الوسم: قانون المسطرة المدنية

  • المسطرة المدنية تقلب قواعد التقاضي.. تضييق المماطلة، رقمنة المحاكم وملاحقة التنفيذ حتى وصول الحق

    المسطرة المدنية تقلب قواعد التقاضي.. تضييق المماطلة، رقمنة المحاكم وملاحقة التنفيذ حتى وصول الحق

    دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ، واضعا قواعد جديدة لمسار التقاضي في المغرب من لحظة إيداع الدعوى والتبليغ بها، مرورا بإجراءات التحقيق والطعن ووصولا إلى تنفيذ الأحكام، وهي الحلقة التي يتوقف عندها في كثير من الملفات الانتقال من حق تقرره المحكمة إلى حق يحصل عليه صاحبه فعليا.

    القانون الجديد، يأتي على تماس مباشر مع واحدة من أكثر الإشكالات التصاقا بتجربة المتقاضين أمام المحاكم وهي الزمن القضائي، فالنزاع لا تطيل عمره المرافعات وحدها بل قد يتعطل بسبب تبليغ متعذر أو آجال إجرائية ممتدة أو طعون متتالية، أو صعوبات تظهر بعد صدور الحكم عند الانتقال إلى التنفيذ، لذلك تمتد التعديلات إلى مختلف المحطات التي يقطعها الملف، مع حضور أوسع للإجراءات والوسائل الرقمية في تدبير الدعوى.

    بهذا المعنى، لا تقف المسطرة الجديدة عند إعادة ترتيب قواعد تقنية داخل المحاكم، بل تتدخل في الكيفية التي تتحرك بها الدعوى منذ تسجيلها إلى غاية تنفيذ الحكم بما فيها ضبط أكبر للآجال والإجراءات، تنظيم طرق الطعن، توسيع الرقمنة، ومحاولة الحد من المساحات التي تسمح بإطالة النزاعات دون أن تمس في المقابل بالضمانات المرتبطة بحقوق الدفاع والتقاضي.

    وبالنسبة إلى المتقاضي، ستقاس فعالية هذه المقتضيات خارج نصوص القانون أكثر مما ستقاس داخلها، فالمعيار سيكون في قدرة المنظومة الجديدة على تقليص الزمن بين إيداع الدعوى والحصول الفعلي على الحق وتجاوز الاختلال الذي يجعل صدور الحكم، في بعض القضايا محطة في النزاع لا نهايته.

    والتحول الذي يستهدفه القانون رقم 58.25 لا يقتصر على كيفية التقاضي أمام المحكمة، بل يمتد إلى المسار الكامل للعدالة من الوصول إلى القضاء، إلى صدور الحكم، ثم إلى اللحظة التي يصبح فيها ذلك الحكم قابلا للتنفيذ وذا أثر فعلي بالنسبة إلى صاحبه.

    من الورق إلى الشاشة.. هل تختصر الرقمنة طريق المتقاضي؟

    من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون الجديد توسيع استعمال الوسائل الإلكترونية في المساطر القضائية.

    فالنص ينظم إحداث نظام معلوماتي لتدبير المساطر والملفات والإجراءات القضائية، كما يتيح إيداع المقالات والطلبات والطعون إلكترونيا، وأداء الرسوم القضائية عن بعد، مع تسليم وصل إلكتروني يثبت تاريخ وساعة الإيداع.

    ولا تقف الرقمنة عند تقديم الطلب، إذ تمتد إلى تبادل الوثائق والتبليغ وعدد من الإجراءات التي تتم بين المحكمة والمهنيين المتدخلين في المسطرة، مع تنظيم استعمال منصات مهنية لفائدة المحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة المحلفين.

    وبذلك، لن يكون الملف القضائي مرتبطا فقط بالوثائق التي توضع داخل المحكمة، وإنما يمكن أن تتم مراحل من مساره عبر النظام المعلوماتي المخصص لذلك.

    ويرى الدكتور العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن القانون الجديد لا يقتصر على تغيير بعض الإجراءات، وإنما يعكس توجها نحو إعادة تنظيم مسار الدعوى بشكل أكثر وضوحا وانضباطا، خاصة من خلال المقتضيات المرتبطة بالآجال وتدبير الملفات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

    لكن الانتقال من الورق إلى الرقمي لا يحدث بمجرد النص عليه في القانون. فتنزيل هذه المقتضيات يظل مرتبطا بجاهزية الأنظمة المعلوماتية وقدرة مختلف المتدخلين على استعمالها بشكل مستقر وفعلي.

    وهنا يظهر الفرق بين رقمنة المسطرة على مستوى النص و رقمنتها داخل المحكمة، لأن أثرها الحقيقي على المتقاضي سيتحدد بمدى قدرتها على اختصار الإجراءات فعلا، وليس فقط تحويلها من وثيقة ورقية إلى وثيقة إلكترونية.

    التبليغ.. الحلقة التي قد تطيل عمر القضية

    إذا كان هناك إجراء يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في عمر القضية، فهو التبليغ، فالوصول إلى الاستدعاء أو الحكم ليس مجرد خطوة شكلية، إذ ترتبط به آجال وإجراءات لاحقة، ويمكن لتعذر التبليغ أن يؤدي إلى تأجيل المسطرة وإبقاء الملف رائجا لفترة أطول.

