الوسم: سوق الشغل

  • قبل إعلان برامج الأحزاب.. صندوق النقد يرسم ملامح خريطة أولويات إصلاح اقتصاد المغرب

    قبل إعلان برامج الأحزاب.. صندوق النقد يرسم ملامح خريطة أولويات إصلاح اقتصاد المغرب

    قبل أقل من شهر من موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، وإعلان الأحزاب المغربية عن برامجها للاستحقاقات المقبلة المقررة في 23 شتنبر المقبل، وضع تقرير جديد لصندوق النقد الدولي “خريطة مسبقة” للملفات الاقتصادية التي ينتظر أن تكون في قلب النقاش السياسي، وعلى رأسها الحوكمة، وسوق الشغل، وكفاءة الإنفاق العام، وتنظيم الأعمال، والتعليم والرقمنة.

    ولم يقدم صندوق النقد، في تقريره حول “النمو القوي والمستدام والمتوازن والشامل”، الذي نشره اليوم الخميس 27 غشت 2026،  توصيات، إذ وضع أجندة إصلاحات اقتصادية مرتبة حسب الأولوية بالنسبة للمغرب.

    ورغم أن المملكة ليست عضوا في مجموعة العشرين، فقد أدرجها صندوق النقد ضمن عينة إفريقية تضم مصر وأنغولا وإثيوبيا وغانا وكينيا ونيجيريا والجزائر، إضافة إلى جنوب إفريقيا بوصفها عضوا في مجموعة العشرين.

    ورسم صندوف النقد صورة أجندة إصلاح مؤسسي وهيكلي للمغرب أقل ضغطا مقارنة مع الدول التي شملها التقرير، إذ تظل السياسة المالية أولوية متوسطة، في حالة مختلفة عن بقية الاقتصادات الإفريقية الكبرى، لكن تحسين كفاءة الإنفاق وإدارة المالية العامة يظل مطلوبا، وفي المقابل، تتصدر الحوكمة، سيما مكافحة الفساد، وإصلاح مؤسسات سوق العمل، قائمة الأولويات.

    المغرب استثناء في الإصلاح المالي

    أبرز ما يميز المغرب في التقرير أنه الاقتصاد الوحيد ضمن العينة الإفريقية المعروضة الذي لم تحصل فيه إصلاحات السياسة المالية على درجة “أولوية مرتفعة”، بل على درجة متوسطة، غير أن صندوق النقد يضع المغرب إلى جانب أنغولا وكينيا ونيجيريا ضمن الدول المطالبة بتحسين إدارة الاستثمار والمالية العامة ورفع كفاءة الإنفاق.

    في المقابل، لا يذكر التقرير المغرب ضمن أمثلة البلدان التي يعطي فيها إصلاح دعم الوقود أولوية خاصة، إذ يحصر هذا المثال في الجزائر وأنغولا، كما لا يدرجه ضمن الأمثلة المتعلقة بتطوير سوق السندات المحلية، التي تشمل الجزائر ومصر وكينيا.

    وعلى مستوى توجه السياسة المالية، يتوقع التقرير موقفا انكماشيا في الأجل القريب في معظم الاقتصادات الإفريقية المشمولة، مستثنيا أنغولا ونيجيريا، ما يدرج المغرب ضمن الاتجاه العام نحو التشديد المالي، من دون أن يحدد التقرير حجمه أو ما إذا كان المغرب من الحالات التي يوصي لها بتشديد إضافي.

    وتشير الوثيقة ذاتها إلى أن التوصيات تختلف عن المسارات المتوقعة في نحو نصف الحالات الإفريقية، وكلها في اتجاه مزيد من الضبط المالي.

