الوسم: سياسات الشباب بالمغرب

  • ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    ربع قرن من الرؤية الملكية للشباب.. مسار متكامل من التكوين إلى المشاركة

    على امتداد أكثر من ربع قرن، اتسعت الرؤية الملكية لقضايا الأجيال الصاعدة، من سؤال الإدماج في مسلسل الإنتاج ومحاربة البطالة، إلى إصلاح التعليم والتكوين، وتشجيع المبادرة والمقاولة، ثم الانفتاح على التكنولوجيا ومهن المستقبل، وتوسيع مجالات الثقافة والرياضة والتطوع، وصولا إلى المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار.

    وفي ذكرى عيد الشباب، التي يحتفل بها المغاربة في 21 غشت من كل سنة، تسمح العودة إلى الخطب والرسائل الملكية، وربطها بالأوراش التي تبلورت على امتداد سنوات العهد الجديد، بقراءة مسار لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما تطور مع تغير حاجيات المجتمع والاقتصاد، فكلما برز تحد جديد أمام الشباب، اتسعت معه الإجابة، من الوظيفة إلى الكفاءة، ومن الكفاءة إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى الابتكار، ومن ذلك كله إلى المشاركة.

    وهكذا، فإن الخيط الناظم لهذا المسار، الذي حظي بعناية ملكية خاصة، لا يكمن في تعدد البرامج والمشاريع، بقدر ما يكمن في انتقال تدريجي من منطق توفير الفرصة للشباب إلى بناء الشروط التي تمكنه من صناعة الفرصة والمساهمة في صناعة المستقبل.

    حين كان السؤال هو إدماج الشباب في الإنتاج

    في السنوات الأولى للعهد الجديد، كان التشغيل في صلب الرؤية الملكية تجاه الشباب، باعتباره مدخلا للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ففي الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي في دجنبر 1999، دعا جلالة الملك محمد السادس إلى “إدماج الشباب وفي مقدمته الشباب المتعلم في مسلسل الإنتاج”، مع استثمار طاقاته ومؤهلاته وتحفيزه على الإبداع والابتكار والاعتماد على الذات.

    وبعد أسابيع، في يناير 2000، وضع جلالة الملك بطالة الشباب ضمن إطار أوسع، مؤكدا أن معالجتها لا تكتسي أبعادا اقتصادية فقط، وإنما لها أيضا أبعاد اجتماعية وثقافية.

    ثم جاء خطاب ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2000 ليمنح عيد الشباب نفسه معنى يتجاوز الاحتفال بالمناسبة، فقد قدم الملك الذكرى باعتبارها فرصة للالتقاء بـ”الأجيال الصاعدة والتواصل معها”، وإثارة القضايا والمشاكل التي تواجهها والبحث عن حلول ناجعة لها، حتى تنفتح على المجتمع وتندمج فيه بمواطنة إيجابية وفاعلة.

    التعليم يدخل قلب معادلة التشغيل

    مع مرور السنوات، أخذت العلاقة بين التعليم والتكوين والتشغيل مكانة أكبر في الخطاب الملكي؛ ففي خطاب عيد العرش لسنة 2009، ارتبط إصلاح التربية والتعليم والتكوين بتأهيل الموارد البشرية والبحث والابتكار وبناء اقتصاد المعرفة وتوفير الشغل المنتج للشباب.

    لكن محطة 20 غشت 2018 ستمنح هذا التحول صياغة أكثر وضوحا، ففي خطاب ثورة الملك والشعب، اعتبر الملك الشباب “الثروة الحقيقية للبلاد”، مؤكدا أنه لا يمكن مطالبة الشاب بأداء دوره “دون تمكينه من الفرص والمؤهلات اللازمة لذلك”.

    وفي الخطاب نفسه، انتقل التشخيص إلى جوهر العلاقة بين الشهادة وسوق العمل، بالتأكيد أنه “لا يمكن أن نقبل لنظامنا التعليمي أن يستمر في تخريج أفواج من العاطلين”، مع الدعوة إلى إعطاء الأولوية للتخصصات التي توفر الشغل، واعتماد التوجيه المبكر، وإعادة النظر في تخصصات التكوين المهني حتى تستجيب لحاجيات المقاولات والقطاع العام وتواكب التحولات التي تعرفها الصناعات والمهن.

    مدن المهن والكفاءات تجسد التحول

    لم يبق هذا التصور والتوجيهات الملكية في مستوى الخطاب، إذ انتقلت إلى ورش مؤسساتي مع خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني التي قدمت أمام جلالته سنة 2019، وكان مشروع مدن المهن والكفاءات أحد أبرز مكوناتها.

    ولم تكن الفكرة مجرد إحداث بنايات جديدة، بل بناء جيل جديد من مؤسسات التكوين، يقوم على المهارات التطبيقية، والانفتاح على المهن الجديدة، وربط التخصصات بحاجيات الاقتصاد والجهات.

    وفي خطاب 20 غشت 2019، أكد جلالة الملك أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب، وخاصة في القرى وضواحي المدن، للاندماج المنتج في سوق الشغل، قبل أن يلخص التحول في معنى المسار الدراسي بالقول: “فالحصول على الباكالوريا، وولوج الجامعة، ليس امتيازا، ولا يشكل سوى مرحلة في التعليم. وإنما الأهم هو الحصول على تكوين، يفتح آفاق الاندماج المهني، والاستقرار الاجتماعي”.

    وسيأخذ هذا التصور شكلا ملموسا مع تدشين الملك محمد السادس، في 30 ماي 2023، لمدينة المهن والكفاءات لجهة الرباط-سلا-القنيطرة بتمسنا، باعتبارها منشأة من جيل جديد، تستهدف توفير تكوينات مرتبطة بحاجيات سوق الشغل والقطاعات الواعدة.

