الوسم: وزير العدل عبد اللطيف وهبي

  • مصدر لـ”AM+ MEDIA”: وهبي لم يقلها ولا يملك تقريرها.. حقيقة “العقوبات القاسية” للعائدين من سبتة

    مصدر لـ”AM+ MEDIA”: وهبي لم يقلها ولا يملك تقريرها.. حقيقة “العقوبات القاسية” للعائدين من سبتة

    نفى مصدر مسؤول لـ”AM+ MEDIA” بشكل قاطع، تصريحا جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي ونسب إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يزعم أن “عقوبات قاسية تنتظر العائدين من سبتة”، مؤكدة أن الوزير لم يدل بأي تصريح بشأن المآل القضائي للأشخاص المرتبطين بالأحداث الأخيرة.

    وقال المصدر، ردا عن استفسار لجريدة “AM+ MEDIA” حول صحة الكلام المنسوب إلى وهبي: “لا غير صحيح مطلقا، لم يصرح ولم يدل بأي تصريح في قضية تخص السلطة القضائية”.

    وبحسب المعطيات التي حصلت عليها المنصة، يوجد وهبي في مهمة خارج المغرب ولم يصدر عنه، بالتزامن مع الأحداث الأخيرة، أي تصريح حول متابعات أو عقوبات في حق العائدين من سبتة.

    النفي الذي حصلت عليه “AM+ MEDIA” يحسم وفق مصدرها، مسألة صدور التصريح عن وهبي، لكن مضمون العبارة المتداولة يطرح مسألة أخرى مفادها: هل يملك وزير العدل أصلا صلاحية إعلان أن عقوبات تنتظر أشخاصا على خلفية ملف هو موضوع أبحاث أو متابعات قضائية؟

    الجواب الذي تقدمه النصوص المنظمة للسلطة القضائية في المغرب واضح في هذا الجانب، إذ ينص الفصل 107 من الدستور على أن “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”.

    ويمنع الفصل 109 “كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء”، كما ينص على أن القاضي لا يتلقى بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط، أما الفصل 110 فيقرر أن قضاة الأحكام لا يلزمهم إلا تطبيق القانون، وأن الأحكام القضائية لا تصدر إلا على أساس التطبيق العادل للقانون.

    وهذه المقتضيات تضع حدا فاصلا بين المسؤولية الحكومية عن قطاع العدل وبين العمل القضائي نفسه، فوزير العدل يستطيع الحديث عن التشريع، والدفاع عن مشاريع القوانين التي تعدها الحكومة، ومناقشة السياسة الحكومية في قطاع العدالة، لكنه لا يقرر إدانة شخص ولا يحدد للقاضي العقوبة التي ينبغي إصدارها في ملف بعينه.

    والفصل بين الاختصاصين أصبح أوضح بعد استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، فتنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة يدخلان ضمن اختصاص رئاسة النيابة العامة، فيما يقدم وزير العدل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية تقارير تتعلق بسير وأداء الإدارة القضائية وحصيلة منجزاتها وبرامج عملها ووضعية المهن القضائية، وهذا التوزيع للاختصاصات يظهر صراحة في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

    لذلك فإن العبارة المنسوبة إلى وهبي لا تثير فقط سؤال مصدرها، بل مضمونها نفسه الذي يضع على لسان عضو في السلطة التنفيذية حكما مسبقا بشأن عقوبات يفترض، إذا كانت هناك متابعات أصلا أن تمر عبر مسار قضائي لا يملكه وزير العدل.

    ماذا يترتب قانونا على العبور إلى سبتة؟

    التصريح المنسوب إلى عبد اللطيف وهبي لا يكتفي بالقول إن القانون يعاقب الهجرة غير النظامية، بل يذهب أبعد من ذلك حين يقرر أن “عقوبات قاسية تنتظر العائدين من سبتة”.

    راجعت “AM+ MEDIA” القانون رقم 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير النظامية، وهو النص الذي يتضمن المقتضيات الزجرية المتعلقة بالخروج السري من التراب الوطني.

    ورغم أن الجزء الأول من عنوان القانون يتعلق بالأجانب، فإن الأحكام الخاصة بالهجرة غير النظامية لا تقتصر عليهم، ذلك أن المادة 50 تستخدم عبارة “كل شخص غادر التراب المغربي، بصفة سرية” بينما تشير المادة 52، في الأحكام المتعلقة بتنظيم الهجرة السرية وتسهيلها، صراحة إلى المغاربة والأجانب، وبالتالي، فإن الجنسية المغربية للأشخاص الذين عبروا نحو سبتة لا تخرج الواقعة من حيث المبدأ، من مجال هذا القانون.

    المادة 50 تحدد بدقة الفعل المعاقب عليه، فهي تتعلق بمن يغادر التراب المغربي سرا باستعمال وسيلة احتيالية أثناء اجتياز أحد المراكز الحدودية، أو باستعمال وثائق مزورة أو انتحال اسم، وكذلك بمن يتسلل إلى المغرب أو يغادره عبر منافذ أو أماكن غير مراكز الحدود المعدة لذلك.

    والعقوبة التي وضعها المشرع هي الحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 3000 إلى 10 آلاف درهم أو إحدى العقوبتين فقط، دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأخرى التي قد تنطبق بحسب الوقائع.

