الوسم: شبكات الاتجار بالبشر

  • ماذا بعد أحداث سبتة؟ نهاية منطق “دركي الحدود” وشراكة الهجرة أمام رهانات جديدة

    ماذا بعد أحداث سبتة؟ نهاية منطق “دركي الحدود” وشراكة الهجرة أمام رهانات جديدة

    أعادت أحداث العبور الجماعي نحو سبتة ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، وطرحت من جديد سؤال المقاربة المعتمدة في تدبير الحدود بين المغرب وإسبانيا.

    وخلال السنوات الماضية، عزز البلدان تعاونهما في مراقبة الحدود وتبادل المعلومات ومحاربة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، ضمن شراكة أوسع تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة.

    لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن التدخل الأمني يبدأ أساسا في المرحلة الأخيرة من مسار الهجرة، عندما يصل المهاجر إلى الحدود، فيما تتشكل دوافع الظاهرة قبل ذلك بكثير.

    ولا يتعلق السؤال بما إذا كان المغرب سيغير موقعه داخل هذه الشراكة، فهو شريك أساسي فيها، وإنما بما إذا كانت أحداث سبتة ستدفع نحو توسيع مجالات التعاون، من تدبير الحدود إلى معالجة مختلف أبعاد الهجرة وتقاسم المسؤولية بين ضفتي المتوسط.

    شراكة قائمة منذ سنوات

    يشكل المغرب منذ سنوات شريكا رئيسيا لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في تدبير الهجرة على الطريق الغربي للمتوسط.

    ولا يقتصر التعاون على اعتراض محاولات العبور، بل يشمل تبادل المعلومات، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، والتعاون الشرطي، إلى جانب ملفات العودة وإعادة الإدماج.

    وفي يوليوز 2022، عزز المغرب والاتحاد الأوروبي هذا المسار بإطلاق شراكة عملياتية لمكافحة تهريب المهاجرين، تقوم على دعم إدارة الحدود وتقوية التعاون الشرطي ومواجهة الشبكات الإجرامية.

    وبموازاة ذلك، طور المغرب مقاربته الخاصة من خلال الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، باعتباره بلدا للمنشأ والعبور والاستقبال في الوقت نفسه.

    ويجعل هذا تدبير الهجرة بالنسبة إلى المملكة يتجاوز مسألة منع العبور، ليرتبط أيضا باعتبارات الأمن والسيادة والاستقبال والإدماج والتعاون مع دول المنشأ والاستقبال.

    الحدود.. آخر مراحل الهجرة

    وتظل مراقبة الحدود ومواجهة شبكات تهريب البشر جزءا أساسيا من تدبير الهجرة غير النظامية، سواء لحماية الأمن أو للحد من المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون خلال محاولات العبور.

    غير أن الوصول إلى الحدود يمثل المرحلة الأخيرة من مسار يبدأ قبل ذلك، فقرار الهجرة يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية، وبفرص العمل والتنقل، إلى جانب نشاط شبكات تستفيد من الرغبة في الوصول إلى أوروبا.

    ويعالج إحباط محاولات العبور جانبا أساسيا من الظاهرة، لكنه لا يختزل مختلف أبعادها، خاصة عندما تتداخل في مسارات الهجرة دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    ويرى عبد الفتاح الزين، الأستاذ والباحث المتخصص في قضايا الهجرة، أن أحداث سبتة تؤكد الحاجة إلى النظر إلى الهجرة باعتبارها مسارا متكاملا، وليس فقط لحظة وصول المهاجر إلى الحدود.

    ويعتبر الزين أن المقاربة الأمنية تظل ضرورية لحماية الحدود والتصدي للشبكات التي تستفيد من الهجرة غير النظامية، لكنها تحتاج إلى أن تندرج ضمن رؤية أوسع تشتغل أيضا على العوامل التي تسبق قرار الهجرة.

    ويضيف أن موقع المغرب كبلد منشأ وعبور واستقبال يجعله معنيا بمختلف أبعاد الظاهرة، وهو ما يفرض أن تقوم الشراكة مع أوروبا على مسؤولية مشتركة تشمل دول المنشأ والعبور والاستقبال.

