Tag: المقاولات الناشئة في المغرب

  • 636 مقاولة و2.5 مليار لرأس مال المخاطر.. هل نجح المغرب في بناء منظومة الشركات الناشئة؟

    636 مقاولة و2.5 مليار لرأس مال المخاطر.. هل نجح المغرب في بناء منظومة الشركات الناشئة؟

    لم يكن أكبر تحد يواجه المقاولات الناشئة في المغرب هو نقص الأفكار أو غياب الكفاءات، بل صعوبة تحويل الابتكار إلى شركات تنمو وتستقطب الاستثمار وتخلق الثروة وتنافس خارج الحدود، سيما وأنه على امتداد سنوات ظل المشهد المقاولاتي الرقمي ينتج عشرات المشاريع الجديدة لكنه كان يفقد جزءا كبيرا منها قبل أن تبلغ مرحلة النضج، بسبب محدودية التمويل وضعف المواكبة وغياب منظومة متكاملة تربط بين الفكرة والسوق.

    عندما انطلقت الولاية الحكومية الحالية سنة 2021 كان هذا التشخيص واضحا، فمنظومة المقاولات الناشئة كانت ما تزال في مرحلة التأسيس ورأس المال المخاطر لم يتجاوز سوى نحو 30 مليون دولار، أي أقل بكثير من مستويات الدول الإفريقية الأكثر تقدما، فيما لم تكن سوى 167 مقاولة تحمل علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” (JEI)، وكانت أغلبية المقاولات الناشئة تجد صعوبة في الانتقال من مرحلة الإحداث إلى مرحلة النمو أو في ولوج الأسواق الدولية.

    وخلال خمس سنوات من عمر الولاية الحكومية الحالية، عمدت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة إلى تجاوز منطق إطلاق برامج دعم جديدة بإعادة بناء المنظومة المقاولاتية من أساسها عبر تعبئة تمويلات غير مسبوقة، وإحداث أول صندوق وطني مخصص لرأس المال المخاطر في المجال الرقمي وتوسيع شبكات الاحتضان والتسريع، فضلا عن استقطاب فاعلين دوليين وتطوير الإطار القانوني ومضاعفة عدد المقاولات الحاصلة على علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” إلى 636 مقاولة سنة 2026، بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز حصيلة الأرقام ويدفعنا إلى الاستفهام حول مدى نجاح المغرب فعلا في الانتقال من سياسة تشجيع المبادرات الفردية إلى بناء صناعة وطنية للمقاولات الناشئة، وإذا ما كانت المنظومة ما تزال في طور التأسيس وتنتظر اختبارها الحقيقي؟

    منظومة تنتج شركات لكنها لا تفرز “أبطالا اقتصاديين

    لم تكن الإشكالية التي واجهتها المقاولات الناشئة المغربية سنة 2021 مرتبطة بعدد المشاريع التي يتم إطلاقها سنويا وإنما بقدرتها على الاستمرار والنمو، فالمؤشرات التي استندت إليها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة عند بداية الولاية الحكومية رسمت صورة لمنظومة ما تزال في طور التأسيس تعاني اختلالات على مستوى التمويل والمواكبة والانفتاح على الأسواق الدولية، وهو ما كان يحد من تحول الابتكار إلى قيمة اقتصادية مضافة.

    وتكشف الأرقام حجم هذا التحدي، إذ إن تمويلات رأس المال المخاطر بالمغرب لم تكن تتجاوز سنة 2021 حوالي 0.03 مليار دولار مقابل حوالي ملياري دولار في الدول الإفريقية الأكثر تقدما في هذا المجال، وهو فارق يعكس محدودية قدرة المستثمرين على تمويل الشركات التكنولوجية في مراحلها الأولى، حيث تكون المخاطر مرتفعة والاحتياجات المالية كبيرة.

    ولا يسعنا اعتبار التمويل وحده نقطة الضعف، فالمعطيات التي حصلت عليها “AM+ MEDIA” من الوزارة الوصية تظهر أن أقل من 15 في المئة فقط من المقاولات الناشئة المغربية كان عمرها أقل من سنة، بما يعكس محدودية دينامية إحداث شركات جديدة بوتيرة مرتفعة، بينما كانت 60 في المئة من المقاولات التي تجاوز عمرها خمس سنوات لا تشغل أكثر من عشرة أجراء، وهو مؤشر على أن عددا مهما من هذه الشركات كان ينجح في البقاء لكنه لا ينجح في الانتقال إلى مرحلة النمو الحقيقي.

