الوسم: ميتا

  • هل يضع المغرب قيودا لحماية القاصرين في منصات التواصل الاجتماعي؟

    هل يضع المغرب قيودا لحماية القاصرين في منصات التواصل الاجتماعي؟

    عندما بدأت أستراليا، في نهاية 2025، تطبيق قيود تمنع من هم دون 16 سنة من إنشاء حسابات على عدد من منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن واضحا أن الخطوة ستتحول سريعا إلى واحدة من أبرز التجارب التي تستند إليها النقاشات حول حماية القاصرين في منصات التواصل.

    غير أن الجدل لم يتوقف عند تحديد سن لاستخدام المنصات، بل اتسع ليشمل مسؤولية الشركات عن تصميم خدماتها وما تفعله خوارزمياتها في حياة الأطفال والمراهقين، ليتغير بذلك موضوع النقاش نفسه.

    وبعدما كانت مسؤولية مراقبة وحماية القاصرين في منصات التواصل هي العنوان الأبرز، أصبحت المنصات تحت ضغط متزايد بشأن مدة الاستخدام، والمحتوى الذي تقترحه الخوارزميات، وتأثير الاستخدام المفرط على النوم والصحة النفسية، فضلا عن حماية المعطيات الشخصية للقاصرين.

    وفي الولايات المتحدة مثلا، دخل هذا النقاش مرحلة جديدة خلال الأيام الأخيرة، مع موافقة شركة “ميتا” على تسوية قضائية تصل قيمتها إلى 18 مليار دولار مع 48 ولاية وإقليما، تتضمن التزامات وقيودا جديدة على استخدام المراهقين لمنصتي “فيسبوك” و”إنستغرام”، مع طرح وضع حد افتراضي للاستخدام في حدود ساعتين يوميا، ومنع الاستخدام خلال الفترة الممتدة من منتصف الليل إلى السادسة صباحا.

    لكن هذه التسوية لا تعني أن الولايات المتحدة أقرت قاعدة اتحادية تلزم جميع المنصات بمنع القاصرين من الاستخدام بعد ساعتين يوميا، فهي اتفاق قضائي بين “ميتا” وعدد من الولايات والأقاليم، في وقت ما تزال فيه ملفات أخرى مرتبطة بحماية الأطفال على المنصات الرقمية مطروحة أمام القضاء والسلطات الأمريكية.

    حماية القاصرين في منصات التواصل

    شكلت أستراليا، مبكرا، نقطة تحول في نقاش حماية القاصرين في منصات التواصل، بعدما أصبحت في دجنبر 2025 أول دولة تطبق حظرا وطنيا واسعا على وسائل التواصل بالنسبة إلى من هم دون 16 سنة، مع إلزام المنصات باتخاذ إجراءات لمنع هذه الفئة من امتلاك حسابات على منصات مشمولة بالقانون.

    وبحلول منتصف دجنبر، أفادت هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية بإزالة أو تعطيل الوصول إلى نحو 4.7 ملايين حساب مرتبط بأشخاص دون 16 سنة.

    غير أن تحديد السن خلق مفارقة جديدة، لأن الدولة تريد حماية الطفل من المنصة، لكنها قد تحتاج في المقابل إلى إلزام المنصة بمعرفة معلومات أكثر عنه والتأكد من السن، ليصبح التحقق من العمر وحماية الخصوصية موضوعين متلازمين في أي نقاش حول تنظيم استخدام القاصرين للفضاء الرقمي.

    ويقول ربيع بعلبكي، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن حماية القاصرين في منصات التواصل لم تعد مسألة مرتبطة فقط بتحديد السن المسموح عنده بفتح الحسابات، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بطريقة تصميم المنصات نفسها.

    وأوضح أن مفهوم “السلامة الرقمية من خلال التصميم” يقتضي أن تكون حماية الأطفال جزءا أساسيا من تصميم المنصات منذ البداية، وليس مجرد إجراء يتم اللجوء إليه بعد وقوع الضرر أو تسجيل المخالفات، معتبرا أن المنصة مطالبة بالتفكير في سلامة المستخدم القاصر منذ لحظة تطوير الخدمة، وليس فقط بعد ظهور المشكلات.

