Tag: وزارة الانتقال الطاقي

  • من الصدمات إلى رهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    من الصدمات إلى رهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    شهدت المنظومة الطاقية العالمية خلال السنوات الأخيرة واحدة من أعنف الأزمات منذ عقود، في سياق دولي اتسم بتوالي الاضطرابات، بدءا من تداعيات جائحة كوفيد-19 سنة 2020 وما خلفته من اختلالات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وصولا إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط والغاز والفحم، وأعادت قضية الأمن الطاقي إلى صدارة أولويات الدول.

    وقد شكلت هذه التطورات ما يمكن وصفه بـ”صدمة الطاقة”، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على معدلات التضخم وأسعار المواد الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين عبر العالم.

    وعلى المستوى الوطني، فقد تزامنت هذه التطورات مع توقف العمل بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي سنة 2021، وهو ما وضع المغرب أمام تحديات إضافية مرتبطة بتأمين إمداداته من الغاز الطبيعي وتنويع مصادر التزود بالطاقة.

    وجاء ذلك في وقت كانت فيه المنظومة الطاقية الوطنية تواجه تحديات بنيوية مرتبطة بارتفاع التبعية الطاقية للخارج، التي ناهزت 88 في المئة من الحاجيات الطاقية، واستمرار الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، رغم التقدم المحرز منذ إطلاق الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009.

    وفي المقابل، راكمت المملكة خلال السنوات الماضية مؤهلات مهمة في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدة من إمكاناتها الكبيرة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، ومن مشاريع استراتيجية واعدة، من قبيل الهيدروجين الأخضر ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، بما يفتح آفاقا لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.

    وأمام مخاطر انتقال آثار صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي وما قد ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية، اختارت الدولة التدخل من خلال تعبئة موارد مالية استثنائية بلغت نحو 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

    وفي هذا السياق، يطرح حجم التدخل المالي الذي خصصته الدولة لمواجهة تداعيات الأزمة، والمقدر بحوالي 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين ما 2022 و2025، تساؤلات حول الكيفية التي تم بها توظيف هذه الاعتمادات لتفادي انتقال صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي، وما كان يمكن أن ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية.

    من تدبير الأزمة إلى تعزيز الأمن الطاقي

    فرضت التحولات التي عرفها قطاع الطاقة منذ سنة 2021 على المغرب تحديات مرتبطة بتأمين الإمدادات والتحكم في كلفة الطاقة، ما دفع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إلى تبني مقاربة تجمع بين التدخلات الآنية والإصلاحات الهيكلية، بهدف تعزيز صمود المنظومة الطاقية الوطنية والحد من تداعيات الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

    ومن بين أبرز التدابير التي اتخذها المغرب لمواجهة تداعيات الأزمة الطاقية، تفعيل آلية التدفق العكسي لأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، وذلك عقب توقف العمل به في اتجاهه التقليدي سنة 2021.

    وسمح هذا الإجراء بتغيير اتجاه نقل الغاز من إسبانيا نحو المغرب، وتمكين المملكة من استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، وضمان استمرارية تزويد محطتي تهدارت وعين بني مطهر بالغاز دون انقطاع.

    وفي هذا الصدد، أشار خبير الطاقات المتجددة محمد بوحاميدي إلى أن الدعم الذي خصصته الدولة خلال سنوات الأزمة كان ضروريا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحماية الأسر والمقاولات من الارتفاعات غير المسبوقة في أسعار الطاقة، غير أنه يؤكد أن الرهان على المدى البعيد يقتضي توجيه الجهود نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية باعتبارهما الحل المستدام لتقليص فاتورة الطاقة وتعزيز الأمن الطاقي.

    وبالتوازي مع جهود تعزيز الأمن الطاقي، عملت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على تسريع تحديث البنيات التحتية الكهربائية لمواكبة الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة ضمن المزيج الطاقي الوطني، باستثمار 2.5 مليار درهم في مشاريع نقل الكهرباء خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، مع برمجة استثمارات إضافية تناهز 30 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030.

    وفي سياق تعزيز قدرة الشبكة الوطنية على استيعاب الإنتاج المتزايد من الكهرباء المتجددة، أطلقت المملكة عددا من المشاريع الهيكلية، أبرزها مشروع خط الضغط العالي جدا الرابط بين الجنوب والوسط بقدرة تصل إلى 3 جيغاواط، والذي يهدف إلى نقل الطاقات المتجددة.