    التمويل.. أحد مكونات الشراكة

    يشكل التمويل أحد مكونات التعاون المغربي الأوروبي في مجال الهجرة، لكنه لا يمثل مقابلا ماليا عن مراقبة الحدود، كما لا يوجد مبلغ سنوي ثابت يمنحه الاتحاد الأوروبي للمغرب مقابل منع عمليات العبور.

    وتظهر معطيات المفوضية الأوروبية أن صندوق الطوارئ الأوروبي لإفريقيا التزم، بين 2015 و2021، بما مجموعه 234 مليون يورو لدعم برامج مرتبطة بالهجرة في المغرب، عبر عقود ثنائية وإقليمية.

    ومن هذا المبلغ، خُصص 179 مليون يورو للإدارة المندمجة للحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، فيما توزعت اعتمادات أخرى على الحماية والاستقرار المجتمعي، وحكامة الهجرة والعودة الطوعية، ودعم هجرة اليد العاملة.

    ومع دورة التعاون الجديدة، أعلنت المفوضية الأوروبية عن غلاف دعم تأشيري يصل إلى 500 مليون يورو للمغرب في مجال الهجرة خلال الفترة 2021-2027.

    وفي هذا الإطار، وقع الاتحاد الأوروبي والمغرب، في مارس 2023، برنامجا شاملا للهجرة بقيمة 152 مليون يورو، ولمدة أقصاها أربع سنوات، يشمل دعم تدبير الحدود ومكافحة شبكات التهريب، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، والعودة الطوعية وإعادة إدماج المهاجرين في بلدانهم الأصلية.

    التعاون أكبر من التمويل

    ولا تختزل هذه الأرقام طبيعة التعاون المغربي الأوروبي في ملف الهجرة، الذي يمتد إلى جوانب أمنية وقضائية وتنموية، فضلا عن العودة وإعادة الإدماج والتنقل.

    وفي قراءته لهذا الجانب، يشدد عبد الفتاح الزين على أن العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة لا ينبغي قراءتها من زاوية التمويل وحده، بالنظر إلى تعدد مستويات التعاون بين الجانبين.

    ويرى أن الدعم المالي يمثل أداة ضمن شراكة تشمل الأمن والتنمية والعودة وإعادة الإدماج والتنقل، وليس مقابلا عن قيام المغرب بمراقبة حدوده، باعتبار أن هذه الأخيرة ترتبط أساسا بممارسة الدولة لمسؤولياتها السيادية.

    وبحسب الزين، فإن الرهان، بعد أحداث سبتة يكمن في توسيع المجالات الوقائية داخل هذه الشراكة، من خلال الاستثمار والتكوين والتنقل القانوني والهجرة الدائرية، بما يسمح بالتعامل مع جزء من دوافع الهجرة قبل انتقالها إلى محاولة عبور غير نظامية.

    المغرب شريك وليس حارسا

    هنا تبرز الدلالة السياسية والدبلوماسية لرفض اختزال دور المغرب في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

    فالمغرب لا يطالب بموقع داخل تدبير ملف الهجرة، لأنه شريك قائم بالفعل لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، كما أن مراقبة حدوده ليست خدمة مرتبطة بمقابل خارجي، بل تدخل في صميم مسؤوليات الدولة عن أمنها وسيادتها ومحاربة الشبكات الإجرامية.

    وفي هذا الإطار، يعتبر عبد الفتاح الزين أن رفض وصف المغرب بـ”دركي أوروبا” يحمل أساسا دلالة سيادية تتعلق بموقع المملكة داخل منظومة التعاون حول الهجرة.

    ويوضح أن المغرب يتعامل مع الهجرة انطلاقا من مصالحه والتزاماته ومسؤوليته في حماية حدوده، وليس باعتباره طرفا مكلفا بحراسة المجال الأوروبي، مشيرا إلى أن التعاون مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي يقوم على مصالح متبادلة وليس على تفويض مهمة حماية الحدود لطرف واحد.

