الوسم: المحكمة الدستورية

  • بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    بعد تعذر النظر في دستوريته.. قانون المحاماة ينشر بالجريدة الرسمية ويدخل حيز التنفيذ

    دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ، ابتداء من اليوم الخميس، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026.

    ونص الظهير على تنفيذ القانون ونشره كما وافق عليه مجلسا النواب والمستشارين، وذلك بعد الاطلاع على قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026، والذي صرحت بموجبه بـ”تعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها”.

    وكانت المحكمة قد سجلت أن رسالة الإحالة الموجهة إليها من رئيس مجلس النواب أُرفقت بتقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، وبنسخة من المشروع كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، من دون إرفاق النص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز.

    واعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص المراد فحص دستوريته يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية، وبذلك كان “قرار المحكمة الدستورية” إجرائيا، ولم يتضمن حكما موضوعيا بشأن دستورية مقتضيات القانون.

    دخول فوري واستثناءات تنظيمية

    ونصت المادة 146 من القانون الجديد على دخوله حيز التنفيذ في تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي ابتداء من 20 غشت 2026، غير أن المشرع استثنى من النفاذ الفوري مقتضيات المواد 12 و39 والبند 11 من المادة 121، إذ لن تدخل هذه الأحكام حيز التنفيذ إلا بعد صدور النصوص التنظيمية الضرورية لتطبيقها ونشرها بدورها في الجريدة الرسمية.

    وبموجب القانون الجديد، ينسخ ابتداء من 20 غشت 2026 القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، غير أن القانون أقر مجموعة من المقتضيات الانتقالية لضمان استمرارية المؤسسات والمساطر المهنية.

    وفي هذا الإطار، ستستمر أجهزة هيئات المحامين القائمة حاليا في أداء المهام المسندة إليها، إلى حين تولي الأجهزة الجديدة مهامها، إثر انتخابها خلال شهر دجنبر الموالي لتاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، كما تتولى الأجهزة الحالية اتخاذ الإجراءات الضرورية لتنظيم هذه الانتخابات.

    ويستمر العمل بمقتضيات القانون رقم 28.08 في ما يتعلق بشروط الترشح لمهنة المحاماة والحصول على شهادة الأهلية، إلى حين شروع معهد تكوين المحامين في ممارسة مهامه بصورة فعلية.

    وحافظ القانون على الوضعية القانونية للمترشحين الحاصلين على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة قبل 20 غشت 2026، شريطة ألا يتجاوز سنهم 50 سنة عند تقديم طلب التسجيل في لائحة المحامين المتمرنين لدى إحدى هيئات المحامين.

    ويستفيد هؤلاء من مقتضيات القانون السابق في ما يخص التمرين والتسجيل في جدول الهيئة، بما يحول دون تأثر مراكزهم القانونية بالقواعد الجديدة بعد حصولهم على شهادة الأهلية في ظل التشريع المنسوخ.

    وتشمل المقتضيات الانتقالية كذلك المتابعات التأديبية التي تم تحريكها قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إذ يستمر تطبيق القانون رقم 28.08 عليها إلى حين صدور قرارات نهائية بشأنها.

    أيضا، تظل النصوص التنظيمية المتخذة لتطبيق قانون 2008 سارية المفعول إلى حين تعويضها بنصوص جديدة، تفاديا لأي فراغ قانوني أو مؤسساتي خلال المرحلة الانتقالية.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

  • بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما عاد إلى نقطة البداية دستوريا.. أي مسار ينتظر قانون المحاماة؟

    بعدما قطع مسارا تشريعيا طويلا بين غرفتي البرلمان، عاد القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى نقطة الصفر في مسار الرقابة الدستورية الذي كان يفترض أن يشكل محطته الأخيرة قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    ولم تفحص المحكمة الدستورية مادة واحدة من مواد القانون، ولم تقل كلمتها في مدى مطابقة مقتضياته للدستور، بعدما تبين لها أن ملف الإحالة المقدم من رئيس مجلس النواب لا يتضمن الصيغة النهائية للنص كما وافق عليها البرلمان.

    وأصبح قانون “أصحاب البذلة السوداء” عالقا بين مسار تشريعي اكتمل داخل البرلمان ورقابة دستورية لم تبدأ فعليا، ما يعيد مسار فحصه الدستوري إلى نقطة الانطلاق، ويجعل أي نظر في مضمونه رهين إحالة جديدة تتضمن الصيغة النهائية المعتمدة.

