قبل أقل من شهر من موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، وإعلان الأحزاب المغربية عن برامجها للاستحقاقات المقبلة المقررة في 23 شتنبر المقبل، وضع تقرير جديد لصندوق النقد الدولي “خريطة مسبقة” للملفات الاقتصادية التي ينتظر أن تكون في قلب النقاش السياسي، وعلى رأسها الحوكمة، وسوق الشغل، وكفاءة الإنفاق العام، وتنظيم الأعمال، والتعليم والرقمنة.
ولم يقدم صندوق النقد، في تقريره حول “النمو القوي والمستدام والمتوازن والشامل”، الذي نشره اليوم الخميس 27 غشت 2026، توصيات، إذ وضع أجندة إصلاحات اقتصادية مرتبة حسب الأولوية بالنسبة للمغرب.
ورغم أن المملكة ليست عضوا في مجموعة العشرين، فقد أدرجها صندوق النقد ضمن عينة إفريقية تضم مصر وأنغولا وإثيوبيا وغانا وكينيا ونيجيريا والجزائر، إضافة إلى جنوب إفريقيا بوصفها عضوا في مجموعة العشرين.
ورسم صندوف النقد صورة أجندة إصلاح مؤسسي وهيكلي للمغرب أقل ضغطا مقارنة مع الدول التي شملها التقرير، إذ تظل السياسة المالية أولوية متوسطة، في حالة مختلفة عن بقية الاقتصادات الإفريقية الكبرى، لكن تحسين كفاءة الإنفاق وإدارة المالية العامة يظل مطلوبا، وفي المقابل، تتصدر الحوكمة، سيما مكافحة الفساد، وإصلاح مؤسسات سوق العمل، قائمة الأولويات.
المغرب استثناء في الإصلاح المالي
أبرز ما يميز المغرب في التقرير أنه الاقتصاد الوحيد ضمن العينة الإفريقية المعروضة الذي لم تحصل فيه إصلاحات السياسة المالية على درجة “أولوية مرتفعة”، بل على درجة متوسطة، غير أن صندوق النقد يضع المغرب إلى جانب أنغولا وكينيا ونيجيريا ضمن الدول المطالبة بتحسين إدارة الاستثمار والمالية العامة ورفع كفاءة الإنفاق.
في المقابل، لا يذكر التقرير المغرب ضمن أمثلة البلدان التي يعطي فيها إصلاح دعم الوقود أولوية خاصة، إذ يحصر هذا المثال في الجزائر وأنغولا، كما لا يدرجه ضمن الأمثلة المتعلقة بتطوير سوق السندات المحلية، التي تشمل الجزائر ومصر وكينيا.
وعلى مستوى توجه السياسة المالية، يتوقع التقرير موقفا انكماشيا في الأجل القريب في معظم الاقتصادات الإفريقية المشمولة، مستثنيا أنغولا ونيجيريا، ما يدرج المغرب ضمن الاتجاه العام نحو التشديد المالي، من دون أن يحدد التقرير حجمه أو ما إذا كان المغرب من الحالات التي يوصي لها بتشديد إضافي.
وتشير الوثيقة ذاتها إلى أن التوصيات تختلف عن المسارات المتوقعة في نحو نصف الحالات الإفريقية، وكلها في اتجاه مزيد من الضبط المالي.
أولوية مرتفعة للحوكمة وسوق الشغل
ووضعت خريطة الإصلاحات الهيكلية في التقرير ملفين في صدارة الأولويات المغربية، أولهما الحوكمة ومؤسسات سوق العمل، مع منح أولوية متوسطة لإصلاح تنظيم الأعمال، والسياسات المالية، والقطاعين النقدي والمالي، والتعليم والمهارات، والإصلاحات الخضراء، والابتكار والرقمنة، فيما حصلت إصلاحات القطاع الخارجي على أولوية منخفضة
ونبه تقرير صندوق النقد في تقريره لسنة 2026 أن التقييمات “خاصة بكل بلد وغير قابلة للمقارنة المباشرة بين البلدان”، ما يعني أنها ترتيب للأولويات داخل كل دولة، لا تصنيفا لجودة أدائها أو ترتيبا تنافسيا بينها.
وتكشف المقارنة المغاربية والشمال إفريقية أن المغرب يتقاسم مع الجزائر أولوية إصلاح سوق العمل والحوكمة، بينما يمنح مصر أولوية متوسطة في المجالين.
