لا تمثل اللوائح المحلية التي أعلن عنها حزب الأصالة والمعاصرة خلال الدورة الثانية والثلاثين لمجلسه الوطني، المنعقدة السبت الماضي بسلا، مجرد مرحلة تنظيمية تسبق إيداع الترشيحات، بل تقدم مؤشرات أولية على الكيفية التي يقرأ بها الحزب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وعلى طبيعة الرهانات التي اختار خوضها في انتخابات 23 شتنبر المقبل.
ولا تُحسم الانتخابات فقط بالبرامج السياسية، وإنما تبدأ منذ لحظة اختيار المرشحين، لأن التزكية تعكس تصور الحزب لشكل المنافسة، والفئات التي يريد مخاطبتها، وطبيعة الرسائل التي يسعى إلى إيصالها للناخبين.
لماذا لم يلجأ الحزب إلى تغيير واسع؟
تكشف معطيات لوائح ترشيحات “الجرار” أن الحزب احتفظ بـ52 وكيلا للائحة سبق لهم خوض انتخابات 2021، مقابل 38 مرشحا يقودون اللوائح لأول مرة.
ولا يقتصر معنى هذه الأرقام على كونها استمرارا للأسماء نفسها، بل تكشف أن الحزب يعتبر التجربة الانتخابية عنصرا حاسما في المنافسة، فالمرشح الذي سبق له خوض الانتخابات يمتلك في الغالب معرفة بالدوائر المحلية، وشبكات للتواصل مع الناخبين، وقدرة أكبر على إدارة الحملة الانتخابية مقارنة بمرشح يخوض التجربة للمرة الأولى.
كما أن الإبقاء على عدد كبير من المرشحين السابقين يحد من الصراعات الداخلية التي قد تنتج عن تغيير وكلاء اللوائح، خصوصا في الدوائر التي تعرف تنافسا حادا أو توازنات تنظيمية دقيقة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الاستمرارية خيارا تنظيميا أيضا، لأنها تضمن الحفاظ على البنية المحلية للحزب خلال مرحلة انتخابية تحتاج إلى قدر كبير من الانسجام الداخلي.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي والأستاذ الجامعي، عبد العزيز خليل، أن الاحتفاظ بأكثر من نصف وكلاء اللوائح السابقين لا يعكس غياب التجديد، بقدر ما يعكس قناعة بأن الانتخابات التشريعية تقوم بدرجة كبيرة على شبكات الثقة والامتداد الميداني والقدرة على تعبئة الهيئة الناخبة.
ويرى خليل أن هذه عناصر يصعب بناؤها في فترة وجيزة، لذلك، فضل الحزب الاستثمار في الرصيد التنظيمي الذي راكمه خلال السنوات الماضية، باعتباره أقل مخاطرة من إحداث تغيير واسع قبل أشهر قليلة من موعد الاقتراع.
لماذا اختار الحزب إدخال وجوه جديدة؟
في الاتجاه المقابل، منح الحزب قيادة 38 لائحة لمرشحين لم يسبق لهم الترشح وكلاء للائحة. ورغم أن الرقم يبدو أقل من عدد المرشحين السابقين، فإنه يعكس محاولة لإحداث تجديد تدريجي داخل النخب الحزبية دون إحداث قطيعة مع القيادات التي راكمت تجربة انتخابية.
ويلاحظ أن الوجوه الجديدة التي منحها الحزب التزكية تجمع بين أطر حزبية راكمت تجربة تنظيمية، ومنتخبين محليين، إلى جانب شخصيات استقطبها الحزب من مجالات اقتصادية ومهنية وأكاديمية مختلفة.
هذا التنوع مؤشر على توجه نحو توسيع قاعدة المرشحين عبر المزج بين الكفاءات الداخلية والاستقطاب الخارجي، بما يهدف إلى تعزيز العرض السياسي للحزب واستقطاب فئات جديدة من الناخبين.
ويعتبر الشرقاوي أن هذا الأسلوب يعكس ما يمكن تسميته بـ”التجديد الآمن”، أي تجديد لا يقوم على القطيعة مع النخب السابقة، بل على إدماج وجوه جديدة بشكل تدريجي، بما يسمح بضخ كفاءات جديدة داخل الحزب دون المساس باستقراره التنظيمي أو إضعاف حضوره في الدوائر التي راكم فيها نفوذا انتخابيا.
لماذا يوجد الوزراء على رأس اللوائح؟
من أبرز ملامح هذه التزكيات تصدر عدد من أعضاء الحكومة والقيادة الجماعية للوائح المحلية، من بينهم المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري، ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد، ووزير العدل عبد اللطيف وهبي.
ولا يقتصر حضور الوزراء على بعد انتخابي محلي، بل يمنح للحملة الانتخابية بعدا وطنيا، لأن هؤلاء سيقودون النقاش حول حصيلة الحزب داخل الحكومة، وليس فقط حول القضايا المرتبطة بالدوائر التي يترشحون فيها.
وبذلك، تتحول بعض الدوائر إلى فضاءات للنقاش السياسي حول أداء الحكومة، في وقت يسعى الحزب إلى ربط التصويت المحلي بتقييم تجربته في تدبير الشأن العام على المستوى الوطني.
