الوسم: مدينة الداخلة

  • كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    تحولت الداخلة، بعد 47 سنة على استرجاع إقليم وادي الذهب، إلى واحدة من أبرز واجهات الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تعكس المشاريع الكبرى والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية مسارا انتقل من تجهيز المجال وتعزيز ارتباطه بباقي التراب الوطني إلى تثمين موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

    وتعكس الأرقام جزءا من هذا التحول، ففي جهة يبلغ عدد سكانها نحو 220 ألف نسمة، وصل الناتج الداخلي الإجمالي إلى 20.288 مليار درهم سنة 2024، وسجل الاقتصاد نموا بـ7 في المئة، مقابل 4.4 في المئة على المستوى الوطني، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للفرد 92 ألفا و904 دراهم، وهو أعلى مستوى بين جهات المملكة.

    ولا يتعلق الأمر بمؤشرات اقتصادية معزولة، بل بمسار تدعمه مشاريع مهيكلة جاءت في إطار الرؤية الملكية السامية لتنمية الأقاليم الجنوبية، من المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي، إلى الطاقة والقطاعات المنتجة والاستثمارات الجديدة.

    وتتقاطع في جهة الداخلة-وادي الذهب، هذه المشاريع التنموية مع موقع جغرافي يفتح الجهة على المحيط الأطلسي من جهة، وعلى موريتانيا وغرب إفريقيا من جهة أخرى، لتصبح التنمية المحلية جزءا من امتداد اقتصادي أوسع للمملكة نحو القارة.

    من استرجاع الإقليم إلى بناء قطب اقتصادي

    شكل استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979 محطة أساسية في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، لتدخل المنطقة بعد ذلك مرحلة أخرى عنوانها البناء والتجهيز وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي في محيطها الوطني.

    وأخذ هذا المسار دفعة جديدة مع إطلاق جلالة الملك محمد السادس، في نونبر 2015، النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ضمن برنامج تنموي مندمج بغلاف مالي يتجاوز 77 مليار درهم، بهدف إطلاق دينامية اقتصادية واجتماعية وخلق فرص الشغل والاستثمار وتوفير البنيات التحتية والمرافق الضرورية.

    وشمل هذا التوجه مجموعة من الأوراش الكبرى، من الطريق والربط الكهربائي والطاقات المتجددة إلى تثمين منتجات الصيد البحري وميناء الداخلة الأطلسي، ضمن رؤية تجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية وتطوير القطاعات المنتجة.

    وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2022، أن الصحراء المغربية شكلت عبر التاريخ صلة وصل إنسانية وروحية وحضارية واقتصادية بين المغرب وعمقه الإفريقي، معتبرا أن العمل التنموي يروم ترسيخ هذا الدور وجعله أكثر انفتاحا على المستقبل.

    وعلى هذا الأساس، برزت الداخلة-وادي الذهب باعتبارها واحدة من المناطق التي تتجسد فيها هذه الرؤية الملكية بشكل واضح، بالنظر إلى مواردها البحرية والفلاحية والطاقية، وإلى موقعها على الواجهة الأطلسية وعلى المحور البري الممتد نحو إفريقيا.

    اقتصاد بمؤشرات تتجاوز المتوسط الوطني

    تكشف الحسابات الجهوية لسنة 2024، التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط خلال صيف 2026، عن دينامية واضحة في اقتصاد جهة الداخلة-وادي الذهب.

    فقد ارتفع الناتج الداخلي الإجمالي للجهة، بالأسعار الجارية، من 18.444 مليار درهم سنة 2023 إلى 20.288 مليار درهم في 2024، لترتفع مساهمتها في الناتج الداخلي الإجمالي الوطني من 1.2 إلى 1.3 في المئة.

    وفي الوقت نفسه، سجل اقتصاد الجهة نموا حقيقيا بلغ 7 في المئة خلال سنة 2024، مقابل 4.4 في المئة للاقتصاد الوطني.

    أما نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، فبلغ 92 ألفا و904 دراهم، مقابل 43 ألفا و891 درهما وطنيا، لتحتل الداخلة-وادي الذهب المرتبة الأولى بين جهات المملكة وفق هذا المؤشر.