    ويرى الزين أن أحداث سبتة تعيد إبراز أهمية هذا التمييز، لأن المسؤولية المشتركة تفترض أن يقوم كل طرف بدوره، سواء قبل العبور أو خلاله أو بعد وصول المهاجر إلى الضفة الأخرى.

    ماذا قد يتغير مع إسبانيا؟

    لا تشير الأحداث الأخيرة إلى اتجاه نحو تراجع التعاون بين المغرب وإسبانيا، بل أظهرت مجددا أهمية التنسيق بين البلدين في ملف يرتبط مباشرة بأمنهما ومصالحهما المشتركة.

    لذلك، فإن ما يمكن أن يتغير بعد سبتة ليس مبدأ التعاون، وإنما نطاقه.

    فمراقبة الحدود وتبادل المعلومات ومحاربة شبكات التهريب ستظل عناصر أساسية، لكن ما يحدث بعد تجاوز الحدود يفتح ملفات أخرى، من تحديد الهوية والعودة إلى التنسيق الإداري والقضائي وتدبير أوضاع القاصرين غير المصحوبين.

    وقد يدفع ذلك نحو تعزيز التنسيق في المراحل التي تلي الوصول، وليس فقط في منع العبور، خاصة في ما يتعلق بسرعة تبادل المعطيات، والتحقق من الهوية، وتنفيذ إجراءات العودة.

    كما تظل الهجرة القانونية والتنقل المهني وإعادة الإدماج مجالات تسمح بتوسيع البعد الوقائي للتعاون، بحيث يصبح الجانب الأمني جزءا من منظومة أشمل لتدبير الهجرة، وليس عنوانها الوحيد.

    القاصرون.. المسؤولية بعد العبور

    يقدم ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين أحد أبرز الاختبارات العملية لهذا التعاون.

    فبعد أحداث سبتة، أعلن المغرب استعداده للتعاون مع إسبانيا من أجل تحديد هويات القاصرين المغاربة غير المصحوبين والعمل على إعادتهم إلى المملكة، في وقت ما تزال تعقيدات المساطر القانونية في إسبانيا تحول دون ذلك.

    ويأتي ذلك امتدادا للموقف المغربي القائم على الاستعداد لاستعادة القاصرين بعد استكمال المساطر القانونية اللازمة.

    وفي هذا السياق، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي تمسك المغرب بإعادة القاصرين الموجودين في إسبانيا إلى أسرهم.

    وأوضح وهبي أول أمس الثلاثاء في حوار صحفي أن الرباط عقدت اجتماعات متعددة مع الجانب الإسباني بشأن الملف، وأن المغرب أبدى استعداده لاستعادة القاصرين، معتبرا أن استمرار الإشكال يرتبط بتعثر إجراءات إعادتهم من الجانب الإسباني.

    وتخضع إعادة القاصرين لضمانات قانونية مرتبطة بالتحقق من الهوية والوضع العائلي والمصلحة الفضلى للطفل، ما يجعلها أكثر تعقيدا من إجراءات إعادة البالغين.

    ويرى الأستاذ والباحث المتخصص في قضايا الهجرة عبد الفتاح الزين أن ملف القاصرين يمثل اختبارا عمليا لمفهوم المسؤولية المشتركة بين المغرب وإسبانيا، لأنه ينقل التعاون من مرحلة منع العبور إلى مرحلة تدبير نتائجه.

    ويعتبر أن إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين يضع الطرفين أمام ضرورة تسريع التنسيق القانوني والإداري، مع احترام الضمانات المرتبطة بحماية الطفل، حتى لا تتحول تعقيدات المساطر إلى عائق دائم أمام معالجة الملف.

    ويخلص الزين إلى أن تطوير التعاون بعد سبتة يقتضي أن يشمل مختلف مراحل الهجرة، لأن الشراكة لا يمكن أن تقتصر على ما يحدث قبل الوصول إلى الحدود، بل يجب أن تشمل أيضا العودة وإعادة الإدماج وتدبير أوضاع من وصلوا بالفعل إلى الجانب الآخر.

  • شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    شريك بسيادته لا حارس حدود.. المغرب يغيّر قواعد الهجرة مع أوروبا

    تعيد الأحداث الأخيرة المسجلة عند نقاط العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش، في وقت يؤكد المغرب أنه يواصل الاضطلاع بدور محوري في تأمين حدوده والحد من نشاط شبكات الاتجار بالبشر.

    وأظهرت طريقة تدبير هذه الأحداث من الجانب المغربي اعتماد مقاربة استباقية جمعت بين المراقبة الميدانية والإنقاذ والتنسيق، بما ساعد على احتواء الوضع وتفادي حصيلة أكثر مأساوية.

    ويستند المغرب في الدفاع عن حصيلة عمله إلى أرقام تعكس حجم الجهد المبذول خلال السنوات الأخيرة، إذ أحبطت نحو 160 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال سنتي 2024 و2025، وفككت 632 شبكة، إلى جانب تنفيذ أكثر من 32 ألف عملية إنقاذ في البحر.

    هذه النتائج ساهمت في جعل الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط أقل ضغطا على أوروبا، كما عززت مكانة المملكة شريكا موثوقا في التعاون الأمني والإنساني، سيما مع الجار الشمالي إسبانيا.

    غير أن تطورات الثغرين المحتلين تؤكد أن الظاهرة لا يمكن تطويقها بالإجراءات الأمنية وحدها، خصوصا مع تنامي تأثير المعلومات المضللة والتأويلات الخاطئة لبعض القرارات القانونية واستمرار نشاط شبكات التهريب.

    وتبدو دعوة الرباط الاتحاد الأوروبي إلى تقاسم المسؤولية والأعباء منسجمة مع واقع ملف تتداخل فيه اعتبارات الأمن والتنمية وحماية الأرواح، فيما يظل نجاح المقاربة المغربية مرتبطا أيضا باستمرار التنسيق مع الشركاء الأوروبيين وتعزيز التواصل الدقيق حول الوقائع والأرقام.

    من لغة الأرقام إلى لغة الرسائل السياسية

    طوال السنوات الماضية، كانت البلاغات المتعلقة بالهجرة تركز أساسا على حصيلة العمليات الأمنية، وعدد الشبكات المفككة، ومحاولات العبور التي جرى إحباطها، غير أن الموقف الأخير، المعبر عنه في قصاصة لوكالة الأنباء المغربية الرسمية “لاماب” منسوبة إلى مصدر حكومي، فلم يقتصر على مجرد سرد للأرقام.

    وتعكس العبارات التي تكررت، من قبيل “شريك ذو سيادة”، و”لم يخضع يوما للضغط”، و”لم يتحرك تحت وطأة الابتزاز”، أن المغرب أراد نقل النقاش من الجانب الأمني إلى مستوى آخر يرتبط بطبيعة العلاقة مع أوروبا، لأن المسألة اليوم لم تعد تقتصر على قدرة المملكة على حماية حدودها والنظر إليها كـ”حارس حدود” لأوروبا، بل أصبحت تشمل أيضا الكيفية التي يريد أن ينظر بها إلى هذا الدور وإلى موقعه داخل معادلة تدبير الهجرة.

    وفي هذا السياق، اعتبر السوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن اللغة التي اعتمدها المغرب في هذه المرحلة تكشف أن الهجرة لم تعد تُطرح باعتبارها ملفا أمنيا فقط، بل أصبحت تحمل أبعادا دبلوماسية وسياسية.

    وأضاف الزين أن الرسائل التي وجهها المغرب لأوروبا، من قبيل التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة” تعكس رغبة المملكة في إعادة تعريف موقعها داخل هذا الملف، باعتبارها شريكا يساهم في صياغة قواعد التعاون، لا مجرد طرف يقتصر دوره على حماية الحدود الأوروبية.

    وحرصت الرباط على أن تضع حدا لصورة ظلت تتكرر في بعض النقاشات الأوروبية، والتي تقدم المغرب باعتباره مجرد خط دفاع متقدم عن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، لذلك أكدت أن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية ليس استجابة لضغوط خارجية، وإنما خيار سيادي تمليه المصالح الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة.