    أوروبا تختبر أكثر من وصفة

    إذا كانت أستراليا اختارت مسارا واضحا يقوم على السن لحماية القاصرين في منصات التواصل، فإن أوروبا تكشف أنه لا يوجد نموذج واحد للحماية، ففرنسا تدرس منذ سنوات تشديد القيود المرتبطة بسن استخدام وسائل التواصل، بينما تتجه الدنمارك نحو تحديد سن أدنى عند 15 سنة مع إمكانية السماح بالاستخدام ابتداء من 13 سنة بموافقة الوالدين، في وقت تبحث فيه دول أوروبية أخرى بين تحديد السن، والتحقق من العمر، والرقابة الأبوية، وفرض التزامات إضافية على المنصات.

    وخلف هذه التحولات القانونية، توجد مخاوف صحية تتزايد مع اتساع حضور وسائل التواصل في حياة المراهقين.

    فقد أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية في أوروبا أن نسبة المراهقين الذين ظهرت لديهم مؤشرات على الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل ارتفعت من 7 في المئة سنة 2018 إلى 11 في المئة سنة 2022، مع تسجيل النسبة الأعلى لدى الفتيات.

    وتوضح سندس الصديقي، أخصائية في الأمراض العقلية والنفسية وعلاج الإدمان، في تصريح لـ”AM+ MEDIA” في هذا السياق، أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين لا يمكن اختزاله في عدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشة، موضحة أن طبيعة المحتوى وطريقة الاستخدام وتوقيت الولوج إلى المنصات، إضافة إلى قدرة الطفل على التوقف عنها، كلها عوامل تحدد ما إذا كان الاستخدام عاديا أو بدأ يتحول إلى استخدام إشكالي.

    وأضافت الصديقي أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي الانتباه ظهور تغيرات في النوم أو الدراسة أو العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو عدم قدرة الطفل على الابتعاد عن الهاتف رغم إدراكه للآثار السلبية لذلك، معتبرة أن هذه المؤشرات تظل أكثر دلالة من التعامل مع رقم ثابت لعدد ساعات الاستخدام.

    أي مسؤولية للأسرة في بيئة رقمية متغيرة؟

    من المنظور الذي تقدمه سندس الصديقي، تصبح الإشعارات، والتوصيات الخوارزمية، والفيديوهات المتتالية، ومؤشرات الإعجاب والمشاركة، تدخل في تصميم تجربة هدفها الأساسي إبقاء المستخدم متفاعلا، بحيث تصبح هذه المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمراهقين، لأن الطفل لا يواجه مجرد تطبيق محايد، وإنما بيئة رقمية قادرة على تحليل سلوكه وتوقع اهتماماته واقتراح المحتوى الذي قد يدفعه إلى الاستمرار في الاستخدام.

    وفي هذا السياق، يوضح بعلبكي للجريدة أن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية حماية القاصرين في منصات التواصل لم يعد كافيا، معتبرا أن طبيعة المنصات الرقمية تفرض توزيع المسؤولية بين مختلف الأطراف.

    وقال خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي إن القوانين مطالبة بوضع التزامات واضحة على الشركات، خصوصا فيما يتعلق بالتحقق من أعمار المستخدمين، وحماية بيانات القاصرين، والحد من وصول الأطفال إلى الخدمات والمحتويات غير المناسبة لأعمارهم.

    وأضاف أن الأسرة تظل طرفا أساسيا في هذه المعادلة، لكن قدرتها على المراقبة تظل محدودة أمام بيئة رقمية متغيرة باستمرار، وهو ما يجعل التدخل التنظيمي ومسؤولية المنصات جزءا ضروريا من أي سياسة لحماية القاصرين في منصات التواصل.

    من وقت الاستخدام إلى بيانات الطفل

    وتكشف قضية “تيك توك” في الولايات المتحدة أن المعركة أكبر من السن القانوني، فقد توصلت الشركة ووزارة العدل الأمريكية إلى تسوية بقيمة 400 مليون دولار في قضية مرتبطة باتهامات بانتهاك قوانين حماية خصوصية الأطفال، بعدما اتهمت السلطات الشركة بجمع معلومات شخصية عن مستخدمين دون 13 سنة دون الحصول على الموافقات المطلوبة.

    وتنقل القضية الإشكال إلى مستوى آخر، فحماية الطفل لم تعد تتعلق فقط بمنع المحتوى الضار أو تقليص الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة، وإنما أيضا بما تعرفه المنصة عن الطفل، وكيفية استخدام هذه البيانات، ومن يستطيع الوصول إليها.

    هذا السؤال أصبح أساسيا بالنسبة إلى أي تشريع مستقبلي في باب حماية القاصرين في منصات التواصل، خصوصا إذا اختار المشرع اعتماد التحقق من العمر، لأن كلما أصبحت مطالبة بالتأكد من سن المستخدم، أصبح من الضروري في الوقت نفسه وضع ضمانات تمنع تحول آلية الحماية إلى وسيلة لجمع مزيد من البيانات عن القاصرين.