    من الحكومة إلى البرلمان

    بدأ المسار المؤسساتي لمشروع القانون رقم 66.23 في 8 يناير 2026، عندما تداول فيه مجلس الحكومة وصادق عليه، بعد تقديمه من طرف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مع الأخذ بعين الاعتبار، بحسب البلاغ الحكومي، مجموعة من الملاحظات المثارة بشأنه.

    وانتقل المشروع بعد ذلك إلى البرلمان، وسط نقاش مهني رافق مضامينه منذ البداية، قبل أن يصل إلى أول محطة حاسمة داخل مجلس النواب. ففي 19 ماي 2026، صادق مجلس النواب بالأغلبية على المشروع في قراءة أولى، بـ163 صوتا مقابل 57 معارضا، دون تسجيل أي امتناع.

    وفي اليوم الموالي، 20 ماي، ورد النص على مجلس المستشارين، وأحيل في 22 ماي على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس المستشارين حجم النقاش الذي رافق هذه المرحلة، إذ تقدمت مكونات المجلس بـ266 تعديلا، وأسفرت أشغال اللجنة الفرعية عن إدخال 48 تعديلا همت 35 مادة، قبل أن يوافق مجلس المستشارين على المشروع معدلا خلال جلسته العامة المنعقدة في 23 يونيو 2026.

    وأعادت هذه التعديلات المشروع إلى مجلس النواب في إطار قراءة ثانية، ليدخل خلال الأسبوع الأول من يوليوز مرحلته التشريعية الأخيرة، ليصادق مجلس النواب في 6 يوليوز 2026 على النص في قراءة ثانية بعد تعديله وإعادة ترتيب عدد من مواده، في جلسة سبقتها محاولات من المعارضة لإعادة المشروع إلى لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان قبل التصويت عليه.

    وبسبب التعديلات التي أدخلها مجلس النواب، عاد النص مرة أخرى إلى مجلس المستشارين في 7 يوليوز، وأحيل في اليوم نفسه على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، التي وافقت عليه بالأغلبية، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين في قراءة ثانية خلال جلسة عامة عقدت في التاريخ نفسه.

    وبهذه المصادقة، اكتمل المسار التشريعي للنص داخل غرفتي البرلمان، وانتقل القانون من مرحلة المناقشة والتعديل إلى المرحلة التي تسبق إصدار الأمر بتنفيذه، لكن قبل ذلك فتح أمامه مسار آخر يتعلق بالرقابة الدستورية.

    جدل قانون المهنة أمام المحكمة الدستورية

    بعد يوم واحد من مصادقة مجلس المستشارين في القراءة الثانية، سجلت الأمانة العامة للمحكمة الدستورية، في 8 يوليوز 2026، رسالة إحالة من رئيس مجلس النواب، يطلب بموجبها البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور.

    ويتيح الفصل 132 من الدستور إحالة القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، على المحكمة الدستورية من طرف الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، كما يمكن أن تتم الإحالة من طرف خمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين.

    ولم تكن إحالة القانون رقم 66.23 على المحكمة الدستورية مرحلة إلزامية في مساره، باعتباره قانونا عاديا وليس قانونا تنظيميا يخضع وجوبا للرقابة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

    لكنها جاءت في إطار الرقابة الدستورية القبلية والاختيارية التي يتيحها الفصل 132 من الدستور، والذي يمنح لرئيس مجلس النواب، إلى جانب جهات أخرى، صلاحية إحالة القوانين على المحكمة قبل إصدار الأمر بتنفيذها، قصد البت في مدى مطابقتها للدستور.

    وفي حالة القانون المنظم لمهنة المحاماة، استعمل رئيس مجلس النواب هذه الصلاحية وأحال النص على المحكمة في 8 يوليوز 2026، غداة استكمال المصادقة عليه داخل البرلمان، سيما بعد الجدل الكبير الذي أثاره القانون، وسلسلة إضرابات المحامين الرافضين للنص الذين يعتبرونه “مساسا باستقلالية” المهنة.

    هل يمكن إعادة الإحالة؟

    بعد صدور القرار، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بسبب توقف الرقابة الدستورية، وإنما بالخطوة التي يمكن أن تليه. فهل يمكن تقديم إحالة جديدة مرفقة هذه المرة بالنص النهائي المطابق للأصل؟ وهل يعني تعبير “على حالها” أن المانع مرتبط بالإحالة كما قدمت، وليس بإمكانية مراقبة القانون من حيث المبدأ؟

    في قراءة قانونية للقرار، توضح محامية بهيئة الرباط، فضلت عدم ذكر اسمها، أن التصريح بـ”تعذر البت” يفترض وجود مانع إجرائي حال دون انتقال المحكمة الدستورية إلى مرحلة النظر في مدى مطابقة النص للدستور من الناحية الموضوعية.