وفي قراءته لهذا المعطى، يرى الأستاذ الجامعي عبد العزيز خليل أن الحضور البارز للوزراء والقيادات الوطنية يحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الحزب اختار أن يجعل الانتخابات المقبلة اختبارا لحصيلته الحكومية، وليس مجرد منافسة بين مرشحين محليين.
فكلما ارتفع حضور أعضاء الحكومة في الحملة الانتخابية، يضوح الأكاديمي ذاته، أصبح النقاش موجها نحو تقييم السياسات العمومية التي شارك الحزب في تنفيذها، وهو ما يعني أن الحزب يراهن على ربط شرعيته الانتخابية بأدائه داخل الحكومة
ماذا تقول البروفايلات المهنية؟
من المؤشرات اللافتة أيضا طبيعة الخلفيات المهنية للمرشحين، بعدما منح الحزب التزكية لـ49 مرشحا من رجال وسيدات الأعمال والمقاولين، إلى جانب محامين وموثقين وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين وأطر عليا.
ولا يتعلق الأمر فقط بالتنوع المهني، بل يعكس تصورا لطبيعة المرشح الذي يريد الحزب تقديمه للناخبين، إذ يبدو أن معيار الكفاءة والخبرة المهنية يحتل مكانة متقدمة في عملية الاختيار، إلى جانب الحضور الانتخابي.
ويفسر ذلك بكون تدبير الملفات المحلية أصبح يرتبط أكثر بقدرة المنتخب على مواكبة المشاريع الاستثمارية، وتتبع السياسات العمومية، والتفاعل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وهي مجالات تتطلب خبرات تقنية وإدارية إلى جانب العمل السياسي.
ويضيف خليل أن هذه البروفايلات تعكس تحولا في معايير التزكية داخل الأحزاب المغربية، حيث لم يعد الحضور السياسي أو التنظيمي وحده كافيا، بل أصبحت الكفاءة المهنية والخبرة في التدبير من العناصر التي تمنح المرشح قيمة مضافة، بالنظر إلى ارتفاع انتظارات المواطنين من المنتخبين في مجالات الاستثمار والتنمية المحلية وتتبع المشاريع العمومية.
حضور المرأة… تقدم نسبي في المنافسة المحلية
رغم أن اللوائح المحلية لحزب الأصالة والمعاصرة ضمت سبع وكيلات لوائح، فإن هذا الرقم يُعد الأعلى مقارنة بالأحزاب التي أعلنت عن مرشحيها إلى حدود الآن، وحتى في تاريخ الانتخابات المغربية، ما يعكس استمرار الحزب في منح النساء مواقع متقدمة داخل المنافسة الانتخابية المحلية، وعدم حصر حضورهن في اللوائح الجهوية فقط.
ويشير ذلك إلى أن الحزب يواصل تبني خيار توسيع مشاركة النساء في مراكز القرار الانتخابي، انسجاما مع الخطاب الذي دافع عنه خلال السنوات الأخيرة بشأن تعزيز التمثيلية النسائية.
ومع ذلك، تكشف هذه الأرقام أن الحضور النسائي في الدوائر المحلية لا يزال دون مستوى المناصفة، إذ تبقى غالبية التزكيات من نصيب المرشحين الرجال، وهو معطى لا يقتصر على حزب الأصالة والمعاصرة، بل يعكس واقع المنافسة الانتخابية داخل مختلف الأحزاب المغربية، في وقت يظل فيه جزء مهم من تمثيلية النساء داخل مجلس النواب مرتبطاً باللوائح الجهوية.
ماذا يكشف التوزيع الجغرافي؟
حافظ الحزب على معظم قياداته في الجهات التي حقق فيها نتائج متقدمة سنة 2021، ويشير ذلك إلى أن الحزب اختار البناء على موازين القوة التي أفرزتها الانتخابات السابقة، بدل إعادة توزيع مرشحيه بشكل واسع، وهو ما يمكن قراءته باعتباره سعياً إلى تثبيت المكاسب الانتخابية قبل التفكير في التوسع داخل دوائر جديدة.
ويرى خليل أن الحفاظ على الأسماء ذات الامتداد المحلي يعكس قراءة انتخابية تعتبر أن الانتخابات التشريعية تُحسم في جزء مهم منها بقدرة المرشح على تعبئة شبكاته المحلية والمحافظة على قواعده الانتخابية، لذلك فضّل الحزب تعزيز نقاط قوته التقليدية بدل إعادة رسم خريطته الانتخابية بالكامل.
في المحصلة، لا تبدو التزكيات مجرد إعلان عن أسماء مرشحين، بل تقدم قراءة أولية للاستراتيجية التي اختارها حزب الأصالة والمعاصرة قبل انطلاق الحملة الانتخابية. فهي تعكس توجهاً يقوم على الحفاظ على الاستقرار التنظيمي، وإدماج تجديد محدود ومدروس، وتوظيف الحصيلة الحكومية، والاعتماد على الكفاءة المهنية إلى جانب الامتداد الانتخابي. وفي هذا الإطار، يرى عمر الشرقاوي أن نجاح هذه المقاربة لن يقاس بعدد الأسماء التي تغيرت أو بقيت، وإنما بمدى قدرة الحزب على تحويل هذه الاختيارات التنظيمية إلى نتائج انتخابية، في سياق يتسم بمنافسة قوية وارتفاع سقف انتظارات الناخبين، حيث سيظل صندوق الاقتراع هو الفيصل الحقيقي في تقييم هذه الاستراتيجية.