    وبذلك، أصبحت مدن المهن والكفاءات ترجمة مباشرة لفكرة ظل الخطاب الملكي يؤكدها: قيمة التكوين لا تقاس فقط بالحصول على شهادة، وإنما بما يمنحه من قدرة على الاندماج والتطور المهني.

    ويرى ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، أن هذا التحول يعكس انتقالا في طريقة بناء السياسات الموجهة إلى الشباب، موضحا أن الرؤية لم تعد تتعامل معه باعتباره فقط فئة تحتاج إلى وظيفة، وإنما باعتباره طاقة بشرية تحتاج إلى بناء مسار كامل قبل الوصول إلى سوق الشغل، بما يجعل التكوين والمهارات والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية عناصر أساسية في عملية التمكين.

    من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرصة

    ولم تحصر الرؤية الملكية مستقبل الشباب في الوظيفة، ففي خطاب عيد العرش لسنة 2007، دعا جلالة الملك إلى دعم المبادرات الحرة وتشجيع وتحفيز الشباب على إحداث المقاولات الصغرى والمتوسطة، قبل أن تتجدد الدعوة في خطاب 2018 إلى خلق المقاولات ودعم التشغيل الذاتي والمقاولات الاجتماعية.

    وفي أكتوبر 2019، دخل التمويل بشكل مباشر في المعادلة، عندما وجه جلالة الملك الحكومة وبنك المغرب إلى التنسيق مع القطاع البنكي لوضع برنامج خاص لدعم الخريجين الشباب وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي، مع توفير المواكبة الضرورية.

    وفي امتداد لهذا التوجه، ظهرت خلال السنوات اللاحقة برامج لخلق فرص العمل وتعزيز قابلية التشغيل بهدف خلق مداخل مختلفة للإدماج.

    ويقول اصبويا في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” إن “تشجيع المبادرة والمقاولة يعكس انتقالا من تصور يجعل الشاب في موقع الباحث عن فرصة فقط، إلى تصور يمنحه أيضا إمكانية صناعة هذه الفرصة”، مضيفا “لكن هذا الانتقال لا ينجح بالتمويل وحده، لأن المشروع يحتاج إلى المواكبة والتأطير والولوج إلى السوق والقدرة على الاستمرار”.

    ويشير المتحدث عينه إلى أن “تمكين الشباب اقتصاديا ينبغي أن يقاس بقدرته على بناء استقلالية حقيقية، وإنتاج الدخل وخلق فرص أخرى، وليس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها”.

    من محاربة الهشاشة إلى بناء الاستقلالية

    وتقدم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مسارا آخر لفهم تطور موقع الشباب داخل السياسات العمومية، فمع المرحلة الثالثة، أصبح تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب محورا قائما بذاته، من خلال دعم ريادة الأعمال والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى جانب منصات الشباب التي تستقبل حاملي الأفكار وتوجههم وتواكب مشاريعهم.

    وهنا يتضح أن الشباب ليس كتلة واحدة تحتاج إلى الحل نفسه، فهناك من يحتاج إلى التكوين، ومن يحتاج إلى التوجيه، ومن يملك فكرة لكنه يحتاج إلى التمويل، ومن يحتاج إلى مواكبة تساعده على تحويل الفكرة إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

    الشباب ليس اقتصادا فقط

    في خطاب 20 غشت 2012، أكد جلالة الملك محمد السادس أن “قضايا الشباب لا تتعلق فقط بالمجال الخاص أو العائلي، أو بما هو مرتبط بالتربية والتكوين والتعليم، وإنما هي قضية المجتمع برمته”.

    وكانت هذه العبارة مؤشرا على اتساع المقاربة، لأن تمكين الشباب لا يقتصر على الدخل، وإنما يشمل أيضا الثقافة والرياضة والتطوع والفضاءات الشبابية والمشاركة الاجتماعية.

    وأصبحت السياسة الشبابية من هذه الزاوية تسأل أيضا عن قدرة الشاب على ممارسة الرياضة، واكتشاف مواهبه، والولوج إلى الثقافة، والمشاركة في العمل التطوعي، وبناء علاقات أكثر قوة مع المجتمع.

    وهكذا انتقل مفهوم التمكين من الإدماج الاقتصادي إلى بناء شخصية شابة أكثر حضورا وفاعلية داخل المجتمع.

    إعداد جيل لاقتصاد يتغير

    ومع التحول الرقمي، ظهر سؤال جديد: إذا كانت السياسات السابقة تستهدف إدماج الشباب في اقتصاد قائم، فكيف يمكن إعدادهم أيضا لاقتصاد تتغير مهنه بسرعة؟

    وتحدث الملك منذ سنة 2000 عن قدرة التطور السريع للتكنولوجيات الحديثة على فتح المجال أمام “قدرات شبابنا الخلاقة”، ومع مرور السنوات، تحول هذا الرهان من مجرد استعمال التكنولوجيا إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة.

    وتبرز صناعة الألعاب الإلكترونية نموذجا واضحا، ففي ماي 2026، ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن الرباط افتتاح الدورة الثالثة من معرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية “Morocco Gaming Expo 2026″، المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس.

    وأكدت البوابة الرسمية أن افتتاح المعرض من طرف ولي العهد يجسد العناية الملكية المتواصلة بالشباب وتكوينه وانفتاحه على التكنولوجيات الحديثة، بما يمكنه من الاندماج في اقتصاد المستقبل.

    كما أن دورة 2026، المنظمة تحت شعار “Talent Marocain”، ركزت على إبراز إبداع ومهارات الشباب المغربي وربط الفاعلين في القطاع بفرص الأعمال والتكوين والاستثمار.

