Tag: محمد مهدي بنسعيد

  • من الاستهلاك إلى الإنتاج.. المغرب يعيد رسم موقعه في اقتصاد الألعاب

    من الاستهلاك إلى الإنتاج.. المغرب يعيد رسم موقعه في اقتصاد الألعاب

    لم تعد الألعاب الإلكترونية في المغرب مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت تدريجيا إلى مجال يستقطب اهتمام الشباب والمستثمرين على حد سواء، إذ بدأت تظهر في السنوات الأخيرة استوديوهات ومبادرات محلية تسعى إلى تطوير ألعاب تحمل بصمة مغربية، مستفيدة من طاقات شابة في البرمجة والتصميم.

    وبرز الاهتمام بصناعة الألعاب الإلكترونية في المغرب مع الحكومة الحالية، بعدما انتقل هذا المجال من كونه نشاطا ترفيهيا إلى قطاع اقتصادي، ما جعل وزارة الشباب والثقافة والتواصل تضعه في صلب أولوياتها.

    وفي هذا الإطار، اعتمد المغرب، بتوجيهات الملك محمد السادس، مقاربة لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، تقوم على بناء منظومة متكاملة تشمل التكوين، ودعم المقاولات الناشئة، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية، إلى جانب إحداث بنية تحتية متخصصة وتنظيم تظاهرات دولية للترويج للقطاع.

    ويهدف هذا التوجه إلى الانتقال بالمغرب من سوق استهلاك الألعاب الإلكترونية إلى فاعل في إنتاجها وتطويرها، بما يعزز مساهمة هذا القطاع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    الألعاب الإلكترونية.. رهان حكومي جديد

    شهد قطاع صناعة الألعاب الإلكترونية اهتماما حكوميا متزايدا سنة 2023، عندما أطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل أولى المبادرات الرامية إلى بناء صناعة وطنية في هذا المجال.

    وفي أكتوبر من السنة نفسها، استقبل وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، يونغ موك بارك، المؤسس المدير العام للشركة الكورية “Proxy Planet” المتخصصة في صناعة ألعاب الفيديو، حيث استعرض خلال هذا اللقاء رؤية المغرب لتطوير القطاع، واستراتيجية الوزارة الرامية إلى الاستثمار في صناعة الألعاب الإلكترونية وجعلها رافعة للاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والإبداعية.

    فعلى مستوى البنية التحتية، شرعت الوزارة في إنجاز مشروع Rabat Gaming City، الذي يهدف إلى جعل الرباط مركزا إقليميا لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وفي هذا الصدد، أكدت نسرين السويسي، مديرة تنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات بالوزارة الوصية، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن الوزارة أطلقت في مجال التكوين أولى البرامج المتخصصة لتأهيل مطوري الألعاب الإلكترونية، من بينها برنامج “Video Game Creator” الذي يكون 40 شابا سنويا بشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، مع تخصيص 35 بالمئة من المقاعد للنساء.

    وفي مجال ريادة الأعمال، تضيف السويسي، أنه تـم إطلاق برنامج Video Game Incubator الذي احتضن تسع شركات ناشئة في دورته الأولى، قبل إطلاق دورته الثانية مطلع سنة 2026.

    كما أحدثت برامج لاحتضان الشركات الناشئة، أبرزها حاضنة ألعاب الفيديو “Video Game Incubator”، الذي يهدف إلى دعم تطوير كفاءات الشركات الناشئة المغربية في مجال ألعاب الفيديو وفقا للمعايير الدولية.

    ونظمت الوزارة في إطار التواصل والترويج الوطني والدولي، معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo” كمنصة سنوية تجمع المطورين والمستثمرين والناشرين والمؤسسات والشركاء الوطنين والدوليين، بهدف التعريف بالمؤهلات المغربية، وتشجيع الاستثمار، وترسيخ مكانة المغرب كمركز إقليمي رائد لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وشهد المعرض خلال نسخته الثالثة سنة 2026، توقيع أربع اتفاقيات استراتيجية شملت مجالات التكوين الأكاديمي، من خلال مشاريع توظيف آليات الألعاب الإلكترونية، وحماية حقوق الطفل في مجال صناعة الألعاب الإلكترونية، والإدماج الرقمي، في خطوة تستهدف تسريع بناء منظومة وطنية متكاملة لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وفي هذا الصدد، أشارت السويسي إلى أن الوزارة أطلقت الاستراتيجية الوطنية لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، انطلاقا من قناعة مفادها أن هذا القطاع لم يعد يقتصر على الترفيه، بل أصبح صناعة ثقافية وإبداعية واقتصادية عالمية تتجاوز مداخيلها 300 مليار دولار، مع توقعات ببلوغها أكثر من 500 مليار دولار بحلول سنة 2030.

