الوسم: مؤشر الثقة

  • الاستقرار يرفع ثقة المغاربة في الدولة والأمن والاقتصاد يضغط على الأسر

    الاستقرار يرفع ثقة المغاربة في الدولة والأمن والاقتصاد يضغط على الأسر

    برز المغرب ضمن الدول الأكثر تسجيلا لمستويات الثقة في المؤسسات الأمنية، في استطلاع إقليمي حديث يكشف في الوقت نفسه عن موقع متقدم للمملكة في تقييم مسار البلاد والنظرة إلى الاقتصاد والتفاؤل بالمستقبل، مقارنة بعدد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

    ووفق تقرير مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية، عبر 95 في المئة من المغاربة عن ثقتهم في الأجهزة الأمنية، فيما سجلت مؤسسات أخرى بدورها مستويات مرتفعة من الثقة.

    ولا يقف الحضور المغربي في مقدمة المؤشرات عند الجانب المؤسساتي، إذ يرى 81 في المئة أن أوضاع البلاد أصبحت أفضل مقارنة بما كانت عليه قبل 2011، ويقيم 60 في المئة الوضع الاقتصادي إيجابيا، بينما يتوقع 83 في المئة تحسنه خلال السنوات المقبلة.

    وتكشف مقارنة المغرب مع نتائج مصر والأردن وتونس ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، عن تفاوت واضح في نظرة شعوب المنطقة إلى دولها واقتصاداتها ومستقبلها، في سياق إقليمي طبعته خلال السنوات الأخيرة الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية.

    ويربط التقرير الحالة المغربية بمسار من الاستقرار والإصلاح التدريجي والنمو الاقتصادي وتزايد الاستثمار الأجنبي في مقابل تحديات مرتبطة بتقييم الاقتصاد الوطني وقدرة دخل الأسر على تغطية المصاريف.

    الأمن في المقدمة.. 95% يثقون في المؤسسات الأمنية

    تظهر الثقة في المؤسسات الأمنية كأحد أبرز المؤشرات المسجلة في المغرب، إذ عبر 95 في المئة من المستجوبين عن ثقتهم في مؤسسة الأمن، لتأتي المملكة ضمن الدول التي تسجل مستويات مرتفعة في هذا الجانب.

    وتبلغ النسبة 99 في المئة في الأردن و94 في المئة في مصر و92 في المئة في سوريا، بينما تنخفض إلى 86 في المئة في لبنان و76 في المئة في الأراضي الفلسطينية.

    وتسجل مؤسسات أخرى في المغرب مستويات مرتفعة، إذ تصل الثقة في الجيش إلى 89 في المئة، وفي القضاء إلى 84 في المئة، بينما تبلغ 95 في المئة بالنسبة للمؤسسات الدينية المحلية.

    ولا يفصل التقرير هذه النتائج عن السياق الذي أُنجز فيه الاستطلاع، إذ جاءت المقابلات في ظرف إقليمي أعادت فيه الحروب والتوترات الأمنية قضايا الاستقرار إلى مقدمة الاهتمامات، ما يدعو أيضا إلى قراءة مستويات الثقة المرتفعة في ضوء الظرف الذي كانت تعيشه المنطقة.

    المغاربة الأكثر إيجابية تجاه مسار بلادهم

    يتجاوز موقع المغرب الثقة في المؤسسات الأمنية عندما ينتقل الاستطلاع إلى تقييم الوضع العام للبلاد، إذ يعتبر 81 في المئة من المغاربة أن الأوضاع أصبحت أفضل مقارنة بما كانت عليه قبل سنة 2011، وهي أعلى نسبة بين المجتمعات السبعة المشمولة في تقرير “كونراد أديناور”، مقابل 68 في المئة في مصر و64 في المئة في سوريا، فيما تتراجع إلى 34 في المئة في تونس و30 في المئة في الأردن، ثم إلى مستويات أدنى في لبنان والأراضي الفلسطينية.

    ويمنح اختلاف المسارات خلال خمسة عشر عاما معنى لهذه الفوارق، فبينما دخلت بعض دول المنطقة في حروب أو واجهت أزمات سياسية ومالية ممتدة، يربط التقرير النتيجة المغربية بالإصلاحات السياسية التدريجية والنمو الاقتصادي وتزايد الاستثمار الأجنبي، باعتبارها عوامل ساهمت في تشكيل إحساس بالتقدم لدى المستجوبين.

    تراجع الثقة في الأحزاب

    تظهر الصورة أكثر تركيبا عند الانتقال من مؤسسات الدولة إلى مؤسسات التمثيل السياسي؛ فالثقة في الحكومة تصل إلى 81 في المئة في المغرب، مقابل 76 في المئة سنة 2020، بينما تبلغ 66 في المئة بالنسبة للبرلمان، لكن النسبة تنخفض إلى 56 في المئة عند الأحزاب السياسية.

    ورغم أن المغرب يسجل بذلك واحدة من أعلى نسب الثقة في الأحزاب ضمن العينة، فإن الفارق بينها وبين الحكومة أو المؤسسات الأمنية يظل قائما، وهي فجوة يعتبرها التقرير من الملامح السياسية البارزة على المستوى الإقليمي، حيث لا تنتقل الثقة في الدولة بالدرجة نفسها إلى قنوات الوساطة والتمثيل الحزبي.

    الاقتصاد المغربي ثانيا

    يقدم الاقتصاد مؤشرا آخر على اختلاف الحالة المغربية، إذ يأتي المغرب ثانيا ضمن البلدان المشمولة من حيث التقييم الإيجابي للوضع الاقتصادي.