    ولهذا أعاد القانون تنظيم عدد من قواعد التبليغ، وأدخل التبليغ الإلكتروني ضمن الحالات التي يسمح بها القانون، مع اعتماد حسابات مهنية إلكترونية بالنسبة إلى عدد من المهنيين والمتدخلين في العدالة.

    كما جعل النص العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية مرجعا احتياطيا في حالات تعذر التبليغ في العنوان المصرح به، وفق الشروط التي حددها القانون.

    وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة لأن مشكل التبليغ لا يرتبط فقط بوصول الاستدعاء إلى صاحبه، وإنما يمكن أن يؤثر في بداية احتساب الآجال وفي انتقال القضية من مرحلة إلى أخرى.

    ومن هذه الزاوية، يحاول القانون معالجة إحدى الحلقات التي يمكن أن تجعل القضية تستمر دون أن تصل فعليا إلى مرحلة الحسم.

    ويرى الوردي أن إدخال الرقمنة في التبليغ وإيداع الطلبات وتدبير الملفات يمكن أن يساهم في تجاوز جزء من الصعوبات المرتبطة بالإجراءات التقليدية، خصوصا في ما يتعلق بتبادل الوثائق وإثبات تاريخ الإيداع والوصول إلى الأطراف، غير أن فعالية هذه المقتضيات ستظل مرتبطة بمدى جاهزية الأنظمة المعلوماتية وقدرة مختلف المتدخلين على استعمالها بشكل فعلي.

    الزمن القضائي.. متى يتحول التأخير إلى إنكار للعدالة؟

    لم يكتف القانون الجديد بتحديد آجال لبعض الإجراءات، بل جعل مسألة البت داخل أجل معقول جزءا من القواعد المنظمة للعمل القضائي.

    ويعتبر النص التأخير غير المبرر، في الحالات التي حددها، من صور إنكار العدالة، إلى جانب الامتناع عن اتخاذ الإجراءات اللازمة أو البت في طلب أو قضية أصبحت جاهزة للحكم دون سبب مشروع.

    وهنا ينتقل الزمن من كونه مجرد نتيجة لطريقة تدبير الملفات إلى عنصر يرتبط بحق المتقاضي نفسه.

    وفي هذا السياق، وضع القانون آجالا لتجهيز عدد من الملفات وإحالتها، كما قيد اللجوء إلى بعض إجراءات التحقيق بضرورة أن تكون مفيدة ولازمة للفصل في النزاع.

    فإذا كانت الدعوى تحتاج إلى خبرة أو إجراء من إجراءات التحقيق، فإن الغاية منه يفترض أن تكون مرتبطة بالحاجة إلى حسم النزاع، وليس إطالة المسطرة دون فائدة.

    ويعتبر الوردي أن “التعامل مع الزمن القضائي لا يمكن أن ينفصل عن ضمانات المحاكمة العادلة، لأن المطلوب ليس فقط الوصول إلى الحكم في أسرع وقت، وإنما الوصول إليه داخل أجل معقول يسمح للأطراف بممارسة حقوقهم كاملة”.

    وهنا تصبح المعادلة واضحة: تسريع المسطرة دون اختصار حق الدفاع، والحد من التأخير دون تحويل الآجال إلى ضغط على المحكمة أو الأطراف.

    القاضي يمسك أكثر بخيوط الدعوى.. هل تضيق مساحة المماطلة؟

    ولا يقتصر التغيير على المتقاضي والمحامي، إذ يتجه القانون أيضا إلى تعزيز دور المحكمة في تدبير سير الدعوى.

    وتوضح المذكرة التفسيرية لمشروع القانون التوجه نحو تجاوز ما وصفته بالدور السلبي للقاضي المدني في الإشراف على إجراءات التقاضي، مقابل منحه دورا أكبر في متابعة سير المسطرة، في الحدود التي يحددها القانون.

    كما يؤكد النص أن المحكمة تبت في حدود طلبات الأطراف، مع قيامها بالتكييف القانوني السليم للوقائع وتطبيق القانون الواجب عليها.

    ويظهر هذا التوجه في عدد من المقتضيات المرتبطة بتدبير الملفات وإجراءات التحقيق والآجال، حيث لا يقتصر دور المحكمة على الفصل في موضوع النزاع، وإنما يمتد إلى ضبط المسار الإجرائي للقضية ومتابعة مراحلها.

    ولا يعني ذلك أن القاضي أصبح طرفا في النزاع، وإنما أن القانون يمنحه دورا أكبر في تدبير المسطرة، بما يساعد على الحد من الإجراءات غير الضرورية ومنع تحولها إلى سبب في إطالة أمد القضية.

    ومن هذه الزاوية، يصبح دور القاضي في تدبير المسطرة جزءا من محاولة تحقيق توازن بين سرعة البت وضمان حقوق الأطراف.

    حق التقاضي تحت الاختبار.. متى يتحول الطعن إلى وسيلة للتعطيل؟

    في مقابل توسيع ضمانات التقاضي، يضع القانون الجديد قواعد لمواجهة الاستعمال التعسفي للمسطرة.

    فالنص يلزم بممارسة الحق في التقاضي بحسن نية، وعدم عرقلة حسن سير العدالة، ويتيح الحكم بالتعويض عن التقاضي التعسفي في الحالات التي يثبت فيها ذلك.