    التنمية الترابية تدخل معادلة الشباب

    ولا يمكن أن يكتمل هذا المسار دون ربط الشباب بالمجال الذي يعيش فيه، ففي خطاب 2025، برز رهان ملكي على جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يقوم على وتيرة أسرع وأثر أقوى، وعلى اعتماد معطيات ميدانية دقيقة واستعمال التكنولوجيات الرقمية، مع إقامة علاقات أكثر تكاملا بين المجالات الحضرية والقروية.

    وتهم هذه الرؤية الشباب بصورة مباشرة، لأن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا كان المجال الذي يعيش فيه الشاب لا يوفر فرصا اقتصادية وتكوينية وثقافية كافية.

    ومن هنا يلتقي رهان الشباب مع رهان التنمية الترابية، فكلما أصبح المجال قادرا على إنتاج الفرص، أصبح نجاح الشاب أقل ارتباطا بضرورة مغادرة مدينته أو قريته.

    الشباب يقترب من مربع السياسة

    وصلت دائرة التمكين إلى المجال السياسي، حيث لم يعد الشباب في “العهد الجديد” مجرد مستفيد من السياسات العمومية، وإنما أصبح طرفا في إنتاجها وصناعة القرار بشأنها.

    وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2017 أن تأهيل الشباب المغربي وانخراطه الإيجابي والفعال في الحياة الوطنية يعد من أهم التحديات التي ينبغي رفعها، مع التأكيد أن الشباب، الذي يمثل أكثر من ثلث السكان، يجب اعتباره محركا للتنمية وليس عائقا أمامها.

    وقبل ذلك، ربط جلالة الملك، في خطاب 20 غشت 2011، ربط الدينامية الخلاقة للشباب بمواصلة حمل مشعل بناء المغرب، وبالمواطنة والمشاركة في رفع تحديات البلاد.

    وفي أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يكتسب دعم حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة معنى يتجاوز مجرد تجديد النخب، فالمسار الذي بدأ من المدرسة والتكوين، ثم انتقل إلى الشغل والمبادرة والابتكار، يطرح في نهايته سؤال امتلاك الشباب موقعا في صناعة القرار الذي يرسم مستقبل البلاد.

    ويقول ياسين اصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، إن “دعم مشاركة الشباب في انتخابات 2026 يكتسب أهميته لأنه ينقل مفهوم التمكين من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال السياسي، لكن التحدي لا يكمن فقط في وصول الشباب إلى المؤسسات، وإنما في أن يتحول حضورهم إلى مشاركة مؤثرة في صناعة السياسات والقرارات”.

    وأضاف أن “التمثيلية لا تكتمل بمجرد وجود شاب داخل لائحة انتخابية، وإنما عندما يصبح الشباب جزءا من عملية إنتاج القرار نفسها، وتصبح الأحزاب والمؤسسات أكثر انفتاحا على الأجيال الجديدة وقدرة على بناء الثقة معها”.

    من “الثروة الحقيقية” إلى الجيل الذي يصنع المستقبل

    وعند جمع هذه المحطات، لا تظهر أمامنا برامج متفرقة بقدر ما يظهر مسار تطور في مفهوم الشباب نفسه، ففي البداية، كان السؤال هو البطالة وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج، ثم أصبح السؤال مرتبطا بجودة التعليم والتكوين وملاءمتهما مع حاجيات الاقتصاد، وبعدها توسع الرهان إلى المقاولة والتمويل والإدماج الاقتصادي، ثم إلى الثقافة والرياضة والتطوع والتكنولوجيا ومهن المستقبل، قبل أن يصل إلى المشاركة في الحياة العامة.

    ويأتي خطاب عيد العرش لسنة 2023 ليمنح هذه الرؤية بعدا آخر، عندما قال الملك محمد السادس: “فالشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم”، مستحضرا الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022.

    ومن هنا يمكن قراءة أكثر من ربع قرن من التوجيهات الملكية في عيد الشباب في أن الرهان لم يعد فقط على ما يمكن أن تقدمه الدولة للشباب، وإنما على بناء الشروط التي تمكن الشباب من تقديم ما لديهم للمغرب.

    وفي ذكرى عيد الشباب، تبدو هذه المحطات حلقات داخل تصور أوسع يجعل من الأجيال الصاعدة جزءا من مشروع المغرب الصاعد، فالمغرب الذي يراهن على موقع متقدم في الاقتصاد والتكنولوجيا والرياضة والتنمية لا يحتاج فقط إلى شباب يبحث عن مكان له داخله، وإنما إلى جيل يمتلك الكفاءة، ويصنع الفرصة، ويشارك في القرار، ويجد في بلده المجال الذي يسمح له بتحويل طموحه إلى إنجاز.

  • المهدي فقير: التدرج المهني مدخل لامتصاص بطالة الشباب

    المهدي فقير: التدرج المهني مدخل لامتصاص بطالة الشباب

    يشكل تقييم أداء سوق الشغل محطة أساسية لفهم أثر السياسات العمومية على الاقتصاد والمجتمع، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

    وتبرز الحاجة إلى قراءة اقتصادية للمؤشرات المتعلقة بإحداث فرص الشغل، وبرامج الإدماج والتكوين، والإصلاحات المرتبطة بالاستثمار ملحة لتضع هذه المعطيات في سياقها العام.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي، المهدي فقير، قراءة في واقع سوق الشغل بالمغرب، ويحلل دلالات أرقام حصيلة الوزارة الوصية، كما يتوقف عند حدود السياسات العمومية في هذا المجال، ويبرز أهمية التكوين المهني والتدرج المهني باعتبارهما من أبرز المداخل لتعزيز قابلية إدماج الشباب في سوق العمل.

    غير أنه يؤكد أن تقييم هذه الحصيلة يقتضي التمييز بين الظرفية الاستثنائية التي انطلقت منها الولاية وبين الاختلالات البنيوية التي كانت وما تزال تطبع سوق الشغل المغربي، وفي مقدمتها ضعف التوازن بين العرض والطلب، وإشكالية ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد، واستمرار بطالة الشباب.

