الوسم: هجرة الشباب

  • خالد مونة: الفقر لم يعد كافيا لفهم لماذا يقرر الشباب الهجرة

    خالد مونة: الفقر لم يعد كافيا لفهم لماذا يقرر الشباب الهجرة

    لم تعد الهجرة، خصوصا في أوساط الأجيال الجديدة، قابلة للتفسير فقط من خلال ثنائية الفقر والبحث عن العمل، فإلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية، طرأت تحولات على بنية الأسرة وموقع الفرد داخلها، وعلى الطريقة التي يبني بها الشباب تطلعاتهم ومشاريعهم المستقبلية، بالتوازي مع حضور متزايد للفضاء الرقمي في تشكيل الصور والتمثلات المرتبطة بالهجرة والحياة في الخارج.

    وتعيد أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة المحتلة طرح هذه الأسئلة بإلحاح أكبر، خاصة أن التفكير في الرحيل لا يرتبط دائما بالفقر أو الحرمان المادي المباشر، وإنما قد يتداخل مع البحث عن الاستقلال، والرغبة في تغيير نمط الحياة، ونظرة الشباب إلى مستقبلهم والآفاق المتاحة أمامهم.

    في هذا الحوار مع  AM+ MEDIA، يقدم خالد مونة، الأنتروبولوجي وأستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس ورئيس مركز الرباط للدراسات الاجتماعية، قراءته للتحولات التي تعرفها الهجرة، ويتوقف عند تغير موقع الأسرة والفرد في صناعة قرار الرحيل، وحدود تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وخصوصية التحركات الجماعية نحو سبتة، فضلا عن طريقة تعاطي المؤسسات والفاعلين السياسيين مع الظاهرة.

    واقع الهجرة تغيّر بطبيعة الحال، لكن هذا التغير لا يرتبط فقط بتحول الدوافع والأسباب التي تدفع الأفراد إلى الهجرة، وإنما أيضا بالتحولات التي عرفتها البنية الاجتماعية، وبالأدوار التي أصبح يؤديها الأفراد داخل الأسرة والمجتمع. فالانتقال التدريجي من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وما رافقه من إعادة توزيع للأدوار وتنامٍ لاستقلالية الفرد في اتخاذ قراراته، غيّر بالضرورة طبيعة الممارسة الهجرية والآليات التي تُبنى من خلالها.

    لذلك، لا ينبغي النظر إلى الهجرة باعتبارها استجابة مباشرة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية ثابتة، فهذه الأسباب تختلف من فرد إلى آخر، ومن جيل إلى آخر، كما تختلف باختلاف السياقات الاجتماعية، والأهم أن التحولات الاجتماعية غيّرت الطريقة التي تُتخذ بها قرارات الهجرة، والجهات التي تشارك في صناعتها، والشبكات التي تسهّلها، وكذلك طبيعة العلاقة بين الفرد والأسرة عند بناء المشروع الهجروي.

    لهذا، فإن فهم التحول الذي تعرفه الهجرة لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: لماذا يهاجر الناس؟، وإنما يقتضي أيضا طرح أسئلة أخرى من قبيل: من يقرر الهجرة؟، وكيف يُتخذ هذا القرار؟، “ما الدور الذي تلعبه الأسرة وشبكات القرابة والصداقة في ذلك؟

    هذه الأسئلة تنقلنا من البحث عن سبب مباشر للهجرة إلى محاولة فهم السياق الاجتماعي الذي يُصنع داخله القرار، لأن قرار الهجرة نفسه يتغير بتغير المجتمع، وبتغير موقع الفرد داخل الأسرة، وبتحول طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحيط به.

    مع الانتقال التدريجي من نموذج الأسرة الممتدة إلى نموذج اجتماعي أكثر فردانية، لم تعد العوامل الاقتصادية وحدها كافية لفهم الظاهرة الهجرية. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، إلغاء أهمية العامل الاقتصادي، وإنما يعني أن اختزال الهجرة فيه وحده لا يسمح بفهم جميع المسارات والتجارب التي نلاحظها اليوم.

    وأتذكر في هذا السياق أحد الشباب الذين حاولوا الهجرة إلى سبتة، حيث قال: “وجدت في سبتة الجوع فقط، وأنا لست معتادا على ذلك، فأنا أعيش في خير في بيت والدي”. هذه الشهادة تكشف أن الهجرة لا ترتبط بالضرورة بالفقر أو الحرمان المادي المباشر.

    قد يكون الشاب يعيش في ظروف توفر له حاجياته الأساسية داخل أسرته، لكنه مع ذلك يفكر في الهجرة بسبب تطلعات أخرى، مثل البحث عن الاستقلال، أو الرغبة في تغيير نمط الحياة، أو محاولة الخروج من واقع ينظر إليه باعتباره محدود الآفاق.