    وتوضح أن هذا الوضع يختلف عن قرار تفصل من خلاله المحكمة في دستورية المقتضيات المعروضة عليها، سواء انتهت إلى عدم دستوريتها أو إلى مطابقتها للدستور.

    وبحسب المحامية، فإن القرار رقم 277/26 ركز على الجانب الإجرائي الذي أحيل به النص، ولم ينتقل إلى بحث مدى توافق مقتضيات القانون رقم 66.23 مع الدستور من حيث الجوهر.

    وترى أنه، من هذه الزاوية، “يظل من الممكن، من حيث المبدأ، أن تتم إحالة النص من جديد على المحكمة الدستورية متى استوفت الإحالة شروطها الدستورية والإجرائية، وتوفرت المحكمة على الصيغة النهائية المعتمدة من البرلمان”.

    من يستطيع إعادة القانون للميزان الدستوري؟

    لا يحصر الفصل 132 إمكانية إحالة القوانين في رئيس مجلس النواب، فإلى جانب الملك، يمنح الدستور هذه الصلاحية لرئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، كما يمنحها لخمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، شريطة أن تتم الإحالة قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون.

    وبالتالي، فإن النقاش لا يرتبط فقط بإمكانية تحرك رئيس مجلس النواب من جديد، بل بإمكانية تقديم إحالة جديدة من إحدى الجهات المخول لها دستوريا ذلك، متى ظلت شروط الرقابة السابقة متوفرة.

    وفي هذا الصدد، تؤكد المحامية أن الجهات المخولة دستوريا بالإحالة مطالبة بمراعاة الشروط والضوابط الشكلية والإجرائية عند ممارسة هذا الاختصاص، حتى لا يتكرر المانع الذي حال دون نظر المحكمة في الموضوع.

    وتشدد على أن رقابة المحكمة لا تنصب على مجرد نسخة من النص موجودة لدى أحد مجلسي البرلمان، وإنما على الصيغة النهائية التي أقرها البرلمان بمجلسيه، مضيفة أن التحقق من هذه الصيغة يعد أساسيا قبل الانتقال إلى فحص المضمون، لأن عدم توفر المحكمة على النص الذي يمثل التعبير النهائي عن الإرادة التشريعية للبرلمان قد يحول دون ممارسة الرقابة الموضوعية عليه.

    عامل الزمن يدخل المعادلة

    يأتي قرار المحكمة بعد استكمال مراحل المصادقة البرلمانية على القانون، وفي وقت تقترب فيه الولاية الانتدابية الحالية من نهايتها، ما يطرح سؤال الزمن المتاح أمام أي إحالة جديدة.

    ويحدد الفصل 132 للمحكمة الدستورية أجل شهر للبت في القوانين المحالة عليها، ابتداء من تاريخ الإحالة، ويمكن خفض هذا الأجل إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة، كما تؤدي الإحالة إلى وقف سريان أجل إصدار الأمر بالتنفيذ إلى حين بت المحكمة.

    أما انتهاء الولاية الانتدابية، فإن المهام الانتدابية لمجلس النواب تظل سارية حتى الانتخابات المقبلة، بعد افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية في أكتوبر القبل. ويبقى الشرط الأساسي في أي إحالة جديدة أن تتم قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، وهو شرط سبق للمحكمة الدستورية أن تحققت منه عند نظرها في إحالات لقوانين عادية أخرى.

  • بسبب غياب الصيغة النهائية.. المحكمة الدستورية تعيد قانون المحاماة لدائرة الانتظار

    بسبب غياب الصيغة النهائية.. المحكمة الدستورية تعيد قانون المحاماة لدائرة الانتظار

    صرحت المحكمة الدستورية بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، ما سيعيده إلى دائرة الانتظار.

    وجاء هذا الموقف في القرار رقم 277/26 م.د، الصادر يوم أمس الاثنين 10 غشت 2026، في الملف عدد 317/26، بعدما تبين للمحكمة أن الوثائق المرفقة برسالة رئيس مجلس النواب لا تتضمن النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية، وإنما تقريرا للجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان يتضمن نسخة من مشروع القانون في مرحلة سابقة من المسار التشريعي.

    ووفق قرار المحكمة، فتعود وقائع الملف إلى رسالة أحالها رئيس مجلس النواب على المحكمة الدستورية، وسجلت بأمانتها العامة في 8 يوليوز 2026، طالبا منها البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور.

