسات، من خلال منصات للتبادل الإلكتروني مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، وأخرى لتتبع تنفيذ الأحكام الصادرة في حق أشخاص القانون العام، مفعلة لفائدة 17 وزارة و20 مؤسسة عمومية، فضلا عن التبادل الإلكتروني مع الأبناك وشركات التأمين وعدد من الإدارات.

    وخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، خصصت الوزارة أكثر من 124.6 مليون درهم للمشاريع الرقمية على مستوى الإدارة المركزية، ونحو 315.5 مليون درهم على المستوى الإقليمي.

    وبالنسبة إلى المواطن، يفترض أن يترجم هذا التحول إلى تقليص عدد التنقلات نحو المحاكم، وتبسيط الحصول على الوثائق والخدمات، وتقليص زمن الانتظار، فيما يمنح المهنيين إمكانية تتبع الملفات وتبادل المعطيات بشكل أسرع.

    وفي هذا السياق، يعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن ورش الرقمنة وإرساء تصور المحكمة الرقمية الموحدة يمثلان أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية خلال ولاية وهبي، بالنظر إلى ما تتيحه الخدمات الرقمية من إمكانات لتتبع الملفات القضائية ومواعيد الجلسات والإجراءات والأحكام عن بعد.

    ويرى أن المشروع، القائم على التنسيق بين وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وهيئات المحامين، يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز الشفافية ومحاربة بعض مظاهر الفساد والبيروقراطية، من خلال التتبع الفوري والدقيق للعمليات القضائية والإدارية.

    حلقات متكاملة في مسار العدالة

    لم تقتصر الدينامية على قواعد التقاضي والعقوبة، بل امتدت إلى المؤسسة القضائية نفسها، من خلال القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي وتعديله بموجب القانون رقم 73.24.

    ويؤطر هذا الورش أصناف المحاكم وبنياتها واختصاصاتها والإدارة القضائية، فيما جرى، في إطار تنزيله، تحديث الخريطة القضائية للمملكة، في محاولة لتقريب الخدمات من المواطنين ومراعاة التحولات الديمغرافية والمجالية.

    كما شملت الدينامية قوانين تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، في سياق استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بعد تكريس استقلالها.

    لكن فعالية العدالة لا تتوقف عند القاضي أو صدور الحكم، لأن مسار القضية يمر عبر مهن تضطلع بالتبليغ والتنفيذ والخبرة والترجمة والتوثيق والدفاع. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وهي مهنة ترتبط مباشرة بتبليغ الإجراءات وتنفيذ الأحكام، فالحكم لا يحقق غايته إذا تعثر تبليغه أو تنفيذه، ما يجعل إصلاح هذه الحلقة مرتبطا مباشرة بقدرة المواطن على الحصول فعليا على الحق الذي أقره له القضاء.

    كما شمل الورش الخبرة القضائية من خلال القانون رقم 44.22، إلى جانب إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة الخبراء القضائيين، فضلا عن صدور القانون رقم 52.23 المتعلق بمهنة التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم.

    وفي مجال التكوين، صدر القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء، في تأكيد أن تغيير القوانين يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استيعابها وتطبيقها.

    وامتدت الحصيلة إلى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي يؤطر وسائل بديلة لتسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي، بما يمكن أن يخفف الضغط على المحاكم ويوفر آليات أكثر مرونة، خصوصا في النزاعات التجارية والاستثمارية.

    كما شمل الإصلاح القانون رقم 71.24 المتعلق بمقتضيات الشيك، وهو مجال تتقاطع فيه السياسة الجنائية مع حماية الثقة في المعاملات الاقتصادية، حيث يرتبط الرهان بإيجاد توازن بين ضمان حقوق المستفيد وعدم الإفراط في توظيف العقوبة السالبة للحرية.

    وامتدت الإصلاحات إلى الأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية، من خلال الاشتغال على سجل الوكالات الرسمية وتنظيم دورات تكوينية للتعريف به وضمان حسن استعماله، بما يوفر إمكانية أفضل للتحقق من الوكالات ويعزز الثقة في المعاملات القانونية والعقارية والبيئة الاستثمارية.

    بين المنجز والأوراش المفتوحة

    إلى جانب القوانين النافذة، تضم حصيلة الوزارة مشاريع لم تستكمل جميع مراحلها، في مقدمتها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير 2026، قبل مواصلة دراسته بالبرلمان بغرفتين والمصادقة عليه، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، المنتظر منها حسم الجدل الذي رافق مشروع القانون بسبب رفض المحامين له.

    ويكتسي القانون حساسية خاصة بالنظر إلى موقع المحاماة في منظومة العدالة وارتباطها بحقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يفسر النقاش المهني الواسع الذي رافقه.

    كما يوجد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس النواب في أبريل 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 58.24 المتعلق بمهنة التوثيق، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالأمن التعاقدي وتوثيق الحقوق والمعاملات الأسرية والعقارية والمالية.

    وتشمل المشاريع كذلك مشروع القانون رقم 53.23 المتعلق بالرسوم والمصاريف القضائية، وهو نص يرتبط بكلفة الولوج إلى العدالة، إلى جانب مشاريع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية، ومراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ومراجعة مجموعة القانون الجنائي.

    التنفيذ.. من النص إلى المؤسسة

    منذ بداية الولاية، باشرت الوزارة 118 مشروعا في مجالي البناء والتهيئة بمختلف الدوائر القضائية، منها 35 مشروعا مدشنا بكلفة 1.35 مليار درهم، و20 مشروعا جاهزا للتدشين، و13 ورشا مفتوحا، إضافة إلى 50 مشروعا في طور الدراسة.