    وهنا ينبغي الانتباه إلى موقع الفرد في هذه التحولات؛ فالمهاجر، خصوصا في الأجيال الجديدة، أصبح فاعلا أكثر استقلالية في بناء مشروعه الهجروي، حتى وإن ظل مرتبطا بشبكات القرابة والصداقة والتضامن.

    ومن ثم، يمكن الحديث عن انتقال تدريجي من هجرة تُبنى أساسا داخل استراتيجية أسرية جماعية، يكون فيها قرار هجرة أحد أفراد الأسرة مرتبطا بمصالح الأسرة ككل، إلى هجرة تصبح فيها المسارات الفردية والتطلعات الشخصية ومشاريع المستقبل عناصر أساسية في صناعة القرار.

    هذا التحول لا يعني اختفاء الأسرة من المشروع الهجروي، ولا انتهاء تأثير شبكات القرابة والتضامن، وإنما يعني أن الفرد أصبح يحتل موقعا أكبر في تحديد مساره وفي بناء تصوره لمستقبله، وبالتالي في اتخاذ قرار الهجرة نفسه.

    شبكات التواصل الاجتماعي ليست فاعلا أساسيا أو محركا مباشرا للهجرة، والقول بعكس ذلك قد يقود إلى قراءة مضللة للظاهرة. فالعالم الافتراضي لا يصنع الرغبة في الهجرة من العدم، كما أنه لا ينتج وحده الأزمات التي تدفع الأفراد إلى التفكير فيها.

    ما يقوم به هذا الفضاء، من خلال الصور والفيديوهات وقصص الأشخاص الذين نجحوا في مسارات الهجرة، هو أنه يقدم للأفراد تمثلات ومخارج محتملة للأزمات التي يعيشونها. فالشخص الذي يعيش وضعا معينا، أو يشعر بأن الآفاق أمامه محدودة، قد يجد عبر هذه المنصات صورا وتجارب ومسارات تجعله يرى الهجرة باعتبارها أحد المخارج الممكنة.

    بهذا المعنى، تشكل شبكات التواصل الاجتماعي عاملا مؤثرا في الظاهرة الهجرية، لكنها ليست عاملا مؤسسا أو بنيويا لها؛ فهي قد تسرّع اتخاذ القرار، وتعيد تشكيل التمثلات المرتبطة بالحياة في الخارج، وتوفر المعلومات، وتُظهر مسارات وتجارب لم تكن متاحة بالوضوح والسرعة نفسيهما في السابق.

    لكن كل ذلك لا يعني أنها تفسر بمفردها لماذا يقرر شخص معين الهجرة، لأنه علينا أن نميز بين العامل الذي يؤثر في الظاهرة والعامل الذي يؤسس لها.

    لذلك، فإن العلاقة بين العالم الافتراضي والهجرة هي، في تقديري، علاقة ارتباط وليست علاقة سببية مباشرة، فالفضاء الرقمي يتفاعل مع دوافع اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية موجودة أصلا، وقد يمنحها سرعة وانتشارا أكبر، لكنه لا يمكن اعتباره السبب المؤسس للظاهرة.

    وإذا ركزنا على شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها التفسير الرئيسي للهجرة، فإننا نخاطر بإبعاد النقاش عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تجعل الفرد مستعدا أصلا للتفاعل مع ما يشاهده في العالم الافتراضي، والتفكير في الهجرة باعتبارها حلا ممكنا.

    لا يمكن فهم هذه التجربة فقط من خلال مسارات الأفراد، لأنها كانت مرتبطة أساسا بالطابع الجماعي والاستثنائي للحركة. فقد تحرك آلاف الأشخاص في الوقت نفسه تقريبا، وهو ما خلق دينامية مختلفة تماما عن تلك المرتبطة بالهجرة الفردية أو الأسرية.

    عندما نتحدث عن حركة بهذا الحجم وفي فترة زمنية متقاربة، فإننا لا نكون أمام مجرد مجموعة من القرارات الفردية المنفصلة، وإنما أمام وضع جماعي واستثنائي يحتاج إلى أن يُقرأ أيضا من زاوية الدينامية التي يخلقها وجود أعداد كبيرة من الأشخاص في المكان والزمان نفسيهما.

