لم يعد الحديث عن الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يستفيدون من أي تكوين “NEET” مرتبطا فقط بفرص الشغل أو الإدماج المهني، فخلف هذه الوضعية توجد أسئلة أخرى تتعلق بالفرص المتاحة، والثقة في المؤسسات، والتحولات التي يعرفها الاقتصاد، ومدى قدرة السياسات العمومية على مواكبة طموحات جيل جديد.
هذا النقاش كان محور المحطة الرابعة من مبادرة “Open Mic” التي أطلقتها منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، واختارت لها هذه المرة شعار “لنتجاوز الأحكام المسبقة”.
اللقاء، الذي احتضنته مراكش عشية اليوم الأربعاء، جمع رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة صلاح الدين عبقري، ومنسقة القيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري، وعضو القيادة الجماعية للحزب محمد المهدي بنسعيد، والمنسق الجهوي للمنظمة طارق حيدر، إلى جانب رئيس أكاديمية الحزب أحمد خشيشن، ووزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، وقيادات ومناضلين وفعاليات شبابية.
منذ البداية، لم يكن النقاش موجها فقط للبحث عن تعريف لظاهرة “NEET”، وإنما لفهم الأسباب التي جعلت جزءا من الشباب يجد نفسه خارج الدراسة والعمل والتكوين، ثم طرح سؤال أكثر حساسية: ماذا فعلت المؤسسات والسياسة لاستيعاب هذه الفئة؟
عبقري.. “الشباب ماشي ساخط الشباب محتاج الانصات”
صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، وضع اللقاء في سياق المبادرة التي أطلقتها المنظمة لفتح نقاش مباشر مع الشباب حول القضايا التي تشغلهم.
وقال عبقري إن هذه المحطة هي الرابعة ضمن مبادرة “Open Mic”، التي تريد المنظمة من خلالها المساهمة في التفكير الجماعي حول عدد من التحديات والظواهر الاجتماعية التي تمس الشباب.
واستحضر قرار المنظمة إطلاق هذه اللقاءات بعد أحداث سبتة المحتلة والبلاغ الذي صدر عن المنظمة، موضحا أن الفكرة كانت هي فتح نقاش مع الشباب والاستماع إلى ما يطرحونه بدل الاكتفاء بتشخيص وضعهم من بعيد.
ومن بين الأفكار التي شدد عليها أن الشباب لا يمكن اختزاله في صورة الشاب الساخط أو الذي لا يشعر بالانتماء، مؤكدا أن الشباب محتاج قبل كل شيء إلى من يسمعه ويفهم انتظاراته.
ويعتبر عبقري أن الاستماع لا يمكن أن يبقى منفصلا عن توفير الفرص، لأن الشباب الذي لا يجد مسارا واضحا أمامه في التعليم أو التكوين أو سوق الشغل قد يجد نفسه مع مرور الوقت في وضعية أكثر بعدا عن المؤسسات.

وأعطى رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة للموضوع بعدا اقتصاديا، معتبرا أن الشباب لم يعد فقط موضوعا اجتماعيا، بل أصبح مرتبطا بمستقبل الاقتصاد وبالسيادة المغربية، بالنظر إلى أهمية الرأسمال البشري في المرحلة المقبلة.
ولهذا، يقول عبقري إن المنظمة اختارت أن تفتح النقاش من خلال هذه المبادرة، ليس من أجل رفع الشعارات، وإنما من أجل البحث عن أجوبة.
وأشار أيضا إلى أن الانفتاح على هذا النوع من النقاشات بدأ منذ فبراير، من خلال اتفاقية جمعت منظمة الشباب بأكاديمية الحزب، في إطار محاولة إعطاء هذه المبادرات بعدا أكثر استمرارية.
وفي مداخلته، شدد على أن النقاش يجب أن يبقى منصبا على قضايا الشباب والمواطنين، وأن الحديث عنهم لا يمكن أن يعوض الاستماع المباشر إليهم.
المنصوري: شنو اللي خلا الشباب ما يتيقش فينا؟
واختارت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن تضع الحزب نفسه داخل دائرة الأسئلة التي يطرحها الشباب.
وقالت إن السنتين الماضيتين حملتا بالنسبة إليها لحظتين صعبتين جعلتاها تعيد التفكير في علاقة الشباب بالمؤسسات وبالسياسة.
الأولى كانت خروج الشباب إلى الشارع لمساءلة الحكومة، في إشارة إلى احتجاجات جيل “زيد”، إذ ترى المنصوري أن خروج الشباب للاحتجاج لا ينبغي أن يخيف الفاعل السياسي، لأن الاحتجاج في حد ذاته يمكن أن يكون تعبيرا عن مستوى من الممارسة الديمقراطية.
لكن السؤال الذي قالت إنها طرحته داخل الحزب كان واضحا، وهو “شنو اللي خلا الشباب ما يتيقش فينا؟، مؤكدة أنها طرحته على نفسها أيضا، خصوصا بعد تجربة عايشتها في الشمال، حيث شاهدت شبابا تتراوح أعمارهم بين 19 و25 سنة يهاجرون بطرق غير قانونية.
وقالت المنصوري إنها عاشت تلك اللحظة بالدموع، لأن المشهد جعلها تتساءل عن الأخطاء التي ارتكبها الفاعل السياسي.

