الوسم: المغرب، إسبانيا

  • معهد أمريكي يفكك أحداث سبتة: قرار إسباني حفّز العبور سباحة ولا مصلحة للمغرب في “حدود منفلتة”

    معهد أمريكي يفكك أحداث سبتة: قرار إسباني حفّز العبور سباحة ولا مصلحة للمغرب في “حدود منفلتة”

    وضعت الباحثة في معهد هدسون الأمريكي، زينب ريبوع، أحداث سبتة الأخيرة في سياق يتجاوز موجة العبور التي شهدتها المنطقة يوم 30 يوليوز، معتبرة أن ما جرى كشف إلى جانب أثر التعبئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، عن اختلال في المقاربة الإسبانية للهجرة وعن أثر قانوني مباشر لقرار المحكمة العليا الإسبانية، الذي يمنع الإعادة الفورية للأشخاص الذين يبلغون المدينة سباحة ويلزم السلطات بالنظر في طلبات لجوئهم.

    وجاء ذلك، في تحليل نشرته الاثنين وسيلة الإعلام الأمريكية “The Free Press”، حيث توقفت ريبوع عند مجموعة من العناصر التي أحاطت بالأحداث، بدءا من المعلومات المضللة التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، مرورا بالسياسة الإسبانية في تدبير الهجرة ووصولا إلى الضغوط التي يتحملها المغرب باعتباره بلدا للعبور والاستقرار في الوقت نفسه، وموقع التعاون الأمني والهجرة مع أوروبا في حسابات الرباط.

    ويأتي التحليل بعد أيام من محاولة عشرات الآلاف من المغاربة الوصول إلى سبتة يوم الخميس 30 يوليوز، وسط تداول واسع لمنشورات ومقاطع ورسائل عبر منصات التواصل الاجتماعي تزعم أن الحدود أصبحت مفتوحة وأن الوصول إلى المدينة المحلتة ممكن دون عوائق.

    وكانت وزارة الداخلية من جانبها، قد أكدت أن الأحداث لم تكن وليدة عوامل تلقائية أو ظرفية وربطتها بتفاعل عدد من العوامل، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي وترويج معلومات مضللة ودور شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب تأويلات خاطئة لمعطيات قانونية وإدارية أوحت بإمكانية الوصول بسهولة إلى الأراضي الأوروبية ودون تبعات قانونية.

    وبحسب المعطيات التي استند إليها تحليل معهد هدسون، تضمنت الرسائل المتداولة ادعاءات بأن من يتمكن من الوصول إلى سبتة سيضمن البقاء فوق الأراضي الإسبانية، وأن الأشخاص الذين يعبرون سباحة لن تتم إعادتهم أو متابعتهم، فضلا عن الترويج لإمكانية اجتياز الحدود دون عراقيل.

    شبكات التواصل في قلب التعبئة

    ترجح ريبوع أن تكون التعبئة الرقمية عنصرا أساسيا في تفسير سرعة انتقال الدعوات إلى العبور من الفضاء الافتراضي إلى الشريط الساحلي، مشيرة إلى “تنسيق عبر الإنترنت من خلال مجموعات على فيسبوك”.

    وبهذه القراءة، تستبعد الباحثة فرضية وجود مناورة دبرتها الدولة المغربية، وهي الأطروحة التي قالت إن أصواتا إسلامية وعددا من المعلقين الإسبان روجوا لها عقب الأحداث، ووصل بعضها إلى اتهام الرباط بتدبير ما وقع أو التحرك لحساب إسرائيل.

    وتستند الباحثة في استبعاد هذه الفرضية إلى جملة من المعطيات المرتبطة بطريقة تعامل السلطات المغربية مع موجة العبور، إذ أشارت إلى أن قوات الأمن سعت إلى إبعاد المجموعات التي تجمعت على طول الساحل، فيما لجأت السلطات إلى وقف بعض الرحلات بالقطار في محاولة للحد من وصول مزيد من الأشخاص إلى المنطقة.

    قرار قضائي إسباني يدخل على خط الأزمة

    أحد أبرز العناصر التي توقف عندها تحليل معهد هدسون يتعلق بالتحول القانوني الذي سبق أحداث 30 يوليوز، بعد القرار الأخير للمحكمة العليا الإسبانية بشأن الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة سباحة.