    ويعتبر ربيع بعلبكي، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي أن هذه النقطة تحديدا تجعل حماية القاصرين في منصات التواصل ومسألة التحقق من العمر بحاجة إلى مقاربة دقيقة، لأن حماية الطفل لا ينبغي أن تتم على حساب حقه في الخصوصية.

    وبحسبه، فإن أي نظام للتحقق من السن يجب أن يحقق التوازن بين التأكد من أهلية المستخدم للوصول إلى المنصة وبين تقليص حجم البيانات التي يتم جمعها عنه، حتى لا تتحول إجراءات الحماية نفسها إلى مصدر لمخاطر جديدة.

    عندما تتحول المنصات إلى طريق نحو “الموت”

    أعطت أحداث سبتة الأخيرة للنقاش حول حماية القاصرين على المنصات الرقمية بعدا أكثر مباشرة في المغرب، سيما أن خلاصات تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن موجة العبور الجماعي أظهرت أن شبكات التواصل لم تكن مجرد فضاء انتشرت فيه أخبار الهجرة، بل تحولت إلى أداة للتعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات العملية حول كيفية الوصول إلى سبتة.

    وكشف المجلس أن مراقبته للفضاء الرقمي شملت 23 مجموعة على “فيسبوك” تضم أكثر من 1.086 مليون عضو، وكانت تنشر في المتوسط أكثر من 1400 تدوينة يوميا، فيما أظهرت إفادات الأشخاص الذين جرى الاستماع إليهم أنهم تلقوا معلومات عن محاولات العبور عبر الهواتف أو شبكات التواصل ثم أعادوا تداولها داخل دوائرهم.

    الأخطر أن جزءا من هذا المحتوى لم يكتفِ بالترويج لفكرة العبور، بل قدمها في صورة أقرب إلى المغامرة الممكنة والآمنة، إذ رصد المجلس تداول تأويل مضلل لقرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، الصادر في 8 يوليوز، أوحى بأن من يصل إلى سبتة أو مليلية سباحة لن يكون عرضة للإعادة.

    وترافق ذلك مع تبادل إرشادات بشأن طرق الوصول، ونقاط التجمع، والاستعداد للسباحة، والتنقل الجماعي، بل ومعطيات ميدانية حول الوضع في مناطق العبور.

    وفي ليلتي 29 و30 يوليوز، انتشرت رسائل تفيد بأن «الحدود مفتوحة»، بينما أفاد شباب وقاصرون استمع إليهم المجلس بأنهم تلقوا عبر واتساب دعوات للتوجه بعد منتصف الليل إلى نقاط العبور.

    هذه المعطيات تجعل قضية “التغرير” بالقاصرين على الإنترنت تتجاوز الاستخدام الفضفاض للمصطلح، إذ وثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان مشاركة أطفال ويافعين ضمن موجة العبور في 30 و31 يوليوز المنصرم، وسجل توقيف 11 قاصرا من بين 100 شخص تم توقيفهم على خلفية الأحداث، فيما وضع ستة منهم في مراكز لحماية الطفولة وأعيد خمسة إلى أوليائهم.

    هاجس حماية القاصرين في منصات التواصل حضر أيضا في تصريحات سابقة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تحدث عن تأثير مواقع التواصل في دفع الشباب والقاصرين إلى الهجرة، وقال إن المغرب تعرض لحملة إلكترونية تضمنت دعوات للقاصرين إلى الهجرة والعبور نحو سبتة، محذرا من أن استغلال الأطفال في مثل هذه السياقات يطرح مسؤوليات قانونية وأخلاقية تتجاوز مجرد مراقبة المحتوى.

     كما ربط الوزير بين أزمة القاصرين وشبكات الاتجار بالبشر واستغلال الأزمة، مؤكدا أن المغرب يطالب باستعادة القاصرين الموجودين في سبتة.

    الرباط تدخل النقاش عربيا

    في يونيو 2026، احتضنت الرباط اللقاء العربي الأول حول أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، بمشاركة ممثلين عن دول عربية وخبراء وأكاديميين وشباب وفاعلين في المجال الرقمي. وتناول اللقاء تأثير وسائل التواصل على الشباب، إلى جانب التضليل الرقمي، وخطاب الكراهية، والتطرف، والأمن الرقمي، والخصوصية وصناعة المحتوى.