    غير أن المحكمة لاحظت وجود فارق بين موضوع رسالة الإحالة وبين الوثائق المرفقة بها، إذ رغم أن الرسالة تحدثت عن إحالة القانون رقم 66.23، فإن الملف تضمن نسخة من تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين حول مشروع القانون في إطار قراءة ثانية.

    وكان التقرير يتضمن، ضمن وثائقه، الصيغة التي وافق عليها مجلس النواب في قراءة ثانية بتاريخ 6 يوليو 2026، لكنه لم يكن مرفقا بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026.

    ورأت المحكمة في هذه المسألة مسا مباشرا لمحل الرقابة الدستورية، إذ لا تستطيع فحص قانون غير موجود ضمن الملف بصيغته النهائية، ولا يمكنها أن تستخرج النص موضوع المراقبة من تقرير لجنة برلمانية أو من مشروع لم يستكمل جميع مراحل الموافقة التشريعية.

    واستندت المحكمة في تعليلها إلى الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، التي تخول للملك ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، وكذلك لخمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين، إحالة القوانين على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، قصد البت في مطابقتها للدستور.

    كما استندت إلى المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، التي تحدد الجهات المخول لها تقديم الإحالة والكيفية التي يتعين أن تتم بها.

    وأبرزت أن المستفاد من أحكام الدستور والقانون التنظيمي المستدل بها، في ترابطها وتكاملها، علاقة بموضوع الإحالة، أن هذه المحكمة لا تمارس رقابتها في إطار الآلية المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، إلا على القوانين بعد تمام الموافقة عليها والمحالة إليها برسالة أو برسائل، وليس على تقارير اللجان الدائمة للبرلمان ومشاريع القوانين.

    وأضافت أن الفصل المذكور، حينما نص على أن القوانين “تحال” إلى المحكمة الدستورية “للبت في مطابقتها للدستور”، إنما أقام تلازما عضويا بين فعل “الإحالة” كأساس لولاية هذه المحكمة، وبين النص موضوع المراقبة؛

    وخلصت المحكمة إلى أن رقابتها الدستورية السابقة والاختيارية لا تمارس إلا على القوانين التي تمت الموافقة عليها، وأحيلت عليها من طرف جهة مخول لها ذلك، وفق الشروط والإجراءات الدستورية والتنظيمية.

    وشدد قرار المحكمة الدستورية على وجود تلازم عضوي بين فعل الإحالة والنص موضوع المراقبة، إذ لا يكفي أن تحمل رسالة الجهة المحيلة عنوان قانون معين أو أن تطلب فحص دستوريته، بل يجب أن يكون القانون نفسه موجودًا ضمن ملف الإحالة، في نسخته النهائية والمطابقة للأصل.

    واعتبرت المحكمة أن اكتفاء رئيس مجلس النواب بإرفاق تقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية، يتضمن مشروع القانون قبل تمام الموافقة عليه، لا يمكنها من بسط رقابتها على القانون المطلوب فحص دستوريته.

    ورتبت المحكمة على ذلك أثرا قانونيا مباشرا، فقد أكدت أن عدم إرفاق رسالة الإحالة بنسخة مطابقة لأصل القانون المراد مراقبة دستوريته يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية.

    وبناء على ذلك، صرحت المحكمة الدستورية بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها، وأمرت بتبليغ نسخة من قرارها هذا إلى كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وبنشره في الجريدة الرسمية.

  • قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    قانون المحاماة.. لماذا أثار الجدل وكيف سيُغير حياة المواطن داخل المحاكم؟

    أثار قانون مهنة المحاماة واحدا من أكثر النقاشات القانونية والمهنية حدة، بعدما تجاوز الخلاف تفاصيل الصياغة والاختصاصات لأسئلة أعمق حول ما إذا كان أصحاب البذلة السوداء يخشون اتساع الرقابة والمحاسبة  دفاعا عن مصالح خاصة، وهل حقا الحكومة تسعى إلى حماية المصلحة العامة وتخليق المهنة، أم تستخدم هذا العنوان لتوسيع تدخل السلطة التنفيذية في مؤسسة يفترض أن تظل مستقلة.

    وبين الموقفين، يقف المواطن المتقاضي في قلب الجدل، حتى وإن ظل بعيدا عن النقاش، إذ تقدم الحكومة، من خلال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، القانون باعتباره إصلاحا يرمي إلى حماية أموال الموكلين، وضبط الولوج إلى المهنة، ورفع جودة التكوين، وتعزيز الشفافية والمساءلة، مقابل موقف رافض من المحامون، الذين يرون أن بعض مقتضياته لا تكتفي بتنظيم المهنة، بل تمس استقلالها وحرية الدفاع والسر المهني.