    كما تم إحداث وتجهيز 39 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، إلى جانب 23 فضاء أزرق داخل أقسام قضاء الأسرة، صممت لتوفير ظروف أكثر ملاءمة للأطفال أثناء تفاعلهم مع النظام القضائي.

    ولا يتعلق الأثر هنا بتحديث المباني وحدها، بل بتحسين ظروف استقبال المتقاضين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، داخل فضاء العدالة.

    وعلى مستوى الموارد البشرية، شهدت الولاية نقل المناصب المالية والوضعيات الإدارية للقضاة والملحقين القضائيين إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخصيص 450 منصبا ماليا على مدى ثلاث سنوات لدعم أقسام قضاء الأسرة، وإحداث المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية.

    كما أشرفت الوزارة على برامج تكوينية لفائدة أطرها ومديريها الإقليميين والمساعدين الاجتماعيين، خصوصا في ما يتعلق بالعقوبات البديلة والمستجدات التشريعية، وعقدت، وفق معطيات الحصيلة، 42 جلسة مع الفرقاء الاجتماعيين بين سنة 2021 وماي 2026.

    غير أن الخصاص في الموارد البشرية يظل من أبرز التحديات، إذ يقدر بنحو 4500 موظف، وهو خصاص ترافع وزير العدل من أجل تقليصه عبر إحداث مناصب مالية جديدة.

    ويعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن الاستثمار في التكوين والعنصر البشري يمثل شرطا أساسيا لإنجاح الإصلاحات، لأن المحكمة الرقمية تحتاج إلى موظفين قادرين على تشغيلها، والعقوبات البديلة إلى أطر تتولى تتبعها، فيما تتطلب القوانين الجديدة تكوينا مستمرا يضمن حسن فهمها وتطبيقها.

    ويخلص الخبير القانوني، في تقييم أكاديمي، إلى أن حصيلة عبد اللطيف وهبي تعكس “قيادة عملية وطموحة” نجحت في إعطاء دفعة قوية لإصلاح منظومة العدالة، خصوصا من خلال الرقمنة وتحديث التشريعات والانكباب على قضايا تمس في جوهرها حقوق المواطنين ومصالحهم.

    ومع ذلك، يعتبر أن الخصاص في الموارد البشرية وتحديات التنسيق المؤسساتي يحتاجان إلى معالجة أسرع، حتى تتمكن المنظومة من استيعاب الترسانة القانونية التي أخرجت خلال هذه الولاية، ويرى أن الدينامية التي أطلقها وهبي يمكن أن تشكل إرثا إصلاحيا مهما، شرط ضمان استمرارها وتسريع التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة.

    كلفة الإصلاح.. بين منطقي التصادم والحسم

    وتكشف حصيلة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل عن مرحلة اتسمت بكثافة الأوراش وتعدد مستوياتها، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأوراش بدأت مع وهبي أو أنها اكتملت كلها خلال ولايته؛ فالإنصاف يقتضي الاعتراف بتراكمات الحكومات والوزراء السابقين، والتمييز بين القوانين النافذة والمشاريع التي لم تستكمل مسارها بعد.

    لكن السمة الأبرز لهذه المرحلة تظل في الدفع بعدد كبير من الملفات الثقيلة إلى واجهة التشريع والتنفيذ خلال فترة متقاربة، بدل الاكتفاء بتدبير الشؤون اليومية للقطاع أو تأجيل الأوراش المثيرة للخلاف.

    ولم تكن كلفة هذه الأوراش قانونية وتقنية فقط، بل كانت سياسية ومهنية أيضا، فكل تعديل يمس قواعد التقاضي أو صلاحيات المهن القانونية يعيد توزيع الأدوار والمصالح داخل منظومة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر انتقال الخلاف، في بعض الملفات، من النقاش التقني حول مواد القوانين إلى توترات مفتوحة بين الوزارة والهيئات المهنية.

    وقد جعلت هذه المقاربة الجدل جزءا من الولاية، فكلما اقترب الإصلاح من قواعد التقاضي أو العقاب أو شروط ممارسة المهن القانونية، اتسعت دائرة المتأثرين به وتعددت المواقف بشأنه.

    ويكشف ذلك أن اختيار فتح هذه الملفات خلال ولاية واحدة لم يكن قرارا إداريا محضا، بل توجها سياسيا وقبولا لتحمل كلفة الجدل بدل الاستمرار في تأجيل مشاريع ظلت معلقة لسنوات. غير أن الجرأة في فتح الملفات لا تعفي من تقييم جودة التشاور، ومدى استيعاب ملاحظات المهنيين، وقدرة الوزارة على بناء توافقات تضمن سهولة التنفيذ لاحقا.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل اصطدام دليلا على فشل الإصلاح، كما لا يمكن تقديم الجدل وحده دليلا على الجرأة والنجاح، فالمعيار الأكثر دقة يوجد في مضمون النصوص، وطريقة إعدادها، ومستوى التشاور بشأنها، ثم قدرتها على إنتاج أثر بعد دخولها حيز التنفيذ.

    وقد قدمت العقوبات البديلة أول نموذج واضح لهذه المعادلة؛ كونه قانونا انتقل إلى التطبيق واستفاد منه آلاف الأشخاص، لكنه كشف أيضا عن صعوبات في التنفيذ وضعف اللجوء إلى بعض العقوبات التقنية.

    أما التحدي الأكبر الذي تضعه هذه الحصيلة أمام المرحلة المقبلة، فيتمثل في قدرة المنظومة على استيعاب هذا الحجم من التحولات، وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية، وتكوين الموارد البشرية، وضمان استمرار الإصلاح بعد نهاية الولاية الحكومية.