    وأضافت أن المغرب يتوفر على مؤهلات حقيقية تؤهله للتموقع داخل هذه الصناعة؛ من بينها أكثر من ثمانية ملايين شابة وشاب تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة، إلى جانب كفاءات رقمية واعدة، وموقع جغرافي استراتيجي يجعل المملكة جسرا بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.

    وأكدت أن هذه المعطيات دفعت الوزارة إلى اعتبار صناعة الألعاب الإلكترونية رافعة جديدة للتنمية الاقتصادية والثقافية، وإطلاق لأول مرة رؤية وطنية متكاملة تجعل المغرب قطبا إقليميا لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    ومن جهته، يرى الخبير الرقمي حسن خرجوج، أن هذا التوجه يعكس تحولا جوهريا في النظرة إلى الألعاب الإلكترونية التي أصبحت صناعة ثقافية ورقمية متكاملة تجمع بين البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، والتسويق.

    وأضاف أن هذا الرهان الحكومي جاء استجابة لتحولات عالمية متسارعة، أبرزها النمو الكبير لسوق الألعاب الإلكترونية، وارتفاع استهلاك المحتوى الرقمي، وتطور الهواتف الذكية ومنصات التوزيع الإلكتروني، إلى جانب بروز مهن جديدة مرتبطة بتطوير الألعاب والتصميم والواقع الافتراضي.

    آليات المواكبة الحكومية

    اعتمدت الحكومة مجموعة من الآليات لمواكبة تطوير صناعة الألعاب الإلكترونية، تقوم على التكوين، ودعم المقاولات الناشئة، وتعزيز الشراكات، إلى جانب إحداث برامج تمويل موجهة لتشجيع الابتكار.

    وفي هذا الإطار، أُدرجت الشركات العاملة في صناعة الألعاب الإلكترونية ضمن صندوق دعم الابتكار (FSI)، عقب توقيع ملحق لاتفاقية الصندوق بين وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الصناعة والتجارة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووكالة Maroc PME، والاتحاد العام لمقاولات المغرب، بما أتاح تأهيل هذا القطاع للاستفادة رسميا من آليات الدعم.

    وأُطلق برنامج فرعي خاص بصناعة الألعاب الإلكترونية ضمن البرنامج الوطني لدعم الابتكار الصناعي والبحث والتطوير للفترة 2026-2028، بهدف مواكبة المشاريع المبتكرة وتعزيز تنافسية الاستوديوهات والمقاولات الناشئة المغربية.

    ويرتكز البرنامج على آليتين أساسيتين للتمويل؛ الأولى مخصصة لدعم تطوير النمذجة الأولية، من خلال تغطية تصل إلى 70 في المئة من تكلفة المشروع، بسقف محدد في مليون درهم، فيما تهم الثانية دعم مرحلة التصنيع التجريبي، عبر تمويل مالي يصل إلى 30 في المئة من التكلفة، وبسقف محدد في 3 ملايين درهم، بهدف مواكبة ودعم مشاريع الألعاب الإلكترونية ذات الإمكانات الواعدة، بما يساهم في بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة وترتكز على الابتكار.

    ويرى الخبير الرقمي حسن خرجوج أن هذه الآليات تمثل خطوة مهمة، لأنها تتعامل مع القطاع بمنطق متكامل؛ فالتكوين يساهم في إعداد الكفاءات، والحاضنات تساعد على إحداث المقاولات، بينما يتيح التمويل تطوير النماذج الأولية، وتفتح الشراكات الدولية المجال أمام نقل الخبرات والولوج إلى الأسواق الخارجية.

    واعتبر، في المقابل، أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية بمفردها، لأن صناعة الألعاب الإلكترونية تحتاج أيضا إلى تمويل بدءا من مراحل النمو والتوسع والتسويق الدولي، إلى جانب وضع مؤشرات دقيقة لقياس نتائج السياسة الحكومية، تشمل عدد الألعاب التي تم إطلاقها، وعدد مناصب الشغل المستدامة، وحجم الصادرات، وقيمة الاستثمارات الأجنبية، وحقوق الملكية الفكرية المغربية.