    هذا هو النص. أما تطبيقه على أحداث سبتة الأخيرة فمسألة أخرى، فالمادة لا تقول إن كل شخص “عاد من سبتة” يعاقب، ولا تنشئ نظاما عقابيا خاصا بالأحداث الجماعية، بل إنها تحدد فعلا ماديا ينبغي إثباته وهو المغادرة السرية للتراب الوطني في إحدى الصور التي عددها القانون، ومن ثم، لا يمكن الانتقال مباشرة من وجود شخص ضمن المشاركين في أحداث سبتة إلى تقرير إدانته أو العقوبة التي ستصدر في حقه.

    بالنسبة إلى الأشخاص الذين عبروا فعليا إلى سبتة سباحة أو عبر منافذ غير مخصصة للعبور، يمكن من حيث النص أن يثار تطبيق المادة 50 متى ثبتت العناصر التي تتطلبها، لكن القول إنهم سيعاقبون فعلا، أو إن عقوبات “قاسية” مستحيل دون تكييف قانوني للوقائع، وقرار بالمتابعة، ثم حكم قضائي، وهو مسار بعيد عن اختصاصات وزير العدل.

    أما الأشخاص الذين تجمعوا قرب الحدود أو حاولوا العبور من دون أن تثبت مغادرتهم للتراب الوطني، فلا يصح وضعهم آليا في الوضع القانوني نفسه، فالمشرع اختار في المادة 50 عبارة دقيقة هي “غادر التراب المغربي”، ويصبح تحديد المسؤولية في الحالات التي لم تتحقق فيها المغادرة مرتبطا بالنصوص الأخرى التي يمكن أن تنطبق على الوقائع المثبتة، وليس بمجرد المشاركة في التحرك الجماعي.

    العقوبات الأشد في القانون مرتبطة بأفعال أخرى

    ويكشف استكمال قراءة القانون 02.03 عن نقطة أكثر دلالة، فالعقوبات التي يمكن وصفها بالفعل بأنها شديدة لا تتعلق بالصورة البسيطة للمغادرة السرية المنصوص عليها في المادة 50، وإنما تظهر خصوصا عندما ينتقل الأمر إلى تنظيم الهجرة غير المشروعة وتسهيلها والظروف المشددة المرتبطة بذلك.

    المادة 52 تعاقب من ينظم أو يسهل دخول أشخاص إلى التراب المغربي أو خروجهم منه بصفة سرية، سواء كانوا مغاربة أو أجانب، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 50 ألفا إلى 500 ألف درهم.

    ويشدد القانون العقوبة بحسب طبيعة الأفعال والظروف التي ارتكبت فيها، خصوصا عندما تمارس بصورة اعتيادية أو في إطار عصابة أو اتفاق معد لهذا الغرض، حيث تصل العقوبات في بعض الحالات إلى مستويات سجنية أعلى بكثير.

    قبل العقوبة.. من يملك قرار المتابعة؟

    وهنا يصل التحقق إلى الجزء الأكثر إشكالا في التصريح المنسوب إلى وزير العدل، فمصدر “AM+ MEDIA” لم تكتف بنفي العبارة المتداولة، وإنما قالت بوضوح إن وهبي “لم يصرح ولم يدل بأي تصريح في قضية تخص السلطة القضائية”.

    هذه الإشارة تتطابق مع تحول مؤسساتي مهم عرفه نظام العدالة المغربي خلال السنوات الماضية، فوزير العدل لم يعد رئيسا للنيابة العامة ولا يملك سلطة إصدار التعليمات إليها بشأن ممارسة الدعوى العمومية.

    ونقل القانون رقم 33.17 هذه الاختصاصات إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة.

    وتنص مادته الثانية صراحة على أن رئيس النيابة العامة “يحل محل وزير العدل” في ممارسة الاختصاصات المتعلقة بالسلطة والإشراف على النيابة العامة وقضاتها، بما في ذلك الإشراف على عملها ومراقبتها في ممارسة صلاحياتها المرتبطة بالدعوى العمومية.

    وهذا التفصيل حاسم بالنسبة إلى الادعاء المتداول، فوزير العدل ليس الجهة التي تقرر أن الأشخاص العائدين من سبتة ستتم متابعتهم، ولا الجهة التي تستطيع إعلان العقوبة التي ستصدر في حقهم، وحتى قرار المتابعة، عندما تتوفر شروطه، ليس حكما بالإدانة.

    الأحكام ليست من اختصاص الحكومة

    الفصل 107من الدستور ينص على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، أما الفصل 109 فيمنع “كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء”، وينص على أن القاضي لا يتلقى بشأن مهمته القضائية، أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط.

    وبذلك توجد ثلاث مراحل ينبغي عدم خلطها، القانون يحدد الأفعال والعقوبات الممكنة، والنيابة العامة تمارس اختصاصاتها بشأن الدعوى العمومية، والمحكمة تفصل في المسؤولية وتحكم، عند ثبوتها، بالعقوبة التي يسمح بها القانون.

    وبالتالي، فوزير العدل لا يحل محل أي من هذه الجهات في تقرير نتيجة ملف قضائي بعينه، ويمكنه، بصفته عضوا في الحكومة الحديث عن التشريع الجنائي، وتقديم مشاريع قوانين والدفاع عنها، وشرح السياسة الحكومية في مجال العدالة، لكنه لا يستطيع أن يقرر أن أشخاصا محددين مذنبون أو أن “عقوبات قاسية” تنتظرهم، وهذا ليس فقط خارج اختصاصه التنفيذي، بل إن الدستور يحظر التدخل في القضايا المعروضة على القضاء.