وبحسب المنصوري، فإن الحزب يمثل جزءا من هذا المجتمع، ولذلك لا يمكن أن يكتفي بانتقاد الشباب أو تحميله مسؤولية الابتعاد، مشيرة إلى أن الشباب الذين يغادرون البلاد لا يحتاجون في مثل هذه اللحظات إلى من يشكرونه، بل إلى من يستمع إليهم ويبحث معهم عن أسباب الوضع الذي وصلوا إليه.
ومن هنا انتقلت إلى سؤال القطيعة بين الشباب والسياسة، وطرحت بدورها سؤالا حول المسؤولية عن تنامي مشاعر الرفض تجاه المؤسسات، مشددة على أن الحلول لا يمكن أن تفرض من فوق.
وقالت إن السياسيين لا يمكنهم أن يجلسوا في مواقعهم ويقرروا وحدهم ما الذي يحتاجه الشباب، لأن الحل يبدأ من الاستماع إليهم وفهم ما يريدونه وما الذي جعل العلاقة بينهم وبين المؤسسات تصل إلى هذه الدرجة من التوتر.
وتمنت المنصوري أن تخرج من اللقاء ببداية أجوبة يمكن أن تقود إلى حلول، وتسمح للحزب بالتفاعل بشكل أفضل مع المشاكل التي يعيشها الشباب.
بنسعيد: المغرب يتغير والسؤال هو من يستفيد من هذا التغيير؟
وانخرط محمد مهدي بنسعيد في النقاش من زاوية التحولات التي يعرفها المغرب، متوقفا عند مراكش، التي قال إنه لاحظ فيها تغيرا كبيرا خلال السنوات الماضية.
وقال إن المراكشي قد لا ينتبه دائما إلى حجم التغيير الذي تشهده المدينة بحكم وجوده فيها بشكل يومي، بينما يستطيع الشخص القادم من خارجها أن يلاحظ هذه التحولات بشكل أوضح.
لكن بنسعيد لم يتوقف عند حجم المشاريع أو التغير العمراني، بل طرح سؤالا استفادة المواطن من هذا التطور، معتبرا أن اختيار شعار “لنتجاوز الأحكام المسبقة” مهم، لأن شبابا لديهم طموحات وأحلام، لكنهم في المقابل ما زالوا يواجهون صعوبات في تحويل هذه الطموحات إلى واقع.
وتحدث في هذا السياق عن الذكاء الاصطناعي والتحولات التي يفرضها على سوق الشغل، فالذكاء الاصطناعي، حسب بنسعيد، قد يشكل خطرا على عدد من الوظائف، لكنه في المقابل سيفتح مجالات جديدة وفرصا أخرى.
وأشار عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة إلى أن الاقتصاد الدولي يتغير بسرعة، والمغرب بدوره يسير في اتجاه هذا التحول، لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحا هو كيف يمكن أن ينعكس هذا التطور على المواطن؟

وفي هذا السياق، شدد على أهمية تقوية المجتمع المدني، معتبرا أنه يمكن أن يلعب دورا في مواكبة الشباب ومساعدتهم على التعامل مع التحولات الاقتصادية والمهنية.
وربط ذلك أيضا بالحاجة إلى مواصلة العمل في مجال التطور المهني والذكاء الاصطناعي، حتى لا يجد الشباب أنفسهم أمام تحولات كبيرة من دون الأدوات التي تسمح لهم بالاستفادة منها.
وفي نهاية مداخلته، اعتبر بنسعيد أن الطريق ما زال يحتاج إلى مجهود أكبر، وأن “الحلم المغربي” يجب أن يكون من بين أهداف الحكومة المقبلة، معربا عن أمله في نجاح الحزب في الانتخابات المقبلة.
خشيشن: الفوارق المجالية حاضرة في النقاش
وتفاعل أحمد خشيشن، رئيس أكاديمية حزب الأصالة والمعاصرة، مع مداخلات الشباب، خصوصا تلك التي أثارت مسألة الفوارق المجالية واختلاف الفرص بين شباب المدن وشباب العالم القروي.
وأكد خشيشن أن هذه القضايا وما يطرحه الشباب من انتظارات ليست خارج النقاش الذي يشتغل عليه الحزب، مشيرا إلى أن خلاصات مثل هذه اللقاءات تدخل ضمن القضايا التي يأخذها الحزب بعين الاعتبار في إعداد برنامجه الحكومي.
وجاء هذا التفاعل بعد نقاش ركز فيه عدد من الشباب على تفاوت فرص الولوج إلى التعليم والتكوين والعمل، بحسب المجال الذي يعيش فيه الشاب، وما يترتب عن ذلك من اختلاف في المسارات والفرص المتاحة أمامه.

