دخلت الحكومة مرحلة إعداد آخر مشروع قانون مالية يرتبط بولايتها الحالية بأهداف مالية واضحة، تكمن في خفض عجز الميزانية إلى 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2027، وتقليص الدين العمومي إلى 65 بالمئة، مع إبقاء الإنفاق تحت المراقبة وتشديد التعليمات على نفقات السيارات والسفريات والمقرات الإدارية.
لكن الأرقام التي يتضمنها منشور رئيس الحكومة رقم 12/2026 تكشف أن الوصول إلى هذه الأهداف سيمر عبر هامش مالي ضيق، فكلفة التدابير المتخذة لفائدة القطاع العام ستبلغ 49.7 مليار درهم سنة 2027، والدعم الاجتماعي المباشر يتجاوز 26 مليار درهم سنويا، ودعم غاز البوتان والسكر والدقيق يحتاج 13.2 مليار درهم، فيما سترتفع التحويلات إلى الجهات إلى 12 مليار درهم على الأقل سنويا، بالتزامن مع استمرار تمويل أوراش البنية التحتية والنقل والماء وإعادة إعمار الحوز.
وتزداد معادلة مالية 2027 تعقيدا مع توقع تباطؤ النمو من 5.3 بالمئة في 2026 إلى 4.1 بالمئة في السنة المقبلة، وارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في وقت تتقدم فيه الواردات، التي ارتفعت بـ15.3 بالمئة، بوتيرة أسرع من الصادرات التي زادت بـ9.7 بالمئة.
وفوق هذه الحسابات الاقتصادية، تحمل الميزانية مفارقة سياسية مرتبطة بتوقيتها، فالانتخابات التشريعية مقررة في 23 شتنبر المقبل، بعد ستة أيام فقط من انتهاء لجان التحكيم الميزانياتي المبرمجة بين 7 و17 من الشهر نفسه، ما يعني أن الحكومة المنتهية ولايتها ستشارك في رسم سقوف ميزانية ستكون الحكومة المنبثقة عن صناديق الاقتراع مطالبة بتنفيذها.
وبين هدف إعادة العجز إلى 3 بالمئة، والمحافظة على تمويل الدولة الاجتماعية، واستمرار المشاريع الكبرى المرتبطة بالماء والسكك الحديدية والموانئ والمطارات ومونديال 2030، كشف منشور إعداد مشروع قانون المالية 2027 أين توجد هوامش الإنفاق التي تريد الحكومة تقليصها، لكنه ترك رقما أساسيا خارج الوثيقة المنشورة وهو الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة، فضلا عن سقوف نفقات كل قطاع وزاري الواردة في وثيقة مرفقة لم تنشر للعموم.
نمو بـ5.3 بالمئة.. الفلاحة تدفع الأرقام إلى الأعلى
تبدأ حسابات مالية 2027 من فرضية نمو أقل من المستوى المتوقع خلال السنة الجارية، فالمنشور يقدر نمو الاقتصاد المغربي بـ5.3 بالمئة في 2026، قبل أن تتراجع الوتيرة إلى 4.1 بالمئة في 2027، مستندا في تقييم مسار الاقتصاد والمالية العمومية إلى تقديرات صندوق النقد الدولي ووكالتي التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز” و”موديز”.
وتقدم الوثيقة توقع 5.3 بالمئة باعتباره مؤشرا على تقليص تبعية الاقتصاد المغربي للتقلبات المناخية والتساقطات المطرية، غير أن تفصيل مكونات النمو يكشف الوزن الكبير للفلاحة في انتعاش السنة الجارية.
فالقيمة المضافة الفلاحية مرشحة للارتفاع بـ15.1 بالمئة خلال 2026، مقابل نمو بـ4.2 بالمئة للأنشطة غير الفلاحية، على أن تنتقل قيمتها من 111.6 مليار درهم في 2025 إلى 130 مليار درهم هذه السنة.
ويضع هذا المعطى نسبة النمو المتوقعة في سياقها، خصوصا أن الحكومة نفسها تتوقع تراجعها بـ1.2 نقطة في 2027، من 5.3 إلى 4.1 بالمئة، بالتزامن مع انحسار أثر الانتعاش الفلاحي الذي ميز السنة الجارية.
