Tag: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار

  • الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    شكّل الدعم الاجتماعي الجامعي أحد أبرز التحديات التي واجهت منظومة التعليم العالي بالمغرب منذ سنوات، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي عرفها الطلب على المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية منذ سنة 2011.

    فقد ارتفع عدد المستفيدين من المنحة من حوالي 182 ألف طالب خلال الموسم الجامعي 2011-2012 إلى نحو 330 ألف مستفيد سنة 2015-2016، ثم إلى أكثر من 415 ألف مستفيد خلال الموسم الجامعي 2020-2021. في المقابل، لم يواكب الغلاف المالي هذا التوسع إلا بشكل تدريجي، إذ انتقل من حوالي 718 مليون درهم إلى ما يقارب 2.39 مليار درهم، ما يعكس فجوة متنامية بين الطلب المتزايد والقدرة التمويلية للمنظومة.

    ومع تجاوز عدد طلبة الجامعات العمومية حاجز مليون طالب مع بداية الولاية الحكومية الحالية، تفاقمت الضغوط على منظومة الدعم الاجتماعي، سواء على مستوى المنح أو الأحياء الجامعية أو الخدمات الموازية، وهو ما أفرز تحديات بنيوية أبرزها محدودية تغطية الطلبات، والاكتظاظ داخل الأحياء الجامعية، وارتفاع الطلب على الإيواء والإطعام، ما جعل من تكافؤ الفرص والحد من الهدر الجامعي أحد رهانات السياسات العمومية في القطاع.

    ومع انطلاق الولاية الحكومية في أكتوبر 2021، تسلمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ملفا مثقلا بتراكمات سنوات من الضغط، أبرزها اتساع قاعدة الطلب على المنح، وارتفاع الحاجة إلى الطاقة الإيوائية، وتزايد الطلب على تطوير الخدمات الاجتماعية الموجهة للطلبة.

    وفي هذا السياق، جعلت الحكومة إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي ضمن أولوياتها، عبر استهداف رفع نسبة تغطية المنح الجامعية إلى 97 في المئة من الطلبة المستحقين، إلى جانب توسيع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

    وباشرت الوزارة، وفق هذا التوجه، مجموعة من الإصلاحات التدريجية التي شملت تعزيز الاستفادة من المنح، وتحسين حكامة تدبيرها، وتوسيع العرض الإيوائي والخدمات الجامعية، إضافة إلى تسريع وتيرة الرقمنة وتحديث آليات التتبع والمراقبة.

    ضغط متواصل ورقمنة متقدمة

    وعرف الموسم الجامعي 2020-2021 استمرار الضغط على منظومة الدعم الاجتماعي، حيث بلغ عدد المستفيدين من المنح حوالي 403.689 مستفيدا، قبل أن يرتفع إلى 409.000 منحة خلال موسم 2021-2022، أي بنسبة تطور تناهز 1.3 في المئة، مع تسجيل نسبة حضور نسائي بلغت حوالي 57 في المئة.

    وخلال هذه المرحلة، تم تعزيز الرقمنة عبر فتح فضاءات رقمية لتدبير لوائح الطلبة، وإطلاق خدمات إلكترونية لتتبع وضعية المنح وإيداع الطلبات عن بعد، إضافة إلى تطوير نظام تدبير بطائق “منحتي”، حيث استفاد أكثر من 130 ألف طالب من خدمات الحجز الإلكتروني لاستلام بطاقاتهم البنكية.

    تعزيز الحكامة وربط الدعم بالاستحقاق

    وتميز الموسم الجامعي 2021-2022 باعتماد آليات تدقيق للوائح المستفيدين، ما أسفر عن توقيف حوالي 8200 منحة غير مستحقة، في إطار تعزيز الشفافية وربط الدعم بمعايير الاستحقاق الاجتماعي.

    كما ارتفعت الميزانية المخصصة للمنح بـ200 مليون درهم، لتنتقل من 1.831 مليار درهم إلى 2.031 مليار درهم، وتم كذلك تطوير المنصات الرقمية الخاصة بتدبير الطلبات داخل المغرب وخارجه، وتحسين آليات صرف المنح بشراكة مع الخزينة العامة للمملكة.

    وفي هذا السياق، أكدت ماجدولين النهيبي، أستاذة التعليم العالي بكلية علوم التربية بالرباط، أن نظام المنح الجامعية عرف تحولات مهمة مقارنة بالماضي، إذ انتقل من الاعتماد على معايير مرتبطة أساسا بمكان الدراسة إلى الاستناد على مؤشرات اجتماعية واقتصادية أكثر دقة، تعتمد السجل الاجتماعي الموحد ووضعية الأسرة.

    واعتبرت النهيبي أن هذا التحول يعزز نجاعة الاستهداف، مع ضرورة الحرص على عدم إقصاء أي طالب مستحق، خاصة من الفئات الهشة.

