على بعد أمتار قليلة من مقر السفارة المغربية الشاغر منذ أكثر من أربع سنوات، رست أمس الاثنين في قاعدة حلق الوادي البحرية بضاحية تونس العاصمة سفن ووفود ثلاث عشرة دولة بينها المغرب، لانطلاق الدورة الحادية والعشرين من تمرين “فينيكس إكسبريس”أحد أبرز التمارين البحرية متعددة الجنسيات التي تقودها البحرية الأمريكية في إفريقيا
والمشهد يختصر مفارقة الحقبة الراهنة في المغرب الكبير قنوات سياسية جامدة بين الرباط وتونس، وقنوات عسكرية تبقى مفتوحة تحت مظلة أمريكية.
دورة موسعة و12 يوما من التدريب
يمتد التمرين اثني عشر يوما، وفق بلاغ الأسطول السادس الأمريكي الصادر يوم انطلاقه، وينفَّذ في صيغة تدمج مرحلتين برية وبحرية إذ تربط هذه الصيغة بين عدد من مراكز العمليات البحرية الإقليمية المكلفة بتبادل البيانات في الزمن الحقيقي وبناء صورة موحدة لحركة الملاحة في جنوب المتوسط، وتشمل تدريبات على البحث والإنقاذ، ومحاكاة لعمليات الصعود على متن السفن وتفتيشها، إلى جانب استخدام منظومات متطورة لرصد الأنشطة غير المشروعة داخل المناطق الاقتصادية الخالصة الإفريقية.
من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع التونسية مشاركة نحو 400 عسكري وملاحظ، إلى جانب خمس سفن حربية، في برنامج يمتد بين 6 و18 شتنبر، ويتضمن استخدام مركبات سطحية غير مأهولة وتفتيش السفن والاستعلامات البحرية ومواجهة التهديدات البيولوجية والكيميائية، والدعم الطبي والإسعاف، وتطبيق القانون البحري.
وتظهر صور رسمية نشرتها البحرية الأمريكية عسكريين مغاربة وتونسيين خلال تدريبات على إجراءات العمل المدني-العسكري، يؤطرها أفراد من الكتيبة 412 للشؤون المدنية التابعة للجيش الأمريكي.
قائمتان وفارقان
تكشف الوثائق الرسمية عن تباين لافت بين البلاغين الأمريكي والتونسي بشأن هوية بعض الدول المشاركة إذ تدرج البحرية الأمريكية في قائمتها كلا من الجزائر وبلجيكا ومصر وفرنسا وجورجيا وإيطاليا وليبيا وموريتانيا والمغرب وتونس وتركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، فيما تبقي القائمة التونسية على العدد نفسه (13)، لكنها تستبدل موريتانيا والمملكة المتحدة بإسبانيا ومالطا ولم يصدر إلى حدود إعداد هذا التقرير أي توضيح رسمي يصالح بين القائمتين.
المشاركة على وقع فتور دبلوماسي
الحدث الذي يجمع بحّارة مغاربة وتونسيين في تدريب واحد لا يمكن قراءته بمعزل عن حالة العلاقات الثنائية، ففي صيف 2022 استدعت الرباط سفيرها لدى تونس فور استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي في افتتاح “قمة طوكيو الدولية للتنمية في إفريقيا” (تيكاد 8)، وأعلنت مقاطعة القمة.
وردّت تونس في اليوم التالي باستدعاء سفيرها لدى الرباط، ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد أي من السفيرين إلى منصبه، كما أنه وفي 24مارس 2025 عيّن الملك محمد السادس السفير حسن طارق رئيسا لمؤسسة “وسيط المملكة” فأصبح المنصب المغربي في تونس شاغرا بصفة رسمية دون تعيين خلف.