    وأكد أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطا بمدى قدرة المغرب على تطوير استوديوهات وعلامات تجارية وألعاب مغربية قادرة على المنافسة، بدل الاكتفاء بتنفيذ أجزاء من مشاريع أجنبية، مبرزا أن القيمة المضافة الحقيقية في هذه الصناعة ترتبط بامتلاك الملكية الفكرية والتحكم في النشر والتوزيع، أكثر من ارتباطها بالخدمات التقنية وحدها.

    10 آلاف منصب شغل

    أفرزت المبادرات الحكومية لتطوير صناعة الألعاب الإلكترونية مجموعة من المكتسبات الاقتصادية والتكنولوجية والبشرية، من خلال دعم التكوين والابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز مكانة هذا القطاع ضمن الصناعات الرقمية والإبداعية بالمغرب.

    وتؤكد مديرة تنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات بالوزارة، أن نتائج الاستراتيجية بدأت تظهر تدريجيا، وهو أمر طبيعي بالنسبة لقطاع لا يزال في مرحلة البناء، موضحة أن المغرب أصبح يتوفر اليوم على أكثر من 100 مقاولة ناشئة واستوديو متخصص في صناعة الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى أكثر من 2000 مطور ومطورة ينشطون في هذا المجال، ما يعكس الدينامية التي يشهدها القطاع.

    وأضافت أن الوزارة تستهدف خلق 10 آلاف منصب شغل مباشر بحلول سنة 2030، عبر تطوير منظومة اقتصادية متكاملة تشمل تطوير الألعاب الإلكترونية، والنشر، وخدمات التعهيد، والرياضات الإلكترونية، والخدمات المرتبطة بها.

    مكاسب تتجاوز البعد الاقتصادي

    وفي معرض جوابه عن المكتسبات التي يتيحها قطاع الألعاب الإلكترونية، أكد المحلل الاقتصادي علي الغنبوري، في تصريح خص به جريدة “AM+ MEDIA”، أن صناعة الألعاب الإلكترونية تُحقق مكاسب تتجاوز البعد الاقتصادي، لتشمل تطوير الرأسمال البشري من خلال تكوين كفاءات في البرمجة، والتصميم ثلاثي الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وهي مهارات مطلوبة في مختلف القطاعات الرقمية.

    وأضاف أن الألعاب الإلكترونية أصبحت تُستخدم أيضا في مجالات التعليم والتكوين والمحاكاة، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز الابتكار.

    وأشار إلى أن هذا القطاع يساهم كذلك في تنشيط منظومة الشركات الناشئة، وتحفيز الصناعات الثقافية والإبداعية، وتسويق الثقافة المغربية عبر إنتاج ألعاب مستوحاة من التاريخ والتراث الوطني، فضلا عن دعم الرياضات الإلكترونية وصناعة المحتوى الرقمي، بما يخلق فرصا جديدة للشباب وللمقاولات الصغرى والمتوسطة.

    وفي السياق ذاته، أفادت نسرين السويسي أن معرض “Morocco Gaming Expo” أصبح أحد أبرز مؤشرات تطور المنظومة الوطنية لصناعة الألعاب الإلكترونية، بعدما شهد إقبالا متزايدا منذ إطلاقه، إذ استقطبت دورته الأولى سنة 2024 أكثر من 40 ألف زائر، وارتفع العدد إلى أكثر من 70 ألف زائر في الدورة الثانية سنة 2025، قبل أن تتجاوز الدورة الثالثة سنة 2026 عتبة 80 ألف زائر.

    وأضافت أن أهمية المعرض لا تقاس بعدد الزوار، بل بما أصبح يوفره من منصة تجمع المطورين والمستثمرين والناشرين والجامعات والشركاء الدوليين، بما يتيح فرصا للشراكات والاستثمار، ويساهم في إبراز المواهب المغربية وتسويق المشاريع الوطنية وتعزيز صورة المغرب كوجهة صاعدة في صناعة الألعاب الإلكترونية على المستويين الإقليمي والدولي.