    وتكشف بنية الاقتصاد المحلي أيضا عن تحول تدريجي في الأنشطة؛ فإلى جانب الوزن الذي يحتفظ به الصيد البحري، ارتفعت بالقيمة الجارية خلال 2024 أنشطة البناء بـ14 في المئة، والنقل والتخزين بـ49.6 في المئة، والفنادق والمطاعم بـ39.7 في المئة، والصناعة التحويلية بـ7.2 في المئة.

    ويرى محمد أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أن هذه المؤشرات تعكس تحولا فعليا في البنية الاقتصادية للجهة.

    ويقول سامي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن “الداخلة انتقلت تدريجيا من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الصيد البحري والأنشطة الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعا، تدخل فيه اللوجستيك والصناعة والطاقات المتجددة والخدمات المرتبطة بالتجارة والنقل”، موضحا أن “هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بالمشاريع الكبرى التي عرفتها الجهة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والمحور الطرقي تيزنيت-الداخلة”.

    أكثر من ملياري درهم من الاستثمارات في سنة

    تظهر الدينامية نفسها في أرقام الاستثمار بالجهة، حيث تمت خلال سنة 2024، المصادقة على 118 مشروعا استثماريا بقيمة إجمالية تفوق ملياري درهم، يرتقب أن تساهم في إحداث 2707 مناصب شغل مباشرة، وفق المعطيات الرسمية لوزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية.

    وتتوزع مؤهلات الجهة بين الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، والفلاحة والسياحة والخدمات والطاقات المتجددة، فيما توسع البنيات الكبرى مجالات الاستثمار باتجاه الصناعة واللوجستيك والتجارة.

    وبهذا الصدد، يرى محمد أمين سامي أن قيمة المشاريع الكبرى التي تعرفها الداخلة “لا تقاس فقط بكلفتها المالية، وإنما بما أنتجته وما ستنتجه حولها من أنشطة اقتصادية جديدة”، مسترسلا “مثلا، ميناء الداخلة لا يمثل مجرد منشأة لاستقبال السفن، بل قاعدة لاستقطاب وحدات صناعية ولوجستية، وتثمين المنتجات المحلية وربط المستثمرين والأسواق”.

    وتابع بالقول: “التحول الذي تحقق على مستوى البنية التحتية وفر للجهة قاعدة قوية لاستثمارات منتجة وفرص شغل وقيمة مضافة محلية، وهو ما يعزز انتقال الداخلة نحو منظومة اقتصادية أكثر تكاملا”.

    ميناء الداخلة بوابة بحرية على الأطلسي

    في قلب هذه المنظومة يبرز ميناء الداخلة الأطلسي، باعتباره واحدا من أبرز المشاريع المهيكلة التي تجسد المرحلة الجديدة من تنمية الأقاليم الجنوبية، وركيزة لتطوير قطب يجمع بين أنشطة التجارة والصيد البحري والصناعة واللوجستيك، ويرتبط بمنطقة مخصصة للأنشطة الاقتصادية، بما يسمح باستقطاب استثمارات جديدة وتثمين جزء أكبر من موارد المنطقة محليا.

    ويكتسب المشروع أهميته من موقعه المطل على المحيط الأطلسي وبالقرب من محور بري يمتد نحو موريتانيا وغرب إفريقيا، ما يمنح البنية المينائية وظيفة تتجاوز حاجيات السوق الجهوية إلى دعم المبادلات الوطنية والقارية.

    وكان المشروع ضمن الأوراش التي وضعها البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية في صلب التحول الاقتصادي للمنطقة، إلى جانب الطريق والطاقات المتجددة والربط بالشبكة الكهربائية الوطنية.

    ومع تواصل أشغاله خلال سنة 2026، يضيف الميناء إلى الوظيفة البرية للداخلة امتدادا بحريا، ويعزز تشكل منظومة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتصدير.

    1055 كيلومترا تعزز الربط بين الشمال والجنوب

    وإذا كان ميناء الداخلة الأطلسي يعزز الواجهة البحرية للجهة، فإن المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة رسخ ارتباطها البري بباقي المملكة.

    ويمتد المشروع على 1055 كيلومترا، في واحد من أكبر الأوراش الطرقية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، ويجمع بين الطريق السريع تيزنيت-العيون وتوسيع وتقوية الطريق الوطنية رقم 1 في المقطع الرابط بين العيون والداخلة.