    وضعية سوق الشغل بالمغرب كانت دائما مطبوعة بالهاجس المتعلق بالبطالة، ويجب أن نعترف أن سنة 2020 كانت سنة كارثية، بحكم جائحة كورونا وتلتها فترة جفاف قاسية استمرت لحوالي 6 سنوات، وهذا أثر بشكل كبير على استيعاب وامتصاص البطالة.

    بالتالي، ليس دفاعا عن الحكومة، لكن أعتقد أن تركيبة سوق الشغل لم تختلف كثيرا، ومع الأسف كل الجهود لم تمكن من إعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل.

    إلى أي حد أثرت التحولات الاقتصادية العالمية على فرص إدماج الشباب في سوق الشغل بالمغرب؟

    هناك تكوينات قابلة للإدماج، ولكن ما يزال هناك تكوينات غير قابلة، إضافة إلى أن هناك إشكالية ثقافية في تأهيل الشباب من أجل ولوج سوق الشغل، وهذا شيء مهم جدا، ونحن أمام ظاهرة شباب “NEET” التي تؤثر بشكل كبير على قابلية الشباب للدخول لسوق الشغل.

    بالتالي، فالكوارث التي وقعت على الصعيد الدولي كان لها تداعيات، والتضخم العالمي كان عاملا مؤثرا بدرجة كبيرة، والمغرب لن يشكل الاستثناء بالنسبة للعديد من الدول العالمية التي عانت الأمرين والشيء الكثير جراء هذه الأوضاع.

    إحداث 851 ألف فرصة عمل يبقى رقما حسابيا ورد في حصيلة الحكومة، لكن يجب أن نوضح ماذا نقصد؟ إذا كانت فرص شغل قارة ودائمة فهذا ما يسمى فرصة شغل، ولكن إذا كانت عرضية ومؤقتة وليست دائمة فلا يمكن اعتبارها خلقا لفرص الشغل.

    واليوم، هناك نقاش حول ماهية الإحصائيات المتعلقة بالتشغيل، وما نقصده بفرصة شغل، والإدماج المهني، لكننا في المغرب ما زلنا قاصرين على خلق سياسات إدماجية، ونحتاج دائما تدخل الحكومة هنا وهناك من أجل خلق فرص الإدماج.

    لكن هذا التدخل ليس أمرا سلبيا، فهذه التوليفة معترف بها ومعتمدة على الصعيد الدولي، وهي ما يسمى “FIRST JOB ACT” ومعتمدة في أمريكا وفرنسا، والمغرب بإمكانه الإبقاء على هذه التحفيزات لكن يجب إعادة النظر في النموذج الاقتصادي حتى يكون نموذجا دامجا وخالقا لفرص الشغل.

    تجربة المكتب الوطني للتكوين المهني كانت سباقة في هذا الباب واستجابت لحاجيات السوق وقابلية الإدماج، لأن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل كان الركيزة والمعيار والبديل لخلق فرص الإدماج عن طريق التكوين المهني، وبالتالي فالفلسفة التي أحدث من أجلها مدن الكفاءات، في بدايتها مدعمة بأجيال جديدة من المعاهد ومؤسسات التكوين فلسفتها أحدثت من أجلها هي الإدماج انطلاقا من حاجيات سوق الشغل.

    كما أن التدرج المهني اليوم هو أهم خيار وأفضل بديل من أجل امتصاص بطالة الشباب لأنه يتيح تكوينات مواتية لروح ومتطلبات العصر، وتمكن أيضا من دعم التكوين المستمر الذي هو آلية هامة للحفاظ على استقرار وفرص الشغل، وهي مسألة مهمة وتعد أحد الحلول.

    لكن يجب الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي أن تكون هناك مقاربة شاملة تتماهى مع منظومة التكوين الأكاديمي وكذلك النموذج الاقتصادي، الذي يجب أن يكون دامجا وخالقا للثروة وفرص الاندماج المهني على المديين المتوسط والطويل.

  • ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    ظاهرة “NEET” في المغرب.. واقع الشباب ورهانات الإدماج

    تتجاوز ظاهرة شباب “NEET” في المغرب مسألة البطالة، لتكشف عن مسارات مترابطة من الانقطاع عن التعليم والتكوين والعمل، قد تدفع جزءا من الشباب إلى وضعيات ممتدة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

    وتتداخل في تشكيل هذه الوضعية عوامل متعددة، من بينها الهدر المدرسي، وصعوبة الانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، وعدم استقرار المسارات المهنية، إلى جانب تفاوتات مجالية واجتماعية وجندرية.

    وأمام هذه الوضعية، اتجهت السياسات العمومية نحو تنويع آليات التدخل للحد من الظاهرة، غير أن الرهان لا يرتبط بتوفير برامج جديدة فحسب، بل بمدى قدرتها على معالجة أسباب الانقطاع ومواكبة الشباب عبر مسار متصل، يتيح لهم العودة إلى التعليم أو التكوين والولوج إلى سوق الشغل، وصولا إلى تحقيق استقرار مهني واجتماعي مستدام.

    شباب NEET.. فئة خارج التعليم والتكوين والشغل

    رغم الجهود التي يبذلها المغرب للحد من البطالة ومحاربة الهدر المدرسي، ما تزال فئة من الشباب تعيش خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وهي الفئة المعروفة دوليا بمصطلح “NEET” (Not in Employment, Education or Training).

    ويُعرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه الصادر سنة 2023، شباب NEET بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، الذين لا يشتغلون، ولا يتابعون الدراسة، ولا يستفيدون من أي تكوين، مما يجعلهم خارج المدرسة وخارج سوق الشغل وخارج مسارات التكوين.