    أما على مستوى التوسع الدولي، فقد بدا الفارق أكثر وضوحا، إذ لم تكن سوى أقل من 20 في المئة من المقاولات الناشئة المغربية تنشط في أكثر من دولة، مقارنة بحوالي 80 في المئة في جنوب إفريقيا، وهو ما يعكس محدودية قدرة الشركات المغربية على تصدير خدماتها أو جذب الاستثمارات الخارجية أو الاندماج في الأسواق الإقليمية والعالمية.

    حتى علامة المقاولة الشابة المبتكرة التي يفترض أن تشكل بوابة للاستفادة من عدد من الامتيازات التنظيمية والمالية ظلت من جانبها محدودة الانتشار، إذ لم تكن تشمل سوى 167 مقاولة سنة 2021، بينما لم تتجاوز حصة شركات التكنولوجيا المالية 8 في المئة من مجموع المقاولات الناشئة، في وقت ظل فيه انخراط المقاولات الكبرى في مواكبة الابتكار ضعيفا، بما جعل الحلقة التي تربط بين الشركات الكبرى والمقاولات الناشئة شبه غائبة.

    ولم تكن المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في وضع أفضل، فإلى جانب صعوبة الولوج إلى التمويل، كانت تواجه تأخرا في اعتماد الحلول الرقمية والخدمات السحابية ونقصا في الكفاءات المتخصصة، وهو ما انعكس على موقع المغرب في مؤشر تسريع الرقمنة لمجموعة بوسطن الاستشارية، حيث لم يحصل سوى على 27 نقطة من أصل 100، بينما تقترب الاقتصادات الأكثر تقدما من 70 نقطة، ما يعني أن جزءا كبيرا من النسيج الاقتصادي الوطني كان لا يزال بعيدا عن التحول الرقمي الكامل.

    من دعم المقاولات إلى بناء المنظومة

    أمام هذا التشخيص، اختارت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة مقاربة مختلفة، فبدل الاكتفاء بإطلاق برامج دعم متفرقة اتجهت نحو بناء منظومة متكاملة تنطلق من توفير التمويل مرورا بالاحتضان والتسريع ووصولا إلى التشريع والانفتاح على المستثمرين والأسواق الدولية. بمعنى آخر، لم يعد الهدف تمويل شركة ناشئة هنا أو مواكبة مشروع هناك، وإنما بناء سلسلة متكاملة تجعل انتقال المقاولة من الفكرة إلى السوق ثم إلى التوسع الدولي مسارا أكثر قابلية للتحقق.

    ويظهر هذا التحول بوضوح في ملف رأس المال المخاطر، الذي ظل لسنوات الحلقة الأضعف داخل المنظومة المغربية، فلأول مرة ساهمت الدولة في إحداث صندوق مخصص حصريا لتمويل المقاولات الناشئة الرقمية، بلغت قيمته الإجمالية 1.5 مليار درهم ساهمت فيه الوزارة بـ400 مليون درهم مع أثر تعبئة متوقع يصل إلى 2.5 مليار درهم.

    ولم يقتصر الأمر على ضخ التمويلات، بل تم أيضا اعتماد آلية لتغطية جزء من المخاطر الأولى بهدف تشجيع المستثمرين على تمويل الشركات التكنولوجية في أكثر مراحلها حساسية، وهي مرحلة الانطلاق، كما استقطب الصندوق 47 طلب ترشيح منها 12 وطنيا و33 دوليا وترشيحان مختلطان، قبل الانتقاء الأولي لتسع شركات متخصصة في تدبير رأس المال المخاطر، بينها ثلاث شركات مغربية وخمس دولية وفاعل مختلط، في خطوة تعكس رهان الوزارة على استقطاب الخبرة الدولية بالتوازي مع تطوير الفاعلين المحليين.

    كيف حاول المغرب سد فجوات نمو المقاولات الناشئة؟

    إذا كان التمويل يمثل الوقود الذي تحتاجه المقاولة الناشئة للانطلاق، فإن التجارب الدولية أظهرت أن ضخ الأموال وحده لا يكفي لصناعة شركات قادرة على المنافسة فجزء مهم من الشركات الناشئة يفشل، ليس بسبب غياب التمويل فقط وإنما بسبب غياب التأطير وصعوبة الولوج إلى المستثمرين، وضعف الربط بالأسواق ونقص الخبرات الإدارية والتجارية.

