الوسم: تحسين دخل الأسر المغربية

  • من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    من الدعم الاجتماعي إلى الشغل.. المغرب يعيد ترتيب العلاقة بين الإعانة والعمل

    قد يكون الحصول على فرصة عمل بداية لتحسن دخل أسرة تستفيد من الدعم الاجتماعي المباشر، غير أن الانتقال إلى الوظيفة كان يمكن أن يتزامن مع فقدان الإعانات التي ظلت تشكل جزءا من مواردها، بمجرد تغير وضعيتها والتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص.

    وتحاول الحكومة جعل المسافة بين الاستفادة من الدعم والاستقرار داخل سوق الشغل أكثر أمانا، من خلال آلية جديدة تمنح الأسر المعنية فترة انتقالية قد تصل إلى سنة، تحصل خلالها على مبلغ يعادل الإعانات التي كانت تستفيد منها قبل فقدان أهليتها بسبب الالتحاق بعمل مصرح به.

    ودخل الإجراء مرحلته التطبيقية بعد استكمال الإطار القانوني والتنظيمي للمنحة الاستثنائية التي أحدثها القانون رقم 41.26، المغير والمتمم للقانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434 ليحدد مدة الاستفادة منها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    ويكشف هذا التغيير عن مرحلة جديدة في تطور نظام الدعم الاجتماعي المباشر بعد ما يقارب ثلاث سنوات من إطلاقه، إذ لم يعد الرهان مرتبطا فقط بإيصال الإعانة إلى الأسر المستحقة، بل بدأ يمتد إلى مواكبتها عندما تتحسن وضعيتها وتنتقل نحو النشاط الاقتصادي، بما يجعل الحماية الاجتماعية أقرب إلى جسر نحو الشغل بدل أن تنتهي بمجرد الحصول على أول وظيفة.

    من حماية الأسرة إلى مواكبتها نحو الشغل

    انطلق نظام الدعم الاجتماعي المباشر نهاية سنة 2023 باعتباره إحدى الركائز الأساسية لورش الحماية الاجتماعية، قبل أن تتوسع قاعدة المستفيدين منه لتشمل، وفق معطيات قدمتها الحكومة أمام البرلمان، أكثر من أربعة ملايين أسرة.

    ومع توسع البرنامج، أتاح التطبيق العملي الوقوف عند جوانب تحتاج إلى التطوير، من بينها العلاقة بين الاستفادة من الدعم وتغير الوضعية المهنية للأسرة.

    فالتصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى نظام الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص يمكن أن يؤدي، إذا ترتب عنه فقدان شروط الأهلية، إلى خروج الأسرة من نظام الدعم.

    وفي المقابل، لا يعني الحصول على أول وظيفة بالضرورة أن الاستقرار المالي تحقق منذ الشهر الأول، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببداية مسار مهني جديد.

    وهنا ظهرت الحاجة إلى حلقة انتقالية بين الوضعيتين، تسمح للأسرة بالانتقال إلى العمل المصرح به دون أن تفقد بشكل مفاجئ موردا كانت تعتمد عليه، وتمنحها في الوقت نفسه فرصة لبناء استقرارها انطلاقا من الدخل الناتج عن العمل.

    وحضر هذا التوجه خلال إعداد القانون رقم 41.26 ومناقشته داخل البرلمان، إذ قدمت الحكومة التعديل باعتباره جزءا من معالجة ما كشفه التطبيق العملي، وربطته بتعزيز الإدماج الاقتصادي وتحقيق تكامل أكبر بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وخلال مناقشة المشروع داخل البرلمان، توقف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عند هذا الجانب، موضحا أن التطبيق أظهر وجود مستفيدين يترددون في ولوج سوق الشغل خشية فقدان الدعم، إلى جانب حالات قد يفضل فيها المعنيون الاشتغال دون التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حفاظا على الاستفادة.

    ومن هنا جاء التعديل ليعيد ترتيب العلاقة بين الاثنين، إذ لا ينبغي للحصول على عمل مصرح به أن يضع الأسرة أمام فقدان فوري لشبكة الحماية، بل يمكن أن يشكل بداية انتقال تدريجي من الإعانة إلى دخل مهني أكثر استدامة.