المداخيل تتحسن.. لكن النفقات ترتفع بالوتيرة نفسها تقريبا
وتظهر أرقام تنفيذ الميزانية حتى نهاية يونيو 2026 تحسنا واضحا في موارد الدولة، فقد بلغت المداخيل العادية الصافية 225.2 مليار درهم، مقابل 195.2 مليار درهم في الفترة نفسها من 2025، مسجلة زيادة بـ15.4 بالمئة، فيما تشكل المداخيل الضريبية الجزء الأكبر من هذه الموارد بعدما بلغت 197.8 مليار درهم.
غير أن النفقات تسير بدورها بوتيرة تصاعدية قريبة من وتيرة نمو المداخيل، فقد ارتفعت النفقات العادية بـ14.7 بالمئة إلى 203.9 مليارات درهم، أي أن الفارق بين وتيرة ارتفاع الموارد والنفقات لا يتجاوز 0.7 نقطة مئوية.
وضمن هذه النفقات، ارتفعت فوائد الدين من 10.4 إلى 11.4 مليار درهم، بينما قفزت نفقات الاستثمار بـ20.2 بالمئة لتصل إلى 59.8 مليار درهم.
وسمحت هذه التطورات بخفض عجز الميزانية إلى 24 مليار درهم عند نهاية يونيو، مقابل 30.8 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
ويأتي ذلك ضمن مسار تريد الحكومة مواصلته في 2027، بعدما انتقل العجز، بحسب المنشور، من 7.1 بالمئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2020 إلى 3.5 بالمئة في 2025، على أن يستقر عند 3 بالمئة في السنة المقبلة.
ويشمل الاتجاه نفسه الدين العمومي، المتوقع أن يمثل 66 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، قبل تراجعه إلى 65 بالمئة في 2027 ونحو 63 بالمئة في أفق 2029.
التجارة الخارجية.. الواردات تركض أسرع من الصادرات
لكن تحسن مؤشرات المالية العمومية يقابله ضغط أكبر على الحسابات الخارجية، فخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت الصادرات المغربية بـ9.7 بالمئة لتبلغ 260.4 مليار درهم، في حين سجلت الواردات نموا بـ15.3 بالمئة ووصلت إلى 458.8 مليار درهم، مدفوعة أساسا بارتفاع واردات سلع التجهيز والمنتجات الطاقية.
وتنعكس هذه الفجوة على الحساب الجاري، الذي تتوقع الحكومة ارتفاع عجزه إلى 3.7 بالمئة من الناتج الداخلي الخام في 2026، بعدما بلغ 2.4 بالمئة في 2025، فيما استقر معدل تغطية الواردات بالصادرات عند 57 بالمئة خلال السنة الماضية.
في المقابل، تستفيد الحسابات الخارجية من ثلاثة تدفقات رئيسية للعملة الصعبة، فقد ارتفعت مداخيل السفر بـ15.9 بالمئة إلى 64.9 مليار درهم في نهاية يونيو، وبلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 61.5 مليار درهم، بينما وصل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 26.2 مليار درهم.
ويضع المنشور ضمن هذه الدينامية الأداء المسجل في القطاع السياحي، بعدما استقبل المغرب 19.8 مليون زائر خلال 2025، وبلغت المداخيل السياحية بالعملة الصعبة 138 مليار درهم.
49.7 مليار درهم لكلفة تدابير القطاع العام
الجانب الأكثر ضغطا على حسابات 2027 يرتبط بالنفقات التي سبق الالتزام بها، والتي لا تملك الحكومة هامشا واسعا لتقليصها.
فالكلفة السنوية للتدابير المعتمدة لفائدة القطاع العام، بما فيها مراجعة الضريبة على الدخل، ستصل إلى 48.3 مليار درهم في نهاية 2026، قبل أن ترتفع إلى 49.7 مليار درهم في 2027.
وإلى جانب هذه الكلفة، تحتاج الحكومة إلى 13.2 مليار درهم لمواصلة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني، فضلا عن 3.9 مليارات درهم مخصصة للتدابير المتبقية من الحوار الاجتماعي.
أما الدعم الاجتماعي المباشر، فتبلغ كلفته 2.2 مليار درهم شهريا، بما يتجاوز 26 مليار درهم سنويا.
ومن المنتظر أن يضاف إلى هذه الالتزامات ارتفاع التحويلات الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من 2027.