    وخلال اللقاء، شدد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، على أهمية فهم التحولات التي أحدثها الفضاء الرقمي في حياة الأجيال الجديدة، والتعامل معها من خلال مقاربة تستبق التحولات بدل الاكتفاء برد الفعل أمام آثارها، مبرزا أن النقاش حول وسائل التواصل لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا، وإنما يمتد إلى طريقة مواكبة الشباب وحمايتهم داخل فضاء رقمي أصبح جزءا من حياتهم اليومية.

    وقد خلال اللقاء تقرير حول “الشباب والتحول الرقمي: آثار وسائل التواصل الاجتماعي في أفق 2035″، بما يعكس انتقال الموضوع من نقاش ظرفي حول سلبيات المنصات إلى محاولة بناء رؤية أوسع لمستقبل علاقة الشباب بالعالم الرقمي.

    وتكتسب استضافة الرباط لهذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، لأنها تضع المملكة داخل نقاش عربي يبحث في كيفية التعامل مع جيل أصبحت وسائل التواصل جزءا أساسيا من حياته اليومية.

    ويوجد المغرب اليوم أمام أكثر من خيار، فالتجارب الدولية لا تقدم وصفة واحدة يمكن للمغرب نقلها كما هي لحماية القاصرين في منصات التواصل، لأن الحظر قد يحد من وصول القاصر إلى بعض المنصات، لكنه لا يمنع بالضرورة التحايل على القيود أو الانتقال إلى منصات أخرى، فيما تحديد مدة الاستخدام قد يساعد في الحد من الإفراط، لكنه لا يعالج بالضرورة طبيعة المحتوى أو طريقة عمل الخوارزميات.

    المغرب يبحث عن نموذجه الخاص

    ولا يبدو أن النقاش في المغرب حول حماية القاصرين في منصات التواصل وسن الرشد الرقمي يتجه نحو استنساخ نموذج جاهز، في ظل غياب توافق دولي أصلا بشأن السن أو الإطار القانوني الأنسب لتنظيمه.

    فقد فتح المرصد الوطني للإجرام، التابع لوزارة العدل، مسارا تشاوريا مع المجتمع المدني حول حماية الأطفال في البيئة الرقمية، في لقاء احتضنته الرباط يوم 25 يونيو الماضي، بشراكة مع مجلس أوروبا والمركز المغربي للأبحاث متعددة التخصصات والابتكار، بمشاركة أكثر من 23 جمعية من مختلف جهات المملكة.

    وتكشف الخريطة المقارنة التي قدمها المرصد، كما كانت محينة في 24 يونيو 2026، عن تباين واضح في المقاربات الدولية؛ إذ اختارت تسع دول سن 16 عاما، من بينها الغابون كأول دولة إفريقية والإمارات العربية المتحدة كأول دولة عربية، فيما اعتمدت خمس دول، بينها فرنسا، سن 15 عاما، بينما ما تزال دول أخرى تدرس مشاريعها التشريعية.

    في المقابل، اختارت ألمانيا نموذجا أكثر تعقيدا يقوم على تعدد العتبات العمرية بين 14 و16 سنة، بما يعكس صعوبة اختزال المسألة في رقم موحد يصلح لجميع السياقات.

    والأهم في القراءة التي قدمها المرصد أن المقارنة الدولية لا تقدم للمغرب وصفة تشريعية جاهزة؛ فهي، بحسب خلاصاته، تكشف غياب توافق دولي حول السن، وغياب توافق مماثل حول النظام القانوني المنظم له، فضلا عن عدم وجود دولة تتطابق سياقاتها القانونية والمؤسساتية مع السياق المغربي وقد حسمت هذا الخيار.

    هذه الخلاصات تجعل النقاش المغربي حول حماية القاصرين في منصات التواصل أقرب إلى بناء نموذج خاص منه إلى مجرد نقل تجربة أجنبية، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام الرباط للمساهمة في النقاش الدولي حول حدود المسؤولية الرقمية وحماية القاصرين.

    ويتعامل المرصد الوطني للإجرام مع نقاش تقنين وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين باعتباره جزءا من مسار تشاوري وطني بدأ بورشة تأسيسية يومي 9 و10 دجنبر 2025 بسلا-تكنوبوليس، ومن المنتظر أن تُجمع مساهمات الجمعيات المشاركة في تقرير علمي يحال على السلطات المختصة والشركاء المؤسساتيين، لينضاف إلى ورقتي سياسات سبق للمرصد إعدادهما حول سن الرشد الرقمي وحماية القاصرين في البيئات الافتراضية الغامرة.