    كما يتضمن مقتضيات خاصة بمواجهة بعض صور استعمال الطعن للتسويف، من بينها الغرامة التي يمكن الحكم بها في حالات محددة عندما يتبين أن التعرض أو الاستئناف في مسطرة الأمر بالأداء لم يكن هدفه سوى تعطيل التنفيذ.

    ولا يعني ذلك أن القانون يمنع الطعن أو يحد من حق الدفاع، وإنما يحاول التمييز بين استعمال طرق الطعن لمراجعة الأحكام، واستعمالها بهدف إطالة النزاع دون مبرر.

    وهنا يضع القانون المتقاضي أمام معادلة دقيقة: حق اللجوء إلى القضاء وطرق الطعن يبقى قائما، لكن استعمال المسطرة يفترض أن يتم في إطار حسن النية.

    بعد الحكم.. ماذا يبقى من حق الطعن؟

    إلى جانب مواجهة المماطلة، أعاد القانون تنظيم عدد من قواعد الطعن والاختصاص.

    فقد نظم الاستئناف المثار والاستئناف الفرعي، وغير بعض الآجال، من بينها رفع أجل التعرض من 10 إلى 15 يوما، كما وضع مقتضيات خاصة بإلغاء بعض الأحكام الابتدائية الانتهائية في حالات محددة.

    وتهم هذه التغييرات مرحلة أساسية في رحلة الدعوى، لأن صدور الحكم لا يعني بالضرورة نهاية المسطرة بالنسبة إلى الأطراف.

    فإذا كان أحدهم يرى أن الحكم شابه خطأ أو أن شروط المحاكمة لم تحترم، فإن طرق الطعن تتيح، وفق الحالات والشروط التي يحددها القانون، إعادة عرض القضية أو مراجعة الحكم.

    ويرى الوردي أن “الغاية من تنظيم طرق الطعن لا ينبغي أن تكون التضييق على حق المتقاضي في مراجعة الحكم، وإنما ضبط استعمال هذه الآليات حتى تظل مرتبطة بوظيفتها الأصلية، أي حماية الحقوق وتصحيح الأخطاء، وليس تعطيل تنفيذ الأحكام”.

    وبذلك، يحاول القانون أن يوازن بين حق المتقاضي في مراجعة الحكم وبين الحاجة إلى وضع حد للاستعمال الذي يحول الطعن إلى وسيلة لإطالة النزاع.

    قبل الحكم.. الصلح طريق أقصر إلى الحق

    لا يراهن القانون الجديد على اختصار زمن الدعوى داخل المحكمة فقط، بل يفتح مجالا لإنهاء النزاع قبل أن يستهلك كامل درجات وإجراءات التقاضي، من خلال عرض الصلح على الأطراف أو توجيههم نحو الوساطة متى كانت طبيعة القضية والمقتضيات القانونية تسمح بذلك.

    والفارق هنا ليس إجرائيا فقط. فالنزاع الذي ينتهي باتفاق بين أطرافه يوفر جزءا من الزمن والكلفة اللذين تفرضهما مواصلة المسطرة، ويجنب الخصوم الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بما تحمله من آجال وإجراءات وطعون محتملة.

    بهذا المنطق، يصبح الصلح جزءا من تدبير الزمن القضائي نفسه، لا مجرد إمكانية جانبية تسبق الحكم. فكل نزاع يجد طريقه إلى تسوية تحفظ حقوق أطرافه قبل استنفاد المسطرة، هو ملف أقل أمام درجات التقاضي ووقت أقل يفصل المتقاضي عن تسوية نزاعه.

    الجلسات عن بعد.. المحكمة تدخل زمن التقاضي الرقمي

    يمتد التحول الرقمي في القانون إلى واحدة من أكثر صور التقاضي ارتباطا بالمحكمة وهي الجلسة نفسها. إذ يتيح النص عقد جلسات عن بعد وفق ضوابط محددة، من بينها الموافقة الصريحة للأطراف، وضمان حقوق الدفاع، وتأمين اتصال مباشر ومتزامن بالمحكمة.

    ولا يعني ذلك الاستغناء عن قاعة الجلسات، بقدر ما يعني أن الحضور المادي لم يعد الوسيلة الوحيدة لإنجاز بعض الإجراءات القضائية.

    ويتكامل ذلك مع الاعتراف بحجية عدد من الوثائق المودعة إلكترونيا، وتنظيم التوقيع الإلكتروني للمقررات القضائية والتبليغ الإلكتروني في الحالات التي يشملها القانون.

    لكن نقل جزء من المسطرة إلى الفضاء الرقمي يجعل البنية التقنية نفسها جزءا من ضمانات التقاضي. فتعطل النظام المعلوماتي أو ضعف حماية المعطيات، أو تفاوت القدرة على استعمال الخدمات الرقمية، لم تعد مسائل تقنية محضة عندما يصبح إجراء قضائي أو أجل أو تبليغ مرتبطا بها.

    ويضع ذلك المحاكم وباقي المتدخلين أمام اختبار يتجاوز توفير المنصات إلى ضمان استقرارها وأمنها وسهولة استخدامها، حتى لا تختصر الرقمنة المسافة بالنسبة إلى متقاضٍ وتضيف عائقا جديدا أمام متقاضٍ آخر.

    وفي هذا الصدد، يؤكد الوردي أن “الرقمنة يمكن أن تختصر جزءا من الإجراءات التي كانت تتطلب الحضور أو تبادل الوثائق بشكل تقليدي، لكن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطا بمدى جاهزية المحاكم والأنظمة المعلوماتية، وبضمان حماية المعطيات واستمرار حقوق الدفاع في البيئة الرقمية”.