    أولوية مرتفعة للحوكمة وسوق الشغل

    ووضعت خريطة الإصلاحات الهيكلية في التقرير ملفين في صدارة الأولويات المغربية، أولهما الحوكمة ومؤسسات سوق العمل، مع منح أولوية متوسطة لإصلاح تنظيم الأعمال، والسياسات المالية، والقطاعين النقدي والمالي، والتعليم والمهارات، والإصلاحات الخضراء، والابتكار والرقمنة، فيما حصلت إصلاحات القطاع الخارجي على أولوية منخفضة

    ونبه تقرير صندوق النقد في تقريره لسنة 2026 أن التقييمات “خاصة بكل بلد وغير قابلة للمقارنة المباشرة بين البلدان”، ما يعني أنها ترتيب للأولويات داخل كل دولة، لا تصنيفا لجودة أدائها أو ترتيبا تنافسيا بينها.

    وتكشف المقارنة المغاربية والشمال إفريقية أن المغرب يتقاسم مع الجزائر أولوية إصلاح سوق العمل والحوكمة، بينما يمنح مصر أولوية متوسطة في المجالين.

    في المقابل، بدت الحاجة إلى إصلاح القطاع الخارجي أقل إلحاحا في المغرب مقارنة بالجزائر (مرتفعة) ومصر (متوسطة)، فيما يصنف التقرير إصلاح تنظيم الأعمال والقطاع المالي بدرجة متوسطة في المغرب، مقابل درجة مرتفعة لدى مصر والجزائر.

    وعلى نطاق العينة الإفريقية الأوسع، ينضم المغرب إلى نيجيريا وجنوب إفريقيا والجزائر في وضع إصلاحات سوق العمل ضمن أعلى الأولويات، أما في تنظيم الأعمال، فيقع مع إثيوبيا وغانا وكينيا ضمن فئة الأولوية المتوسطة، بينما تحصل الجزائر وأنغولا ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا على أولوية مرتفعة.

    مكافحة الفساد في صلب أجندة الحوكمة

    يضع الصندوق إصلاح الحوكمة في المغرب ضمن فئة الأولوية المرتفعة، إلى جانب كينيا ونيجيريا، التي تد من ضمن الاقتصادات التي ينبغي أن تركز إصلاحاتها على تقوية ممارسات مكافحة الفساد.

    ويربط صندوق النقد هذه الإصلاحات بتقوية المؤسسات الاقتصادية وتحسين قدرة الدول على تعبئة الموارد وتوجيهها بكفاءة.

    وبخصوص السياسة النقدية، يكشف التقرير أن الجزائر هي الاقتصاد الوحيد في العينة الإفريقية الذي يتوقع أن يتبع موقفا توسعيا، موصيا بمزيد من التشديد النقدي في الجزائر ومصر وإثيوبيا وغانا، دون ذكر المغرب ضمن هذه الحالات الأربع.

    وتصنف خريطة الإصلاحات القطاعين النقدي والمالي في المغرب ضمن الأولوية المتوسطة، وهي الدرجة نفسها المسندة إلى كينيا، مقابل أولوية مرتفعة في الجزائر وأنغولا ومصر وإثيوبيا وغانا ونيجيريا، وأولوية منخفضة في جنوب إفريقيا.

    أجندة متوسطة الكثافة في التعليم والرقمنة والتحول الأخضر

    وحصل المغرب المغرب على أولوية متوسطة في التعليم والمهارات، والابتكار والرقمنة، والإصلاحات الخضراء، وفي التعليم، يتقاطع وضعه مع الجزائر ومصر، بينما ترتفع الأولوية في أنغولا وغانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، وتنخفض في إثيوبيا وكينيا.

    وفي الإصلاحات الخضراء، يأتي المغرب ضمن مجموعة الأولوية المتوسطة إلى جانب أنغولا ومصر وغانا وكينيا، مقابل أولوية مرتفعة في الجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.

    أما الابتكار والرقمنة، فيشترك المغرب في الدرجة المتوسطة مع أنغولا والجزائر ومصر وغانا وكينيا، بينما يمنح التقرير جنوب إفريقيا أولوية مرتفعة، وإثيوبيا أولوية منخفضة، ولا يوفر تقييما لنيجيريا.