    في هذا السياق، يرى بعلبكي أن المغرب، في حال اختار تطوير إطار خاص لحماية القاصرين في منصات التواصل، يمكنه الاستفادة من التجارب الدولية دون استنساخها، عبر بناء مقاربة تراعي طبيعة المجتمع المغربي ومستوى استعمال الأطفال والشباب للتكنولوجيا.

    ويؤكد أن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء بيئة رقمية أكثر أمانا، بدل اختزال النقاش في منع الوصول فقط، من خلال الجمع بين مسؤولية المنصات، وحماية البيانات، والتحقق المسؤول من العمر، والتربية الرقمية، ودور الأسرة.

    بدورها، تؤكد الصديقي أن منع الطفل من استخدام منصة معينة لا يعالج وحده جذور المشكلة، خصوصا خلال مرحلة المراهقة التي تتشكل فيها الهوية وتتطور فيها القدرة على تنظيم الانفعالات واتخاذ القرارات، معتبرة أن التعرض المستمر للمقارنة الاجتماعية والتنمر وبعض المحتويات الضارة يمكن أن يزيد من هشاشة بعض المراهقين.

    ولحماية القاصرين في منصات التواصل، دعت إلى مقاربة تجمع بين وضع حدود واضحة داخل الأسرة، وتعزيز التربية الرقمية والوقاية والتدخل المبكر، إلى جانب مسؤولية المنصات في الحد من المخاطر التي قد يتعرض لها القاصر، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون إبعاد الطفل عن العالم الرقمي، وإنما مساعدته على بناء علاقة أكثر توازنا وأمانا معه.

  • “ميتا” و”تيك توك” تفعلان بروتوكول الأزمة بعد أحداث سبتة وإسبانيا تشيد بالمغرب وتتوعد بالحزم لإعادة المهاجرين

    “ميتا” و”تيك توك” تفعلان بروتوكول الأزمة بعد أحداث سبتة وإسبانيا تشيد بالمغرب وتتوعد بالحزم لإعادة المهاجرين

    ما تزال الحدود بين المغرب وإسبانيا تحت الاختبار، في ظل تجاوز الوضع للحواجز والمعابر إلى الهواتف والسوشيال ميديا، بعدما كشفت موجة العبور الجماعي في 30 و31 يوليوز المنصرم أن منشورا مضللا يمكن أن يتحول، في ظرف ساعات، إلى تعبئة ميدانية واسعة.

    وانتقلت السلطات المغربية والإسبانية إلى التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها جزءا من معادلة أمن الحدود، بعد الفوضى الأخيرة التي تسببت فيها في الأحداث الأخيرة.

    وعلى هذا الأساس، انخرطت شركتا “ميتا” و”تيك توك” في جهود الحد من التضليل الرقمي المرتبط بمحاولات العبور نحو سبتة، في وقت رفعت فيه السلطات المغربية والإسبانية مستوى التأهب عقب انتشار دعوات جديدة على شبكات التواصل الاجتماعي تحدد يوم 15 غشت موعدا لمحاولة عبور جماعي.

    وأعلنت هينا فيركونين، المسؤولة عن الشؤون التكنولوجية في الاتحاد الأوروبي، يوم أمس الإثنين، أن الشركتين وافقتا على التحقق من صحة المحتوى المرتبط بعبور الحدود إلى إسبانيا، بهدف منع الشبكات الإجرامية من استدراج مهاجرين محتملين بواسطة معلومات كاذبة تدفعهم إلى خوض محاولات محفوفة بالمخاطر.

    وفعلت “ميتا” و”تيك توك” بروتوكولات الأزمات، وأحدثتا، بتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، “آلية خاصة للتصعيد والتعاون مع مدققي الحقائق”، كما التزمتا، بحسب متحدث باسم المفوضية الأوروبية، بحظر المحتوى المرتبط بتهريب الأشخاص.

    وتعمل المنصتان، بصورة طوعية، على حجب المحتويات المخالفة أو خفض أولوية ظهورها، من دون أن تفرض عليهما المفوضية الأوروبية حذف محتوى بعينه.

    وموازاة مع ذلك، كشفت وسائل إعلام إسبانية أن المفوضية وجهاز الشرطة الأوروبي “يوروبول” يجريان اتصالات يومية مع الشركتين لمتابعة الوضع.