    وعليه، لن تكون قيمة الجلسات والخدمات الرقمية في عدد الإجراءات التي انتقلت من الورق إلى الشاشة، وإنما في قدرتها على تقليص التنقل والانتظار وتبسيط علاقة المتقاضي بالمحكمة، من دون أن يدفع مقابل ذلك من ضماناته القانونية.

    الحكم ليس نهاية الطريق.. التنفيذ هو الاختبار

    صدور الحكم يمنح المتقاضي سندا قضائيا بحقه، لكنه لا يعني بالضرورة حصوله عليه. فبين منطوق الحكم وتنفيذه قد تبدأ مرحلة أخرى من الإجراءات، يصبح معها الزمن الذي استغرقه الفصل في النزاع جزءا فقط من المدة التي يحتاجها صاحب الحق للوصول إلى النتيجة الفعلية.

    لهذا يمتد ورش الرقمنة في القانون الجديد إلى التنفيذ، مع إدخال عدد من إجراءاته ضمن النظام المعلوماتي وتمكين قاضي التنفيذ من تتبع المسار وتبادل معطيات مرتبطة به إلكترونيا.

    ويتيح القانون الاستعانة بالمنصة الرقمية في البحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، كما ينظم اللجوء إلى البيع عبر منصة إلكترونية في الحالات التي يحددها النص. وهي مقتضيات تنقل الرقمنة من تدبير الملف القضائي قبل الحكم إلى المرحلة التي يفترض أن يتحول فيها الحكم إلى أثر ملموس.

    وتكتسب هذه المرحلة ثقلا خاصا، لأن عدالة تنتهي إلى حكم يتأخر تنفيذه تظل، بالنسبة إلى صاحب الحق، عدالة غير مكتملة الأثر. لذلك يصبح تقليص زمن التنفيذ مكملا لتقليص زمن التقاضي، لا ملفا منفصلا عنه.

    ويقول الوردي إن “أهمية الإصلاح تظهر أيضا في مرحلة التنفيذ، لأن صدور الحكم لا يعني دائما حصول صاحب الحق على حقه بشكل فعلي. وإذا تمكنت الوسائل الرقمية من تسهيل تتبع إجراءات التنفيذ والبحث عن أموال المنفذ عليه وتبادل المعطيات بين المتدخلين، فإن ذلك يمكن أن يختصر جزءا من المسار الذي يعيشه صاحب الحق بعد صدور الحكم”

    وهنا سيكون الاختبار العملي الأكثر حساسية للقانون الجديد، فالمنصة تستطيع تسريع الوصول إلى المعلومة وتبادلها، لكنها لا تنفذ حكما بمفردها وما سيحدد الأثر الحقيقي لهذه المقتضيات هو قدرة قضاء التنفيذ وباقي المتدخلين على تحويل السرعة في تداول المعطيات إلى سرعة في الإجراءات، ثم إلى حق يصل فعليا إلى صاحبه.

    يجمع القانون رقم 58.25 بين تغييرات تمس مراحل مختلفة من الدعوى، من التبليغ والآجال إلى الطعون والصلح والرقمنة والتنفيذ لكن ما يجمع هذه المقتضيات هو محاولة جعل مسار الدعوى أكثر وضوحا وتنظيما، مع الحد من الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى تأخير غير مبرر، وفتح المجال أمام استعمال أوسع للوسائل الرقمية.

  • كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    ظلت أوراش كبرى لإصلاح العدالة لسنوات حاضرة في النقاش المؤسساتي والقانوني بالمغرب، فيما بقيت نصوص أساسية تنتظر المراجعة أو الحسم، رغم التحولات التي عرفها المجتمع وتطور انتظارات المواطنين والمهنيين.

    وبين تعقيد المساطر، وتراكم القضايا، وتحديات السياسة الجنائية، وضغط التحول الرقمي، استمر سؤال تحديث منظومة العدالة، مع الحفاظ على التوازن بين النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات، يطرح نفسه بقوة.

    وسط هذا المشهد، تولى عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في أكتوبر 2021، ليجد أمامه تراكما من المشاريع والقوانين والمطالب المهنية التي امتد بعضها عبر حكومات متعاقبة.

    وغير أن أوراش الإصلاح بدأت قبل الحكومة الحالية، فالسمة التي طبعت الولاية الحالية تمثلت في فتح عدد من الملفات الثقيلة، والدفع بها من دائرة الانتظار إلى مراحل التشريع والتنفيذ.

    من المسطرتين المدنية والجنائية إلى العقوبات البديلة، ومن تنظيم المؤسسات السجنية إلى إعادة تأطير المهن القانونية والقضائية، ارتبط اسم وهبي بأوراش أثارت نقاشات واسعة واحتجاجات مهنية وخلافات انتقلت، في بعض المحطات، من طاولات الحوار إلى البرلمان ووسائل الإعلام.