    رهانات اقتصادية واعدة

    وتسعى الحكومة إلى الانتقال بالمغرب من مستهلك للألعاب الإلكترونية إلى منتج ومطور لها، عبر جعل هذا القطاع رافعة اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وبناء منظومة اقتصادية متكاملة تعزز تنافسية المغرب إقليميا ودوليا، وتكرس مكانته ضمن الصناعات الرقمية والإبداعية.

    وأفاد الغنبوري في هذا السياق بأن صناعة الألعاب الإلكترونية تمثل فرصة حقيقية لتنويع الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى اعتمادها على الاقتصاد الرقمي وتحقيقها قيمة مضافة مرتفعة باستثمارات مادية محدودة نسبيا، مضيفا أن تطوير هذا القطاع من شأنه تعزيز صادرات الخدمات الرقمية، ورفع مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الناتج الداخلي الخام، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال.

    ويرى أن برامج الدعم التي أطلقتها الحكومة لتطوير المشاريع والنماذج الأولية تعكس توجها يرمي إلى ترسيخ مكانة المغرب كمركز إفريقي لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وأضاف أن هذا القطاع أصبح يشكل محركا للابتكار وجذب الاستثمارات، كما يساهم في تطوير تقنيات تمتد تطبيقاتها إلى مجالات التعليم، والصناعة، والطب، وهو ما يفسر توجه العديد من الدول إلى الاستثمار فيه باعتباره صناعة مستقبلية ذات قيمة اقتصادية وتكنولوجية عالية.

    ويعكس هذا الرهان إدراكا متزايدا للدور الذي أصبحت تلعبه صناعة الألعاب الإلكترونية في تعزيز الاقتصاد العالمي، بعدما تحولت إلى صناعة رقمية تجمع بين التكنولوجيا والإبداع والابتكار.

    ويشمل هذا القطاع بنية متكاملة تضم البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والتصميم الرقمي، وصناعة المحتوى، والخدمات الرقمية، مما يجعله من القطاعات القادرة على استقطاب الاستثمارات، وخلق فرص شغل جديدة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

     جيل جديد من الكفاءات

    تراهن الحكومة على صناعة الألعاب الإلكترونية لإعداد جيل جديد من الكفاءات في مجالات البرمجة، والتصميم، والذكاء الاصطناعي، والإبداع الرقمي، عبر تحويل شغف الشباب بالألعاب إلى فرص حقيقية للتكوين، والابتكار، والاندماج في سوق الشغل.

    ولهذا، عملت وزارة الشباب والثقافة والتواصل على إرساء منظومة للتكوين في مهن الألعاب الإلكترونية، تشمل مسالك جامعية وتكوينا مهنيا وبرامج موجهة للشباب، إلى جانب دعم المقاولات الناشئة، وربط الكفاءات المغربية بالخبرات الدولية، وإطلاق شراكات مع مؤسسات وطنية ودولية لتوسيع فرص الإدماج المهني.

    وفي هذا الصدد، أوضح الغنبوري أن صناعة الألعاب الإلكترونية أصبحت تتيح فرصا حقيقية للتشغيل، في ظل تنامي الطلب العالمي على مهن مرتبطة بتطوير الألعاب، من بينها البرمجة، وتصميم الرسوم ثلاثية الأبعاد، وتطوير محركات الألعاب، وهندسة الصوت، واختبار الجودة، والذكاء الاصطناعي، مشددا على أن الحاجة إلى الكفاءات المتخصصة ما تزال مرتفعة رغم التحولات التي يشهدها القطاع عالميا.

    وتابع أن المغرب بدأ بدوره في بناء منظومة متخصصة، من خلال إطلاق برامج للتكوين، وحاضنات للمقاولات الناشئة، ومبادرات حكومية من قبيل Rabat Gaming City وMorocco Gaming Expo، إلى جانب برامج للدعم المالي للمقاولات الناشئة في القطاع، كما تراهن الحكومة على مضاعفة مداخيل الصناعة المحلية وخلق آلاف فرص الشغل المؤهلة، مستفيدة من توفر قاعدة شبابية واسعة، وانخفاض كلفة الإنتاج مقارنة بعدد من الأسواق المنافسة، وقرب المغرب من أوروبا.

    وبذلك، تراهن المملكة على بناء صناعة رقمية لخلق فرص الشغل وإعداد كفاءات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، بما يعزز مكانة المغرب ضمن الاقتصادات الرقمية الصاعدة.