في المقابل، بدت الحاجة إلى إصلاح القطاع الخارجي أقل إلحاحا في المغرب مقارنة بالجزائر (مرتفعة) ومصر (متوسطة)، فيما يصنف التقرير إصلاح تنظيم الأعمال والقطاع المالي بدرجة متوسطة في المغرب، مقابل درجة مرتفعة لدى مصر والجزائر.
وعلى نطاق العينة الإفريقية الأوسع، ينضم المغرب إلى نيجيريا وجنوب إفريقيا والجزائر في وضع إصلاحات سوق العمل ضمن أعلى الأولويات، أما في تنظيم الأعمال، فيقع مع إثيوبيا وغانا وكينيا ضمن فئة الأولوية المتوسطة، بينما تحصل الجزائر وأنغولا ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا على أولوية مرتفعة.
مكافحة الفساد في صلب أجندة الحوكمة
يضع الصندوق إصلاح الحوكمة في المغرب ضمن فئة الأولوية المرتفعة، إلى جانب كينيا ونيجيريا، التي تد من ضمن الاقتصادات التي ينبغي أن تركز إصلاحاتها على تقوية ممارسات مكافحة الفساد.
ويربط صندوق النقد هذه الإصلاحات بتقوية المؤسسات الاقتصادية وتحسين قدرة الدول على تعبئة الموارد وتوجيهها بكفاءة.
وبخصوص السياسة النقدية، يكشف التقرير أن الجزائر هي الاقتصاد الوحيد في العينة الإفريقية الذي يتوقع أن يتبع موقفا توسعيا، موصيا بمزيد من التشديد النقدي في الجزائر ومصر وإثيوبيا وغانا، دون ذكر المغرب ضمن هذه الحالات الأربع.
وتصنف خريطة الإصلاحات القطاعين النقدي والمالي في المغرب ضمن الأولوية المتوسطة، وهي الدرجة نفسها المسندة إلى كينيا، مقابل أولوية مرتفعة في الجزائر وأنغولا ومصر وإثيوبيا وغانا ونيجيريا، وأولوية منخفضة في جنوب إفريقيا.
أجندة متوسطة الكثافة في التعليم والرقمنة والتحول الأخضر
وحصل المغرب المغرب على أولوية متوسطة في التعليم والمهارات، والابتكار والرقمنة، والإصلاحات الخضراء، وفي التعليم، يتقاطع وضعه مع الجزائر ومصر، بينما ترتفع الأولوية في أنغولا وغانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، وتنخفض في إثيوبيا وكينيا.
وفي الإصلاحات الخضراء، يأتي المغرب ضمن مجموعة الأولوية المتوسطة إلى جانب أنغولا ومصر وغانا وكينيا، مقابل أولوية مرتفعة في الجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.
أما الابتكار والرقمنة، فيشترك المغرب في الدرجة المتوسطة مع أنغولا والجزائر ومصر وغانا وكينيا، بينما يمنح التقرير جنوب إفريقيا أولوية مرتفعة، وإثيوبيا أولوية منخفضة، ولا يوفر تقييما لنيجيريا.
برامج الأحزاب أمام أربعة اختبارات
تضع خريطة صندوق النقد الدولي، البرامج الانتخابية المقبلة للأحزاب أمام أربعة اختبارات رئيسية، أولها الحوكمة، وما إن كانت ستقدم إجراءات مؤسساتية محددة لمحاربة الفساد، والثاني مرتبط بملف حارق هو سوق الشغل وقدرة الأحزاب على اقتراح إصلاحات متكاملة تجمع بين الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية وإدماج القطاع غير المهيكل.
أما الاختبار الثالث، والذي يظل مهما في نجاعة تدبير الحكومات، فهو كفاءة الإنفاق، ومدى إظهار البرامج الانتخابية كيفية تمويل الوعود الاجتماعية، والقطاعات التي ستحصل على الأولوية، والأهم كيفية قياس نتائج الإنفاق العمومي.
ويتجلى الاختبار الرابع بمدى ترابط السياسات، إذ يمنح صندوق النقد التعليم والمهارات، والابتكار والرقمنة، والإصلاحات الخضراء درجات متوسطة متساوية تقريبا في أولوية الإصلاح، وهي ملفات مترابطة، إذ يصعب إصلاح سوق الشغل دون إصلاح التكوين، أو رفع إنتاجية المقاولات بلا رقمنة، أو جذب الاستثمار بدون قواعد تنظيمية واضحة.