حيدر: الحزب ينزل إلى الميدان للاستماع
طارق حيدر، المنسق الجهوي لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة، قال إن اختيار هذا النوع من اللقاءات يدخل في إطار سياسة القرب، من خلال انتقال الحزب والمنظمة إلى فضاءات الشباب والاستماع بشكل مباشر إلى همومهم وانتظاراتهم.
وبدل الاكتفاء بمخاطبة الشباب من داخل المؤسسات، يقول حيدر، إن الحزب اختار أن ينزل إلى الميدان، في محاولة لفهم القضايا التي تشغل هذه الفئة.
واعتبر أن اللقاء يأتي في مرحلة وصفها بأنها من أقوى المراحل التي يعيشها الحزب، في وقت يحاول فيه التنظيم توسيع النقاش حول قضايا الشباب والاستماع إلى ما يطرحونه.

الشباب: نفس الطموح لكن فرص مختلفة
النقاش لم يبق محصورا في مداخلات القيادات الحزبية، إذ أخذ عدد من الشباب الكلمة لطرح تجاربهم وقراءتهم الخاصة لظاهرة “NEET”، خصوصا ما يتعلق بالفوارق بين الشباب في المدن ونظرائهم في العالم القروي.
وخلال النقاش، برزت فكرة أن الحديث عن الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يستفيدون من تكوين لا يمكن أن ينفصل عن السؤال حول الفرص المتاحة أمامهم.
فالشاب في مراكش، كما قال أحد المتدخلين الشباب، قد تكون لديه الطموحات نفسها التي يحملها شاب يعيش في منطقة قروية، لكن الطريق أمام كل واحد منهما ليست بالضرورة نفسها.
وارتبط النقاش أيضا بصعوبة الوصول إلى التكوين وفرص العمل، وبالفوارق في الإمكانيات والخدمات بين المجالات، حيث يمكن لبعد بعض المناطق عن مراكز التكوين أو فرص الشغل أن يجعل الانتقال من الطموح إلى الواقع أكثر صعوبة.

ومن خلال تدخلات الشباب، بدا أن الأحكام المسبقة حول هذه الفئة لا تفسر وحدها أسباب وجودها خارج الدراسة والعمل والتكوين، لأن المسار الذي يقود إلى هذه الوضعية قد يرتبط أيضا بالبيئة التي يعيش فيها الشاب والفرص التي يجدها أمامه.
وهذا ما جعل النقاش ينتقل من سؤال “لماذا لا يعمل هؤلاء الشباب؟” إلى سؤال آخر أكثر ارتباطا بالواقع: هل كانت لديهم أصلا فرص متكافئة للوصول إلى الدراسة والتكوين والعمل؟
في هذا السياق، جاءت مداخلة ناهد العمري، منسقة الحزب بإقليم مراكش، لتؤكد أن جزءا مهما من شباب “NEET” يوجد في العالم القروي، معتبرة أن شباب المدينة والقرية قد يتقاسمون الطموحات والأحلام نفسها، لكنهم لا يحصلون بالضرورة على الفرص نفسها.
الحبابي: ظاهرة “NEET” مسؤولية مشتركة
من جانبه، اعتبر حمادة الحبابي، عضو المكتب التنفيدي لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، أن ظاهرة “NEET” ليست جديدة، وأن المسؤولية عن استمرارها لا يمكن تحميلها لطرف واحد.
وأشار إلى أن الأسرة والمجتمع المدني والحكومة كلها تتحمل جزءا من المسؤولية في إنتاج الظروف التي يمكن أن تدفع الشباب إلى البقاء خارج الدراسة والعمل والتكوين.
وتوقف الحبابي عند التطور الذي يعرفه المغرب، قبل أن يطرح السؤال حول أثر هذا التطور على حياة الشباب، فالمشكلة، بحسبه، ليست فقط في وجود مشاريع أو نمو اقتصادي، وإنما في معرفة ما إذا كان هذا النمو يصل فعلا إلى الشباب ويغير شيئا في حياتهم اليومية.
من “NEET” إلى أزمة الثقة
اللقاء أظهر أن التعامل مع شباب NEET لا يمكن اختزاله في البحث عن وظيفة أو مقعد في مؤسسة للتكوين.
الوضعية مرتبطة أيضا بمسار طويل يبدأ من المدرسة، ويمر عبر التكوين وسوق الشغل، ويتقاطع مع الفوارق المجالية والاجتماعية، قبل أن يصل في بعض الحالات إلى سؤال الثقة في المؤسسات والسياسة.
ولهذا كان لافتا أن يتحول النقاش داخل لقاء شبابي حزبي إلى مراجعة للفاعل السياسي نفسه.
عبقري دعا إلى تجاوز الأحكام المسبقة والاستماع إلى الشباب، بينما ربط بنسعيد مستقبلهم بالتحولات الاقتصادية والذكاء الاصطناعي، وطرح سؤال استفادة المواطن من التطور الذي يعرفه المغرب.
أما المنصوري، فذهبت إلى سؤال العلاقة بين الشباب والسياسة، متوقفة عند أسباب فقدان الثقة، ومؤكدة أن مراجعة الأخطاء والاستماع إلى الشباب يجب أن يسبقا تقديم الحلول.

في المقابل، وضع حيدر اللقاء ضمن سياسة القرب، باعتبار أن الحديث عن الشباب لا يمكن أن يعوض الاستماع المباشر إليهم.