    ومن جانبها، كشفت نسرين السويسي أن نتائج هذه الاستراتيجية بدأت تظهر تدريجيا، حيث أصبح المغرب يتوفر على أكثر من 100 مقاولة ناشئة واستوديو متخصص في صناعة الألعاب الإلكترونية، إضافة إلى أكثر من 2000 مطور ومطورة ينشطون في هذا المجال، ما يعكس الدينامية التي يشهدها القطاع.

    وأضافت أن الوزارة تستهدف خلق 10 آلاف منصب شغل مباشر بحلول سنة 2030، من خلال تطوير منظومة متكاملة تشمل تطوير الألعاب الإلكترونية، والنشر، وخدمات التعهيد، والرياضات الإلكترونية، والخدمات المرتبطة بها، بما يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي لصناعة الألعاب الإلكترونية.

    وتعكس هذه المؤشرات توجها نحو بناء صناعة رقمية قائمة على الكفاءات والابتكار، بما يجعل قطاع الألعاب الإلكترونية فضاء لخلق فرص شغل مؤهلة وتعزيز ريادة الأعمال.

    وتبرز أن الاستثمار في هذا المجال لم يعد يقتصر على تطوير المحتوى الرقمي، بل أصبح يشمل إعداد موارد بشرية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والمنافسة في الأسواق الدولية.

  • من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    من الدعم الاستثنائي إلى الإصلاح الهيكلي لقطاع الصحافة بالمغرب

    لم يكن الدعم الحكومي الاستثنائي للصحافة والإعلام الذي انطلق منذ سنة 2020 مجرد آلية مالية لمواكبة المقاولات الإعلامية، بل جاء في سياق تسلم فيه محمد مهدي بنسعيد حقيبة وزارة الشباب والثقافة والتواصل في السابع من أكتوبر 2021، مثقلة بمشاكل واحدة من أصعب وأعقد مراحل القطاع منذ سنوات، لما خلفته جائحة كوفيد-19 من آثار عميقة على المقاولات الإعلامية، بعد تراجع مداخيل الإشهار، وارتفاع كلفة الإنتاج، وتفاقم الهشاشة المالية لعدد من المؤسسات، ما جعل الحفاظ على استمرارية المقاولات وصون مناصب الشغل أولوية ملحة قبل الانخراط في أي ورش إصلاحي آخر.

    كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية المغربية، الذي كان يعاني من اختلالات متراكمة منذ سنوات.

    فقد سجلت الصحافة الورقية تراجعا مستمرا في المبيعات بفعل تغير عادات القراءة واتساع الفضاء الرقمي، حيث لم تعد الصحف المغربية مجتمعة تبيع سوى نحو 200 ألف نسخة يوميا، وهو رقم يظل محدودا مقارنة بعدد السكان ونسبة المتعلمين.

    وفي الوقت نفسه، كشف تقرير لجنة المنشأة الصحفية وتأهيل القطاع بالمجلس الوطني للصحافة سنة 2020 حول أثار جائحة كورونا على قطاع الصحافة وإجراءات الخروج من الأزمة، أن السوق الإعلانية واجه تحولا هيكليا أفقد الصحافة جزءا كبيرا من مواردها، بعدما تراجعت عائدات الإعلانات بنسبة 55 في المئة بين سنتي 2010 و2018، قبل أن يتفاقم هذا النزيف مع استمرار انتقال المعلنين نحو المنصات الرقمية.

    وعرفت مبيعات اليوميات والأسبوعيات والمجلات انخفاضا متواصلا، ما جعل عددا من المقاولات الإعلامية يدخل مرحلة الجائحة مثقلا بأزمة استدامة مالية.

    ويكشف المبيان عن تراجع هيكلي في العائدات الإعلانية للصحافة المغربية، بعدما انخفضت من 645 مليون درهم سنة 2010 إلى 290 مليون درهم سنة 2018، أي بخسارة تناهز 55 في المئة خلال ثماني سنوات.

    ويبرز المنحنى أن الانخفاض لم يكن ظرفيا، بل اتخذ مسارا تصاعديا ابتداء من سنة 2015، ما يعكس تحولا عميقا في سوق الإشهار مع انتقال جزء متزايد من الاستثمارات نحو المنصات الرقمية. وتؤشر هذه المعطيات إلى أن الأزمة المالية التي واجهتها المقاولات الصحفية سبقت جائحة كوفيد-19 بسنوات، وهو ما جعل القطاع يدخل الأزمة الصحية وهو يعاني أصلا من تآكل موارده التقليدية، خاصة في ظل تراجع المبيعات وانكماش سوق الإعلانات.