    برامج الأحزاب أمام أربعة اختبارات

    تضع خريطة صندوق النقد الدولي، البرامج الانتخابية المقبلة للأحزاب أمام أربعة اختبارات رئيسية، أولها الحوكمة، وما إن كانت ستقدم إجراءات مؤسساتية محددة لمحاربة الفساد، والثاني مرتبط بملف حارق هو سوق الشغل وقدرة الأحزاب على اقتراح إصلاحات متكاملة تجمع بين الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية وإدماج القطاع غير المهيكل.

    أما الاختبار الثالث، والذي يظل مهما في نجاعة تدبير الحكومات، فهو كفاءة الإنفاق، ومدى إظهار البرامج الانتخابية كيفية تمويل الوعود الاجتماعية، والقطاعات التي ستحصل على الأولوية، والأهم كيفية قياس نتائج الإنفاق العمومي.

    ويتجلى الاختبار الرابع بمدى ترابط السياسات، إذ يمنح صندوق النقد التعليم والمهارات، والابتكار والرقمنة، والإصلاحات الخضراء درجات متوسطة متساوية تقريبا في أولوية الإصلاح، وهي ملفات مترابطة، إذ يصعب إصلاح سوق الشغل دون إصلاح التكوين، أو رفع إنتاجية المقاولات بلا رقمنة، أو جذب الاستثمار بدون قواعد تنظيمية واضحة.

  • محمد جدري: سوق الشغل استعاد جزءا من عافيته لكن التحديات مستمرة

    محمد جدري: سوق الشغل استعاد جزءا من عافيته لكن التحديات مستمرة

    شكل التشغيل أحد أبرز التحديات التي واجهت الحكومة خلال ولايتها، في ظل سياق اقتصادي استثنائي طبعته تداعيات جائحة كوفيد-19، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع التضخم العالمي، وما رافق ذلك من ضغوط على الاستثمار والنمو وسوق الشغل.

    وبينما تؤكد الحكومة أنها نجحت في إحداث مئات الآلاف من فرص العمل وربطت لأول مرة دعم الاستثمار بخلق مناصب الشغل، يرى محللون أن تقييم الحصيلة يقتضي التمييز بين استعادة المناصب التي فقدت خلال الأزمة وبين خلق فرص شغل جديدة قادرة على امتصاص البطالة الموروثة من الحكومة السابقة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.

    في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي محمد جدري، رئيس المرصد للعمل الحكومي، قراءة في حصيلة التشغيل، ويحلل أثر الميثاق الجديد للاستثمار، ويقف عند مكامن القوة والاختلالات التي ما تزال تؤثر في سوق الشغل المغربي، كما يستشرف التحديات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.

    كانت سنة 2021 من أصعب السنوات التي عرفها سوق الشغل بالمغرب، لأنها جاءت مباشرة بعد جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى فقدان عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات والتجارة، إلى جانب توالي سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على التشغيل في القطاع الفلاحي.

    لذلك، انطلقت الحكومة من وضعية استثنائية تتسم بارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل تقييم حصيلة التشغيل خلال هذه الولاية مختلفا عن تقييم أي مرحلة سابقة. فالمطلوب لم يكن فقط خلق فرص عمل جديدة، بل أيضا استعادة جزء مهم من المناصب التي فُقدت خلال الأزمة وإعادة تحريك سوق الشغل في سياق اقتصادي عالمي اتسم بعدم اليقين.