    ويشير المجلس إلى أن هذه الفئة تعد من أكثر الفئات هشاشة، بالنظر إلى ما يترتب عن هذا الوضع من مخاطر الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي.

    وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أنه خلال سنة 2022 كان واحد من كل أربعة شباب مغاربة، تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، في وضعية “NEET”، أي ما يقارب 1.5 مليون شاب وشابة، وهو ما جعل الظاهرة تتحول إلى إحدى القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تستدعي تدخلا.

    غير أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكد أن توسيع قاعدة الفئة السنية لشباب “NEET” من 15 إلى 34 سنة تنقل رقم هذه الفئة إلى 4.3 ملايين لا ينتمون إلى فئة التلاميذ أو الطلبة أو المتدربين في التكوين المهني، ويوجدون في وضعية بطالة أو خارج الساكنة النشيطة، أي لا يبحثون عن الشغل لسبب من الأسباب.

    وفي آخر إحصائيات صادرة في أكتوبر من العام الماضي، كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة هم في وضعية شباب “NEET” سنة 2023، وتشـكل النسـاء أكثـر مـن 72 بالمئة مـن مجمـوع هـذه الفئـة، كمــا أن احتمــال وجودهــن ضمن هذه الفئة يفــوق بثــاث مــرات تقريبــا احتمــال الرجــال.

    ولا تنظر الدراسات إلى هذه الفئة باعتبارها متجانسة، فقد خلصت الدراسة النوعية التي أجراها المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2020 إلى وجود خمس مجموعات رئيسية داخل هذه الفئة، تشمل ربات البيوت المنحدرات من الوسط القروي، والشباب المنحدر من الوسط الحضري الذي يعيش الإحباط والتهميش، ما يجعلهم عرضة بشكل كبير للانحراف والسلوكات الإدمانية، فضلا عن شباب يميلون إلى تغيير وظائفهم بشكل متكرر مما يقودهم إلى الدخول في فترات بطالة قصيرة الأمد.

    كما تضم الفئة شبابا اختاروا التوقف عن العمل أو الدراسة بإرادتهم، وعادة ما تكون دوافعهم مرتبطة بعدم وجود الحاجة للعمل بعد التخرج، خاصة بالنسبة للنساء، أو برغبتهم في البحث عن آفاق جديدة لا ترتبط بالضرورة بمهنة محددة، إضافة إلى شباب يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات تحول دون اندماجهم في الدراسة أو سوق الشغل.

    وتشكل النساء النسبة الأكبر ضمن شباب “NEET”، وهو ما يعكس استمرار العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من اندماجهن في التعليم والتكوين وسوق الشغل.

    ويوضح ياسين إيصبويا، الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، في هذا السياق، أن ارتفاع نسبة النساء ضمن فئة “NEET” لا يرتبط بالبطالة فقط، بل تتداخل فيه عوامل اجتماعية وأسرية ومجالية، كما أن نسبة مهمة منهن تُصنّف ضمن فئة “غير النشيطات” وليس ضمن الباحثات عن عمل، وهو ما يجعلهن أقل استفادة من برامج التشغيل التقليدية.

    إيصبويا أبرز أن الشابات يحتجن إلى سياسات أكثر استهدافا، ليس بعزل قضاياهن عن باقي السياسات، وإنما بإزالة العوائق التي تحول دون استفادتهن منها، من خلال توفير خدمات حضانة ميسرة، وضمان النقل الآمن، خاصة في الوسط القروي، وإتاحة تكوينات مرنة وقريبة من أماكن السكن، إلى جانب دعم المقاولات النسائية والتعاونيات، وإدراج مؤشرات خاصة بقياس إدماج الشابات ضمن البرامج الحكومية.

    كيف تتشكل ظاهرة “NEET“؟

    يُؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالبطالة، وإنما هي نتيجة مسار متراكم من الانقطاعات التي تبدأ في سن مبكرة وتمتد إلى مرحلة الاندماج المهني.

    ويتمثل الانقطاع الأول في الهدر المدرسي، إذ يغادر نحو 331 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا، خاصة خلال الانتقال من التعليم الإعدادي إلى الثانوي، بسبب الرسوب، وصعوبة الولوج إلى المؤسسات التعليمية، لاسيما في الوسط القروي، وضعف العرض في مجال التكوين المهني، فضلا عن عوامل اجتماعية وثقافية، مثل الفقر، وتشغيل الأطفال، وزواج القاصرات، والإعاقة.

    أما الانقطاع الثاني، فيتعلق بالانتقال من الدراسة إلى سوق الشغل، حيث يصطدم الشباب الباحث عن أول فرصة عمل بعدم ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل، وضعف خدمات الوساطة في التشغيل، وهو ما يجعل ستة من أصل عشرة عاطلين من الشباب يواجهون صعوبات كبيرة في ولوج سوق العمل، بينما تظل النساء الأكثر عرضة للبقاء في وضعية “NEET” نتيجة عوامل اجتماعية وأسرية إضافية.

    ويتمثل الانقطاع الثالث في عدم استقرار المسار المهني، إذ يفقد عدد من الشباب وظائفهم أو يغادرونها بحثا عن ظروف عمل أفضل، في ظل ضعف الأجور، وعدم احترام شروط العمل اللائق، مما يؤدي إلى عودتهم مجددا إلى دائرة البطالة.

    وتبرز هذه الانقطاعات أن إدماج شباب “NEET” لا يقتصر على توفير فرص الشغل، بل يطرح تحديات مرتبطة بفعالية السياسات العمومية وقدرتها على مواكبة هذه الفئة في مختلف مراحل الإدماج.

    وفي هذا الصدد، أشارت كريمة غانم، خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي، في تصريح خصّت به جريدة “AM+ MEDIA”، إلى أن مكامن الخلل تتمثل في ثلاثة مستويات أساسية.