    وفي أكثر من مناسبة، بدا الجدل حول شخصية الوزير وتصريحاته أعلى صوتا من النقاش حول طبيعة التحولات التي كانت تتحرك داخل الوزارة. ومع الاقتراب من نهاية الولاية الحكومية، يصبح السؤال المحوري حول الحصيلة التشريعية، ماذا تحقق؟ وهل تعبر كثافة النصوص التي تم إخراجها عن تحول فعلي في منظومة العدالة، أم عن إنتاج تشريعي سيظل أثره رهينا بقدرة المؤسسات على التنفيذ؟

    المسطرة المدنية.. من تراكم الملفات إلى فتح الأوراش الثقيلة

    تكشف قراءة حصيلة وزارة العدل عن تحرك الإصلاح على ثلاثة مستويات متوازية؛ قوانين دخلت حيز التنفيذ، ومشاريع قطعت مراحل متقدمة من المسطرة التشريعية، وأوراش ما تزال في طور الإعداد أو التفاوض.

    ولا تكمن خصوصية هذه الحصيلة في العدد وحده، وإنما في طبيعة المجالات التي مستها، فقد تحرك الإصلاح من قواعد التقاضي المدني والجنائي إلى فلسفة العقوبة وظروف تنفيذها، ومن التنظيم القضائي إلى المهن المرتبطة بالمحكمة، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية والموارد البشرية وتوسيع الخدمات الرقمية.

    ويتقدم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قائمة الأوراش الكبرى التي طبعت هذه المرحلة، الذي يحدد الطريق الذي تسلكه الدعوى منذ ولوجها إلى المحكمة، مرورا بالتبليغ والإجراءات والطعن، وصولا إلى صدور الحكم وتنفيذه.

    وتنبع أهمية مراجعة هذا النص من كون قواعد التقاضي المدني ظلت تواجه تحديات مرتبطة بطول الآجال وتعقيد بعض المساطر وصعوبة تنفيذ الأحكام، بالتوازي مع الحاجة إلى إدماج التكنولوجيا في العمل القضائي.

    وقد مر القانون بمسار دستوري وتشريعي دقيق، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، التي صرحت بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة بعض مقتضياته للدستور. وبعد تعديل النص وترتيب الأثر على القرار، صودق على الصيغة الجديدة، قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026.

    ولا تقتصر أهمية المسطرة المدنية الجديدة على تحديث الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى توفير سند تشريعي للتحول الرقمي، إذ إن بناء محكمة رقمية لا يمكن أن يتم عبر التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنح الإجراءات والوثائق الإلكترونية حجيتها القانونية وتنظم موقع التكنولوجيا في مختلف مراحل التقاضي.

    المسطرة الجنائية.. الإصلاح في منطقة الحقوق والحريات

    وبموازاة ذلك، شكل القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية واحدا من أكثر الأوراش حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحرية الفردية والحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.

    وقد نشر القانون في الجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025، حاملا مقتضيات تتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظرية في بعض الجرائم، وتنظيم ظروف تغذيتهم، وإحداث قاعدة بيانات مركزية للسجل العدلي، إلى جانب تدابير تراعي وضعية الأطفال الموجودين في تماس مع القانون.

    وتكمن حساسية النص في المعادلة التي تحكم كل سياسة جنائية، أي منح الدولة الوسائل الضرورية للبحث عن الجرائم وحماية المجتمع، مع إحاطة هذه السلطة بضمانات تحمي حقوق الأشخاص وتصون شروط المحاكمة العادلة.

    وبهذا المعنى، لم تمثل مراجعة المسطرة الجنائية تعديلا تقنيا لبعض المواد، وإنما محاولة لإعادة ترتيب جوانب من العلاقة بين سلطة البحث وحقوق الأفراد، فيما سيظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بكيفية تنزيل الضمانات وتوحيد تطبيقها داخل مختلف المحاكم.

    وفي قراءة لطبيعة هذه الدينامية التشريعية، يرى خليل عبد العزيز، المحامي بهيئة الرباط والخبير القانوني، أن ولاية عبد اللطيف وهبي تميزت بإعطاء دفعة قوية لعدد من الأوراش الإصلاحية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز سيادة القانون، وتسريع البت في القضايا، وتقريب العدالة من المواطن.

    ويعتبر عبد العزيز أن الوزارة قادت ورشا تشريعيا واسعا شمل إصلاح المسطرة الجنائية، وتعزيز حقوق الدفاع، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة، وتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بموجب القانون رقم 46.21، إلى جانب أوراش مرتبطة بالتوثيق والأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية.

    ويرى أن أهمية هذه الإصلاحات لا تكمن فقط في عدد النصوص، وإنما في اتصالها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، سواء تعلق الأمر بضمانات المحاكمة، أو تنفيذ الأحكام، أو حماية المعاملات القانونية والعقارية وتحسين البيئة الاستثمارية.

    لكن قياس أثر هذه الدينامية لا يمكن أن يتوقف عند النصوص، فالقانون لا يتحول إلى إصلاح بمجرد نشره، وإنما حين تبدأ مقتضياته في تغيير الممارسة، ومن بين مختلف الأوراش المفتوحة، تقدم العقوبات البديلة نموذجا يسمح بقياس المسافة بين إخراج القانون وبدء إنتاج أثره.

    العقوبات البديلة.. ثورة في قلب السياسات الزجرية

    يعد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة أحد أبرز النصوص التي ميزت هذه المرحلة، ليس فقط لأنه أضاف أنواعا جديدة من العقوبات، بل لأنه أعاد طرح السؤال حول فلسفة الجزاء الجنائي نفسها.