ورغم هذا الجمود، تواصل البحرية الملكية المغربية انخراطها في التمرين للمرة الرابعة منذ اندلاع الأزمة (2022، 2024، يناير 2026، ثم شتنبر 2026)، دون أن يصدر عن الرباط أو تونس ما يربط بين الحضور العسكري ومسار التطبيع كما أن الإطار التشغيلي للتمرين متعدد الأطراف تحت قيادة أمريكية هو ما يتيح لدول تعيش قطيعة معلنة أن تتشارك السفن نفسها، كما حدث في الدورة السابعة عشرة سنة 2022 حين جمع التمرين بين المغرب والجزائر رغم قطع الأخيرة لعلاقاتها الدبلوماسية مع الرباط قبل عام واحد فقط.
برود رغم الإشارات
من جهة ثانية، لم يمنع استمرار البرود الدبلوماسي بين الرباط وتونس من ظهور إشارات متفرقة خلال العامين الأخيرين إلى كسر جزئي للجمود، من دون أن تتطور حتى الآن، إلى مصالحة سياسية معلنة أو عودة كاملة للعلاقات إلى مستواها السابق.
ففي 15 غشت 2024، التقى رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش وزير الخارجية التونسي آنذاك نبيل عمار، على هامش الاحتفالات بالذكرى الثمانين لإنزال بروفانس في فرنسا، في واحد من أبرز الاتصالات المباشرة بين مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين منذ الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت في غشت 2022 عقب استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية خلال قمة “تيكاد 8”.
وبعد أقل من أسبوعين، ظهر مؤشر آخر على استمرار قنوات التواصل، حين أجرى وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، في 27 غشت 2024، اتصالا هاتفيا بمحمد علي النفطي بمناسبة تعيينه وزيرا للخارجية التونسية، أكد خلاله الجانبان عمق الروابط بين الشعبين والرغبة في تعزيز التعاون بين البلدين.
وفي أواخر غشت 2026، عادت العلاقات المغربية التونسية إلى الواجهة إثر تداول معطيات عن تبادل بروتوكولي بين بوريطة والنفطي على هامش مناسبة رسمية، اعتبرت مؤشرا جديدا على “ذوبان الجليد” غير أن هذا التطور ظل محدودا في طابعه، ولم يصاحبه إعلان رسمي عن زيارة ثنائية أو بيان مشترك يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات. لذلك، يبدو من السابق لأوانه الحديث عن تطبيع دبلوماسي مكتمل، والأدق وصف ما يجري بمحاولات هادئة لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بعد أربع سنوات من الأزمة.
وعلى المستوى الاقتصادي، تبدو الصورة أقل جمودا من المسار السياسي، فالأزمة الدبلوماسية لم تؤد إلى وقف المبادلات التجارية أو إلغاء الإطار القانوني المنظم لها، إذ ما تزال العلاقات التجارية خاضعة لاتفاق منطقة التبادل الحر الموقع بين المغرب وتونس في مارس 1999.
وخلال سنة 2025، بلغت الصادرات التونسية نحو السوق المغربية نحو 973.1 مليون دينار تونسي، بحسب معطيات مركز النهوض بالصادرات التونسي، فيما سجلت تونس فائضا تجاريا مع المغرب بنحو 420.8 مليون دينار.
كما شهد مارس 2026 تحركا اقتصاديا لافتا، مع تنظيم لقاءات أعمال جمعت وفدا من رجال الأعمال المغاربة وممثلين عن 60 شركة تونسية تنشط في قطاعات الصناعات الغذائية والمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل، وأسفرت عن أكثر من 200 لقاء مهني مباشر، في مؤشر على أن قنوات التعاون الاقتصادي ظلت مفتوحة رغم استمرار الخلاف السياسي.
ثاني حضور مغربي خلال سنة واحدة
يأتي تمرين شتنبر بعد أقل من ثمانية أشهر على الدورة العشرين المنظمة بين 20 و23 يناير 2026، والتي شارك فيها المغرب إلى جانب سبع دول أخرى، وفق
بلاغ ختامي للبحرية الأمريكية.