    هذا الوضع الذي امتدت ارتداداته إلى “زمن الجائحة”، دفع وزارة التواصل إلى تدخل سريع لإخراج القطاع من غرفة العناية المركزة، بدعم استثنائي لم يقتصر على تحويلات مالية ظرفية في حسابات المقاولات الصحفية، بل اعتمد مقاربة ذات بعد اقتصادي واجتماعي، استهدفت الحفاظ على النسيج الإعلامي الوطني وتفادي فقدان الكفاءات المهنية التي راكمها القطاع.

    وتم توجيه الدعم لتحمل جزء من أجور الصحافيين والعاملين الإداريين، وأداء اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتحمل الضريبة على الدخل، بما خفف الأعباء عن المقاولات الإعلامية وساعدها على المحافظة على استقرار مواردها البشرية في مرحلة اتسمت بارتفاع الضغوط المالية منذ بداية تفشي كوفيد-19 وتداعيات الحجر الصحي سنة 2020.

    وتجاوزت هذه المقاربة المؤسسات الصحفية إلى مختلف مكونات سلسلة الإنتاج الإعلامي، إذ شمل الدعم قطاع الطباعة وشبكات توزيع الصحف والإذاعات الخاصة للحفاظ على توازن المنظومة بأكملها، ليتحول الدعم العمومي من آلية لمواجهة تداعيات أزمة ظرفية إلى رافعة لضمان الاستقرار الاجتماعي داخل القطاع، والحفاظ على مناصب الشغل، بالتوازي مع إطلاق أوراش إصلاحية تروم تحديث المنظومة الإعلامية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية.

    وتؤكد أرقام الدعم العمومي، وفق المعطيات التي جمّعتها جريدة “AM+ MEDIA”، أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل- قطاع التواصل، اختارت منذ بداية الولاية الحكومية اعتماد مقاربة تصاعدية لمواكبة قطاع الإعلام، انسجاما مع التحديات التي فرضتها مرحلة ما بعد الجائحة.

    وبالعودة إلى سنة 2021، فقد بلغ الدعم الموجه للصحافة ما يناهز 168 مليون درهم، ثم 189 مليون درهم عام 2022، قبل أن يسجل قفزة خلال سنتي 2023 و2024 ليبلغ حوالي 348 مليونا ثم أكثر من 361 مليون درهم تواليا، وهو أعلى مستوى للدعم خلال السنوات الخمس الفارطة.

    ورغم تراجع الغلاف المالي إلى حوالي 277 مليون درهم سنة 2025، فإنه ظل أعلى بكثير من مستواه عند انطلاق الولاية الحكومية.

    وبلغت الكلفة الإجمالية حتى سنة 2025 لدعم المؤسسات الصحافية مليارا و343 مليون درهم في خمس سنوات.

    يوضح المبيان تحول سياسة وزارة التواصل تجاه تمويل قطاع الصحافة، بعدما ظل الدعم مستقرا عند حدود 250 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن يعرف قفزة كبيرة ابتداء من سنة 2023، حيث تجاوز 400 مليون درهم، ليبلغ ذروته في 2024، ثم يتراجع بشكل نسبي في 2025 مع بقائه عند مستوى يفوق بكثير ما كان عليه قبل ثلاث سنوات.

    ويعكس هذا المنحى انتقال الدعم العمومي من آلية ظرفية لمواجهة تداعيات الأزمة إلى أداة هيكلية لتأهيل المقاولات الصحفية والحفاظ على استمرارية القطاع، في سياق استمرار الضغوط التي فرضها التحول الرقمي وتراجع الموارد التقليدية للصحافة.

    وبالموازاة مع ذلك، حافظت الوزارة على دعم باقي مكونات المنظومة الإعلامية وفق تطور احتياجاتها، إذ استقر الدعم المخصص لقطاع الطباعة عند 15 مليون درهم خلال سنتي 2021 و2022، قبل أن ينخفض إلى 9 ملايين درهم ابتداء من 2023 والسنوات الموالية، في ظل إعادة هيكلة آليات المواكبة مع التحولات التي يعرفها القطاع، وبلغت الكلفة الإجمالية 57 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    أما شبكات توزيع الصحف، فقد استفادت من دعم بلغ 35 مليون درهم سنة 2021، ثم 30 مليون درهم خلال السنوات اللاحقة، بما مجموعه 155 مليون درهم إلى حدود العام الفارط.