    فبعدما ظل السجن العقوبة المركزية في التعامل مع عدد واسع من الجرائم، فتح القانون المجال أمام بدائل تستهدف تحقيق التناسب بين الجريمة والجزاء، وتشجيع إعادة الإدماج، وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

    وتشمل هذه البدائل الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى المراقبة الإلكترونية.

    وبعد ثمانية أشهر من دخول القانون حيز التنفيذ، كشف وزير العدل، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، أن عدد العقوبات البديلة الصادرة بلغ، إلى غاية 14 أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبات.

    وتصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ1075 مقررا، أي 41 في المئة من المجموع، تلاها العمل لأجل المنفعة العامة بـ1027 عقوبة، بنسبة 39 في المئة، ثم تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بـ483 مقررا، أي 19 في المئة، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودا في 20 عقوبة فقط، بما يمثل واحدا في المئة.

    ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الأحكام فقط، وإنما في أثرها المباشر، فقد مكن تطبيق القانون، وفق معطيات الوزير، من الإفراج عن 1578 معتقلا، كما جنب 90 شخصا مدانا كانوا يتابعون في حالة سراح دخول المؤسسات السجنية.

    وبالنسبة إلى مئات الأسر، أصبحت العقوبات البديلة تغييرا فعليا في مسار تنفيذ العقوبة، فيما يمكن أن تساهم، بالنسبة إلى المؤسسات السجنية، في الحد من الاكتظاظ وتوجيه الإمكانات والبرامج التأهيلية نحو الحالات التي تقتضي طبيعة جرائمها تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.

    غير أن الأرقام تكشف أيضا حدود التنزيل، فاستحواذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة على معظم الأحكام، مقابل محدودية المراقبة الإلكترونية، يعكس استمرار صعوبات مرتبطة بتفعيل بعض العقوبات ذات الطابع التقني.

    وقد أقر وهبي بوجود تحديات تتعلق بتتبع تطبيق المقررات القضائية، وتنوع الوضعيات الإجرائية، وحالات رفض التنفيذ أو الإخلال بشروطه، إلى جانب ضعف تفعيل بعض العقوبات، داعيا إلى تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية وتقوية العدالة التصالحية والوساطة الجنائية.

    كما طالب بتوسيع نطاق الجرائم القابلة للاستفادة من العقوبات البديلة، مع مراعاة طبيعة الجريمة وخطورتها وشخصية مرتكبها وإمكانية جبر الضرر.

    من العقوبة إلى السجن وإعادة الإدماج

    لم يتوقف إصلاح السياسة العقابية عند إيجاد بدائل للسجن، بل امتد إلى ظروف تنفيذ العقوبة من خلال القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، الصادر سنة 2024.

    وتنبع أهمية النص من كونه ينقل الإصلاح من قاعة المحكمة إلى مرحلة تنفيذ الحكم، لأن العدالة لا تنتهي بصدور العقوبة، وإنما تشمل أيضا ظروف الاعتقال وحماية كرامة السجين وإعداده للعودة إلى المجتمع.

    ويتقاطع هذا التوجه مع تطور اللجوء إلى الإفراج المقيد بشروط، إذ ارتفع عدد المستفيدين من 13 شخصا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نهاية 2021، إلى 160 سنة 2022، ثم 204 سنة 2023، و420 سنة 2024، وصولا إلى 447 مستفيدا إلى غاية 14 أكتوبر 2025.

    كما أبرمت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط ومساعدتهم على الاندماج في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

    وتكشف هذه الدينامية توجها نحو توسيع أدوات السياسة الجنائية خارج منطق السجن وحده، من خلال الجمع بين العقوبات البديلة والإفراج المقيد بشروط وإعادة الإدماج. غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على مواكبة المستفيدين اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تتحول البدائل القانونية إلى حلول مؤقتة.

    الرقمنة.. إصلاح لا يرى في القانون فقط

    إذا كانت المسطرتان المدنية والجنائية والعقوبات البديلة تمثل الواجهة التشريعية للإصلاح، فإن الرقمنة شكلت وجهه التنفيذي الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للمرتفقين.

    فقد تجاوزت نسبة الطلبات الإلكترونية للسجل العدلي 80 في المئة، فيما ناهزت طلبات شهادة الجنسية المغربية المقدمة عن بعد 90 في المئة من مجموع الطلبات المعالجة.

    كما تم إطلاق بوابة إلكترونية لطلبات العفو والإفراج المقيد، وخدمة الأداء الإلكتروني للغرامات، وتطبيق “محاكم”، والبوابة الإلكترونية للشكايات، والمكتبة القانونية الرقمية “عدالة”، ومنصة الحماية الإلكترونية “e-Himaya”، إلى جانب خدمات تتبع الملفات وجدول الجلسات وأداء مخالفات السير.

    وامتدت الرقمنة إلى العلاقة بين المحاكم والمهن القانونية والمؤسسات، من خلال منصات للتبادل الإلكتروني مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، وأخرى لتتبع تنفيذ الأحكام الصادرة في حق أشخاص القانون العام، مفعلة لفائدة 17 وزارة و20 مؤسسة عمومية، فضلا عن التبادل الإلكتروني مع الأبناك وشركات التأمين وعدد من الإدارات.

    وخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، خصصت الوزارة أكثر من 124.6 مليون درهم للمشاريع الرقمية على مستوى الإدارة المركزية، ونحو 315.5 مليون درهم على المستوى الإقليمي.