    أولها، حسب غانم، غياب منظومة فعالة للإنذار المبكر تربط المدرسة بالأسرة والمجتمع المدني وجمعيات أمهات وآباء التلاميذ، إذ تسبق الهدر المدرسي مؤشرات مثل التعثر والغياب وفقدان الدافعية، يمكن رصدها والتدخل بشأنها مبكرا.

    غير أن ضعف التنسيق يجعل تدخلات مختلف الأطراف متفرقة، فتتدخل المدرسة بعد وقوع الانقطاع، بينما تظل الأسر محدودة القدرة على المواكبة، وتبقى مبادرات المجتمع المدني محدودة الارتباط بالمنظومة العمومية، تؤكد المصرحة ذاتها.

    فيما يتعلق المستوى الثاني باستمرار منطق التدخل القطاعي والمجزأ، مما يجعل الشاب الذي يغادر المدرسة عرضة للوقوع في فراغ مؤسساتي، دون أن يجد مسارا بديلا واضحا ومهيكلا.

    أما المستوى الثالث، فتوضح خبيرة في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب وقضايا النوع الاجتماعي أنه يرتبط بضعف معالجة الأبعاد الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالظاهرة، فمع كون النساء يمثلن النسبة الأكبر من شباب “NEET”، فإن الإشكال يتجاوز غياب فرص التشغيل ليشمل عوائق مرتبطة بالتمثلات الاجتماعية حول أدوار المرأة، إلى جانب محدودية بنيات الرعاية الاجتماعية التي تمكن الشابات من التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمسار المهني، وهي تحديات لا يمكن لبرنامج تشغيل بمفرده معالجتها.

    وتخلص غانم إلى أن الرهان لا يكمن في إطلاق المزيد من البرامج بقدر ما يتمثل في بناء منظومة إدماج مندمجة تضع الشاب في صلبها، وتنسق بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية ضمن مسار واحد ومتصل، بما يحول دون سقوط الشباب في الفجوات الناتجة عن ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين.

    كيف تراهن الحكومة على إدماج شباب “NEET“؟

    اتجهت الحكومة الحالية إلى اعتماد مقاربة متعددة القطاعات لإعادة إدماج شباب “NEET”، تقوم على التدخل في مختلف مراحل مسارهم، بدءا من الحد من الهدر المدرسي، مرورا بالتأهيل والتكوين، وصولا إلى تسهيل الولوج إلى سوق الشغل، بانخراط عدة قطاعات حكومية.

    وقامت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتعزيز مدارس الفرصة الثانية – الجيل الجديد، التي تستهدف الشباب المنقطعين عن الدراسة، إذ توفر التأهيل التربوي والتكوين المهني والمواكبة قصد الإدماج الاجتماعي والمهني.

    وعززت الوزارة هذا البرنامج سنة 2025 عبر توقيع اتفاقيات مع 22 جمعية لتدبير مراكز جديدة لفائدة 1760 مستفيداً.

    وانخرط المغرب أيضا في مشروع “Youth NEET”، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية، بهدف تطوير نموذج الفرصة الثانية، وتحسين قابلية تشغيل الشباب وتعزيز التنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين.

    ومن جهتها، أطلقت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات برنامج “تدرج”، الذي يعتمد على التكوين داخل المقاولة لفائدة الشباب غير الحاصلين على شهادات، بهدف تمكينهم من اكتساب مهارات عملية تتلاءم مع حاجيات سوق الشغل، إلى جانب برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات” الذي وسع لأول مرة برامج الإدماج لتشمل هذه الفئة، بعدما كانت موجهة أساسا لحاملي الشهادات.

    أما وزارة الشباب والثقافة والتواصل، فقد ركزت على تنمية المهارات وتعزيز الإدماج الاجتماعي من خلال برنامج “جواز الشباب”، الذي يتيح للشباب الولوج إلى خدمات وفرص في مجالات التكوين والثقافة والتنقل والتشغيل، إضافة إلى البرنامج الوطني للتطوع “متطوع”، الذي يهدف إلى تطوير المهارات الحياتية وتعزيز المشاركة المواطنة، بما يرفع من قابلية الشباب للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    وتمثل هذه البرامج تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني أساسا بالشهادة. فجزء كبير من شباب “NEET” غير حاصل على مؤهلات رسمية أو غادر الدراسة مبكرا وبالتالي كان خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    وفي تعليقه على هذه البرامج، يرى الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، أنها تمثل تحولا مهما لأنها بدأت تتجاوز المقاربة التقليدية التي كانت تربط الإدماج المهني بالحصول على شهادة، في حين أن جزءا كبيرا من شباب “NEET” غادروا الدراسة مبكرا أو لا يتوفرون على مؤهلات تعليمية، مما جعلهم خارج دائرة الاستفادة من عدد من برامج التشغيل السابقة.

    ويضيف أن برنامج “تدرج” يقوم على الربط بين التكوين النظري والتعلم داخل المقاولة، بما يسمح للشباب باكتساب كفاءات مهنية من خلال الممارسة، وليس فقط عبر الشهادات. ويبرز في هذا السياق أن وزارة الشباب أطلقت لقاءات جهوية لتنزيل البرنامج في إطار شراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي ووزارة الاقتصاد والمالية، فيما أعلنت الحكومة أن نظام التدرج المهني وفر خلال شهري غشت وشتنبر 2025 نحو 39 ألف فرصة عمل لدى 12 ألف مقاولة.

    أما برنامج “إدماج غير الحاصلين على شهادات”، فيعتبره الباحث خطوة مهمة لأنه يتيح لهذه الفئة اكتساب أول تجربة مهنية داخل المقاولة في إطار مواكبة مهيكلة، وهو ما يعكس اعترافا بأن غياب الشهادة لا يعني غياب الكفاءة أو القدرة على التعلم.