    وأصبحت المقاربة الدبلوماسية المغربية، تربط التعاون الدولي بشكل أوضح بمبدأ السيادة، فالمغرب يؤكد استمرار انخراطه في الجهود المشتركة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه في المقابل يشدد على أن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على الاعتراف المتبادل بالأدوار التي يؤديها كل طرف، وبالكلفة التي يتحملها في مواجهة ظاهرة عابرة للحدود.

    وفي الوقت نفسه، لم يتخل المغرب عن إبراز حجم المجهود الذي يبذله ميدانيا، مذكرا بإحباط عشرات الآلاف من محاولات الهجرة خلال العامين الأخيرين، وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية، وإنقاذ آلاف الأشخاص في عرض البحر.

    غير أن هذه الأرقام لم تُقدم فقط لإبراز النجاعة الأمنية، بل للتأكيد أن استقرار الواجهة الغربية للبحر الأبيض المتوسط هو نتيجة تعبئة بشرية وتقنية ومالية متواصلة، وليس معطى قائما بذاته.

    إعادة تعريف الشراكة مع أوروبا

    ومن بين أكثر العناصر دلالة في الموقف المغربي، الإصرار على مفهوم “المسؤولية المشتركة”، إذ تكررت هذه العبارة أكثر من مرة، بما يعكس رغبة المغرب في التأكيد أن الهجرة ليست مسؤولية دولة العبور وحدها، وإنما ظاهرة عابرة للحدود تتداخل فيها عوامل أمنية وقانونية واقتصادية وإنسانية.

    وفي هذا السياق، جاء موقف وزارة الداخلية الذي عرض الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية، بل أشارت أيضا إلى عوامل مرتبطة بالجانب الأوروبي، من بينها التأويلات التي صاحبت بعض القرارات القضائية الإسبانية، والتي ساهمت في ترسيخ اعتقاد لدى بعض المهاجرين بإمكانية تفادي الإعادة الفورية عبر سلوك مسارات معينة.

    من جانبه، اعتبر عبد الصادق حيدر، الخبير في قضايا الهجرة ومدير مركز إدماج المهاجرين، في تصريح لـ “AM+ MEDIA”، أن المغرب لم يعد يتعامل مع ملف الهجرة باعتباره مهمة أمنية يؤديها نيابة عن أوروبا، بل كقضية إقليمية تستدعي شراكة متكافئة تقوم على المسؤولية المشتركة.

    وأوضح حيدر أن الرسالة التي يحملها الخطاب الرسمي تتمثل في أن دور المملكة لا يقتصر على حماية الحدود، وإنما يمتد إلى المساهمة في بلورة مقاربة شاملة للهجرة تراعي الأبعاد الأمنية والتنموية والإنسانية.

    وأضاف أن التشديد على مفاهيم مثل “السيادة” و”الشراكة المتوازنة” يعكس توجها لإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا، بما يجعل المغرب شريكا في صياغة المقاربات وتدبير هذا الملف، وليس مجرد طرف يقتصر دوره على تنفيذها.

    ويلاحظ أيضا أن الموقف الرسمي تجنب لغة التصعيد أو المواجهة مع الشركاء الأوروبيين، إذ حافظ على التأكيد بأن التعاون مع إسبانيا يظل “نموذجيا”، لكنه في الوقت نفسه أعاد رسم الإطار السياسي لهذا التعاون، مشيرا إلى أنه توازن يعكس رغبة في الجمع بين استمرار التنسيق الميداني، وبين تثبيت خطاب دبلوماسي يؤكد أن التعاون لا يتعارض مع الدفاع عن السيادة الوطنية أو مع المطالبة بتقاسم الأعباء بشكل أكثر توازنا.

    ويأتي هذا التحول في وقت تعرف فيه أوروبا نقاشا متزايدا حول مستقبل سياسات الهجرة، وكيفية تقاسم أعباء تدبيرها مع دول الجوار.