وكانت تلك النسخة مصممة أساسا كتمرين للقيادة، تمحور حول الوعي بالمجال البحري وتبادل البيانات بين مراكز العمليات وإجراءات زيارة السفن والصعود على متنها وتفتيشها وضبطها (VBSS)مع محاكاة سيناريوهات للاتجار بالبشر وتهريب المخدرات وانتشار الأسلحة في جنوب المتوسط.
أما نسخة شتنبر فتأتي بصيغة أوسع، تجمع بين التدريبات البرية والعمليات في عرض البحر والاستخدام المنسق لوسائل المراقبة البحرية.
الفرقاطة “السلطان مولاي إسماعيل” في نسخة 2024
كان الحضور المغربي أكثف على مستوى الوسائل البحرية خلال الدورة التاسعة عشرة المنظمة بين 5 و15 نونبر 2024 وشاركت الفرقاطة من فئة “سيغما” “السلطان مولاي إسماعيل” في المرحلة البحرية إلى جانب سفن أمريكية وجزائرية وإيطالية وليبية وتونسية وتركية، وفق ما وثّقته المعطيات الأمريكية.
وفي التوقيت نفسه، شارك أفراد من القوات الخاصة للبحرية الملكية في تدريبات بمدينة بنزرت التونسية إلى جانب مشاة البحرية الأمريكية “المارينز” تركزت على تقنيات الاقتحام والتدخل الموظّفة في عمليات المراقبة والصعود على متن السفن كما منحت نسخة 2024 حيزا أوسع للأنظمة غير المأهولة الموجهة لرصد الأنشطة غير المشروعة داخل المناطق الاقتصادية الخالصة الإفريقية، وهو التوجه الذي تعيد نسخة 2026 تكريسه.
الدورية “بئر أنزران” في نسخة 2022
على المستوى نفسه، سجّلت البحرية الملكية حضورا لافتا في الدورة السابعة عشرة سنة 2022 حين غادرت سفينة الدورية في أعالي البحار “بئر أنزران” ميناء تونس يوم 28 ماي للانخراط في المرحلة البحرية من التمرين.
ونفّذ بحارة مغاربة عمليات زيارة وصعود وتفتيش وضبط (VBSS) على متن السفينة الأمريكية للقاعدة الاستكشافية “Hershel Woody Williams” التي استخدمت سفينة هدفا لفرق الاعتراض التابعة للمغرب والجزائر وموريتانيا وتونس وإيطاليا.
وامتدت هذه التدريبات في البحر الأبيض المتوسط بين 29 ماي و1 يونيو 2022، ومكّنت الفرق المشاركة من التمرّس على إجراءات الاقتراب من السفن والصعود على متنها وتفتيشها وتأمين سفينة يشتبه فيها.
ويعود الحضور المغربي الموثّق في “فينيكس إكسبريس” إلى الدورة السادسة عشرة التي احتضنتها تونس بين 17 و28 ماي 2021 بمشاركة 13 دولة وخصصت تلك الدورة لمواجهة عمليات الاتجار والتهريب غير المشروعة، والهجرة غير النظامية، وتداول البضائع المحظورة في المتوسط.
وشاركت البحرية الملكية آنذاك بالفرقاطة “السلطان مولاي إسماعيل” ضمن فرقاطات جزائرية ومصرية وتونسية، فيما تدرّب أفراد مغاربة إلى جانب خفر السواحل الأمريكي على إجراءات الاعتراض والمراقبة البحرية.
ويعد “فينيكس إكسبريس” من أبرز التمارين الإقليمية للأمن البحري التي تنظمها القوات البحرية الأمريكية في أوروبا و في القارة الإفريقية، ويتولى الأسطول السادس الأمريكي ومقره في نابولي قيادته العملياتية في إطار “أفريكوم” كما يتمحور التمرين حول ثلاثة أهداف تشغيلية معلنة عبر تعزيز قابلية التشغيل البيني بين البحريات الشريكة، وتحسين الوعي بالمجال البحري في جنوب المتوسط، ورفع القدرة على التنسيق السريع لتنفيذ عمليات الاعتراض ومهام الأمن البحري.