    ويؤكد المتحدث أن مبادرات وزارة الشباب تكتسي بدورها أهمية خاصة، بالنظر إلى القرب الترابي والاجتماعي الذي تتمتع به دور الشباب والمؤسسات التابعة للقطاع، وهو ما يؤهلها للانتقال من مجرد فضاءات للأنشطة التربوية والترفيهية إلى منصات للتوجيه والتكوين الرقمي والمقاولاتية وربط الشباب بفرص التشغيل.

    ويبرز أن برامج الوزارة برسم سنة 2026 تتجه نحو تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي عبر التكوين، والتشغيل الذاتي، والمقاولاتية، إلى جانب تشجيع المشاركة المواطنة والعمل التطوعي.

    وخلص المتحدث إلى أن نجاح هذه المبادرات، لا يقاس بحجم المستفيدين أو عدد الدورات التكوينية المنجزة، بقدر ما يقاس بقدرتها على إحداث أثر فعلي ومستدام في حياة الشباب، من خلال انتقالهم إلى فرص شغل مستقرة وتحسن أوضاعهم الاجتماعية والمهنية بعد أشهر أو سنة من انتهاء الاستفادة

    ومن جهتها، أفادت كريمة غانم أن نجاح هذه البرامج لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المستفيدين أو الدورات التكوينية المنجزة، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق إدماج مستدام، فالمؤشر الحقيقي، وفقها، يتمثل في قدرة المستفيد على الحصول على عمل لائق، أو مواصلة مسار تكويني تراكمي، أو إنشاء مشروع قابل للاستمرار بعد انتهاء البرنامج.

    وشددت غانم على أهمية تقييم جودة فرص الشغل، ومستوى الاستقرار المهني، ومدى توافق الوظائف مع مؤهلات الشباب وتطلعاتهم، مشيرة إلى أن 14 بالمئة فقط من الباحثين عن شغل المسجلين حديثا لدى أنابيك يستفيدون فعليا من خدماتها، وهو ما دفع الحكومة إلى إطلاق إصلاح شامل للوكالة.

    وتطرح هذه المعطيات، بحسب المتحدثة، سؤالا أكبر حول وضعية شباب “NEET” الذين لا يصلون أصلا إلى خدمات التسجيل.

    دور المجتمع المدني

    يساهم المجتمع المدني في نجاح برامج إدماج شباب “NEET” على تدخل القطاعات الحكومية، بل يظل رهينا أيضا بانخراط مختلف الفاعلين، باعتباره شريكا أساسيا في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة ومواكبتها نحو مسارات التكوين والإدماج.

    وفي هذا السياق، أكد ياسين إيصبويا أن المجتمع المدني يمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى الشباب في أماكن وجودهم وبناء الثقة معهم، خاصة أولئك الذين لا يسجلون في الوكالات العمومية أو لا يعتبرون أنفسهم مؤهلين للاستفادة من البرامج.

    وأضاف أن الجمعيات المحلية يمكن أن تضطلع بأدوار الرصد الميداني، والتوجيه، وتنمية المهارات، وربط الشباب بمؤسسات التكوين والتشغيل، باعتبارها تمثل الجسر الذي ينقلهم من العزلة والإحباط إلى الاستفادة الفعلية من البرامج.

    لكن حتى ينجح هذا الدور ينبغي الانتقال من شراكات ظرفية قائمة على تنظيم أنشطة متفرقة إلى تعاقدات ترابية متعددة السنوات تحدد الفئات المستهدفة والنتائج المنتظرة وآليات التتبع، كما ينبغي تمكين الجمعيات المعتمدة مع احترام حماية المعطيات الشخصية من المساهمة في بناء قواعد بيانات ترابية محدثة حول الشباب المنقطعين أو غير النشطين، وفق المتحدث عينه.

    تحديات التنزيل الفعلي

    تعكس المؤشرات الأخيرة بداية تحسن في وضعية شباب “NEET”، إذ انخفضت نسبتهم من 24.4 سنة 2024 إلى 23.2 سنة 2025، أي بتراجع بلغ 1.2 نقطة مئوية، وهو ما يعادل نحو 1.375 مليون شاب وشابة، لتسجل البرامج الجديدة أولى نتائجها، خاصة بعد توسيع الاستفادة لتشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات، في محاولة لتجاوز محدودية المقاربات السابقة.

    ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التحديات ما تزال قائمة، بالنظر إلى استمرار الهدر المدرسي، وارتفاع نسبة البطالة، وضعف الملاءمة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، فضلا عن استمرار الفوارق المجالية والنوعية، خصوصا بالنسبة للنساء وسكان العالم القروي.

    لذلك، ترى كريمة غانم أن تعدد المبادرات والجهود لا يمنعنا من تسليط الضوء على تحديات هيكلية تحد من فعاليتها، في مقدمتها استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة، وإشكاليات تتعلق بالتنسيق الناجع بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    وأضافت غانم، في تصريحها، أن تعدد المبادرات والجهود لا يلغي استمرار تحديات هيكلية، في مقدمتها معدلات الهدر المدرسي، وإشكالية التنسيق بين قطاعات التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى محدودية فرص الشغل اللائق، خاصة في بعض الجهات.

    كما تبرز، وفق المتحدثة، أهمية البعد المرتبط بالنوع الاجتماعي، إذ تشير معطيات التقرير المشترك للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي إلى أن 72 بالمئة من شباب “NEET” في المغرب هم من الإناث، وأن 82 بالمئة من هؤلاء يُصنَّفن ربات بيوت.

    ولا يعكس هذا المعطى مجرد تفاوت إحصائي، بل يكشف عن عوائق هيكلية مرتبطة بصعوبة التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والحياة المهنية، واستمرار أنماط ثقافية تحد من المشاركة الاقتصادية للنساء.