    وأكدت وزارة التجهيز والماء في يونيو 2026 أن هذا المحور يشكل شريانا استراتيجيا للربط بين شمال المملكة وجنوبها ودعم الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ولا تقتصر أهميته على تحسين تنقل الأشخاص، بل تمتد إلى حركة البضائع والمنتجات وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، وتقليص أثر المسافات الطويلة التي كانت تمثل أحد تحديات الاستثمار في المنطقة.

    ومن الداخلة، يستمر الامتداد البري عبر الكركرات نحو موريتانيا ودول غرب إفريقيا، ما يمنح المحور وظيفة تتجاوز الربط الداخلي للمملكة.

    من ثروة الصيد البحري إلى التثمين

    ويظل الصيد البحري أحد أبرز مرتكزات اقتصاد الداخلة-وادي الذهب، وفق ما تؤكده أحدث الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط.

    وارتفعت القيمة المضافة للقطاع بالجهة من 2.542 مليار درهم سنة 2023 إلى 2.968 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 16.8 في المئة بالأسعار الجارية.

    ومثلت الداخلة-وادي الذهب خلال السنة نفسها 33.8 في المئة من القيمة المضافة الوطنية لقطاع الصيد البحري، ما يعكس الوزن الذي تحتله الجهة داخل الاقتصاد البحري للمملكة.

    غير أن التحول الذي تعرفه المنطقة لم يعد يقوم فقط على استغلال هذه الثروة، بل على تثمينها محليا عبر التحويل والتبريد والتخزين والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية، ما يسمح بربط الموارد البحرية بالصناعة والنقل والتصدير، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الجهة، إلى جانب توسيع أثر القطاع على الاستثمار والتشغيل.

    وسيعزز ميناء الداخلة الأطلسي والمناطق الاقتصادية المرتبطة به هذا المسار، من خلال توفير بنية قادرة على ربط الإنتاج البحري بالتصنيع والأسواق الوطنية والخارجية.

    الهيدروجين الأخضر يوسع خريطة الاستثمار

    وإلى جانب القطاعات التي راكمت فيها الداخلة حضورا اقتصاديا، بدأت مجالات جديدة تدخل خريطة الاستثمار في الجهة.

    ففي يونيو 2026، وقفت لجنة تتبع مشروع مندمج لإنتاج الهيدروجين الأخضر بجهة الداخلة-وادي الذهب على مدى تقدم المشروع، وصادقت على أولى مخرجات الدراسات الجارية، في إطار تنزيل “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر.

    ويضيف هذا المشروع بعدا جديدا للاقتصاد المحلي، ويربط الموارد الطاقية التي تتوفر عليها المنطقة بالتحول الذي يعرفه المغرب في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما يعكس استمرار الدينامية الاستثمارية إلى غاية سنة 2026، وانتقال الجهة من القطاعات التقليدية إلى أنشطة جديدة ذات ارتباط بالتحول الطاقي والأسواق الدولية.

    حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

    شكلت المسافة التي تفصل الداخلة عن المراكز الاقتصادية الكبرى للمملكة، في مراحل سابقة، أحد تحديات الاستثمار وحركة السلع، لكن تطوير البنيات التحتية أعاد تدريجيا صياغة هذه المعادلة.

    وأصبحت الداخلة توجد اليوم في نقطة اتصال بين السوق الوطنية شمالا وموريتانيا وغرب إفريقيا جنوبا، بينما تمنحها واجهتها الأطلسية منفذا على حركة التجارة البحرية.

    ويؤكد ذلك الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي محمد أمين سامي، موضحا أن “الداخلة توجد اليوم في نقطة تقاطع استراتيجية بين ثلاثة مجالات: السوق المغربية شمالا، والعمق الإفريقي جنوبا، والمسارات البحرية على الواجهة الأطلسية غربا. والمشاريع التي تم إنجازها والجاري استكمالها حولت هذه الجغرافيا إلى ميزة تنافسية حقيقية”س.

    ويضيف سامي أن “محور تيزنيت-الداخلة عزز حركة الأشخاص والبضائع داخل المملكة، بينما سيمنح ميناء الداخلة الأطلسي هذا الامتداد منفذا بحريا كبيرا، والتكامل بين الطريق والميناء والمناطق الصناعية واللوجستية يجعل الداخلة منصة طبيعية للتجارة والاستثمار والربط مع الأسواق الإفريقية”.