    وأضافت الأستاذة الجامعية أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يمثل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، لكنها شددت في المقابل على أهمية تطوير هذا النموذج بشكل ديناميكي ومستمر، بما يسمح بمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة وطنيا ودوليا، وضمان استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة في مختلف السياقات.

    توسع محدود وضغط متزايد

    وعلى مستوى الأحياء الجامعية، تم افتتاح الحي الجامعي تطوان-المضيق بطاقة 1008 أسرّة، وتوسعة الحي الجامعي بالرشيدية بـ1200 سرير، ليصل عدد الأحياء الجامعية إلى 23 حيا جامعيا بطاقة إجمالية تناهز 52.253 سريرا، منها حوالي 61.5 في المئة مخصصة للإناث.

    غير أن تداعيات ما بعد جائحة كوفيد-19 فرضت تقليصا مؤقتا للطاقة الإيوائية بنسبة بلغت حوالي 30 في المئة، حيث تم إيواء ما يقارب 37 ألف طالب وطالبة، مع تسجيل معدل استجابة لا يتجاوز 40 في المئة من الطلبات، ما يعكس استمرار الضغط البنيوي على هذا المرفق الاجتماعي.

    وفي سياق هذا النقاش المرتبط بمدى نجاعة معايير الاستفادة من المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية، تؤكد الطالبة رهام كريمي، التي تتابع دراستها بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المعايير المعتمدة للاستفادة من المنحة لا تعكس دائما الوضعية الاجتماعية الحقيقية للطلبة، ما يجعلها، حسب رأيها، في حاجة إلى مراجعة أكثر دقة وإنصافا.

    وأضافت الطالبة، التي لا تستفيد من المنحة، أن غياب المنحة يزيد من حجم الأعباء المالية الملقاة على عاتقها وعلى أسرتها، ويجعل تحمل مصاريف الدراسة والتنقل والإقامة أكثر صعوبة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار مسارها الدراسي وظروف تحصيلها الأكاديمي.

    وأوضحت أنها لم تستفد أيضا من السكن الجامعي، رغم أن أسرتها تقيم بمدينة القصر الكبير، وهو ما يزيد من صعوبة وضعيتها، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف العيش بمدينة الدار البيضاء وصعوبة إيجاد بدائل سكنية ملائمة.

    وفي ما يتعلق بأبرز الإصلاحات المنتظرة، شددت على ضرورة إعادة النظر في معايير الاستفادة، خاصة ما يرتبط باعتماد المؤشر الاجتماعي، مع تحسين دقته وملاءمته للواقع المعيشي للطلبة، إلى جانب توسيع قاعدة المستفيدين من المنح، وضمان صرفها في آجالها المحددة، فضلا عن الرفع من جودة خدمات السكن والمطاعم الجامعية، بما يساهم في تخفيف الضغط الاجتماعي وتحسين ظروف الحياة الجامعية.

    ووفق معطيات الحصيلة المرحلية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، تواصلت الجهود الرامية إلى توسيع العرض وتحسين شروط الاستفادة من السكن والخدمات الجامعية، في محاولة للتقليص من حدة الفجوة بين الطلب المتزايد والقدرة الاستيعابية المحدودة.

    وشملت هذه الجهود إطلاق خدمات إلكترونية جديدة لتدبير السكن الجامعي، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين حكامة الأحياء الجامعية، إلى جانب تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص لإحداث إقامات طلابية جديدة.

    وفي تقييمها لهذه الحصيلة، اعتبرت ماجدولين النهيبي أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يشكل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، غير أنها شددت على أن هذا النموذج يظل في حاجة إلى تطوير مستمر لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة.

    تحسن المؤشرات وفجوة مستمرة

    وفي الموسم الجامعي 2024-2025، سجلت منظومة الدعم الاجتماعي خلال هذا الموسم تطورا ملموسا، حيث بلغ عدد المنح 421.551 منحة مقابل 407.178 خلال الموسم السابق، أي بنسبة تطور بلغت 3.5 في المئة، مع هيمنة الإناث بنسبة تقارب 63 في المئة.

    كما ارتفعت نسبة الاستجابة لطلبات المنح إلى حوالي 93 مقابل 82 في المئة، نتيجة تحسين الحكامة واعتماد السجل الاجتماعي الموحد وربط منصة “منحتي” بالمعايير الجديدة للاستحقاق.

    وعلى مستوى الإيواء، ارتفعت الطاقة الاستيعابية إلى حوالي 55.818 سريرا، مع تسجيل معدل استجابة لطلبات السكن في حدود 47 في المئة، مقابل استمرار ضغط الطلب الذي يفوق 46.700 طلبا.