    ويأتي هذا التحرك بعد موجة العبور التي شهدتها سبتة يوم 30 يوليوز، حين تدفق الآلاف إلى الثغر المغربي المحتل، بعد ترويج معطيات مضللة حول حكم للمحكمة العليا الإسبانية مفاده أن السلطات الإسبانية لن يكون لها حق إعادة الواصلين إلى البر الإسباني عبر البحر.

    دعوات جديدة.. استنفار مغربي وإسباني

    ويأتي الاستنفار الرقمي لميتا وتيك توك تزامنا مع عودة منشورات مجهولة المصدر إلى التداول عبر “فيسبوك” و”واتساب” و”تيك توك” ومنصات أخرى، داعية إلى محاولة عبور جديدة يوم 15 غشت، متخذة من محور الفنيدق-سبتة نقطة انطلاق مفترضة.

    وتضمنت المنشورات شعارات من قبيل “15/08” و”الهجمة”، إلى جانب دعوات للانضمام إلى مجموعات خاصة بغرض التنسيق.

    وخلص تقييم للحرس المدني الإسباني إلى أن خطر تجسد الدعوة “حقيقي”، مع التأكيد أن حجمها يظل غير محسوم، وأن هوية الجهات التي أطلقتها لم تثبت بعد.

    ودفعت هذه التطورات السلطات الإسبانية إلى تعزيز انتشارها الأمني في سبتة بإرسال 45 عنصرا إضافيا من شرطة مكافحة الشغب، انضموا إلى 225 عنصرا سبق نشرهم، في حين عزز الحرس المدني مراقبة الحدود بعناصر إضافية ووحدات بحرية، فضلا عن مروحية وفرق للطائرات المسيّرة.

    وفي الجانب المغربي، عززت السلطات انتشارها ومراقبتها للمنطقة الحدودية، مع إبداء الاستعداد للتعاون من أجل منع تكرار موجة العبور السابقة.

    1527 قاصرا غير مصحوبين بسبتة

    من جانبه، رفع وزير الرئاسة والعدل، فيليكس بولانيوس، عدد القاصرين الأجانب غير المصحوبين في سبتة المحتلة الذين إلى 1527 قاصرا، قبل تولي السلطات مسؤولية رعايتهم.

    وأوضح بولانيوس، اليوم الثلاثاء في تصريحات أوردتها وسائل إعلام إسبانية خلال زيارة لأشغال المحطة متعددة الوسائط في ألميريا، أن الحكومة الإسبانية “تعمل” مع الحكومة المغربية من أجل محاولة تمكين جميع الأطفال والمراهقين من لمّ شملهم مع أسرهم في بلدانهم الأصلية.

    كما اتهم “بعض قيادات فوكس” في إشارة ضمنية إلى النائب خوسيه ماريا فيغاريدو بارتكاب “جريمة كراهية بشكل واضح وصريح”، بسبب دعوته إلى “اصطياد” المهاجرين الموجودين في وضعية غير نظامية، والذين لم تتم إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بعد موجة الدخول الجماعي التي شهدتها سبتة في 30 يوليوز الماضي.

    وفي السياق نفسه، وجهت وزارة المساواة الإسبانية، عبر المديرية العامة للمساواة في المعاملة ومكافحة التمييز والعنصرية، مراسلة إلى النيابة العامة للتحقيق في تصريحات السياسي المنتمي إلى حزب اليمين المتشدد خلال عدد من المقابلات.

    ألباريس: سنتعامل بحزم مع المهاجرين غير النظاميين

    وفي هذا السياق، أشاد وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بالتنسيق القائم مع الرباط، قائلا: “نعمل، إلى جانب المغرب، على تسريع العودة إلى المغرب للأشخاص الذين دخلوا بصورة غير نظامية ولم يعودوا بعد، وقد نقل إليّ نظيري المغربي وجميع السلطات المغربية، منذ اللحظة الأولى، استعدادهم الكامل لإعادة جميع هؤلاء الأشخاص فورا”.

    وأضاف ألباريس اليوم الثلاثاء في تصريحات عقب زيارة إلى سبتة المحتلة أنه “من أجل حماية مصالح سبتة وإسبانيا وأوروبا، أحافظ على الحوار مع السلطات المغربية وعلى العمل الدبلوماسي المشترك مع المغرب”، مردفا “لقد كان هذا الحوار الدبلوماسي أساسيا لتجاوز المرحلة الحادة من هذه الأزمة، ولضمان عودة آلاف الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية في وقت قياسي”.