وهكذا، يدخل مشروع قانون المالية المقبل مرحلة الإعداد وجزء مهم من النفقات محدد مسبقا، بينما يفترض تحقيق هدف خفض العجز إلى 3 بالمئة مواصلة التحكم في الإنفاق دون المساس بالالتزامات الاجتماعية والاستثمارية القائمة.
4 ملايين أسرة تستفيد من الدعم.. ومؤشرات تغيب عن المنشور
ويخصص المنشور مساحة واسعة لحصيلة الدولة الاجتماعية، إذ يشير إلى استفادة أربعة ملايين أسرة وأكثر من خمسة ملايين طفل من الدعم الاجتماعي المباشر، وإلى صرف 64.2 مليار درهم منذ 2023.
وفي التأمين الإجباري عن المرض، تفيد الوثيقة بأن نسبة التغطية انتقلت من 42 بالمئة قبل الإصلاح إلى أكثر من 87 بالمئة حاليا.
غير أن الدقة التي يعتمدها المنشور في عرض عدد المستفيدين وكلفة البرامج الاجتماعية لا تمتد إلى عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، إذ لا يورد معدل البطالة أو التضخم أو مؤشرا للفقر النقدي.
ويظهر هذا الغياب بشكل أكبر في الجزء المتعلق بالتشغيل، فالوثيقة تحدد ثلاثة محاور لخارطة الطريق، هي “عرض الشغل” و”الطلب على الشغل” و”آليات الوساطة”، إلى جانب إعادة هيكلة البرامج النشيطة للتشغيل، دون تحديد هدف رقمي لإحداث فرص الشغل أو أفق زمني لتحقيقه.
أما الهدف الكمي الواضح في الجانب التعليمي، فيهم برامج الفرصة الثانية، حيث تستهدف الحكومة رفع عدد المستفيدين من 35 ألفا خلال الدخول المدرسي 2026-2027 إلى 80 ألفا بحلول 2030.
الحوز.. إعادة الإعمار مستمرة في 2027
ولا تنتهي الالتزامات عند البرامج الاجتماعية، إذ سيستمر تمويل إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز ضمن حسابات السنة المقبلة.
وإلى نهاية يونيو 2026، بلغت مدفوعات الدولة المرتبطة بهذا الورش 8.02 مليارات درهم وشملت 2.52 مليار درهم من المساعدات الشهرية، بقيمة 2500 درهم لفائدة 63 ألفا و786 أسرة، إضافة إلى 759.7 مليون درهم لإعادة بناء 5751 مسكنا، بمساعدة قدرها 140 ألف درهم لكل مسكن.
كما جرى صرف 3.98 مليارات درهم لإعادة تأهيل 52 ألفا و240 مسكنا، بمبلغ 80 ألف درهم لكل مسكن، وخصصت الدولة بالتوازي غلافا بقيمة 6.42 مليارات درهم للأشغال القطاعية، فيما أفردت برنامجا آخر بقيمة 3 مليارات درهم لمواجهة تداعيات الفيضانات التي شهدتها مناطق شمال وغرب المملكة.
من السيارات إلى الفنادق.. أين تريد الحكومة خفض الإنفاق؟
أمام محدودية هامش التحرك في النفقات الاجتماعية والالتزامات القائمة، تنتقل تعليمات رئيس الحكومة إلى المصاريف الإدارية التي يمكن التحكم فيها.
ويطالب المنشور القطاعات الحكومية بأن يكون إحداث المناصب المالية “محددا ومبررا بدقة”، وأن تعمل على ضبط نفقات الماء والكهرباء وكراء السيارات وتهيئة المقرات.
وتشمل التعليمات أيضا نفقات التنقل داخل المملكة وخارجها، والإقامة في الفنادق والاستقبالات والحفلات والملتقيات، مع ربطها بأهداف “ميثاق مثالية الإدارة”.
ويذهب المنشور بصورة أكثر مباشرة إلى مطالبة الإدارات بـ”تقليص نفقات اقتناء السيارات وبناء وتهيئة وتجهيز المقرات الإدارية إلى أقصى حد”.
لكن هذه التعليمات ليست جديدة في قاموس إعداد الميزانية، إذ تعيد إلى حد بعيد مقتضيات سبق تضمينها في مناشير السنوات السابقة، ما يجعل الرهان الفعلي مرتبطا بحجم ما يمكن توفيره من هذه البنود مقارنة بالنفقات الاجتماعية والاستثمارية الكبرى.
