الوسم: توزيع الحصص الإعلامية للأحزاب السياسية

  • انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    تدخل الأحزاب السياسية المغربية مرحلة حاسمة من التحضير للانتخابات المقررة في 23 شتنبر المقبل، و لتبدأ معها الاستعدادات التنظيمية للحملة الانتخابية مرحلة جديدة بعدما أجريت في 23 يوليوز الفائت القرعة الخاصة بتوزيع الحصص الإعلامية للأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية.

    وبينما تبدو العملية في ظاهرها إجراء تقنيا يقتصر على تحديد مواعيد بث الوصلات الانتخابية، فإنها تستند في الواقع إلى منظومة قانونية تنظم حضور الأحزاب في الإعلام العمومي، وتحدد كيفية تحقيق التوازن بين مبدأ تكافؤ الفرص وبين اختلاف التمثيلية السياسية للأحزاب.

    وأجرت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بحضور ممثلي الأحزاب السياسية ومؤسسات الإعلام العمومي، القرعة الخاصة ببرمجة الحصص الإعلامية الخاصة بالحملة الانتخابية، بعد تقسيم الأحزاب المشاركة، وعددها 27 حزبا، إلى ثلاث مجموعات وفق معيار التمثيلية البرلمانية، مع تحديد مدة البث المخصصة لكل فئة، إضافة إلى آليات تغطية التجمعات الانتخابية واستضافة ممثلي الأحزاب في النشرات الإخبارية.

    غير أن هذه العملية تطرح أسئلة تتجاوز الجانب التنظيمي، من قبيل: لماذا لا تستفيد جميع الأحزاب من المدة الزمنية نفسها؟ وما الأساس القانوني لاعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا للتوزيع؟ وكيف يضمن الإعلام العمومي الحياد خلال الحملة الانتخابية؟

    من ينظم الظهور الإعلامي للأحزاب؟

    لا يخضع توزيع الحصص الإعلامية لاجتهادات ظرفية، وإنما تنظمه مقتضيات المرسوم رقم 2.11.610 المتعلق باستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية، والذي يحدد المبادئ العامة المؤطرة لحضور الأحزاب السياسية في القنوات التلفزية والإذاعات العمومية.

    وينص هذا الإطار التنظيمي على تخصيص فترات بث للأحزاب المشاركة في الانتخابات، مع مراعاة مجموعة من الضوابط، من بينها توزيع الحصص على مختلف الفترات الزمنية خلال اليوم، واستمرار حضور الأحزاب طيلة الحملة، وتفادي بث الحصة نفسها في أكثر من وسيلة إعلامية في التوقيت ذاته، بما يسمح بوصول الرسائل الانتخابية إلى أكبر شريحة من المواطنين.

    ويشمل التنظيم تغطية الأنشطة الميدانية للأحزاب، واستضافة ممثليها في النشرات الإخبارية وفق قواعد موحدة، بما يضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين داخل الإعلام العمومي خلال فترة الحملة.

    ويأتي هذا التنظيم في إطار تنزيل المبادئ الدستورية المرتبطة بالتعددية السياسية، وحق المواطنين في الاطلاع على البرامج الانتخابية، مع ضمان حياد وسائل الإعلام العمومية وعدم توظيفها لخدمة أي طرف سياسي.

    لماذا تختلف مدة البث بين الأحزاب؟

    أبرز ما يلفت الانتباه في توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملة الانتخابية هو اختلاف الزمن المخصص لكل حزب، فالأحزاب التي تمتلك فريقا برلمانيا تحظى بحيز زمني أكبر، تليها الأحزاب الممثلة في البرلمان دون فريق، بينما تستفيد الأحزاب غير الممثلة من مدة أقل.

    ويستند هذا التوزيع إلى معيار التمثيلية البرلمانية التي أفرزتها آخر انتخابات تشريعية، باعتبارها مؤشرا على حجم الحضور السياسي لكل تنظيم داخل المؤسسات المنتخبة.

    ولا يقوم هذا النظام على مبدأ المساواة المطلقة في عدد الدقائق، بل على مبدأ الإنصاف القانوني، الذي يميز بين الأحزاب وفق وضعيتها التمثيلية مع ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع التنظيمات المشاركة في الانتخابات.

    وبهذا المعنى، فإن جميع الأحزاب تستفيد من حق الولوج إلى الإعلام العمومي، لكن حجم الاستفادة يختلف وفق معايير محددة سلفا في النصوص التنظيمية، وليس بناء على قرارات تقديرية أو اعتبارات سياسية.