    فقد وصف 60 في المئة من المغاربة الاقتصاد بالجيد أو الجيد جدا، مقابل 70 في المئة في مصر، فيما تنخفض النسبة إلى 32 في المئة في الأردن و24 في المئة في سوريا و16 في المئة في تونس، قبل أن تتراجع أكثر في الأراضي الفلسطينية ولبنان.

    ومقارنة مع سنة 2020، كان 39 في المئة من المغاربة يقيمون الاقتصاد إيجابيا، قبل أن ترتفع النسبة إلى 60 في المئة سنة 2026، أي بزيادة 21 نقطة مئوية.

    ويستحضر التقرير، ضمن تفسيره للحالة المغربية، تطور الاستثمار الأجنبي، بما في ذلك الاستثمارات الصينية في صناعات السيارات والبطاريات، في وقت توسعت فيه خلال السنوات الأخيرة مشاريع صناعية واستثمارية في عدد من القطاعات.

    من تقييم الحاضر إلى انتظار الأفضل

    لا يتوقف التفاؤل عند تقييم الوضع الاقتصادي الحالي، بل يصبح أكثر وضوحا عندما يسأل الاستطلاع عن السنوات المقبلة، فقد توقع 83 في المئة من المغاربة أن يتحسن الاقتصاد خلال السنوات القليلة المقبلة، وهي ثاني أعلى نسبة مسجلة بعد سوريا بنحو 90 في المئة، ومتقدمة على مصر والأردن وتونس ولبنان والأراضي الفلسطينية.

    هذا التفاؤل، بالنسبة للمغرب، يرفع سقف الانتظارات من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الملفات الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية، من التشغيل إلى الدخل والقدرة الشرائية.

    أبو الذهب: الاستقرار والإصلاحات يفسران جزءا من النتائج

    وفي قراءته لنتائج الاستطلاع، يرى محمد زكرياء أبو الذهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المؤشرات التي سجلها المغرب لا يمكن فصلها عن المسار الذي راكمته المملكة خلال السنوات الماضية، خاصة على مستوى الاستقرار المؤسساتي واستمرارية الإصلاحات، إلى جانب التحولات الاقتصادية وتوسع الاستثمارات في عدد من القطاعات.

    وأوضح أبو الذهب في تصريح لـ”AM+ MEDIA” أن مقارنة المغرب بعدد من دول المنطقة التي عاشت حروبا أو أزمات سياسية واقتصادية متتالية، تظهر أهمية الاستقرار واستمرارية المؤسسات والسياسات العمومية في تشكيل نظرة المواطنين إلى مسار بلادهم، وهو ما يمكن أن يفسر جزءا من ارتفاع منسوب الثقة والتفاؤل الذي رصده الاستطلاع.

    وأضاف أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة رضا مطلقا عن مختلف الأوضاع، بقدر ما تعكس ثقة في الاتجاه العام وانتظارا لتحقيق تقدم أكبر خلال السنوات المقبلة، لافتا إلى المفارقة بين تحسن تقييم الاقتصاد الوطني وتراجع نسبة الأسر التي تقول إن دخلها يغطي مصاريفها.

    واعتبر أبو الذهب أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل هذا الرصيد من الثقة والتفاؤل إلى نتائج أكثر وضوحا على مستوى التشغيل والدخل والقدرة الشرائية، بما يجعل أثر التحولات الاقتصادية أكثر حضورا في الحياة اليومية للمواطنين.

    شراكات بمنطق المصالح

    يمتد الاستطلاع إلى نظرة المغاربة للقوى الدولية والإقليمية، حيث تكشف النتائج عن انفتاح على شركاء ينتمون إلى مواقع وتحالفات مختلفة.

    وعبر 64 في المئة من المغاربة عن نظرة إيجابية تجاه الولايات المتحدة، بارتفاع قدره 15 نقطة مئوية مقارنة بسنة 2020، وهو تحول يربطه التقرير بالموقف الأمريكي الداعم للسيادة المغربية على الصحراء.

    كما تحظى الإمارات بنظرة إيجابية لدى 79 في المئة من المغاربة، بزيادة 16 نقطة مقارنة بسنة 2020، فيما تبلغ النظرة الإيجابية إلى روسيا 61 في المئة.

    من الاقتصاد إلى جيب الأسرة.. هنا تظهر حدود التفاؤل

    لكن المؤشر الذي يعيد ترتيب الصورة يظهر عندما ينتقل الاستطلاع من تقييم اقتصاد البلاد إلى الوضع المالي للأسرة، إذ في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة المغاربة الذين يقيمون الاقتصاد إيجابيا من 39 في المئة سنة 2020 إلى 60 في المئة سنة 2026، قال 44 في المئة فقط إن دخل أسرهم يغطي مصاريفهم، بعدما كانت النسبة تقارب 65 في المئة قبل ست سنوات.

    والمفارقة أن التغيرين حدثا بالحجم نفسه وفي اتجاهين متعاكسين، أي 21 نقطة إضافية في التقييم الإيجابي للاقتصاد، مقابل تراجع بـ21 نقطة في قدرة دخل الأسر على تغطية المصاريف.

    ومع ذلك، تظل نسبة 44 في المئة المسجلة في المغرب الأعلى بين البلدان المشمولة، وهو ما يجعل المقارنة مزدوجة بين تقدم على بقية العينة، وتراجع مقارنة بوالضع المسجل سنة 2020.

    ويتوقف التقرير نفسه عند هذه المفارقة، معتبرا أن تحسن نظرة المواطنين إلى الاقتصاد الوطني لا يعني بالضرورة تحسنا موازيا في أمنهم الاقتصادي الشخصي.