    وبالنسبة إلى المواطن، يفترض أن يترجم هذا التحول إلى تقليص عدد التنقلات نحو المحاكم، وتبسيط الحصول على الوثائق والخدمات، وتقليص زمن الانتظار، فيما يمنح المهنيين إمكانية تتبع الملفات وتبادل المعطيات بشكل أسرع.

    وفي هذا السياق، يعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن ورش الرقمنة وإرساء تصور المحكمة الرقمية الموحدة يمثلان أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية خلال ولاية وهبي، بالنظر إلى ما تتيحه الخدمات الرقمية من إمكانات لتتبع الملفات القضائية ومواعيد الجلسات والإجراءات والأحكام عن بعد.

    ويرى أن المشروع، القائم على التنسيق بين وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وهيئات المحامين، يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز الشفافية ومحاربة بعض مظاهر الفساد والبيروقراطية، من خلال التتبع الفوري والدقيق للعمليات القضائية والإدارية.

    حلقات متكاملة في مسار العدالة

    لم تقتصر الدينامية على قواعد التقاضي والعقوبة، بل امتدت إلى المؤسسة القضائية نفسها، من خلال القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي وتعديله بموجب القانون رقم 73.24.

    ويؤطر هذا الورش أصناف المحاكم وبنياتها واختصاصاتها والإدارة القضائية، فيما جرى، في إطار تنزيله، تحديث الخريطة القضائية للمملكة، في محاولة لتقريب الخدمات من المواطنين ومراعاة التحولات الديمغرافية والمجالية.

    كما شملت الدينامية قوانين تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، في سياق استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بعد تكريس استقلالها.

    لكن فعالية العدالة لا تتوقف عند القاضي أو صدور الحكم، لأن مسار القضية يمر عبر مهن تضطلع بالتبليغ والتنفيذ والخبرة والترجمة والتوثيق والدفاع. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وهي مهنة ترتبط مباشرة بتبليغ الإجراءات وتنفيذ الأحكام، فالحكم لا يحقق غايته إذا تعثر تبليغه أو تنفيذه، ما يجعل إصلاح هذه الحلقة مرتبطا مباشرة بقدرة المواطن على الحصول فعليا على الحق الذي أقره له القضاء.

    كما شمل الورش الخبرة القضائية من خلال القانون رقم 44.22، إلى جانب إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة الخبراء القضائيين، فضلا عن صدور القانون رقم 52.23 المتعلق بمهنة التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم.

    وفي مجال التكوين، صدر القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء، في تأكيد أن تغيير القوانين يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استيعابها وتطبيقها.

    وامتدت الحصيلة إلى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي يؤطر وسائل بديلة لتسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي، بما يمكن أن يخفف الضغط على المحاكم ويوفر آليات أكثر مرونة، خصوصا في النزاعات التجارية والاستثمارية.

    كما شمل الإصلاح القانون رقم 71.24 المتعلق بمقتضيات الشيك، وهو مجال تتقاطع فيه السياسة الجنائية مع حماية الثقة في المعاملات الاقتصادية، حيث يرتبط الرهان بإيجاد توازن بين ضمان حقوق المستفيد وعدم الإفراط في توظيف العقوبة السالبة للحرية.

    وامتدت الإصلاحات إلى الأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية، من خلال الاشتغال على سجل الوكالات الرسمية وتنظيم دورات تكوينية للتعريف به وضمان حسن استعماله، بما يوفر إمكانية أفضل للتحقق من الوكالات ويعزز الثقة في المعاملات القانونية والعقارية والبيئة الاستثمارية.

    بين المنجز والأوراش المفتوحة

    إلى جانب القوانين النافذة، تضم حصيلة الوزارة مشاريع لم تستكمل جميع مراحلها، في مقدمتها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير 2026، قبل مواصلة دراسته بالبرلمان بغرفتين والمصادقة عليه، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، المنتظر منها حسم الجدل الذي رافق مشروع القانون بسبب رفض المحامين له.

    ويكتسي القانون حساسية خاصة بالنظر إلى موقع المحاماة في منظومة العدالة وارتباطها بحقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يفسر النقاش المهني الواسع الذي رافقه.

    كما يوجد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس النواب في أبريل 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 58.24 المتعلق بمهنة التوثيق، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالأمن التعاقدي وتوثيق الحقوق والمعاملات الأسرية والعقارية والمالية.

    وتشمل المشاريع كذلك مشروع القانون رقم 53.23 المتعلق بالرسوم والمصاريف القضائية، وهو نص يرتبط بكلفة الولوج إلى العدالة، إلى جانب مشاريع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية، ومراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ومراجعة مجموعة القانون الجنائي.

    التنفيذ.. من النص إلى المؤسسة

    منذ بداية الولاية، باشرت الوزارة 118 مشروعا في مجالي البناء والتهيئة بمختلف الدوائر القضائية، منها 35 مشروعا مدشنا بكلفة 1.35 مليار درهم، و20 مشروعا جاهزا للتدشين، و13 ورشا مفتوحا، إضافة إلى 50 مشروعا في طور الدراسة.

    كما تم إحداث وتجهيز 39 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، إلى جانب 23 فضاء أزرق داخل أقسام قضاء الأسرة، صممت لتوفير ظروف أكثر ملاءمة للأطفال أثناء تفاعلهم مع النظام القضائي.