    ولهذا، اختارت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن توسع تدخلها ليشمل مختلف مراحل دورة حياة المقاولة الناشئة بدءا من مرحلة بناء الفكرة مرورا بالاحتضان والتسريع ووصولا إلى مرحلة التوسع داخل المغرب وخارجه.

    في هذا السياق، أطلقت الوزارة صندوقا خاصا ببناء المقاولات الناشئة الرقمية، خصص له وفق المعطيات التي حصلت عليها “AM+MEDIA”، غلافا ماليا يفوق 760 مليون درهم بهدف مواكبة إحداث وتطوير وتسريع أكثر من 840 مقاولة ناشئة تكنولوجية خلال ثلاث سنوات، فيما تتجاوز أهمية هذا البرنامج حجم التمويل المرصود إلى طبيعة المقاربة المعتمدة، إذ تم اختيار ست مؤسسات متخصصة في بناء المقاولات من بينها أربع مؤسسات دولية وهيكلان مغربيان توجد في طور الاستقرار داخل المملكة بما يسمح بنقل الخبرات العالمية إلى المنظومة الوطنية، وخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة، وإدماج المقاولات المغربية في شبكات الاستثمار الدولية.

    ويوازي هذا التوجه تطورا لافتا في دور “تكنوبارك”، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من فضاء لاستقبال المقاولات الناشئة إلى أحد أهم أدوات السياسة العمومية في مجال الابتكار، ولهذا الغرض خصصت الوزارة 70.4 مليون درهم لتوسيع النموذج الاقتصادي للشبكة وتعزيز قدرتها على مواكبة حاملي المشاريع والشركات التكنولوجية.

    وتكشف نتائج البرامج المنجزة داخل “تكنوبارك” عن هذا التحول، فقد نظم برنامج “Boost Up Lab” خمس دورات متتالية، استقطبت أكثر من 1000  طلب ترشيح، وأسفرت عن مواكبة 150 مقاولة ناشئة من بينها 84 مقاولة انتقلت إلى مرحلة الاحتضان. أما برنامج Export Technopark Acceleration Program (ETAP)”، فقد وفر مواكبة مكثفة لـ41 مقاولة ناشئة بين سنتي 2024 و2026 مع تركيز خاص على إعدادها للولوج إلى الأسواق الخارجية.

    وفي الاتجاه نفسه، انخرط المغرب في شراكة مع منصة Plug and Play، إحدى أبرز شبكات الابتكار والاستثمار في العالم، حيث تم تسريع 18 مقاولة ناشئة بينما توجد 19 مقاولة أخرى في طور المواكبة مع تعبئة تمويلات بلغت 8.2 ملايين دولار وإحداث حوالي 150 منصب شغل، فيما تكمن أهمية هذا البرنامج في قيمة الاستثمارات التي استقطبها، وأيضا في إدماج المقاولات المغربية داخل شبكة عالمية تربط الشركات الناشئة بكبرى الشركات الاستثمارية والتكنولوجية.

    وهذا التحول يشمل طبيعة البرامج أيضا بعدها الترابي، ففي الوقت الذي كانت شبكة “تكنوبارك” تتركز في عدد محدود من المدن، اتجهت الوزارة إلى توسيع انتشارها ضمن رؤية تقوم على العدالة المجالية، حيث انتقلت الشبكة من خمسة مواقع سنة 2024 إلى 10 سنة 2026 مع توسعها لتشمل الدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير والصويرة وتمارة وسلا والقنيطرة وفاس ووجدة ومراكش وتزنيت والعيون، في أفق تغطية الجهات الـ12 للمملكة بحلول سنة 2030، ويعكس هذا التوسع رهانا على نقل منظومة الابتكار من التمركز في محور الدار البيضاء-الرباط إلى مختلف الجهات، بما يتيح لحاملي المشاريع الولوج إلى خدمات الاحتضان والمواكبة دون الاضطرار إلى الانتقال نحو المركز.

    “جايتكس أفريكا” عندما تحول الابتكار إلى أداة لجذب الاستثمار

    إذا كانت برامج الاحتضان والتسريع تستهدف بناء المقاولة من الداخل، فإن تنظيم “جاتكس أفريقيا المغرب” شكل الرهان الخارجي في الاستراتيجية الحكومية من خلال تحويل المغرب إلى منصة قارية تجمع المستثمرين والشركات الناشئة وصناديق الاستثمار، والفاعلين التكنولوجيين في مكان واحد.