    الداخلة.. بوابة المغرب نحو إفريقيا

    اكتسب هذا الموقع بعدا أكبر مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء سنة 2023، حين أكد الملك محمد السادس أن الواجهة الأطلسية هي بوابة المغرب نحو إفريقيا، ودعا إلى استكمال المشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية وتعزيز البنيات التحتية والنقل واللوجستيك.

    وفي الخطاب نفسه، أطلق الملك المبادرة الدولية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مع إعلان استعداد المغرب لوضع بنياته التحتية الطرقية والمينائية والسككية رهن إشارة هذه الدول.

    ويمنح هذا التوجه للمشاريع المنجزة والجارية في الأقاليم الجنوبية وظيفة تتجاوز التنمية المحلية، إذ تصبح البنيات الطرقية والمينائية جزءا من رؤية أوسع للربط الاقتصادي مع إفريقيا.

    وفي هذا السياق، رسخت الداخلة موقعها كإحدى البوابات الرئيسية للمغرب نحو عمقه الإفريقي، بما تتوفر عليه من اتصال بري مع موريتانيا وغرب القارة، وواجهة أطلسية، وموارد واستثمارات ومشاريع لوجستية وصناعية.

    ويقول محمد أمين سامي لـ”AM+ MEDIA” إن الداخلة “أصبحت اليوم جزءا فعليا من الرؤية الاقتصادية المغربية تجاه إفريقيا، فالموقع والبنية التحتية والاستثمارات لم تعد عناصر منفصلة، وإنما مكونات لمنظومة تربط المغرب بغرب إفريقيا ودول الساحل، وتفتح أمام المنطقة فرصا أكبر في التجارة واللوجستيك والصناعة”.

    وهكذا، تحمل ذكرى 14 غشت، إلى جانب رمزيتها الوطنية المرتبطة باسترجاع وادي الذهب واستكمال الوحدة الترابية، صورة مسار تنموي متواصل على الأرض، تعكسه الطرق والموانئ والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية، وتشهد على الانتقال من استرجاع المجال إلى تثمينه، ومن تعزيز ارتباطه إلى ترسيخ موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي وواجهته الأطلسية.

  • استرجاع وادي الذهب.. يوم ربطت حنكة الملك شمال المغرب بجنوبه

    استرجاع وادي الذهب.. يوم ربطت حنكة الملك شمال المغرب بجنوبه

    لم يكن يوم 14 غشت 1979 مجرد تاريخ أضيف إلى رزنامة الأعياد الوطنية، ولا مجرد انتقال إداري لإقليم من وضع إلى آخر، ففي الذاكرة المغربية، يمثل استرجاع وادي الذهب لحظة التقت فيها روابط البيعة الموروثة، وإرادة سكان الإقليم، والتضحيات العسكرية، بجهود استكمال الوحدة الترابية للمملكة.

    ولا تكتمل قراءة هذه الذكرى من خلال مشهد البيعة الذي احتضنه القصر الملكي بالرباط وحده، بل ينبغي وضعها ضمن تسلسل تاريخي انطلق من انسحاب موريتانيا من الإقليم، ومعركة بئر أنزران في 11 غشت 1979، فبيعة وفود قبائل وادي الذهب للملك الحسن الثاني في 14 غشت، ثم إدماج الإقليم في التنظيم الإداري للمملكة وزيارة الملك الراحل الحسن الثاني للداخلة سنة 1980.

    حلقة في مسار استكمال الاستقلال

    تنظر الذاكرة الوطنية المغربية إلى استرجاع وادي الذهب باعتباره حلقة ضمن مسار طويل لم ينته بحصول المغرب على استقلاله سنة 1956، حيث استُرجعت طرفاية في 15 أبريل 1958، ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، قبل أن تفتح المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1975 الطريق أمام إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء.

    وسبق المسيرة الخضراء صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975، والذي أقر بوجود روابط قانونية من البيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الصحراء، ما اعتبرته الرباط إقرارا بروابط البيعة وتثبيتا لعنصر أساسي في الحجة التاريخية المغربية.

    وفي اليوم نفسه أعلن الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء باعتبارها وسيلة سلمية لاسترجاع الأقاليم الصحراوية. “محكمة العدل الدولية.