    يعد هذا التوجه تطورا مهما في السياسة الاستثمارية بالمغرب، لأنه يجعل الدعم العمومي مرتبطا بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، وليس فقط بحجم الاستثمارات. فربط التحفيزات بعدد مناصب الشغل التي يلتزم المستثمر بإحداثها يعزز مردودية الإنفاق العمومي ويوجه الاستثمارات نحو تحقيق قيمة مضافة حقيقية للمواطنين. ومع ذلك، ينبغي الحفاظ على التوازن، لأن بعض الاستثمارات ذات التكنولوجيا العالية قد لا توفر عددا كبيرا من فرص الشغل، لكنها تساهم في رفع الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

    الميثاق الجديد للاستثمار يوفر إطارا واعدا لإحداث تحول هيكلي في سوق الشغل، لكنه ليس كافيا بمفرده. فالنتائج ستتوقف على سرعة تنزيل المشاريع، وتحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتوفير العقار الصناعي، وربط التكوين المهني بحاجيات المستثمرين. وإذا تم تنفيذ هذه الإصلاحات بشكل متكامل، فإن الاستثمارات المعلن عنها، والتي تناهز 586 مليار درهم، يمكن أن تخلق دينامية جديدة في قطاعات الصناعة والخدمات والطاقات المتجددة، وأن توفر مناصب شغل أكثر استدامة وجودة.

    اقتصاديا، يعكس هذا الرقم وجود دينامية إيجابية في سوق الشغل مقارنة بالفترة التي أعقبت الجائحة، لكنه يحتاج إلى قراءة متأنية. فالأهم ليس فقط عدد المناصب المحدثة، بل أيضا طبيعتها وجودتها واستدامتها. كما ينبغي التمييز بين فرص الشغل التي تم خلقها خلال مختلف البرامج الحكومية وبين صافي مناصب الشغل الذي يعكس الفرق بين المناصب المحدثة والمفقودة. وبالنظر إلى أن الاقتصاد المغربي يحتاج سنويا إلى خلق مئات الآلاف من المناصب لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل، فإن هذا الرقم يمثل تقدما مهما، لكنه لا يعني أن تحدي البطالة قد تم تجاوزه بشكل نهائي.

    لا يمكن تقييم حصيلة التشغيل بمعزل عن السياق الدولي الذي اتسم باستمرار آثار جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، إضافة إلى موجات التضخم العالمية وتوالي سنوات الجفاف. ورغم هذه الظروف الصعبة، تمكن الاقتصاد المغربي من استعادة جزء مهم من مناصب الشغل المفقودة، وتحقيق نتائج إيجابية في بعض القطاعات الإنتاجية. لذلك، يمكن القول إن الحصيلة تبدو إيجابية نسبيا إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الصدمات التي واجهها الاقتصاد، وإن كانت لا تزال دون مستوى الطموحات المرتبطة بخفض البطالة بشكل ملموس.

    من أبرز نقاط القوة في السياسة الحكومية أنها جعلت التشغيل في صلب السياسات العمومية وربطته بالاستثمار، وهو تحول مهم في طريقة تدبير الاقتصاد. كما تم توسيع برامج الإدماج والتأهيل وأوراش، وتعزيز دور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، إلى جانب تطوير منظومة التكوين المهني عبر إحداث مدن المهن والكفاءات ورفع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات. كما ساهمت هذه السياسة في تشجيع الانتقال نحو الاقتصاد المهيكل، وهو ما يتجلى في تراجع نسبة التشغيل غير المهيكل وارتفاع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

    رغم التقدم المحقق، ما تزال هناك تحديات كبيرة تستوجب مواصلة الإصلاحات، في مقدمتها استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وضعف نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، إضافة إلى استمرار هشاشة التشغيل في العالم القروي.

    كما أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى خلق مناصب شغل ذات إنتاجية وأجور أفضل، وتعزيز ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل، وتسريع إخراج المشاريع الاستثمارية إلى حيز التنفيذ حتى تتحول الالتزامات المعلنة إلى فرص شغل فعلية ومستدامة، فالرهان في المرحلة المقبلة ليس فقط خلق مناصب جديدة، بل تحسين جودة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

  • البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    البطالة تحت مجهر المنهجية الجديدة.. كيف يُقرأ تراجع البطالة في المغرب؟

    حين أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق استقر عند 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعد 10.8 في المئة خلال الفصل الأول، بدا الرقم في ظاهره مؤشرا إيجابيا على تطور سوق الشغل.