    وتمت برمجة إضافة قدرات إنتاجية جديدة تصل إلى 15.672 ميغاواط خلال الفترة ما بين 2025 و2030، إلى جانب إدماج حلول التخزين الطاقي عبر إنجاز محطة منزل للضخ والتخزين بقدرة 350 ميغاواط المرتقب دخولها الخدمة سنة 2029، فضلا عن برمجة بطاريات تخزين بقدرة إجمالية تصل إلى 1.500 ميغاواط، في خطوة تروم تعزيز استقرار المنظومة الكهربائية الوطنية وتدبير الطابع المتقطع للطاقات المتجددة.

    ويرى محمد بوحاميدي في هذا الإطار أن تطوير شبكات نقل الكهرباء وتعزيز قدرات التخزين وتشجيع التصنيع المحلي لمعدات الطاقات المتجددة، إلى جانب تسريع برامج النجاعة الطاقية، تشكل عناصر أساسية لتعزيز استقلالية المملكة في المجال الطاقي، مشيرا إلى أن استمرار التبعية لاستيراد الوقود الأحفوري يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن الطاقي الوطني، إذ يجعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والتحولات الجيوسياسية في الأسواق الدولية.

    وشملت التدابير المتخذة إصلاحا يهم الضريبة على القيمة المضافة المطبقة على الطاقة الكهربائية، وذلك في إطار مقتضيات قانون المالية لسنة 2024، الذي أقر مسارا تدريجيا لتوحيد أسعار هذه الضريبة، من خلال رفعها من 14 إلى 16 في المئة سنة 2024، ثم إلى 18 في المئة سنة 2025، وصولا إلى 20 في المئة ابتداء من سنة 2026. غير أن هذا الإصلاح أُرفق، خلال المرحلة الانتقالية، بآلية موازية تقوم على تخفيض التعريفات الصافية للكهرباء، بما يضمن عدم انعكاس الزيادة الجبائية على الفاتورة النهائية للمستهلكين، في إطار مقاربة تروم إصلاح النظام الضريبي مع الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر.

    كما أطلقت الوزارة في يوليوز 2022 الحملة الوطنية للاقتصاد في الطاقة تحت شعار “الاقتصاد في الطاقة، ربح لنا ولبلادنا”، والتي أسفرت عن خفض الاستهلاك الوطني للكهرباء بنسبة 3 في المئة خلال شهر دجنبر 2022، أي ما يعادل اقتصادا يقدر بنحو 800 جيغاواط ساعة، كما تم توزيع 240 مليون درهم في إطار منح تحفيزية لفائدة الأسر المقتصدة.

    وإلى جانب هذه الإجراءات، واصلت الوزارة تنفيذ برامج الكهربة القروية في إطار تعزيز العدالة المجالية وفك العزلة عن المناطق النائية، حيث تم ربط 747 دوارا بالكهرباء خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2021 إلى غشت 2025، لفائدة 17 ألفا و361 أسرة، إلى جانب ربط 2059 مؤسسة تعليمية و738 مسجدا و207 مستوصفات، باستثمارات بلغت 706 ملايين درهم.

    وساهمت هذه الجهود في رفع معدل الكهربة الوطني إلى 99,91 في المئة، مقابل 99,80 في المئة سنة 2021، بما يعكس استمرارية ورش الكهربة القروية ودوره في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للمناطق القروية.

    كما تم إطلاق برنامج PERG 2.0 القائم على الحلول الشمسية لفائدة الدواوير المعزولة التي يصعب ربطها بالشبكة التقليدية، وذلك من خلال اعتماد محطات كهروضوئية صغيرة وشبكات مصغرة أو تجهيز الأسر بأطقم شمسية فردية، بما يساهم في تعميم الولوج إلى الكهرباء وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.

    تسريع الانتقال الطاقي وبناء أسس السيادة الطاقية

    بعد التدخلات الاستعجالية الرامية إلى الحد من تداعيات أزمة الطاقة العالمية، اتجه المغرب نحو إطلاق إصلاحات هيكلية تروم بناء نموذج طاقي أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية، وذلك من خلال تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز الأمن والسيادة الطاقية.