    وأكد وزير الخارجية الإسباني استعداد الرباط الكامل لإعادة المهاجرين، مشددا على أن “إرادة المغرب منذ اللحظة الأولى كانت أن تتم عملية العودة بشكل فوري”، مضيفا: “لم يطلبوا أي مقابل في المقابل، وظلت إرادتهم واستعدادهم على حالهما”.

    ووجه الوزير الإسباني رسالة مباشرة إلى الراغبين في الاستجابة للدعوات المتداولة، قائلا: “أريد أن أتوجه مباشرة إلى جميع أولئك الذين يقرؤون أو يسمعون، في هذه اللحظة داخل المغرب أو في أي نقطة من إفريقيا، المعلومات الكاذبة عما يمكنهم، زعما، الحصول عليه بدخولهم بصورة غير نظامية إلى سبتة أو مليلية: لا تخاطروا بحياتكم وأموالكم ومستقبلكم في مغامرة محكوم عليها بالفشل؛ وعلى من يدخل سبتة أو مليلية بصورة غير نظامية أن يعلم أن إسبانيا والمغرب يعملان معا من أجل إعادتهم”.

    وتابع: “لن يتمكنوا من بلوغ شبه الجزيرة ولا القارة الأوروبية، ولا من البقاء إلى أجل غير مسمى في سبتة أو مليلية، هذه هي الإرادة الحازمة لإسبانيا والمغرب، وهذا ما نعمل عليه معا كل يوم، ولم يغير هذه الإرادة أي حكم صادر عن أي محكمة جرى تحريفه على شبكات التواصل الاجتماعي”.

    ووصف ألباريس المغرب بأنه “شريك أساسي”، مؤكدا أن “القنوات الدبلوماسية عنصر ضروري، وقد عملت في هذه الحالة بصورة مثالية”.

    حكم إسباني وتضليل إعلامي

    وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد كشف أن صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، في 8 يوليوز، ساهم بشكل مباشر في تصاعد المضامين الرقمية ومحاولات العبور خلال الأسابيع الثلاثة التي تلته.

    فالقرار، وفق ما أورده المجلس، قضى بأنه في حالة اعتراض مهاجرين في البحر لا يجوز إخضاعهم لنظام “الإرجاع الفوري” على الحدود، وإنما يتعين إخضاعهم لإجراء الإرجاع المنصوص عليه في قانون الأجانب.

    في اليوم نفسه، 8 يوليوز، رصد المجلس ما وصفه بأول محتوى مضلل على صفحة “فيسبوكية” متخصصة في محتويات الهجرة وإسبانيا والمغاربة المقيمين بها، يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص.

    وزعمت التدوينة أن “المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر عند العبور إلى سبتة أو مليلية عن طريق السباحة لا يمكن إرجاعهم”، وقدمت هذه الخلاصة باعتبارها منقولة عن “وفد حكومي إسباني”، وسجل المجلس أن المنشور حظي بتفاعل كبير.

    بعد خمسة أيام فقط، في 13 يوليوز، رصد المجلس محتوى عن “منع المحكمة العليا الإسبانية للإعادة الفورية للمهاجرين”، داخل مجموعة كان عدد أعضائها، قبل حذفها، يتجاوز 124 ألف شخص، وكانت تنشر بمعدل يصل إلى 231 تدوينة في اليوم.

    ورصد “مجلس بوعياش” أن حسابات ومجموعات بالفضاء الرقمي استخدمت “التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة” من أجل تقديم رسالة أكثر تبسيطا وإغراء مفادها أن الوصول عن طريق البحر يعني عدم إمكانية الإرجاع.

    وتكشف الكرونولوجيا التي قدمها تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن تصاعد المحتوى الرقمي تزامن مع ارتفاع وتيرة محاولات العبور.

    ففي 14 يوليوز، أوقفت السلطات المغربية محاولة هجرة لـ20 شخصا عبر الناظور، وفي 15 يوليوز أوقفت البحرية الملكية محاولة جماعية لنحو 50 شخصا في اتجاه سبتة انطلاقا من الفنيدق.

    واستمرت المحاولات في 17 يوليوز، إذ جرى توقيف محاولة تسلل جماعي لعشرات الأشخاص سباحة نحو سبتة، قبل تسجيل محاولة شملت نحو 200 شخص في 19 يوليوز عبر منطقتي تارخال وبليونش.

    وبين 15 و27 يوليوز، يفيد التقرير أنه تم تسجيل 1500 حالة هجرة إلى سبتة شملت بالغين وقاصرين.