لا اعتمادات لمشاريع لا تستطيع القطاعات تنفيذها
التشدد يمتد إلى الاستثمار العمومي، لكن من زاوية مختلفة، إذ يطلب المنشور من القطاعات الحكومية بناء مقترحاتها الاستثمارية انطلاقا من قدرتها الحقيقية على التنفيذ، مع مراعاة معدلات ترحيل الاعتمادات من سنة إلى أخرى.
وتعطى الأولوية للالتزامات الناتجة عن التعليمات الملكية، فضلا عن الاتفاقيات الموقعة مع المانحين الدوليين.
أما الإعانات الموجهة إلى المؤسسات العمومية، فسيجري صرفها بحسب تقدم المشاريع والسيولة المتوفرة لديها، بما يربط تحويل الموارد بوتيرة الإنجاز الفعلي.
وتأتي هذه التوجيهات في سياق تعديل عدد من قواعد الصفقات العمومية، إذ ارتفع سقف سندات الطلب من 500 ألف إلى 800 ألف درهم، فيما انتقل سقف المسطرة المبسطة المعفاة من شهادات المراجع من مليون إلى 1.5 مليون درهم.
168 مليار درهم إضافية في مداخيل الدولة
وتراهن الحكومة في الجانب الآخر من المعادلة على استمرار تعبئة الموارد الجبائية، بحيث يؤكد المنشور مواصلة توسيع الوعاء الضريبي وترشيد الامتيازات وتشديد مكافحة الغش، مع التأكيد على أن ذلك سيتم “دون زيادة الضغط الضريبي”.
وتظهر الأرقام التي تقدمها الوثيقة أن المداخيل العادية للدولة انتقلت من 256.2 مليار درهم سنة 2021 إلى 424.2 مليار درهم في 2025، أي بزيادة بلغت 168 مليار درهم خلال أربع سنوات.
ويعادل ذلك متوسط نمو سنوي بـ13.5 بالمئة، فيما سجلت المداخيل الضريبية وحدها متوسط زيادة سنوية قدره 12.4 بالمئة خلال الفترة نفسها.
ويربط المنشور هذا التطور بالقانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، لكنه لا يفصل داخل الزيادة المسجلة بين ما نتج عن توسيع القاعدة الضريبية وما يرتبط بالنمو الاسمي للاقتصاد أو بالتضخم.
قانون المالية نفسه على طاولة الإصلاح
ولا تقتصر أجندة 2027 على تدبير الموارد والنفقات، بل تشمل إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يحكم جزءا من المالية العمومية.
وتعلن الحكومة مراجعة القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، مع توجه نحو توسيع نطاقه ليشمل المؤسسات العمومية المستفيدة من الدعم، إلى جانب اعتماد الميزنة متوسطة المدى ووضع سقف للمداخيل المرصدة.
كما ستتواصل عملية تنزيل القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، مع إحداث هيئة مركزية مكلفة بعمليات التصفية.
ويشير المنشور أيضا إلى مشروعي القانونين رقم 047.26 و046.26، المتعلقين بجعل المندوبية السامية للتخطيط هيئة للحكامة وإعادة تنظيم النظام الإحصائي الوطني.
القطار والمطارات والموانئ والماء.. أوراش بلا غلاف استثماري إجمالي
رغم التشديد على ضبط النفقات، لا تعني مالية 2027 التراجع عن الأوراش الاستثمارية الكبرى، فالمنشور يسرد مجموعة واسعة من المشاريع التي ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، لكنه لا يحدد الغلاف الإجمالي للاستثمار المقرر للسنة المقبلة.
في السكك الحديدية، يبرز مشروع الخط فائق السرعة القنيطرة-مراكش على امتداد 430 كيلومترا، إلى جانب شبكات القطارات السريعة الجهوية في ثلاث جهات.
وفي النقل الجوي، تستهدف الاستراتيجية المعلنة رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات إلى 80 مليون مسافر بحلول 2030، فيما يفترض أن يصل أسطول الخطوط الملكية المغربية إلى 200 طائرة في أفق 2037.
وتضم لائحة الأوراش أيضا ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي.
وفي قطاع الماء، تستهدف المشاريع بلوغ قدرة لتحلية مياه البحر في حدود 1.7 مليار متر مكعب، ورفع قدرة التخزين إلى 22 مليار متر مكعب بحلول 2030.
ويضاف إلى كل ذلك جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تقدر الوثيقة كلفتها بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.