    وفي هذا الإطار، عملت المملكة على تسريع الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بالانتقال الطاقي، من خلال اعتماد القانون رقم 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية، إلى جانب القانون رقم 40.19 المعدل للقانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والقانون رقم 48.15 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء، بما ساهم في تعزيز انفتاح سوق الطاقة، وتوسيع ولوج المنتجين الخواص إلى الشبكة الكهربائية، وتشجيع الاستثمار الخاص في مشاريع الطاقات المتجددة.

    كما سجل المغرب تقدما ملحوظا في مجال الطاقات المتجددة، حيث ارتفعت حصته في القدرة الكهربائية المركبة من 37,1 في المئة سنة 2021 إلى 46,1 في المئة سنة 2025، مع إضافة 1733 ميغاواط من القدرات المتجددة الجديدة وتعبئة استثمارات تجاوزت 21 مليار درهم خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تسارع وتيرة الانتقال الطاقي واقتراب المملكة من تحقيق هدفها المتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة بحلول سنة 2030.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي إدريس عيساوي أن المغرب انتقل بشكل ملموس من منطق التسيير الآني للأزمات إلى التأسيس التدريجي لنموذج طاقي أكثر مرونة وصمودا، مشيرا إلى أن الإصلاحات التشريعية والإنفاق الاستثنائي ساهما في تحويل المملكة إلى منصة جاذبة للمشاريع الكبرى والاستثمارات في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

    وفي المقابل، أكد أن هذا الانتقال لا يزال يواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها استمرار التبعية الطاقية للخارج، إلى جانب الفجوة القائمة بين ارتفاع القدرة الكهربائية المركبة ومحدودية مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج الفعلي للكهرباء.

    رهانات الانتقال الطاقي وأهداف المغرب في أفق 2030

    رغم التقدم المسجل، لا تزال المملكة تواجه تحديات بنيوية مرتبطة باستكمال الانتقال الطاقي وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التقلبات الدولية، خاصة في ظل استمرار التبعية الطاقية للخارج، التي لا تزال تناهز 88 في المئة من الحاجيات الطاقية الوطنية.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي بدر زاهر الأزرق أن المغرب بدأ ينتقل من منطق تدبير الأزمة إلى منطق بناء الأمن الطاقي، من خلال الإصلاحات التي أُطلقت في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي، لكن هذا الانتقال ما زال في بدايته، لأن تحقيق السيادة الطاقية يحتاج إلى سنوات من الاستثمار، وإلى تسريع تنفيذ المشاريع، ورفع وتيرة الربط بالشبكات وتعزيز القدرات الصناعية المحلية المرتبطة بالطاقة.

    وتجسيدا لهذا التوجه، تراهن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، مع استهداف بلوغ 59 في المئة وفق مخطط التجهيز الكهربائي الجديد، إلى جانب تعبئة استثمارات تناهز 120 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030، يخصص أكثر من 100 مليار درهم منها لمشاريع الطاقات المتجددة.

    كما تشمل الأوراش المستقبلية تطوير البنية التحتية الغازية الوطنية، لاسيما إنجاز وحدة استيراد الغاز الطبيعي المسال بناظور غرب المتوسط وربطها بالأنبوب المغاربي-الأوروبي والمناطق الصناعية، فضلا عن إنجاز خط الضغط العالي جدا الرابط بين جنوب ووسط المملكة بقدرة 3 جيغاواط.

    وفي هذا الإطار، اعتبر محمد بوحاميدي أن مراجعة خارطة طريق الغاز الطبيعي وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، موضحا أن الغاز الطبيعي يمكن أن يشكل طاقة انتقالية لضمان استقرار المنظومة الكهربائية، في حين يمنح الهيدروجين الأخضر للمغرب فرصة للتموقع كمركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، غير أن نجاح هذه المشاريع يظل رهينا بتسريع وتيرة الإنجاز وتكوين الموارد البشرية وتشجيع البحث العلمي وإشراك القطاع الخاص.

    كما يراهن المغرب على تعزيز موقعه كمركز إقليمي للطاقة النظيفة بين إفريقيا وأوروبا، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تحقيق أهدافه المناخية المتمثلة في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 53 في المئة في أفق 2035، والالتزام بالحياد الكربوني بحلول سنة 2050.

    وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمية، يبقى تعزيز الأمن والسيادة الطاقية من أبرز التحديات الاستراتيجية المطروحة أمام المغرب، بما سيحدد إلى حد كبير ملامح المنظومة الطاقية الوطنية وقدرتها على الصمود في أفق 2030 وما بعده.