    وأفضت اتفاقية مدريد الموقعة في 14 نونبر 1975 إلى إنهاء الوجود الإسباني وتقاسم إدارة الإقليم بين المغرب وموريتانيا، فأصبحت الساقية الحمراء تحت الإدارة المغربية، بينما تولت موريتانيا إدارة الجزء الجنوبي المعروف بوادي الذهب.

    غير أن التطورات السياسية والعسكرية التي عرفتها موريتانيا دفعتها، في مطلع غشت 1979، إلى إنهاء وجودها في وادي الذهب.

    وفي أعقاب هذا الانسحاب، أبرمت السلطات الموريتانية اتفاقا مع ميليشيا البوليساريو في الجزائر، تخلت بموجبه عن مطالبها في الجزء الذي كانت تسيطر عليه، وهو ما فتح الباب أمام تحول جديد في وضع وادي الذهب.

    وبعد الانسحاب الموريتاني، اعتبر المغرب أن تخلي نواكشوط عن الإقليم لصالح البوليساريو يخلق وضعا يهدد مصالحه ووحدته الترابية، فتدخلت القوات المغربية في غشت 1979 وبسطت سيطرتها على المنطقة بعد انسحاب موريتانيا.

    الانسحاب الموريتاني وخطاب الحسم

    وتطرق الملك الحسن الثاني إلى الانسحاب الموريتاني من الصحراء ووضع وادي الذهب بوضوح في خطاب ألقاه خلال افتتاح الدروس الحسنية يوم 2 غشت 1979، أي بعد أسابيع قليلة من “الانقلاب” في موريتانيا وقبل تقديم وفود وادي الذهب بيعتها له.

    موقف الملك الراحل كان أن على موريتانيا عدم تجاهل الالتزامات الدولية والاتفاقيات التي أبرمتها، وقال إن الاتفاقيات الدولية تلزم الدول الموقعة عليها، مضيفا أن نواكشوط لا يمكنها اتخاذ تشريع داخلي يتجاهل الاتفاقات المبرمة مع المغرب.

    والأهم أنه ربط احتمال تخلي موريتانيا عن التزاماتها بمسؤولية المغرب في الدفاع عن مصالحه، قائلا إن المغرب سيكون عندها أمام “المسؤولية الوحيدة الضرورية الواجبة، وهي مسؤولية الدفاع عن البقاء”.

    وبعد استرجاع وادي الذهب، عاد الملك الراحل الحسن الثاني إلى الموضوع في ندوة صحافية بفاس يوم 19 غشت 1979، وصف فيها ما سمي بـ”اتفاق الجزائر”، الذي أنهى الوجود الموريتاني في المنطقة، بأنه “بطاقة تافهة وقعت في لحظة عابرة”، عادا أن الاتفاق جعل وادي الذهب “أرضا خلاء” من الناحية القانونية لأنه أراد تسليمها إلى جهة لا يعترف بوجودها، أي الجبهة الانفصالية البوليساريو.

    وشدد الحسن الثاني على أن توجه المغرب إلى الداخلة واستقباله سكانها كان دفاعا عن المشروعية وعن قرار محكمة العدل الدولية.

    معركة السلاح دفاع عن الوحدة الترابية

    قبل ثلاثة أيام فقط من احتفال المغرب باسترجاع وادي الذهب، شهدت منطقة بئر أنزران، في 11 غشت 1979، واحدة من أبرز المعارك في تاريخ القوات المسلحة الملكية بالصحراء.

    فقد تعرض الموقع العسكري المغربي لهجوم واسع نفذته مرتزقة البوليساريو، وكان الهدف منه السيطرة على بئر أنزران وقطع الطريق أمام تثبيت الحضور المغربي في وادي الذهب.

    وتدخل في المعركة الطيران المغربي، وغار فيها على قافلة من 500 سيارة مصفحة للعدو، واستشهد فيها 125 جنديا مغربيا، وتركت ميليشيا الجبهة الانفصالية ما يفوق 500 قتيل بالإضافة إلى خسائره في العتاد والذخيرة الحربية.

    وبعد هذه المعركة دخل الجيش المغربي إلى إقليم وادي الذهب، وضمه إلى أقاليم المملكة، وأطلق على هذا الدخول “عملية قدر”.