    ومن المحتمل أيضا أن جزءا من الأشخاص الذين شاركوا في هذه الحركة لم يكن يتوقع بالضرورة الاستقرار الفوري في أوروبا، وإنما كان ينتظر نوعا من الاستقبال أو التكفل المؤقت. فقد يكون لدى بعضهم اعتقاد بأن الوصول إلى سبتة سيتيح لهم الاستفادة من الماء والغذاء، أو من أشكال من المساعدة التي تقدمها جهات حكومية أو منظمات غير حكومية.

    لكن ينبغي التعامل مع هذه الفرضية بحذر، وتجنب افتراض أن جميع المشاركين كانت لديهم النية نفسها أو التوقعات ذاتها، لأن الطابع الجماعي للحركة لا يعني بالضرورة أن كل فرد شارك فيها كان يحمل المشروع نفسه أو يتصور النتيجة بالطريقة ذاتها.

    كما لا ينبغي التقليل من أثر هذا الوصول الجماعي على سكان المدينة. فالخوف الذي ساد بين جزء من السكان يمكن فهمه، في جانب منه، باعتباره رد فعل اجتماعيا أمام وضع استثنائي.

    أن يشاهد سكان مدينة صغيرة، ذات مجال جغرافي محدود ويقطنها أكثر من ستين ألف شخص، آلاف الشباب يصلون إليها في وقت واحد، هو حدث كفيل بإنتاج شعور قوي بالقلق وعدم الأمان والارتباك. وهنا نحن لا نصدر حكما على الأشخاص الذين وصلوا، وإنما نحاول فهم الأثر الاجتماعي الذي يمكن أن ينتجه حدث بهذا الحجم على السكان الموجودين أصلا داخل مجال محدود.

    لذلك، لا تكمن المسألة فقط في الحكم على ما إذا كان هذا الخوف “مبررا” أم لا، وإنما في فهم الكيفية التي أدى بها هذا التدفق الاستثنائي، من حيث حجمه وتزامنه، إلى إعادة تشكيل تصورات السكان وسلوكياتهم والعلاقات بينهم وبين الوافدين الجدد، في ظرف زمني قصير جدا.

    لا يمكنني أن أعطي دروسا في هذا المجال، لكن بإمكاني أن أقرأ، من خلال التصريحات والمواقف الحكومية، كيف تنظر الدولة إلى هذه المسألة وكيف تحدد أولوياتها.

    فبعد أيام قليلة من أحداث سبتة، صدرت تعليمات من طرف رئيس الحكومة، في إطار التحضير للميزانية الجديدة للسنة المقبلة، تقضي بإعطاء الأولوية للأوراش الكبرى. وهذا التوجه يكشف، في نظري، عن استمرار مقاربة اقتصادية كلية تركز على المؤشرات والمشاريع الكبرى، من دون أن تمنح الاهتمام نفسه لمسألة الاستقرار الاجتماعي وللأسباب العميقة التي تدفع جزءا من الشباب إلى فقدان الأمل في المستقبل.

    وفي المقابل، رأينا كيف اختارت الأحزاب السياسية، في معظمها، الصمت وانتظار الرواية الرسمية للأحداث، خصوصا أن الحدث قُدِّم منذ البداية باعتباره قضية ذات أبعاد خارجية وأمنية.

    وبعد أن تبلورت هذه الرواية، لاحظنا أن الجميع تقريبا أصبح يردد الخطاب نفسه، بما في ذلك الخطاب الذي يحمّل شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولية ما حدث؛ والحال أن اختزال الظاهرة في دور شبكات التواصل الاجتماعي يُغفل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأعمق التي أنتجت السياق الذي جعل هذا النوع من التحرك ممكنا.

    فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون عاملا مؤثرا ومسرّعا، لكنه ليس العامل المؤسس أو البنيوي للظاهرة. وإذا جعلناه في مركز التفسير، فقد نغفل الأسئلة المرتبطة بالواقع الاجتماعي نفسه، وبالظروف التي تجعل جزءا من الشباب يرى في الهجرة مخرجا ممكنا.

    وهنا تكمن، في تقديري، المشكلة الأساسية: نحن في النهاية نحصد ما ننتجه. فعندما ننتج التهميش، ونقتل الأمل، ولا نوفر للشباب آفاقا حقيقية للمستقبل، لا ينبغي أن نتفاجأ عندما يبحث هؤلاء الشباب عن مخارج أخرى، بما فيها الهجرة.

    المسألة، إذن، ليست فقط مسألة مراقبة الحدود أو تشديد المقاربة الأمنية، وإنما تتعلق أيضا بنوع المجتمع الذي ننتجه، وبالفرص التي نوفرها لأفراده، وبمدى قدرتنا على جعل المستقبل ممكنا وقابلا للحياة بالنسبة إلى الشباب.

  • ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    لطالما ارتبطت الهجرة غير النظامية بصورة الشاب الباحث عن فرصة عمل أو الهارب من الفقر، غير أن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة نهاية يوليوز الماضي أعادت طرح سؤال مختلف حول ما إذا كانت الدوافع الاقتصادية وحدها كافية لتفسير إقدام آلاف الشباب على المجازفة بحياتهم.

    هذا السؤال حضر في الخلاصات الأولية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث سبتة، والذي اعتبر أن اختزال الهجرة في الفقر والهشاشة الاجتماعية لم يعد كافيا، داعيا إلى فهم التحولات التي تعرفها تطلعات الشباب، والدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المنصات الرقمية في تشكيل قرار الهجرة.

    فهم جديد لدوافع الهجرة غير النظامية

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى مجلس حقوق الإنسان أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

    وتفتح هذه الخلاصة بابا أمام نقاش أوسع حول ما إذا كانت الهجرة اليوم تعكس أزمة اقتصادية فقط، أم أنها أصبحت أيضا نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية ورقمية غيرت نظرة جزء من الشباب إلى المستقبل، وإلى معنى النجاح وتحقيق الذات.

    واقع اجتماعي جديد للشباب

    وفي قراءته للتحولات التي تعرفها دوافع الهجرة غير النظامية، يرى الباحث في علم الاجتماع، عادل النجاري، أن الاقتصار على تفسير الظاهرة بالفقر أو البطالة لم يعد يعكس الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشباب اليوم، معتبرا أن الهجرة أصبحت ترتبط أيضا بتحولات عميقة في منظومة التطلعات وطريقة بناء المستقبل.

    ويوضح النجاري في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أنه “في السنوات الأخيرة، لم تعد الهجرة غير النظامية تفسر فقط باعتبارها نتيجة للفقر أو البطالة، رغم أن هذين العاملين ما يزالان حاضرين بقوة”، مبرزا أن “ما نلاحظه اليوم هو أن دوافع الهجرة أصبحت أكثر تعقيدا، لأنها ترتبط أيضا بتحول في منظومة تطلعات الشباب”.

    وأشار المتحدث ذاته إلى أن الأجيال الحالية تعيش في فضاء مفتوح على العالم، وتقارن أوضاعها بشكل يومي بما تراه على المنصات الرقمية، وهو ما يرفع سقف انتظاراتها ويجعلها تبحث عن تحقيق الذات بالسرعة نفسها التي ترى بها تجارب الآخرين.

    لذلك، يرى النجاري، أن الهجرة لم تعد بالنسبة إلى البعض مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت في كثير من الحالات مشروعا لتحقيق حياة مختلفة، يختلط فيه الاقتصادي بالاجتماعي والثقافي والنفسي.

    التضليل الرقمي.. عندما يصنع الهاتف حلم الهجرة

    إذا كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان يدعو إلى تجاوز تفسير الهجرة بالفقر وحده، فإنه في المقابل يسلط الضوء على عامل آخر لا يقل تأثيرا، يتمثل في الفضاء الرقمي.

    وفق تقرير “مجلس بوعياش”، لم تكن المنصات الاجتماعية مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاء للتعبئة والتنسيق، ساهم في تشكيل قناعة لدى عدد من الشباب بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

     فقد رصد المجلس انتشار منشورات ومجموعات على فيسبوك وواتساب وتلغرام تداولت معلومات وإرشادات حول مسارات العبور، ونقاط التجمع، وحتى التوقيت المناسب للتحرك، إلى جانب محتويات روجت لتأويلات خاطئة لقرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز 2026، ما منح هذه الرواية انتشارا واسعا بين الراغبين في الهجرة.

    وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أكده المغرب، الذي اعتبر أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت القرار القضائي الإسباني لتسويق فكرة مفادها أن الوصول إلى سبتة عبر البحر أصبح يضمن عدم الإرجاع، وهو ما غذى لدى عدد من الشباب صورة عن “فرصة استثنائية” للعبور.

    وفي تفسيره للدور الذي لعبه الفضاء الرقمي خلال موجة العبور الأخيرة، يعتبر عادل النجاري أن المنصات الاجتماعية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحولت إلى فضاء يعيد تشكيل تصورات الشباب ويؤثر في قراراتهم.

    الباحث في علم الاجتماع يؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى فاعل اجتماعي يؤثر في بناء التصورات والسلوكيات، فالشباب لا يتابعون فقط الأخبار المتعلقة بالهجرة، بل يتعرضون يوميا لمحتويات تقدم نماذج حياة تبدو أكثر جاذبية خارج الوطن، دون أن تنقل في الغالب الوجه الآخر لهذه التجارب”.

    واسترسل موضحا أن تزامن ذلك مع انتشار معلومات مضللة أو تأويلات خاطئة، يفرز تأثيرها أكبر، لأنها تعزز لدى بعض الشباب الاعتقاد بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أو أقل خطرا، وهنا لا يصنع المحتوى الرقمي قرار الهجرة من الصفر، لكنه يسرع اتخاذه ويمنحه شرعية نفسية واجتماعية”.

    بين “الفردوس الموعود” وصدمة الواقع

    غير أن الصورة التي رُسمت على المنصات الرقمية لم تصمد طويلا أمام الواقع، فبعد أيام قليلة من أحداث العبور، بدأت تتداول مشاهد عودة أعداد كبيرة من الشباب إلى المغرب، في وقت أكد فيه مصدر حكومي لوكالة الأنباء المغربية أن نحو 95 في المئة من الذين وصلوا إلى سبتة غادروها طواعية، معتبرا أن هؤلاء اكتشفوا بأنفسهم أن “الفردوس الموعود” الذي روجت له شبكات التهريب وبعض المحتويات الرقمية لا يعكس حقيقة ما ينتظرهم على الضفة الأخرى.

    وتتقاطع هذه الرواية مع جزء مما وثقه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي سجل حالات عودة طوعية، كما رصد شهادات تحدثت عن أوضاع صعبة عاشها عدد من العابرين، من بينها الجوع والعطش، إلى جانب تعرض بعضهم لاعتداءات وممارسات عنيفة داخل سبتة.

    ووثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان انتشار خطاب معاد للمهاجرين، واعتداءات ذات طابع عنصري استهدفت عددا من الشباب المغاربة، ما يعكس الهوة بين الصورة التي سبقت قرار الهجرة والواقع الذي واجهه عدد منهم بعد الوصول.

    وبخصوص ما كشفته العودة السريعة لعدد من الشباب بعد وصولهم إلى سبتة، يرى الباحث في علم الاجتماع أن هذه التجربة أبرزت الفارق بين الصورة التي تُبنى قبل الهجرة والواقع الذي يواجهه الشباب بعد العبور.

    ويشير النجاري إلى أن التجربة التي عاشها عدد من الشباب بعد الوصول إلى سبتة كشفت الفارق بين الصورة التي تشكلت لديهم قبل العبور والواقع الذي وجدوه بعده، الأمر الذي يؤكد أن جزءا من القرار كان مبنيا على تمثلات أكثر منه على معرفة دقيقة بالواقع

    لذلك فإن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل. فكلما تمكن المجتمع من تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، أصبح أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.”

    ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على خلق فرص الشغل أو تشديد المراقبة الأمنية، رغم أهميتهما، بل أصبحت تقتضي أيضا بناء خطاب قادر على مواجهة التضليل الرقمي، وتعزيز ثقة الشباب في مستقبلهم، وفهم التحولات التي يعرفها جيل نشأ في عالم تصنع فيه الشاشات الأحلام بالقدر نفسه الذي تصنع فيه الوقائع. وهو ما يجعل قراءة المجلس دعوة إلى توسيع زاوية النظر، والانتقال من تفسير اقتصادي أحادي إلى فهم أكثر شمولا لظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

    ما بعد أحداث الفنيدق.. أي مقاربة لفهم الهجرة؟

    لعل أهم ما تكشفه أحداث الفنيدق ليس فقط أنها أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، بل أنها أظهرت محدودية التفسيرات التقليدية التي تختزل الظاهرة في البطالة أو الفقر، لأن الهجرة اليوم تبدو أكثر تعقيدا؛ إذ تتداخل فيها الإكراهات الاقتصادية مع تحولات تطلعات الشباب، وتأثير الفضاء الرقمي، والصور التي تُبنى يوميا عن الحياة في الضفة الأخرى.

    وفي هذا السياق، يشدد الباحث في علم الاجتماع عادل النجاري على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل.

    ويذهب الناجري إلى أن نجاح المجتمع في تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، يجعله أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.

    وفي هذا السياق، تبدو أهمية خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في أنها تنقل النقاش من سؤال “كم تبلغ نسبة البطالة؟” إلى سؤال آخر أكثر عمقا: “كيف تتشكل تطلعات الشباب اليوم؟”، لأن الهجرة، وفق هذه المقاربة، لم تعد مجرد استجابة لواقع اقتصادي صعب، بل أصبحت أيضا نتاجا لتفاعل عوامل اجتماعية وثقافية ورقمية، تجعل بعض الشباب يرى في الهجرة مشروعا لتحقيق الذات، قبل أن يصطدم في كثير من الأحيان بواقع مختلف تماما.