    وبحسب التحليل، قضت المحكمة بأن الأشخاص الذين يتمكنون من بلوغ المدينة عبر البحر لا يمكن إخضاعهم للإعادة الفورية، وإنما يتعين تمكينهم من مسطرة فحص طلبات اللجوء.

    وتقرأ ريبوع هذا القرار باعتباره عاملا يمكن أن يخلق حافزا إضافيا على اختيار العبور سباحة، خصوصا عندما تنتقل المعلومة القانونية من سياقها القضائي الدقيق إلى شبكات التواصل الاجتماعي في صيغة مبسطة توحي بأن الوصول إلى سبتة عبر البحر يعني تلقائيا ضمان البقاء داخل المدينة.

    وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى ما أعلنته وزارة الداخلية بشأن دور “التأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية” في تغذية موجة العبور، إذ تحدثت عن استغلال هذه المعطيات للإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ومن دون تبعات قانونية.

    كما يضع تحليل معهد هدسون القرار القضائي إلى جانب خطوة أخرى اتخذتها مدريد في يناير، وتتعلق بتسوية الوضعية القانونية لمئات الآلاف من الأجانب الموجودين في وضعية غير نظامية فوق الأراضي الإسبانية.

     73 ألفا و640 محاولة أحبطها المغرب خلال سنة واحدة

    في مقابل التركيز على تدفق المغاربة نحو سبتة، يلفت التحليل إلى الوجه الآخر لموقع المملكة داخل خريطة الهجرة، باعتبارها بدورها بلدا يتعرض لضغط متزايد من مسارات الهجرة القادمة من جنوب الصحراء.

    وتشير الأرقام التي أوردها التحليل إلى أن السلطات المغربية أحبطت خلال سنة 2025 ما مجموعه 73 ألفا و640 محاولة عبور غير نظامي.

    ويربط التحليل استمرار هذا الضغط بالأوضاع الأمنية والسياسية في منطقة الساحل، ولا سيما النزاعات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تدفع مزيدا من الأشخاص إلى التحرك شمالا في اتجاه المغرب، سواء بهدف الاستقرار أو مواصلة الطريق نحو أوروبا.

    كما أورد أن مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء أصبحوا يمثلون قرابة 60 في المئة من الأجانب المقيمين في المغرب.

    ومن هذا المنطلق، حذرت ريبوع من أن ترسخ صورة الحدود باعتبارها سهلة الاختراق يمكن أن يشكل عامل جذب لمزيد من الوافدين، معتبرة أن المغرب “لا يكسب شيئا من عمليات عبور غير خاضعة للمراقبة”.

    ويشكل هذا المعطى بالنسبة إلى الباحثة، أحد الأسباب التي تضعف فرضية وجود مصلحة مغربية في ترك الحدود منفلتة، بالنظر إلى أن المملكة تتحمل بنفسها كلفة الهجرة غير النظامية القادمة من الجنوب، فضلا عن مصالحها الأمنية والسياسية المرتبطة باستمرار التعاون مع الشركاء الأوروبيين.

    تعاون مع أوروبا وحسابات تتجاوز سبتة

    يتوقف تحليل معهد هدسون عند شبكة التعاون التي طورها المغرب مع شركائه في ملفات الهجرة والأمن، مستحضرا الاتفاقات المرتبطة بالهجرة مع فرنسا وألمانيا، والشراكة الثنائية الموقعة مع برلين سنة 2024، إلى جانب التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة.

    وبالنسبة إلى هذه القراءة، فإن موقع المغرب داخل منظومة التعاون الأمني والهجروي مع أوروبا يجعل من الصعب فصل أحداث سبتة عن المصالح الأوسع التي راكمتها الرباط مع شركائها.

    فالحدود الشمالية للمملكة لا تمثل فقط نقطة احتكاك مع سبتة ومليلية، بل جزءا من منظومة أمنية أوسع ترتبط بحركة الأشخاص ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، في وقت يتعرض فيه المغرب نفسه لضغط الهجرة القادمة من دول الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

    60 مليون يورو للوقاية مقابل 1.8 مليار للاستقبال

    وينقل تحليل معهد هدسون النقاش بعد ذلك إلى الجانب الإسباني، حيث تعتبر ريبوع أن طريقة توزيع الموارد المالية المخصصة للهجرة تكشف ما وصفته بـ”اختلال بنيوي” يجعل السياسة المتبعة “تشجع أكثر مما تردع” عمليات العبور غير النظامية.

    وحسب الأرقام التي أوردتها، تخصص إسبانيا نحو 60 مليون يورو سنويا، أي ما يقارب 69 مليون دولار، للإجراءات الموجهة إلى الوقاية من وصول المهاجرين غير النظاميين.

    وفي المقابل، يتجاوز الإنفاق السنوي المخصص لاستقبال المهاجرين ومواكبتهم 1.8 مليار يورو، أي أكثر من ملياري دولار.

    ويستحضر التحليل أيضا خطة متعددة السنوات بقيمة 711 مليون يورو، أي نحو 821 مليون دولار، مخصصة لسبتة ومليلية إلى غاية سنة 2026، لكن الجزء الأكبر من هذه الاعتمادات، بحسب المصدر نفسه، يذهب إلى التعليم والخدمات الاجتماعية ودعم النسيج الاقتصادي المحلي، وليس إلى مراقبة الحدود.

    وترى الباحثة أن الفارق الكبير بين الموارد المرصودة للوقاية وتلك المخصصة للاستقبال يشكل جزءا من البيئة التي تتحرك داخلها الهجرة غير النظامية، خصوصا عندما تقترن بإشارات قانونية أو إدارية يمكن أن يفهم منها الراغبون في الهجرة أن الوصول إلى الأراضي الإسبانية يفتح أمامهم إمكانية البقاء وتسوية الوضعية.

    الانتخابات المغربية تدخل في قراءة الأحداث

    ولا يحصر تحليل معهد هدسون أحداث سبتة في أبعادها الأمنية والهجروية، بل يربطها أيضا بالسياق السياسي الداخلي للمغرب مع اقتراب الانتخابات العامة المحددة، فوفق التحليل في 23 شتنبر، ترى ريبوع أن اضطرابا حدوديا بهذا الحجم، حين يتضخم على شبكات التواصل الاجتماعي ويتحول إلى صور ومقاطع واسعة التداول، يمكن أن ينعكس على الأطراف الموجودة في السلطة خلال مرحلة انتخابية.

    وفي هذا السياق، تنتقل الباحثة إلى خطاب التيارات الإسلامية المغربية تجاه سبتة ومليلية، مشيرة إلى أن هذه التيارات تنظر إلى استعادة المدينتين باعتبارها مطلبا يتخذ لدى بعضها، بعدا دينيا.

    واستحضرت تصريحا للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، دعا فيه في وقت سابق من السنة الجارية، إلى العمل بجد من أجل “عودة سبتة ومليلية إلى الوطن الأم”.

    في المقابل، أشارت إلى أن الحكومات المغربية المتعاقبة لم تتجه إلى الدفع بشكل نشط بمطالبة ترابية بشأن المدينتين، رغم أن الرباط لم تعترف بالسيادة الإسبانية عليهما.

    ويعود التحليل إلى السياق التاريخي للمدينتين، مشيرا إلى أن البرتغال استولت على سبتة سنة 1415، قبل انتقالها إلى إسبانيا خلال القرن السابع عشر، فيما خضعت مليلية للسيطرة القشتالية سنة 1497.

    ريبوع تنتقد خطاب الإسلاميين

    وخصص تحليل الباحثة في معهد هدسون، حيزا واسعا للخطاب السياسي للإسلاميين في المغرب، خصوصا بعد استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام.

    وتعتبر ريبوع، أن بعض هذه التيارات تقدم المغرب في خطابها باعتباره “دولة صهيونية فاشلة”، وتربط مشروعية الولاء للدولة والاستثمار في مستقبلها بتغيير بنية السلطة.

    وتضيف أن هذا الخطاب أصبح أكثر حدة بعد استئناف العلاقات مع إسرائيل، مشيرة إلى أن عددا من المسؤولين الذين سبق أن كانوا جزءا من تدبير المرحلة عادوا، بعد مغادرة مناصبهم، إلى اتخاذ مواقف معارضة لعودة العلاقات مع تل أبيب، مستندين إلى الخطاب الفلسطيني الذي تصاعد بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.

    وتذهب الباحثة، إلى أن هذه التيارات دأبت على توجيه رسالة إلى الشباب مفادها أن “بلدهم لا مستقبل له” خارج وصول الإسلاميين إلى السلطة.

    وفي معرض دفاعها عن هذه القراءة، تستحضر تجربة قيادة حزب إسلامي للحكومة بين سنتي 2011 و2021، معتبرة أن هذه المرحلة لم تحقق وفق تقييمها، أكثر من نمو اقتصادي ضعيف ووعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

    لا حرب ولا إفلاس للدولة ولا انهيار مؤسساتي

    وفي مقابل الخطابات التي تربط صور العبور الجماعي بأزمة شاملة داخل المغرب، تقر ريبوع بأن المملكة ما تزال اقتصادا في طور النمو وتواجه صعوبات اجتماعية، لكنها ترفض الانتقال من الإقرار بهذه الاختلالات إلى توصيف البلاد باعتبارها دولة منهارة.

    وتقول الباحثة إنه لا توجد في المغرب “حرب، ولا حالة إفلاس للدولة، ولا انهيار مؤسساتي”، مستندة في ذلك إلى حجم المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية التي يجري إنجازها.

    ويشير التحليل إلى أن المغرب يعيش واحدة من أكبر دورات الاستثمار في التجهيز والبنية التحتية في تاريخه الحديث، مستحضرا تمديد شبكة القطار فائق السرعة، التي تعد الأولى من نوعها في إفريقيا، وتوسيع المركب الصناعي والمينائي طنجة المتوسط، إلى جانب الاستثمارات الموجهة إلى الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر.

    كما يستحضر قطاع صناعة الطيران باعتباره أحد مؤشرات التحول الصناعي، مشيرا إلى أنه يضم أكثر من 150 شركة ويوفر نحو 25 ألف منصب شغل لعمال مؤهلين، فيما تقترب صادراته السنوية من ثلاثة مليارات دولار.

    وأورد التحليل أسماء شركات دولية كبرى، من بينها سافران وبوينغ وإيرباص، ضمن الفاعلين الصناعيين المرتبطين بالمنظومة الجوية المغربية.

    من أزمة الحدود إلى المصالح المغربية الإسبانية

    وختم تحليل معهد هدسون بوضع أحداث سبتة مقابل شبكة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تربط المغرب بإسبانيا وأوروبا، وهي مصالح تتجاوز ملف الهجرة نفسه.

    وأبرز في هذا السياق، مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، الذي ترى الباحثة أنه يمكن أن يوسع مستقبلا دور إسبانيا كبوابة للطاقة نحو أوروبا، عبر فتح منفذ أمام الغاز القادم من غرب إفريقيا والمساهمة في تنويع مصادر إمداد القارة بعيدا عن الاعتماد على الغاز الروسي.

    ويضاف إلى هذا المشروع شبكة الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا، وحجم المبادلات التجارية التي تمر عبر مضيق جبل طارق، فضلا عن التحضيرات المشتركة لتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

    وقدم تحليل معهد هدسون أحداث 30 يوليوز باعتبارها أزمة التقت فيها ثلاثة مستويات في وقت واحد، تعبئة رقمية حولت معلومات قانونية وإدارية إلى وعود بالعبور والبقاء في إسبانيا، وضغط هجرة تتحمله الضفتان وإن كان بأشكال مختلفة، وسياسة إسبانية، ترى الباحثة أن الفارق بين إنفاقها على منع الوصول وإنفاقها على الاستقبال، إلى جانب منع الإعادة الفورية لمن يصلون إلى سبتة سباحة، يخلق إشارات يمكن أن تتحول عمليا إلى حوافز جديدة للهجرة غير النظامية.

    أما بالنسبة إلى المغرب، فخلصت قراءة ريبوع إلى أن فرضية وجود مصلحة له في فتح الحدود لا تنسجم، في تقديرها، مع حجم الضغط الذي يواجهه على حدوده الشمالية، ولا مع 73 ألفا و640 محاولة عبور غير نظامي أحبطتها سلطاته خلال سنة 2025، ولا مع شبكة المصالح الأمنية والاقتصادية التي بناها مع إسبانيا وبقية شركائه الأوروبيين.