     في هذا السياق، يرى محمد أمين سامي، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات العمومية، أن أهمية هذا التحول تكمن في أخذه بعين الاعتبار طبيعة المرحلة الأولى من الاندماج المهني، موضحا أن “الأسرة المستفيدة لا تقارن فقط بين قيمة الدعم وقيمة الراتب الجديد، بل تأخذ بعين الاعتبار مدى استقرار الوظيفة وإمكانية استمرارها، إضافة إلى المصاريف التي قد ترافق بداية العمل، من نقل وغيره”.

    ويضيف سامي في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أن “وجود فترة انتقالية يخفف حالة عدم اليقين التي يمكن أن ترافق بداية العمل، ويمنح الأسرة الوقت الكافي للتكيف مع مصدر دخل جديد، بدل الانتقال بشكل مفاجئ من وضعية إلى أخرى”.

    12 شهرا بين الدعم والاستقرار في الشغل

    ترجم القانون رقم 41.26 هذا التوجه إلى آلية عملية، من خلال إحداث منحة استثنائية لفائدة الأسر التي تفقد حقها في الاستفادة من الإعانات نتيجة التصريح بأحد الزوجين أو رب الأسرة لدى نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في القطاع الخاص.

    وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبح بإمكان الأسرة المعنية الاستفادة من منحة تعادل مبلغ الإعانة أو الإعانات التي كانت تستفيد منها في إطار نظام الدعم الاجتماعي المباشر.

    وحدد القانون مبدأ هذه الاستفادة، بينما ترك مدتها للنص التنظيمي، قبل أن يأتي المرسوم رقم 2.26.434، المتمم للمرسوم المتعلق بتطبيق قانون الدعم الاجتماعي المباشر، ليحدد سقفها في اثني عشر شهرا، متصلة أو غير متصلة.

    وكان مجلس الحكومة قد صادق على مشروع المرسوم في 22 يوليوز 2026، قبل نشره في الجريدة الرسمية عدد 7530 الصادرة في 30 يوليوز، ليستكمل بذلك الإطار التنظيمي لتنزيل الآلية الجديدة.

    وتحتسب مدة الاستفادة ابتداء من تاريخ التصريح بنظام الضمان الاجتماعي، في حدود اثني عشر شهرا، فيما ترتبط قيمة المنحة بالإعانات التي كانت تحصل عليها الأسرة قبل تغير وضعيتها.

    وتمنح هذه القاعدة للأسرة فترة للتكيف مع انتقالها من مورد اجتماعي إلى دخل مهني، بحيث لا يصبح أول راتب نقطة توقف مباشرة للدعم الذي اعتادت عليه، وإنما بداية مسار تدريجي يفترض أن يقود في نهايته إلى الاستقلال الاقتصادي.

    كما أن إمكانية احتساب الأشهر الاثني عشر بشكل متصل أو غير متصل تمنح الآلية قدرا من المرونة، بالنظر إلى أن بداية المسار المهني لا تكون دائما مستقرة أو متواصلة منذ أول تجربة.

    خطوة نحو توسيع العمل المصرح به

    لا تتوقف دلالة التعديل عند حماية دخل الأسرة خلال فترة محددة، إذ يحمل أيضا رهانا يرتبط بتوسيع دائرة العمل المصرح به والاندماج في الاقتصاد المهيكل، لأن الربط المباشر بين الحصول على وظيفة وفقدان الدعم كان يمكن أن يجعل بعض المستفيدين أكثر تحفظا تجاه العمل المصرح به، وهو ما حاول القانون الجديد تجاوزه عبر توفير مرحلة انتقالية تجعل الانتقال إلى الوظيفة أكثر سلاسة.

    ولهذا ربطت الحكومة القانون، منذ المصادقة على مشروعه في مجلس الحكومة في 21 ماي 2026، بتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمستفيدين، وبإقامة تكامل وظيفي بين آليات الدعم الاجتماعي وآليات التشغيل.

    وتبرز هنا دلالة تتجاوز المستفيد المباشر، لأن الانتقال إلى العمل المصرح به يعني أيضا دخول الأجير إلى منظومة الضمان الاجتماعي والاستفادة من الحقوق المرتبطة بها، بما يجعل الانتقال من الدعم إلى الشغل انتقالا نحو شكل آخر من أشكال الحماية الاجتماعية المرتبطة بالنشاط المهني.