    وفي هذا السياق، صرح آدم السعودي، طالب بالمدرسة العليا للتجارة والتسيير، أن المنحة ساهمت بشكل مهم في مواصلة دراسته وتخفيف جزء من الأعباء المالية عن أسرته، خصوصا ما يتعلق بمصاريف النقل واللوازم الدراسية وبعض الاحتياجات اليومية، غير أنه يعتبر أن قيمة المنحة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد كافية لتغطية فترة الصرف كاملة، داعيا إلى مراجعتها ورفع قيمتها بما يتناسب مع الظرفية الحالية.

    ويضيف الطالب ذاته أن اعتماد الرقمنة والسجل الاجتماعي الموحد ساهم في تبسيط الإجراءات وتحسين تنظيم عملية الاستفادة، مع تعزيز الشفافية وتقليص التعقيدات الإدارية، معتبرا أن هذه الخطوة إيجابية وتحتاج إلى مزيد من التطوير لتصبح أكثر سرعة وفعالية.

    وشدد على أنه رغم الجهود المبذولة فمنظومة الدعم الاجتماعي ما تزال بحاجة إلى مزيد من التحسين، سواء على مستوى قيمة المنحة أو جودة الخدمات المرتبطة بالسكن الجامعي والإطعام، من خلال تحسين ظروف الإقامة والصيانة والنظافة والتجهيزات، وتطوير جودة وتنوع الوجبات، بما يضمن ظروفاً دراسية ومعيشية أفضل للطلبة.

    وفي ضوء هذه المعطيات، وبين دينامية الإصلاحات واستمرار الضغوط البنيوية، يظل الدعم الاجتماعي الجامعي في قلب سؤال التحول: هل يتعلق الأمر ببداية مرحلة جديدة في تدبير هذا الورش الاجتماعي، أم باستمرار مسار إصلاحي تدريجي يحتاج إلى مزيد من الزمن والموارد؟

    وفي هذا السياق، يرى عدد من المتتبعين أن تقييم هذه الحصيلة يستوجب قراءة مزدوجة، تأخذ بعين الاعتبار حجم التراكمات من جهة، والظرفية الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة التي رافقت تنزيل هذه الإصلاحات من جهة ثانية، مع التأكيد أن التحدي الأكبر للمرحلة المقبلة يظل مرتبطاً باستدامة التمويل، وتوسيع العرض الجامعي، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الجامعية.

    نحو تغطية أوسع وإصلاح هيكلي

    وفي سياق استمرارية هذا الورش، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب في ماي المنصرم، أن الاستفادة من المنح الجامعية تبقى مرتبطة بمعايير السجل الاجتماعي الموحد، مشيرا إلى أن نسبة المستفيدين ارتفعت من 83 إلى 95 في المئة خلال الموسم الجامعي الحالي، على أن تبلغ 97 في المئة قبل نهاية الولاية الحكومية.

    وأوضح الوزير أن المنحة والسكن الجامعيين يشكلان ركيزتين أساسيتين لتحسين المردودية الدراسية والحد من الهدر الجامعي، مؤكدا مراجعة قيمة المنحة ومعايير الاستفادة، خصوصا عبر السجل الاجتماعي الموحد، بما يضمن استهدافا أدق للفئات المستحقة.

    كما كشف أن المغرب يتوفر حاليا على 23 مطعما جامعيا تُدبَّر في إطار التدبير المفوض، مع تحمل الدولة ما بين 30 و35 درهما عن كل وجبة، مقابل أداء رمزي لا يتجاوز 1.40 درهم من طرف الطالب.

    وفي ما يتعلق بالبنية الإيوائية، أقر الوزير بوجود خصاص واضح في الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية، حيث لا يتجاوز عدد الأسرة المتوفرة حوالي 60 ألف سرير، في حين تُقدَّر الحاجيات بنحو 400 ألف سرير، ما يعكس حجم الفجوة المسجلة في هذا القطاع.

    وفي مستجد لاحق خلال جلسة 29 يونيو بالبرلمان، أوضح ميداوي أن الوزارة تواصل جهودها لمعالجة هذا الخصاص من خلال مراجعة الإطار القانوني المنظم للمكتب الوطني للأعمال الجامعية الاجتماعية والثقافية، واعتماد نموذج حكامة جديد قائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف بلوغ الطاقة الاستيعابية المطلوبة في أفق سنة 2030.

    وأضاف أن القانون رقم 24.49 أتاح لأول مرة إمكانية مساهمة الجماعات الترابية والجهات، إلى جانب المحسنين والفاعلين الآخرين، في تمويل وإنجاز الأحياء الجامعية وتقديم الدعم، بعدما كان هذا المجال يفتقر إلى إطار قانوني واضح، داعيا مختلف المتدخلين إلى الانخراط في هذا الورش باعتباره مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة واستثمارات على المدى المتوسط والبعيد.