    ويهدف هذا التصور إلى التوفيق بين اعتبارات متوازنة؛ فمن جهة، يمنح الأحزاب الناشئة أو الصغيرة فرصة التعريف ببرامجها والوصول إلى الناخبين، ومن جهة أخرى، يعكس الوزن الانتخابي للأحزاب التي سبق أن نالت ثقة الناخبين وحصلت على تمثيلية داخل البرلمان، انطلاقا من أن نتائج الاقتراع تشكل أساسا لتوزيع بعض الحقوق المرتبطة بالمنافسة الانتخابية.

    ورغم ذلك، يظل هذا النظام محل نقاش مع كل استحقاق انتخابي، إذ يرى مؤيدوه أنه يجسد مبدأ التمثيلية ويحترم الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بينما تعتبر أطراف أخرى أن التفاوت في الزمن الإعلامي، إلى جانب الفوارق في الإمكانيات التنظيمية والمالية، قد يحد من تكافؤ فرص الأحزاب الأقل تمثيلا في الوصول إلى الناخبين.

    ولا يقتصر دور الإعلام العمومي، في هذا الإطار، على بث الوصلات والرسائل الانتخابية، بل يضطلع بوظيفة ديمقراطية تتمثل في إتاحة فضاء تعددي يعرض مختلف البرامج والرؤى السياسية وفق قواعد موحدة وشفافة، بما يساعد الناخب على المقارنة بين الخيارات المطروحة وتكوين رأي قبل الإدلاء بصوته يوم الاقتراع.

    وفي تفسيره للأساس القانوني الذي يقوم عليه توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملات الانتخابية، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن اعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا لتوزيع الزمن الإعلامي يعكس فلسفة تشريعية تسعى إلى التوفيق بين احترام نتائج الاقتراع السابق وضمان حق جميع الأحزاب المشاركة في الولوج إلى وسائل الإعلام العمومية.

    ويؤكد بلغيث، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن اعتماد المشرع معيار التمثيلية البرلمانية يستند إلى الإرادة الشعبية التي أفرزتها الانتخابات السابقة، ويعكس الوزن السياسي لكل حزب داخل المؤسسات المنتخبة”، غير أنه يشدد على أن ذلك لا يعني المساواة المطلقة في الزمن الإعلامي، بل تحقيق تكافؤ الفرص وفق معايير قانونية موضوعية.

    ويبرز أن المساواة في الزمن تختلف عن المساواة في الحقوق الانتخابية، التي تضمن لجميع الأحزاب الحق في الترشح، والولوج إلى الإعلام العمومي، والاستفادة من الضمانات القانونية نفسها، مشيرا إلى أن القانون ألزم وسائل الإعلام العمومية باحترام مبادئ الحياد والتعددية والإنصاف، مع إخضاعها لرقابة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، التي تتولى تتبع توزيع الزمن الإعلامي ورصد مدى الالتزام بالمقتضيات القانونية، بما يضمن شفافية الحملة الانتخابية ونزاهة المنافسة السياسية.

    الإعلام العمومي.. أي دور خلال الحملة الانتخابية؟

    لا يقتصر دور وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال فترة الحملة الانتخابية على بث الوصلات الخاصة بالأحزاب، بل يمتد إلى توفير فضاء إعلامي يخضع لقواعد قانونية تضمن احترام التعددية السياسية وتكافؤ فرص الوصول إلى الناخبين.

    ولهذا السبب، لا تقتصر برمجة الحملة على الحصص الانتخابية فقط، إذ يشمل التنظيم أيضا تغطية التجمعات الانتخابية، واستضافة ممثلي الأحزاب داخل النشرات الإخبارية وفق ضوابط محددة سلفا.

    وبحسب التنظيم المعتمد، تستفيد الأحزاب الممثلة في البرلمان من فقرة “ضيف النشرات الإخبارية”، كما تتولى وسائل الإعلام العمومية تغطية تجمع انتخابي واحد لكل حزب، مع اختلاف مدة التغطية بحسب المجموعة التي ينتمي إليها الحزب.

    ويهدف هذا التنظيم إلى ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع الأحزاب المشاركة، مع تفادي احتكار الفضاء السمعي البصري العمومي من قبل جهة سياسية واحدة، ما يجعل الإعلام العمومي جزءا من الضمانات المؤسساتية المنظمة للعملية الانتخابية، وليس مجرد ناقل للأنشطة الحزبية.

    غير أن تحقيق الحياد لا يرتبط فقط بتوزيع الزمن الإعلامي، بل يشمل كذلك طريقة تقديم الأخبار، وترتيب المواضيع، واحترام التوازن في تغطية الأنشطة، وهي عناصر تخضع بدورها للمراقبة من قبل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا”، باعتبارها المؤسسة المكلفة بالسهر على احترام قواعد التعددية داخل وسائل الإعلام السمعية البصرية.