    ولا يتعلق الأثر هنا بتحديث المباني وحدها، بل بتحسين ظروف استقبال المتقاضين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، داخل فضاء العدالة.

    وعلى مستوى الموارد البشرية، شهدت الولاية نقل المناصب المالية والوضعيات الإدارية للقضاة والملحقين القضائيين إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخصيص 450 منصبا ماليا على مدى ثلاث سنوات لدعم أقسام قضاء الأسرة، وإحداث المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية.

    كما أشرفت الوزارة على برامج تكوينية لفائدة أطرها ومديريها الإقليميين والمساعدين الاجتماعيين، خصوصا في ما يتعلق بالعقوبات البديلة والمستجدات التشريعية، وعقدت، وفق معطيات الحصيلة، 42 جلسة مع الفرقاء الاجتماعيين بين سنة 2021 وماي 2026.

    غير أن الخصاص في الموارد البشرية يظل من أبرز التحديات، إذ يقدر بنحو 4500 موظف، وهو خصاص ترافع وزير العدل من أجل تقليصه عبر إحداث مناصب مالية جديدة.

    ويعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن الاستثمار في التكوين والعنصر البشري يمثل شرطا أساسيا لإنجاح الإصلاحات، لأن المحكمة الرقمية تحتاج إلى موظفين قادرين على تشغيلها، والعقوبات البديلة إلى أطر تتولى تتبعها، فيما تتطلب القوانين الجديدة تكوينا مستمرا يضمن حسن فهمها وتطبيقها.

    ويخلص الخبير القانوني، في تقييم أكاديمي، إلى أن حصيلة عبد اللطيف وهبي تعكس “قيادة عملية وطموحة” نجحت في إعطاء دفعة قوية لإصلاح منظومة العدالة، خصوصا من خلال الرقمنة وتحديث التشريعات والانكباب على قضايا تمس في جوهرها حقوق المواطنين ومصالحهم.

    ومع ذلك، يعتبر أن الخصاص في الموارد البشرية وتحديات التنسيق المؤسساتي يحتاجان إلى معالجة أسرع، حتى تتمكن المنظومة من استيعاب الترسانة القانونية التي أخرجت خلال هذه الولاية، ويرى أن الدينامية التي أطلقها وهبي يمكن أن تشكل إرثا إصلاحيا مهما، شرط ضمان استمرارها وتسريع التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة.

    كلفة الإصلاح.. بين منطقي التصادم والحسم

    وتكشف حصيلة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل عن مرحلة اتسمت بكثافة الأوراش وتعدد مستوياتها، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأوراش بدأت مع وهبي أو أنها اكتملت كلها خلال ولايته؛ فالإنصاف يقتضي الاعتراف بتراكمات الحكومات والوزراء السابقين، والتمييز بين القوانين النافذة والمشاريع التي لم تستكمل مسارها بعد.

    لكن السمة الأبرز لهذه المرحلة تظل في الدفع بعدد كبير من الملفات الثقيلة إلى واجهة التشريع والتنفيذ خلال فترة متقاربة، بدل الاكتفاء بتدبير الشؤون اليومية للقطاع أو تأجيل الأوراش المثيرة للخلاف.

    ولم تكن كلفة هذه الأوراش قانونية وتقنية فقط، بل كانت سياسية ومهنية أيضا، فكل تعديل يمس قواعد التقاضي أو صلاحيات المهن القانونية يعيد توزيع الأدوار والمصالح داخل منظومة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر انتقال الخلاف، في بعض الملفات، من النقاش التقني حول مواد القوانين إلى توترات مفتوحة بين الوزارة والهيئات المهنية.

    وقد جعلت هذه المقاربة الجدل جزءا من الولاية، فكلما اقترب الإصلاح من قواعد التقاضي أو العقاب أو شروط ممارسة المهن القانونية، اتسعت دائرة المتأثرين به وتعددت المواقف بشأنه.

    ويكشف ذلك أن اختيار فتح هذه الملفات خلال ولاية واحدة لم يكن قرارا إداريا محضا، بل توجها سياسيا وقبولا لتحمل كلفة الجدل بدل الاستمرار في تأجيل مشاريع ظلت معلقة لسنوات. غير أن الجرأة في فتح الملفات لا تعفي من تقييم جودة التشاور، ومدى استيعاب ملاحظات المهنيين، وقدرة الوزارة على بناء توافقات تضمن سهولة التنفيذ لاحقا.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل اصطدام دليلا على فشل الإصلاح، كما لا يمكن تقديم الجدل وحده دليلا على الجرأة والنجاح، فالمعيار الأكثر دقة يوجد في مضمون النصوص، وطريقة إعدادها، ومستوى التشاور بشأنها، ثم قدرتها على إنتاج أثر بعد دخولها حيز التنفيذ.

    وقد قدمت العقوبات البديلة أول نموذج واضح لهذه المعادلة؛ كونه قانونا انتقل إلى التطبيق واستفاد منه آلاف الأشخاص، لكنه كشف أيضا عن صعوبات في التنفيذ وضعف اللجوء إلى بعض العقوبات التقنية.

    أما التحدي الأكبر الذي تضعه هذه الحصيلة أمام المرحلة المقبلة، فيتمثل في قدرة المنظومة على استيعاب هذا الحجم من التحولات، وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية، وتكوين الموارد البشرية، وضمان استمرار الإصلاح بعد نهاية الولاية الحكومية.