    ويعتبر محمد أمين سامي أن هذه النقطة تمثل أحد الأبعاد الاقتصادية المهمة للإجراء، موضحا أن “المنحة لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها استمرارا للدعم لمدة إضافية، بل باعتبارها أيضا آلية يمكن أن تشجع على الانتقال إلى العمل المصرح به، لأن تقليص كلفة الانتقال بالنسبة للأسرة يزيل أحد العوامل التي قد تجعلها مترددة في دخول سوق الشغل المهيكل”.

    ويضيف الخبير الاقتصادي أن “توسيع العمل المهيكل له أثر يتجاوز الدخل الذي يحصل عليه المستفيد، لأنه يعني أيضا توسيع التغطية المرتبطة بالضمان الاجتماعي وتعزيز التصريح بالأجراء، وفي المقابل يسمح للأسرة بأن تنتقل تدريجيا من الاعتماد على التحويلات الاجتماعية إلى دخل ناتج عن النشاط الاقتصادي”.

    فقدان العمل لا يغلق باب الدعم

    وتكتمل هذه المقاربة بمقتضى آخر يعالج الاتجاه المعاكس، أي ما يحدث إذا لم تستمر تجربة العمل بعد خروج الأسرة من نظام الدعم.

    فبداية العمل لا تضمن دائما استمرار الوظيفة، خصوصا في المراحل الأولى من المسار المهني، ولذلك جاءت التعديلات لتتيح للأسرة العودة إلى الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر عند فقدان رب الأسرة أو أحد الزوجين للعمل، دون التقيد بالمدة التي كانت تفرضها القواعد السابقة، مع ضرورة استيفاء باقي شروط الاستفادة.

    ويعني ذلك أن النظام الجديد لا يواكب الأسرة فقط عند خروجها من الدعم، وإنما يحتفظ لها بإمكانية العودة إلى شبكة الحماية إذا تعثر انتقالها إلى النشاط المهني.

    وهكذا تتحرك الآلية في اتجاهين، تمنح فترة أمان عند الانتقال إلى الشغل، وتبقي باب الحماية الاجتماعية مفتوحا عندما لا يستمر مصدر الدخل الجديد.

    وتعطي هذه المرونة معنى أوسع للمقتضيات الجديدة، لأنها تتعامل مع الاندماج الاقتصادي باعتباره مسارا قد يحتاج إلى وقت حتى يستقر، بدل اعتباره تحولا نهائيا يتحقق بمجرد أول تصريح لدى نظام الضمان الاجتماعي.

    سنة للانتقال.. والرهان على الاستقرار بعدها

    توفر الأشهر الاثنا عشر للأسرة وقتا إضافيا لبناء استقرارها المهني، لكن نجاح الآلية في تحقيق غايتها سيظهر أساسا فيما يحدث بعد انتهاء هذه الفترة.

    فإذا استطاع المستفيد الاستمرار في وظيفته وتحسين دخله، تكون المنحة قد قامت بدورها باعتبارها جسرا ساعد الأسرة على الانتقال تدريجيا من الدعم إلى مورد ناتج عن العمل، دون صدمة مفاجئة في دخلها.

    وهنا يرى الخبير الاقتصادي محمد أمين سامي أن “السنة الانتقالية توفر هامشا مهما للأسرة حتى تدخل سوق الشغل في ظروف أكثر أمانا، لكنها تظل جزءا من منظومة أوسع، لأن الاستقرار بعد انتهائها سيبقى مرتبطا بمستوى الأجر واستمرارية الوظيفة وجودة فرصة العمل التي حصل عليها المستفيد”.

    وبالنسبة إلى سامي، فإن المؤشر الأهم لقياس أثر الآلية لن يكون فقط عدد الأسر التي حصلت على المنحة، بل أيضا “عدد الأسر التي استطاعت خلال هذه الفترة تثبيت موقعها داخل سوق الشغل والانتقال إلى دخل مهني مستقر يسمح لها تدريجيا بالاستغناء عن الدعم”.

    ومن هذه الزاوية، تصبح السنة الانتقالية نقطة التقاء بين الحماية الاجتماعية وسياسة التشغيل، فالأولى توفر للأسرة الأمان عندما تحتاج إليه، والثانية يفترض أن تمنحها فرصة بناء دخل يجعل حاجتها إلى الإعانة تتراجع مع مرور الوقت.