    ويحمل هذا المشروع بعدا رمزيا واستراتيجيا في الآن نفسه، إذ اختير المغرب لاحتضان أول نسخة من معرض “جايتكس أفريقيا” خارج دبي، في خطوة تعكس الثقة في موقعه داخل المنظومة الرقمية الإفريقية ومنذ إطلاق التظاهرة سنة 2023، خصصت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة ميزانية إجمالية تجاوزت 140 مليون درهم عبر أربع دورات، كما دعمت مشاركة 800 مقاولة ناشئة، بما ينسجم مع هدف وطني يتمثل في مواكبة 3 آلاف مقاولة ناشئة بحلول سنة 2030.

    وتظهر المؤشرات المسجلة خلال الدورات الأربع حجم الدينامية التي عرفها الحدث، فقد ارتفع عدد الزوار من 30 ألفا سنة 2023 إلى 55 ألف زائر سنة 2026، بينما ارتفع عدد المقاولات الناشئة المدعومة من الوزارة من 100 إلى 300 مقاولة خلال الفترة نفسها. كما ارتفع إجمالي عدد المقاولات الناشئة المشاركة من 400 إلى أكثر من 800، فيما انتقل عدد العارضين من 900 إلى 1500، وارتفع عدد الدول الممثلة من 95 دولة إلى 140 دولة.

    وتتجاوز أهمية هذه الأرقام بعدها التنظيمي لأن هذا النوع من المعارض أصبح يشكل في التجارب الدولية منصة لعقد الصفقات وجذب المستثمرين، وربط الشركات الناشئة بالأسواق العالمية، بما يفسر حرص المغرب على تحويله إلى موعد قار ضمن أجندة التكنولوجيا الإفريقية، وليس مجرد تظاهرة سنوية.

    من الترويج إلى التقنين.. هل اكتملت حلقات المنظومة؟

    إذا كانت برامج التمويل والاحتضان والتسريع استهدفت معالجة الجوانب الاقتصادية لمنظومة المقاولات الناشئة، فإن استدامة هذا التحول كانت تتطلب في المقابل إطارا قانونيا وتنظيميا يمنح المستثمرين ورواد الأعمال وضوحا أكبر بشأن الحقوق والامتيازات وآليات المواكبة، فالتجارب الدولية الناجحة لم تبن فقط على توفر التمويل وإنما أيضا على وجود تشريعات مستقرة تجعل الاستثمار في الابتكار جزءا من البيئة الاقتصادية أكثر منه مجرد برنامج عمومي محدود زمنيا.

    وفي هذا الإطار، شرعت الحكومة في إعداد مشروع قانون خاص بالمقاولات الناشئة، يوجد حاليا في طور المصادقة بعد استكمال إعداد نص المشروع ومراسيمه التطبيقية، بالاستناد إلى مواكبة تقنية من البنك الدولي ومقارنة معيارية مع عدد من التجارب الدولية، وقد أحيل المشروع خلال السنة الجارية 2026 على الأمانة العامة للحكومة في خطوة تروم الانتقال من مرحلة إطلاق المبادرات إلى إرساء إطار قانوني دائم ينظم هذا القطاع ويؤسس لتطوره على المدى البعيد.

    وفي موازاة ذلك، شهدت علامة “المقاولة الشابة المبتكرة” (JEI) تحولا لافتا، سواء من حيث عدد المقاولات المستفيدة أو من حيث الامتيازات المرتبطة بها، فقد ارتفع عدد الشركات الحاصلة على العلامة من 167 مقاولة سنة 2021 إلى 636 مقاولة سنة 2026، أي بزيادة تناهز أربعة أضعاف خلال خمس سنوات. ويعكس هذا التطور اتساع قاعدة الشركات التي أصبحت تستوفي شروط الابتكار والاستفادة من الامتيازات التي توفرها الدولة، بعدما كانت هذه الآلية تظل محصورة في نطاق محدود عند بداية الولاية الحكومية.

    ولم يقتصر التطور على العدد، بل شمل أيضا طبيعة الامتيازات الممنوحة، فقد ارتفع سقف مخصصات مكتب الصرف لفائدة هذه المقاولات من 500 ألف درهم إلى مليوني درهم، بما يتيح لها هامشا أكبر للتعامل مع الأسواق الدولية، سواء عبر اقتناء الخدمات التكنولوجية أو التعاقد مع الخبراء أو المشاركة في برامج التسريع بالخارج.