    هل ما زال التلفزيون يصنع القرار الانتخابي؟

    خلال العقد الأخير، تغيرت أنماط استهلاك الأخبار والمضامين السياسية، وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تحتل موقعا متقدما في متابعة النقاش العمومي، خصوصا لدى فئة الشباب.

    وأصبحت الأحزاب السياسية تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لنشر برامجها، وبث لقاءاتها، والتفاعل المباشر مع المواطنين، وهو ما جعل الحملة الانتخابية لا تقتصر على الفضاء الذي ينظمه القانون داخل وسائل الإعلام العمومية، بل تمتد أيضا إلى فضاءات رقمية مفتوحة تختلف فيها قواعد المنافسة.

    ويلاحظ أن هذا التحول لا يلغي أهمية الإعلام العمومي، بل يعيد تحديد وظيفته، لأن المنصات الرقمية تمنح الأحزاب إمكانية الوصول السريع إلى جمهور واسع، لكن الإعلام العمومي يظل الفضاء الذي يخضع لضوابط قانونية واضحة، ويضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين وفق قواعد موحدة، بعيدا عن منطق الخوارزميات أو الإمكانيات المالية المخصصة للإعلانات الرقمية.

    وفي قراءته للتحولات التي يعرفها التواصل السياسي، يرى جلال زين العابدين، أستاذ التواصل السياسي، أن الحملات الانتخابية لم تعد تعتمد على الإعلام العمومي بالكيفية نفسها التي كانت عليها في السابق، في ظل تنامي حضور المنصات الرقمية وتغير أنماط تفاعل الناخبين مع الخطاب السياسي، وهو ما يطرح، بحسبه، تحديات جديدة أمام الإطار القانوني المنظم للحملات الانتخابية.

    ويؤكد، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن “الإعلام العمومي لا يزال يحتفظ بدور أساسي داخل الحملات الانتخابية، باعتباره فضاء يضمن حضورا مؤسساتيا متوازنا للأحزاب وفق قواعد قانونية واضحة، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة المؤثرة في تشكيل الرأي العام كما كان في السابق”.

    ويشرح زين العابدين هذا التوحل بالتغيير الذي أحدثه المنصات الرقمية في قواعد التواصل السياسي، بعدما أتاحت للأحزاب الوصول المباشر إلى الناخبين، والتفاعل الفوري معهم، واستهداف فئات محددة برسائل موجهة، مشددا على أنه أصبح من الضروري أن يواكب الإطار القانوني هذا التحول، من خلال تنظيم التواصل السياسي الرقمي بما يضمن الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحد من التضليل الإعلامي، مع الحفاظ على حرية التعبير والتنافس الديمقراطي.

    بين التنظيم القانوني والتحول الرقمي

    ويطرح هذا الواقع تحديا جديدا أمام المنظومة الانتخابية، يتمثل في كيفية الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص داخل فضاء إعلامي أصبح منقسما بين وسائل إعلام عمومية منظمة قانونا، ومنصات رقمية يصعب إخضاعها للقواعد نفسها.

    ففي الوقت الذي يحدد فيه القانون مدة بث كل حزب داخل التلفزيون والإذاعة، تبقى المنافسة على المنصات الرقمية مرتبطة بقدرات الأحزاب على إنتاج المحتوى، وتدبير الحملات الرقمية، واستثمار الإعلانات الممولة، وهو ما يفتح نقاشا حول مدى الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني المنظم للاتصال السياسي بما يواكب التحولات التكنولوجية.

    ويثير هذا التطور تساؤلات حول تأثير المحتوى الرقمي في تشكيل الرأي العام، خاصة مع تنامي استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وانتشار المحتويات القصيرة، وتزايد مخاطر الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة خلال الفترات الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التحدي لم يعد يقتصر على ضمان عدالة توزيع الزمن الإعلامي داخل القنوات العمومية، بل أصبح يشمل أيضا التفكير في آليات تعزز شفافية الحملات الرقمية، وتحافظ على ثقة الناخبين في سلامة المنافسة الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين توسيع فضاءات التعبير السياسي وضمان منافسة نزيهة تحترم قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، كما تزداد أهمية تطوير آليات الرقابة والتقنين بما يواكب تطور وسائل الاتصال، ويحافظ على حق المواطن في الوصول إلى معلومة سياسية دقيقة ومتوازنة بعيدا عن التضليل أو الممارسات غير المشروعة.