    غير أن الجدل لم ينصب على الرقم في حد ذاته، بقدر ما انصب على الطريقة التي احتُسب بها، بعدما انتقل المغرب لأول مرة إلى منهجية جديدة لقياس سوق الشغل، أعادت تعريف مفاهيم أساسية مثل البطالة والتشغيل والقوى العاملة.

    السؤال يجد مبرره في كون سنة 2026 شكلت بداية العمل بـ”بحث القوى العاملة” (EMO 2026)، الذي حل محل “البحث الوطني حول التشغيل” (ENE)، وفق إطار يستند إلى المعايير الدولية الحديثة التي أقرتها المؤتمرات الدولية لإحصائيات العمل.

    ولم يمس التغيير تعديل معادلة حسابية، بقدر ما يمس تعريف الشغل والعاطل والقوى العاملة نفسها.

    تشخيص أدق لسياسيا أكثر استهدافا

    لسنوات، شكل معدل البطالة المؤشر الأكثر حضورا عند تقييم سوق الشغل، إذ يشكل ارتفاعه اتساع صعوبات الولوج إلى العمل، وانخفاضه يقدم كإشارة إلى تحسن الوضع، غير أن تطور سوق العمل أفرز حالات لا يستطيع مؤشر واحد التعبير عنها بالكامل.

    وتشمل هذه الحالات من يشتغل ساعات أقل مما يرغب فيه، ومن يريد العمل ومستعد له لكنه توقف عن البحث بعد فقدان الأمل، إلى جانب اتساع التشغيل غير المنظم وتعدد أشكال العمل الموسمي والمؤقت.

    وعلى هذا الأساس، اتجهت منظمة العمل الدولية منذ مؤتمر خبراء إحصاءات العمل سنة 2013 إلى توسيع مفهوم قياس “عدم استغلال اليد العاملة”، بحيث لا تبقى البطالة المؤشر الوحيد، ليصبح الإطار الدولي يميز بين البطالة، والعمل الناقص المرتبط بمدة العمل، والقوى العاملة المحتملة، ثم مؤشرات تجمع هذه الحالات لقياس الضغط الحالي والمحتمل على سوق العمل.

    وهنا توجد إحدى أهم خلفيات انتقال المغرب إلى البحث الجديد، إذ لم تعد المسألة معرفة عدد العاطلين فقط، وإنما فهم الفئات التي لا تجد ما يكفي من العمل، أو التي توجد على هامش سوق الشغل رغم رغبتها في دخوله.

    وفي تفسيره لخلفيات الانتقال إلى المنهجية الجديدة، يرى الخبير الاقتصادي، خالد أشيبان، أن التحول الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط لا يعكس بالضرورة تغيرا في واقع سوق الشغل، بقدر ما يعكس تغيرا في طريقة قياسه وفق المعايير الدولية الجديدة التي اعتمدتها منظمة العمل الدولية.

    ويوضح أن المنهجية السابقة كانت تعتمد مفهوما أوسع للتشغيل والبطالة، بينما تقوم المنهجية الجديدة على تعريف أكثر صرامة للفئة النشيطة، إذ لم يعد يُحتسب ضمن العاطلين إلا الأشخاص الذين لا يشتغلون، ويبحثون بشكل فعلي عن عمل، ويكونون مستعدين للالتحاق به فورا، كما لم تعد بعض الأنشطة التي تُمارس دون أجر تدخل ضمن مفهوم التشغيل كما كان معمولا به سابقا.

    ويضيف أشيبان أن هذا التحول يجعل المقارنة المباشرة بين الأرقام الصادرة وفق المنهجية الجديدة وتلك التي كانت تعتمد في السابق أمرا يحتاج إلى كثير من الحذر، لأن جزءا من الفوارق يعود إلى اختلاف معايير القياس وليس بالضرورة إلى تغير الواقع الاقتصادي.