    ومن جهته، أشار ياسين إيصبويا، إلى أنه ينبغي قراءة هذا التراجع بنوع من الحذر، فهو مؤشر إيجابي لكنه لا يعني أننا تجاوزنا الطابع البنيوي للظاهرة. فبحسب دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل شباب “NEET” من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة من 35 بالمئة سنة 2017 إلى 33.6 بالمئة سنة 2023، لكنه ارتفع قليلا مقارنة بسنة 2022 التي سجلت 33 بالمئة. وهذا يعني أن جزءا من التحسن ارتبط باستعادة النشاط الاقتصادي بعد الجائحة بينما بقي المعدل شبه مستقر في السنوات الأخيرة. 

    وفي هذا السياق، يوصي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمقاربة دامجة لمعالجة ظاهرة شباب “NEET” وتسريع إدماجهم الاجتماعي والاقتصادي، تقوم على تعزيز رصد وتتبع أوضاعهم والفئات الهشة من الشباب، واعتماد تدابير وقائية تحول دون وقوعهم في وضعية “NEET”، إلى جانب إرساء منظومة موسعة للاستقبال والتوجيه تراعي اختلاف وضعياتهم.

    كما دعا المجلس إلى الارتقاء بخدمات وبرامج الإدماج من حيث العرض والجودة والفعالية، وتعزيز حكامة هذه البرامج عبر تحقيق التقائية وتكامل التدخلات وضمان التنسيق المستمر بين مختلف الفاعلين المعنيين.

     إدماج شباب NEET.. أولويات السياسات العمومية المقبلة

    وأمام استمرار هذه التحديات، يبرز السؤال حول الأولويات التي ينبغي أن توجه السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى مسارات إدماج أكثر استدامة، تراعي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، فضلا عن الاختلافات المجالية والاجتماعية داخل فئة شباب NEET.

    وفي هذا الإطار، أكدت كريمة غانم أن المرحلة المقبلة تتطلب نقلة نوعية من منطق البرامج المتفرقة إلى سياسة عمومية مندمجة واستشرافية تضع الشباب في صلب التنمية وتستحضر التحولات التكنولوجية.

    وحددت في هذا السياق خمس أولويات مترابطة، تبدأ بإعادة هندسة منظومة التعليم والتكوين بما يواكب اقتصاد المعرفة، من خلال الحد من الهدر المدرسي، وتعزيز الكفايات الرقمية والمهارات الناعمة، وتحديث التكوين المهني بما يستجيب لحاجيات القطاعات الواعدة، كصناعة السيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي.

    وتتمثل الأولوية الثانية في بناء جسور بين التحول الرقمي وإدماج شباب “NEET”، عبر تطوير كفايات رقمية قابلة للتوظيف وضمان وصولها إلى الوسط القروي والمناطق الهشة.

    أما ثالث الأولويات فتتمثل في معالجة البعد الجندري بشكل هيكلي، من خلال معالجة عوائق الرعاية الاجتماعية والحضانة ومرونة ظروف العمل، فيما تتعلق الأولوية الرابعة باعتماد مقاربة ترابية مُكيَّفة لأن التفاوتات بين الجهات تفرض سياسات محلية تراعي النسيج الاقتصادي والاجتماعي لكل جهة، بدلاً من سياسة وطنية موحدة.

    وأضافت غانم، أن الأولوية الخامسة تتجلى في ضرورة بناء منظومة استشرافية لتتبع المستفيدين وقياس أثر البرامج، مؤكدة أن الهدف لا ينبغي أن يكون مجرد إدماج مؤقت يحسن المؤشرات، بل بناء مسارات مهنية واجتماعية مستدامة.

    أما الباحث في قضايا الشباب والمجتمع المدني، ياسين إيصبويا، فيضع البعد الترابي في صلب الأولويات، معتبرا أن البداية يجب أن تكون من الوقاية من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” عبر الحد من الهدر المدرسي، إذ شدد على ضرورة الحذر من إنتاج أفواج جديدة من شباب “NEET” من خلال الحد من الهدر المدرسي وتعزيز مدارس الفرصة الثانية وتطوير منظومة التوجيه الدراسي والمهني، وربطها بحاجيات سوق الشغل ومهن المستقبل.

    وأضاف المتحدث أنه من الضروري إرساء سياسات جهوية للشباب ضمن المخططات الجهوية للتنمية، باعتبار أن الظاهرة تختلف من جهة إلى أخرى ومن الوسط الحضري إلى القروي، بل حتى بين أقاليم الجهة نفسها.

    ولذلك، يدعو إلى إدراج محور خاص بالشباب ضمن هذه المخططات، بأهداف ومؤشرات وميزانيات واضحة، مع إشراك مجالس الجهات والجماعات الترابية والمقاولات والجامعات ومؤسسات التكوين والمجتمع المدني.

    كما اقترح إحداث مرصد جهوي للشباب بكل جهة، لتوفير معطيات دقيقة ومحيّنة تساعد على توجيه البرامج والاستثمارات وفق الحاجيات الفعلية لكل مجال ترابي، إلى جانب الانتقال من البرامج القطاعية إلى سياسة عمومية مندمجة تنسق بين التربية والتكوين والتشغيل والشباب والاستثمار والتضامن.

    ويضيف أن الاستثمار في الاقتصاد الجديد ومهن المستقبل، من خلال توسيع التكوين في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والصناعات الثقافية والإبداعية، ينبغي أن يواكبه دعم ريادة الأعمال والمقاولات الشبابية، وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني للوصول إلى الشباب الأكثر هشاشة ومواكبتهم.

     ويخلص إلى أن محاربة ظاهرة “NEET” لا ينبغي أن تعتمد على برامج وطنية موحدة فقط، بل على سياسات ترابية تجعل كل جهة مسؤولة عن إدماج شبابها ضمن رؤية تنموية شاملة، وبمؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.