    غير أن يوم 28 يوليوز شكل، وفق معطيات المجلس، محطة أخرى في تصاعد التعبئة الرقمية، بعدما وصلت شابة منحدرة من مدينة العرائش إلى سبتة سباحة، مسجلا أنه “ورغم أن عدد العابرين في ذلك اليوم تجاوز 100 شخص، فإن صورة الشابة وصديقتها وهما ترفعان شارة النصر بعد الوصول انتشرت على نطاق واسع”.

    وبحسب المجلس، تحولت الصورة إلى مادة لـ”الترويج والتضليل”، اعتمادا على “تأويل غير دقيق أو مغرض” لمنطوق حكم المحكمة العليا الإسبانية، الأمر الذي أنشأ سردية رقمية توحي بأن العبور ممكن وأن فرص الإرجاع شبه منعدمة.

    وفي 29 يوليوز، رصد المجلس انتشار أخبار ومضامين داخل الفضاءات الرقمية، ليلتي الأربعاء والخميس، تزعم أن “الحدود مفتوحة”، لتبدأ، بين 29 و30 يوليوز، أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات تتوافد على الفنيدق.

    وخلال عمليات التقصي الميداني، أفادت مجموعات مختلفة من الشباب لفرق مجلس حقوق الإنسان بأنها تلقت رسائل عبر تطبيق “واتساب” تدعوها إلى التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل، بهدف المرور الجماعي إلى سبتة.

    مجموعات افتراضية وأياد خفية

    واطلع فريق الرصد المركزي لمجلس حقوق الإنسان على منشورات 23 مجموعة على “فيسبوك”، بلغ مجموع أعضائها أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنتج، مجتمعة، أكثر من 1400 تدوينة يوميا في المتوسط.

    وفي 30 يوليوز وحده، جرى حذف خمس مجموعات رئيسية من بين المجموعات التي كان “مجلس بوعياش” يتابعها.

    ولم يقتصر الرصد على “فيسبوك”، فقد تابع المجلس وفق تقريره الفيديوهات والشهادات والمضامين المرتبطة بالعبور وما أعقبها على “إكس” و”إنستغرام” و”تيك توك”، فضلا عن مجموعات مغلقة أو شبه مغلقة على “واتساب” و”تلغرام”.

    وخلص التقرير إلى أن المجموعات الرقمية تحولت إلى فضاءات لتوفير سلسلة متكاملة من المعلومات والخدمات المرتبطة بالعبور، وجرى فيها عرض وبيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة وملابس الرياضات البحرية وزعانف السباحة، وتقديم إرشادات عملية بشأن كيفية الاستعداد للعبور، فضلا عن تحديد نقاط الالتقاء داخل المدن والتعبئة من أجل التحرك الجماعي.

    كما تداول أعضاء هذه المجموعات معلومات ميدانية عن الوضع على الأرض، وطلبات واستفسارات عن كيفية التنقل بعد الوصول إلى طنجة، والطرق المؤدية إلى سبتة، إلى جانب تقاسم روابط الالتحاق بمجموعات “واتساب” و”تلغرام” لمواصلة التنسيق بعيدا عن الفضاءات المفتوحة.

    ومن أبرز خلاصات الرصد الرقمي التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تسجيل منشورت تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات “قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر”، تعرض خدمات لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور.

    ولفت المجلس أيضا إلى أنه جرى تداول معلومات حول أماكن المراقبة والمسالك والتوقيت الأنسب للعبور، إلى جانب تجارب سابقة ومنشورات تظهر تمكن أشخاص من الوصول إلى سبتة.

    وسجل المجلس وجود حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية، قال إنها تنشر أخبارا زائفة ومضامين تشجع على العبور وتقدم إرشادات لتسهيله.

    وفي إحدى الحالات التي وثقها، عمدت مجموعة على “واتساب”، كانت تتداول طرق وإرشادات الوصول إلى سبتة، إلى حذف جميع الأرقام الهاتفية التي تحمل الرمز الدولي لدولة أجنبية، بينما رصد المجلس في مجموعة أخرى أكثر من 18 رقما هاتفيا تعود إلى الدولة الأجنبية نفسها.

    وربط “مجلس بوعياش” هذه المعطيات بما سبق أن أورده في تقريره السنوي عن حالة حقوق الإنسان برسم سنة 2024، حين نبه إلى انتشار صفحات وحسابات ومجموعات رقمية تنشر إعلانات صريحة لتقديم “خدمات” غير مشروعة لتنظيم وتنشيط عمليات العبور غير النظامي باستعمال وسائل بحرية مقابل مبالغ مالية.