    ويرى أن أهمية المنهجية الجديدة لا تكمن في تأثيرها على معدل البطالة وحده، وإنما في قدرتها على توفير قراءة أكثر تفصيلا لمختلف أوضاع سوق الشغل، بما يساعد على تشخيص الاختلالات بشكل أدق وبناء سياسات تشغيل أكثر استهدافا.

    لكن.. من هو العاطل وفق المنهجية الجديدة؟

    ويعد أبرز تغيير في المنهجية الجديدة طريقة احتساب البطالة نفسها، إذ لم يعد يكفي أن يكون الشخص بدون عمل حتى يُعتبر عاطلا، بل يجب أيضا أن يكون يبحث بشكل فعلي عن وظيفة، وأن يكون مستعدا للالتحاق بها فورا.

    أما الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل، رغم رغبتهم في الاشتغال، فلم يعودوا يُحتسبون ضمن معدل البطالة، بل يُدرجون ضمن فئة “القوى العاملة المحتملة”.

    وبذلك، لم يعد قياس البطالة يقتصر على حصر عدد الأشخاص الذين لا يشتغلون، بل أصبح يمر عبر تصنيف السكان في سن النشاط إلى فئات مختلفة وفق معايير محددة.

    وتبدأ المندوبية أولا بتحديد الأشخاص الذين يزاولون عملا مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، ثم تميز داخل غير المشتغلين بين من يبحثون بشكل فعلي عن عمل ويستوفون شروط البطالة بالمفهوم الضيق، وبين أشخاص آخرين ما يزالون على صلة بسوق الشغل، مثل المستعدين للعمل الذين توقفوا عن البحث أو الذين يشتغلون لساعات أقل مما يرغبون.

    ومن خلال هذا التصنيف، لا تقتصر نتائج البحث على معدل البطالة فقط، بل تشمل أيضا مؤشرات أخرى تعكس مختلف أشكال ضعف الاندماج في سوق الشغل، ما يمنح صورة أكثر شمولا عن واقع التشغيل.

    ولتقريب الصورة، إذا كان شاب تخرج من الجامعة وظل يبحث عن عمل لفترة طويلة ثم توقف عن إرسال طلبات التوظيف بعدما فقد الأمل، فإنه لا يختفي من الإحصاءات، لكنه لا يُصنف بالطريقة نفسها التي يُصنف بها شخص ما يزال يبحث عن وظيفة بشكل نشط.

    حتى تعريف “المشتغل” تغير

    وطال التغيير أيضا، وفق “EMO 2026″، التشغيل الذي أصبح محصورا في النشاط المنجز مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، في حين لم تعد بعض الأنشطة الموجهة أساسا للاستهلاك الذاتي داخل وحدات غير سوقية تصنف تشغيلا، بل إنتاجا للاستخدام الخاص.

    في المقابل، فالمنهجية السابقة، القائمة على المعايير الدولية الأقدم، كانت تعتمد تعريفا أوسع للتشغيل يسمح بإدراج بعض أنشطة الإنتاج للاستهلاك الذاتي، بينما تفصل المعايير الجديدة بين “العمل” باعتباره مفهوما واسعا، و”التشغيل” باعتباره عملا مقابل أجر أو ربح.

    وارتفع حجم العينة السنوية التي تعتمدها المندوبية من نحو 90 ألفا إلى 135 ألف أسرة، أي بزيادة تناهز 50 في المئة؛ كما انتقلت المعاينة من تصميم من ثلاث درجات إلى تصميم من درجتين، وأصبحت تعتمد قاعدة جديدة مستخرجة من إحصاء 2024.

    ووفق المذكرة التقنية للمندوبية، يستهدف ذلك تقليص أخطاء المعاينة وتحسين متانة المؤشرات، خصوصا على المستويات الجهوية والإقليمية.

    وأُدخل كذلك نظام جديد لتناوب الأسر يسمح بمتابعة جزء منها عبر الزمن، فيما اتسع مضمون البحث ليشمل التشغيل غير المنظم، وصعوبات الولوج إلى سوق العمل، والتكوين مدى الحياة، وأشكال عدم استغلال اليد العاملة.