    لذلك، تحتل المعركة مكانة خاصة في الذاكرة العسكرية المغربية لأنها جاءت في لحظة حاسمة، كان يتقرر فيها مصير الإقليم بعد الانسحاب الموريتاني، ولهذا لا يمكن فصل استرجاع وادي الذهب عن تضحيات الجنود المغاربة الذين دافعوا عن بئر أنزران.

    تجديد البيعة ووصل الجنوب بالشمال

    في 14 غشت 1979، استقبل الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي في الرباط وفدا ضم علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب.

    وجاء الوفد ليعلن تجديد البيعة للملك، مستحضرا روابط البيعة التي جمعت قبائل المنطقة بسلاطين المغرب عبر التاريخ.

    ووقع وثيقة البيعة ممثلو قبائل أولاد دليم، والرقيبات أولاد الشيخ، وسكارنا، وآيت لحسن، وفيلالا، وآيت با عمران، وأولاد تيدرارين، والشيخ ماء العينين، وال محمد سالم، وتندغة.

    وضمت أيضا لائحة الموقعين كلا من آل بارك الله، ويكوت، والميراكن، والرقيبات أولاد داود، والعروسيين، والزرفيين، والرقيبات السواعد، وأولاد اللب، وإد يقب، والمناصير.

    ولخص الملك الراحل الحسن الثاني دلالة اللحظة مخاطبا علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب: “إننا قد تلقينا منكم اليوم البيعة، وسوف نرعاها ونحتضنها كأثمن وأغلى وديعة. فمنذ اليوم، بيعتنا في أعناقكم ومنذ اليوم، من واجباتنا الذود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوما إلى إسعادكم، وإننا لنشكر الله سبحانه وتعالى أغلى شكر وأغزر حمد على أن أتم نعمته علينا فألحق الجنوب بالشمال ووصل الرحم وربط الأواصر”.

    وقام الملك الراحل بتوزيع السلاح رمزيا على ممثلي القبائل، في إشارة إلى أن البيعة تقترن بمسؤولية مشتركة في الدفاع عن الوحدة الترابية وحماية الإقليم، في مشهد جمع رمزية العرش، وتمثيلية القبائل، وإرادة الانتماء، وواجب الدفاع عن الأرض.

    حضور مؤسساتي ورسائل لأعداء الوحدة الترابية

    لم تتوقف عملية استرجاع إقليم وادي الذهب عند مراسم البيعة، إذ في اليوم نفسه، صدر المرسوم رقم 2.79.430 الذي أدرج وادي الذهب ضمن التقسيم الإداري للمملكة باعتباره الإقليم السادس والثلاثين.

    ثم صدر في 20 غشت 1979 المرسوم رقم 2.79.659 المتعلق بتنظيم الدوائر والقيادات والجماعات التابعة للإقليم. وتكشف هذه الدقة الزمنية أن الدولة المغربية أرادت تحويل الدلالة التاريخية والسياسية للبيعة إلى حضور إداري ومؤسساتي مباشر. “التسلسل القانوني لأحداث سنة 1979.

    وفي مارس 1980، انتقل الملك الحسن الثاني إلى الداخلة، حيث احتفل بعيد العرش وأقيمت مراسم الولاء، لتكون هذه الزيارة بمثابة تثبيت رمزي لوجود الدولة في الإقليم، ورسالة لأعداء الوحدة الترابية أن الداخلة لم تعد منطقة بعيدة عن مركز القرار، بل أصبحت فضاء يحتضن أحد أهم الطقوس السياسية في الدولة المغربية.

    وبعد سبعة وأربعين عاما، يظل 14 غشت حاضرا في الوعي المغربي باعتباره اليوم الذي انتقلت فيه وادي الذهب من منطقة مهددة بالفراغ إلى عنوان لاستكمال الوحدة الترابية.

    غير أن قصة الداخلة لم تتوقف عند لحظة الاسترجاع، فـ”لؤلؤة الجنوب”، التي دخلت التاريخ الوطني من بوابة الوحدة الترابية، أصبحت اليوم في قلب تحول اقتصادي وجيوسياسي أوسع، تقوده مشاريع الميناء الأطلسي والطريق السريع والطاقات المتجددة، إلى جانب المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.

    وإذا كان عام 1979 قد حسم سؤال الانتماء، فإن التحولات الجارية تطرح سؤال الوظيفة، وكيف انتقلت الداخلة من رمز تاريخي للوحدة إلى قطب اقتصادي وبوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي.