الوسم: المديرية العامة لأمن نظم المعلومات

  • الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    الحماية تواكب سرعة الرقمنة.. المغرب يرفع سقف دفاعاته في الفضاء السيبراني

    دخل المغرب قائمة أفضل 50 دولة عالميا في الأمن السيبراني، بعدما وضعه أحدث تصنيف للمؤشر الوطني للأمن السيبراني “NCSI” في المرتبة 43 من أصل 155 دولة، بنتيجة تعكس مستوى الجاهزية الذي راكمته المملكة في حماية فضائها الرقمي، بالتوازي مع توسع الخدمات الإلكترونية وتسارع أوراش الرقمنة.

    ويمنح هذا الترتيب صورة عن مسار امتد لسنوات لبناء منظومة قانونية ومؤسساتية وتقنية للأمن السيبراني، مكنت المغرب من تحقيق 79.17 نقطة من أصل 100، والتقدم على دول من بينها النرويج وسويسرا والبرازيل والصين، وفق المؤشر الذي تطوره أكاديمية الحوكمة الإلكترونية في إستونيا.

    ويقرأ التصنيف هذا التقدم من زاوية أوسع من مجرد مواجهة الهجمات، إذ لا يقيس عدد الاختراقات التي تتعرض لها كل دولة، ولا تعني النقطة المحققة نسبة حماية أنظمتها، وإنما يرصد مدى استعدادها للوقاية من التهديدات وقدرتها على الاستجابة للحوادث والتعامل مع آثارها.

    ويعتمد المؤشر في ذلك على 49 مؤشرا موزعة على 12 قدرة ضمن ثلاث فئات كبرى، تشمل التشريعات والمؤسسات المتخصصة وآليات التعاون والسياسات والبرامج والقدرات المرتبطة بالوقاية والاستجابة.

    ويطرح تقدم المغرب داخل هذا التصنيف سؤالا يتجاوز المرتبة 43 نفسها إلى كيفية بناء المملكة مستوى الجاهزية الذي أوصلها إلى هذا الموقع، وهل تستطيع منظومة الحماية مواكبة السرعة التي تتوسع بها رقمنة الدولة والاقتصاد؟

    من حماية الأنظمة إلى حماية التحول الرقمي

    يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع دخول المملكة مرحلة جديدة من التحول الرقمي، تقودها استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تراهن على توسيع رقمنة الخدمات العمومية وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنيات التحتية والمهارات.

    ومع هذا التوسع، لم تعد معادلة الرقمنة مرتبطة فقط بعدد الخدمات التي يمكن نقلها إلى الإنترنت أو حجم الاستثمارات الرقمية، بل أيضا بقدرة الدولة على حماية الأنظمة والمعطيات التي تقوم عليها هذه الخدمات.

    وهنا تتقاطع، من موقعين مختلفين، أدوار وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة ومنظومة الأمن السيبراني، التي تشكل المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني أحد أبرز مكوناتها، إذ إن الوزارة تقود أوراش التحول وتوسيع الخدمات الرقمية، بينما تتولى المؤسسات المختصة بالأمن السيبراني تأمين جزء أساسي من البيئة التي يقوم عليها هذا التحول.

    رقمنة أسرع ترفع الحاجة إلى الحماية

    وأصبح هذا الترابط أكثر حضورا مع تقدم المشاريع الرقمية الجديدة، وأكدت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، خلال تقديم مقياس الأمن السيبراني بالمغرب لسنة 2026، أن الأمن السيبراني يشكل ركيزة للسيادة الرقمية والثقة في التحول الرقمي، في وقت تتقدم فيه أوراش البنيات التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والجيل الخامس وتأهيل الكفاءات.

    ويظهر التوجه نفسه في رقمنة الخدمات العمومية، حيث أصبح إدماج متطلبات حماية المعطيات والأمن المعلوماتي منذ مرحلة تصميم بعض الخدمات جزءا من بنائها، بدل انتظار إطلاقها قبل التفكير في كيفية حمايتها.

    لكن هذه الحلقة التي تربط الرقمنة بالحماية لم تبدأ مع المشاريع الحالية، إذ سبقتها على مدى أكثر من عقد خطوات متتالية لبناء الإطار الذي يستند إليه الأمن السيبراني اليوم.

    إدارة الدفاع الوطني.. منظومة بُنيت على مراحل

    بدأ هذا المسار تدريجيا منذ سنة 2011، قبل اعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني سنة 2012، ثم إصدار التوجيهات الوطنية لأمن نظم المعلومات سنة 2014، بهدف رفع وتوحيد مستوى حماية الأنظمة المعلوماتية للإدارات والهيئات العمومية والبنيات ذات الأهمية الحيوية.

    وفي سنة 2020، انتقل البناء إلى مستوى قانوني أكثر وضوحا مع صدور القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي وضع قواعد تستهدف تعزيز أمن وصمود نظم معلومات إدارات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب البنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية التي تتوفر على نظم معلومات حساسة.

    ولا يقتصر هذا الإطار على محاولة منع الاختراق، إذ يمتد إلى ما يحدث بعد وقوعه، من ضمان صمود الأنظمة واستمرارية الأنشطة إلى الإبلاغ عن الحوادث والتدقيق والتنسيق عند مواجهة أحداث سيبرانية كبرى.

    وفي قلب هذه المنظومة توجد المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، التي تشمل اختصاصاتها الاستراتيجية والتقنين واليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية من خلال مركز “maCERT”، إلى جانب المساعدة والتكوين والمراقبة والخبرة ونظم المعلومات المؤمنة.

    وتعطي هذه البنية جزءا من تفسير النتيجة التي حققها المغرب في التصنيف، بالنظر إلى أن المؤشر نفسه يمنح وزنا لوجود المؤسسات المتخصصة والتشريعات والقدرة على الاستجابة للتهديدات.

    ويرى الطيب الهزاز، الخبير في الأمن السيبراني، أن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة عالميا يعكس العمل الذي تم خلال السنوات الأخيرة لتطوير المنظومة الوطنية، سواء على المستوى المؤسساتي والتشريعي أو من حيث تعزيز قدرات الرصد والاستجابة للهجمات.

    وأوضح الهزاز أن “المغرب أصبح يتوفر اليوم على مؤسسات متخصصة وإطار قانوني ينظم الأمن السيبراني، إلى جانب استراتيجية وطنية واضحة، وهذا مهم لأننا لم نعد نتحدث عن حماية موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي بشكل منفصل، وإنما عن حماية منظومة رقمية تتوسع باستمرار وتشمل الإدارات والمؤسسات والبنيات التحتية والخدمات التي يستخدمها المواطنون”.

    وأضاف أن المرتبة المحققة “إيجابية، ويمكن اعتبارها مؤشرا على مستوى الجاهزية الذي وصل إليه المغرب، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف المسؤولية للحفاظ على هذا التقدم وتطويره”.

    استراتيجية 2030.. حماية ما يتوسع رقميا

    هذا الانتقال من بناء المؤسسات والقواعد إلى التفكير في ما تحتاجه المرحلة المقبلة يظهر أيضا في الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في أفق 2030، التي تحدد أربعة محاور تشمل الحكامة والإطار المؤسساتي والقانوني، وأمن وصمود الفضاء السيبراني، وتطوير القدرات والتوعية، ثم التعاون الإقليمي والدولي.

    وتنطلق الاستراتيجية من واقع أن التحول الرقمي يوفر فرصا لتطوير الاقتصاد والخدمات، لكنه يوسع في المقابل حجم الأنظمة والمعطيات المرتبطة بالفضاء الرقمي، بما يجعل الثقة في هذا التحول مرتبطة بقدرة الدولة على ضمان أمنها واستمرار عملها.

    ولهذا لم يعد الرهان هو منع الهجوم فقط، وإنما اكتشافه في الوقت المناسب، وتقليص آثاره، واستعادة الأنظمة والخدمات بعد وقوعه، وهي المعادلة التي تضع “الصمود السيبراني” إلى جانب الوقاية والحماية.

    المرتبة 43.. الجاهزية لا تعني غياب الهجمات

    ورغم دلالة النتيجة، فإن دخول المغرب ضمن أفضل 50 دولة لا يعني أن المملكة أصبحت بمنأى عن الهجمات الإلكترونية، فالجاهزية تقيس القدرة على الوقاية والاستجابة، بينما يمكن أن ترتفع في الوقت نفسه أعداد التهديدات ودرجة تعقيدها.

    وهذه النقطة يشدد عليها الهزاز، معتبرا أن “الجاهزية السيبرانية شيء وحجم التهديدات شيء آخر”، موضحا: “كلما تقدمت الرقمنة وتوسعت الخدمات الإلكترونية، ارتفعت معها محاولات الاختراق وأصبحت الهجمات أكثر تطورا وتنظيما، وبالتالي نحن أمام سباق مستمر بين تطوير الخدمات الرقمية وتطوير وسائل حمايتها”.

    ويضع الهزاز التحدي المقبل في “تعزيز الرصد الاستباقي، وتحيين أنظمة الحماية باستمرار، والاستثمار أكثر في الكفاءات المغربية المتخصصة، مع تقوية التنسيق وتبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين”.

    ويخلص إلى أن “الأمن السيبراني اليوم لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح مرتبطا بحماية المعطيات واستمرارية الخدمات والبنيات الحيوية، وبالتالي بحماية جزء أساسي من السيادة الرقمية للمملكة”.