    وبذلك، فإن القول إن المنهجية الجديدة “تخفض البطالة” يبسط تحولا أكثر تعقيدا؛ فهي من جهة تضيق تعريف بعض المؤشرات، لكنها من جهة أخرى توسع مساحة الرصد لتشمل أوضاعا كانت تحتاج إلى مؤشرات منفصلة وأكثر وضوحا.

    لماذا لا يمكن مقارنة 9.5% مباشرة بالأرقام القديمة؟

    تنبه المندوبية السامية للتخطيط نفسها إلى أن نتائج “EMO2026” غير قابلة للمقارنة مباشرة مع النتائج المنشورة سابقا وفق “ENE”، بسبب القطيعة المفاهيمية والمنهجية بين البحثين.

    ولهذا أعادت احتساب المؤشرات الفصلية الرئيسية للفترة بين 2017 و2025 وفق الإطار الجديد، حتى تتيح سلسلة تاريخية يمكن مقارنتها بنتائج 2026، غير أنها لا تزال مؤقتة، على أن تصدر النسخة النهائية بالتزامن مع النتائج السنوية لسنة 2026.

    وهنا ينبغي التمييز بين مسألتين، فمقارنة 9.5 في المئة بأرقام قديمة منشورة وفق “ENE” قد تخلط أثر الاقتصاد بأثر تغيير المنهجية، أما المقارنة بين 10.8 في المئة في الفصل الأول و9.5 في المئة في الفصل الثاني من 2026 فهي مختلفة، لأن الرقمين أُنتجا داخل EMO2026 نفسها؛ لذلك، لا يمكن تفسير انخفاض 1.3 نقطة بين الفصلين بمجرد تغيير طريقة الحساب.

    وفي هذا السياق، يرى الخبير في السياسات العمومية، رضوان الرياش، أن أول ما ينبغي الانتباه إليه عند قراءة نتائج “بحث القوى العاملة” هو أن المقارنة بين الأرقام الحالية وتلك الصادرة وفق “البحث الوطني حول التشغيل” يجب أن تتم بحذر، لأن الأمر يتعلق بمنهجيتين مختلفتين في التعاريف وأدوات القياس.

    ويوضح الرياش في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن المندوبية نفسها أعادت احتساب السلاسل الإحصائية للفترة الممتدة بين 2017 و2025 وفق المنهجية الجديدة، حتى تتيح تتبع تطور المؤشرات داخل مرجعية موحدة، وهو ما يؤكد أن المقارنة المباشرة مع الأرقام القديمة قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة.

    ويضيف أن الانخفاض المسجل في معدل البطالة من 10.8 في المئة خلال الفصل الأول إلى 9.5 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 لا يمكن تفسيره بتغيير المنهجية، لأن المؤشرين أُنتجا وفق الإطار الإحصائي نفسه، لذلك، فإن الحكم على أداء سوق الشغل يقتضي قراءة هذا التطور إلى جانب مؤشرات أخرى، مثل حجم القوى العاملة، ومعدل النشاط، وعدد مناصب الشغل المحدثة، والعمل الناقص، والقوى العاملة المحتملة، حتى يمكن التمييز بين التحسن الظرفي والتحولات الاقتصادية الأكثر استدامة.

    ويؤكد الخبير في السياسات العمومية أن القيمة الحقيقية للمنهجية الجديدة لا تكمن في إنتاج معدل مختلف للبطالة، وإنما في توسيع قاعدة المعلومات المتاحة أمام صناع القرار، مردفا أنه “كلما أصبحت المعطيات أكثر تفصيلا، أصبح بالإمكان الانتقال من معالجة البطالة كمؤشر عام إلى تصميم سياسات تشغيل أكثر استهدافا، تستجيب لاختلاف أوضاع الشباب والنساء والعاملين في القطاع غير المنظم، وتوجه التدخلات العمومية نحو مكامن الخلل الحقيقية في سوق الشغل”.