    ويبرز مستجد آخر يحمل دلالة خاصة، يتمثل في تمكين المقاولات الحاصلة على علامة “JEI” لأول مرة من إمكانية القيام باستثمارات خارج المغرب، ما يعكس تحولا في فلسفة السياسة العمومية، فبعدما كان الهدف الأساسي هو تشجيع إحداث المقاولات الناشئة داخل المملكة، أصبح الرهان يمتد إلى دعم قدرتها على التوسع الدولي، باعتبار أن نجاح المقاولة التكنولوجية لم يعد يقاس فقط بحضورها داخل السوق الوطنية، وإنما أيضا بقدرتها على الاندماج في سلاسل القيمة والأسواق العالمية.

    المقاولات الصغرى والمتوسطة.. حلقة لا يمكن تجاوزها

    غير أن بناء اقتصاد رقمي تنافسي لا يمر فقط عبر دعم الشركات الناشئة مهما بلغ حجمها أو عددها، لأن هذه الأخيرة تظل جزءا من منظومة اقتصادية أوسع، يشكل فيها نسيج المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة العمود الفقري للإنتاج والتشغيل.

    ومن هذا المنطلق، وسعت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تدخلها ليشمل هذه الفئة، في محاولة لتقليص الفجوة الرقمية التي كانت تعيق تنافسيتها.

    ففي سنة 2021، كان المغرب لا يحقق سوى 27 نقطة من أصل 100 في مؤشر تسريع الرقمنة الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية، وهي نتيجة تعكس محدودية اعتماد الحلول الرقمية داخل المقاولات، مقارنة باقتصادات بلغت مستويات تقارب 70 نقطة.

    ولمواجهة هذا الواقع، أطلقت الوزارة برنامج “DigiTPME” بشراكة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، حيث استفادت 300 مقاولة من التكوين في ثلاث جهات نموذجية، فيما تمت مواكبة 120 مقاولة في إعداد وتنفيذ خرائطها الرقمية، إلى جانب اختيار 9 شركات تكنولوجية مغربية لتقديم الحلول الرقمية وإطلاق شبكة وطنية متخصصة في هذا المجال.

    وفي الاتجاه نفسه، جاءت مبادرة “WE-Elevate” التابعة لمنظمة التعاون الرقمي، لتوسيع دائرة المستفيدين من التحول الرقمي، عبر استهداف 10 آلاف امرأة وشاب في مختلف جهات المملكة ومواكبة 1000 مقاولة في الانتقال نحو التجارة الإلكترونية، بما يعكس توجها يربط الرقمنة بالإدماج الاقتصادي وخلق فرص جديدة لريادة الأعمال.

    وامتد هذا التوجه إلى قطاع التعليم، حيث خصص للمختبر الرقمي للتربية الوطنية غلاف مالي بلغ 240 مليون درهم من بينها 100 مليون درهم ساهمت بها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، ويستفيد من موارده الرقمية حاليا أكثر من 80 ألف أستاذ وما يزيد عن 3 ملايين تلميذ، فيما أسفر طلب إبداء الاهتمام الخاص بتكنولوجيا التعليم عن 139 ترشيحا، تم انتقاء 20 فاعلا منها لتطوير حلول تعليمية رقمية.

    وتكشف حصيلة السنوات الخمس الأخيرة أن المغرب بدأ يغير مقاربته تجاه ريادة الأعمال التكنولوجية، منتقلا تدريجيا من منطق تمويل المشاريع إلى منطق بناء منظومة متكاملة تضم التمويل والاحتضان والتشريع والانفتاح على المستثمرين والأسواق الدولية، غير أن التجارب العالمية تؤكد أن هذه المرحلة رغم أهميتها ليست سوى نقطة الانطلاق.

    والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح الشركات الناشئة قادرة على الاستمرار بعد سنواتها الأولى، والتحول إلى مؤسسات كبرى تقود الابتكار وتنافس في الأسواق العالمية، فبين ما تحقق من إصلاحات وما ينتظر من نتائج، سيظل الرهان الملح هو مدى نجاح المغرب في تحويل هذا الاستثمار العمومي والمؤسساتي إلى شركات عالمية تحمل علامة “صنع في المغرب”.