    وشمل الدعم الإذاعات الخاصة، التي استفادت من 40 مليون درهم سنة 2021، قبل أن يستقر في حدود 20 مليون درهم في السنوات التالية، ليصل مجموع ما توصلت به إلى حدود 120 مليون درهم سنة 2025.

    واستنادا إلى هذه المؤشرات، يظهر أن الدعم الاستثنائي لم يكتف بإنقاذ المؤسسات الإعلامية من آثار الأزمة، بل ساهم أيضا في الحفاظ على توازن المنظومة الإعلامية بمختلف مكوناتها، من الصحافة إلى الطباعة والتوزيع والإذاعات الخاصة، بما وفر شروطا أفضل لاستمرار النشاط الإعلامي وحماية الرأسمال البشري، بكلفة إجمالية بلغت مليارا و675 مليون درهم إلى حدود سنة 2025.

    يوضح المبيان أن المؤسسات الصحفية استحوذت على 80.2 في المئة من إجمالي الدعم العمومي، مقابل 9.3 في المئة لشركات التوزيع، و7.2 في المئة للإذاعات، و3.4 في المئة لقطاع الطباعة.

    ويعكس هذا التوزيع توجها واضحا في السياسة العمومية نحو تركيز الموارد المالية على الحلقة الأكثر تأثرا بالأزمة، وهي المقاولات الصحفية، باعتبارها المنتج الأساسي للمحتوى الإخباري، بينما خصصت نسب أقل لباقي مكونات سلسلة الإنتاج والتوزيع.

    وتبنت وزارة محمد مهدي بنسعيد فلسفة جديدة للدعم العمومي السنوي، والتي نزلتها في المرسوم رقم 2.23.1041 الصادر في الجريدة الرسمية في يناير 2024، والذي نقل الدعم إلى مرحلة جديدة تقوم على منطق “الاستثمار في المقاولة الإعلامية”، لكن تنزيله ما يزال معلقا في انتظار انتهاء “وضع الاستثناء” الذي تتسمك به المقاولات الصحفية.

     ولم يكتف المشرع في المرسوم المذكور بتحديد مبالغ الدعم، بل أعاد بناء فلسفته على أسس الحكامة وربط التمويل بالأداء والالتزامات.

    ويتجلى هذا التحول في اشتراط احترام مجموعة من المعايير المهنية والمالية، من بينها انتظام التصريحات الجبائية والاجتماعية، واحترام أخلاقيات المهنة، وربط الاستفادة باتفاقية تلزم المؤسسة بالحفاظ على مناصب الشغل، وتوظيف الكفاءات، والرفع من الموارد الذاتية، والاستثمار في الرقمنة وتحديث وسائل الإنتاج.

    وأصبح صرف الدعم خاضعا لتقارير سنوية للتتبع والتقييم، مع نشر لوائح المستفيدين وإحالة التقرير السنوي على وزارة التواصل، التي تحيله بدورها على رئيس الحكومة، الأخير يرفعه إلى المجلس الأعلى للحسابات، بما يعزز الشفافية والمساءلة.

    ولم يقتصر الإصلاح على فلسفة الاستفادة، بل امتد إلى طريقة احتساب الدعم، حيث اعتمد القرار المشترك لوزير التواصل والوزير المنتدب المكلف بالميزانية رقم 2345.24 الصادر في نونبر 2024 نسبا مرتبطة بحجم المؤسسة وكلفة الأجور والإنتاج، مع تخصيص 80 في المئة من الدعم للتسيير و20 في المئة للاستثمار، من أجل تحقيق التوازن بين ضمان استمرارية المقاولات الإعلامية وتشجيعها على التطور والتحديث، بدل الاكتفاء بمنطق الدعم الظرفي.

    ورغم أن النظام الجديد للدعم ما يزال معلقا حتى إشعار آخر، فالفلسفة الجديدة للدعم العمومي انتقلت من مجرد آلية لإنقاذ المقاولات الإعلامية إلى أداة للرفع من تنافسية القطاع، وتحسين جودة الإنتاج الصحافي، وإرساء قواعد الحكامة وربط التمويل بالنتائج.