    وعلى هذا الأساس، تحول قانون المحاماة إلى مواجهة تتداخل فيها رهانات الإصلاح مع صراع الصلاحيات، ومطالب التخليق مع هواجس الوصاية، وحقوق المحامين مع مصالح المتقاضين، قبل أن يصادق عليه البرلمان بغرفتيه بعد إدخال بعض التعديلات على قوانينه.

    وبعد مسار جدلي طبعه الأخذ والرد واحتجاجات المحامين والإضرابات، انتقل قانون مهنة المحاماة من ساحة المواجهة السياسية والمهنية إلى المحكمة الدستورية، التي ستحسم في مدى توافق مقتضياته مع الدستور، ليصبح النقاش متعلقا بسلامة النص وحدود ما يتيحه الدستور لكل طرف.

    المحامي شريك في تحقيق العدالة

    وتكشف المقتضيات الجديدة المنظمة لمهنة المحاماة عن تحول يراد منه أن تصبح العلاقة بين المحامي وموكله أكثر وضوحا وأمانا وخضوعا للمحاسبة.

    ولم يكتف القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، بإعادة ترتيب المهنة من الداخل، بل جاء بجملة من المستجدات التي يفترض أن تنعكس مباشرة على المتقاضين، بدءا من حماية أموالهم وملفاتهم، مرورا بتنظيم الأتعاب والمساعدة القضائية، ووصولا إلى ضمان استمرارية الدفاع ومواجهة السمسرة وانتحال صفة المحامي.

    وفي هذا السياق، لم يعد القانون يعرف المحامي باعتباره مجرد مساعد للقضاء، بل عرفته المادة الأولى بأنه مساهم في تحقيق العدالة وجزء من أسرة القضاء.

    فالمحامي بهذ المعنى لم يعد وسيطا إداريا بين المواطن والمحكمة، ولا تُختزل مهمته في تحرير مقال أو حضور جلسة، بل أصبح طرفا أساسيا في حماية الحقوق، وتوضيح الوقائع، ومراقبة سلامة الإجراءات، وضمان أن يجد صوت المواطن طريقه إلى القضاء.

    غير أن هذه المكانة التي منحها القانون لـ”أصحاب البذلة السوداء” تقابلها مسؤولية أكبر؛ فإذا كان المحامي مساهما في العدالة، فإن سلوكه المهني، وطريقة تدبيره للملفات والأموال، وعلاقته بموكليه، تصبح جميعها جزءا من الثقة العامة في العدالة نفسها.

    الصلح قبل أبواب المحاكم

    من بين المستجدات التي تلامس حياة المواطنين مباشرة تخويل المحامي إمكانية العمل على فض النزاع عن طريق الصلح أو الوسائل البديلة قبل اللجوء إلى القضاء، انطلاقا من مبدأ أن كل نزاع ليس في حاجة إلى سنوات من الجلسات والمذكرات والطعون، إذا كانت هناك إمكانية اتفاق متوازن يحفظ حقوق الطرفين.

    وتنص المادة 43 من قانون المحاماة على أن يحث المحامي موكله على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء.

    بالنسبة إلى المواطن، يعني هذا المقتضى، في حال سلوكه، اقتصادا في الوقت والمصاريف، وتقليلا للضغط النفسي المصاحب للمحاكم، كما قد يسمح بحماية العلاقات الإنسانية والتجارية التي يصعب إصلاحها بعد نزاع قضائي طويل.

    ويراهن المشرع من خلال هذا المستجد على تحول الصلح إلى ممارسة فعلية، لا مجرد احتمال وارد في النص، كون المواطن يحتاج إلى محام ينصحه أحيانا بعدم رفع الدعوى، بالقدر نفسه الذي يحتاج فيه إلى محام يترافع عنه إذا أصبح القضاء ضروريا.

    ضوابط جديدة لشفافية أكبر لأموال الموكلين

    وتعد أكثر المقتضيات أهمية بالنسبة إلى المتقاضين، والأكثر جدلا بالنسبة للمحامين، تلك المتعلقة بالأموال التي يتسلمها المحامي في إطار عمله.

    فالقانون أصبح يلزم، بموجب المواد من 54 إلى 57، المحامي بألا يتسلم نقودا أو سندات أو قيما إلا مقابل وصل مرقم، يتضمن اسم المحامي، واسم صاحب الأداء، وسببه، وتاريخه، وكيفية دفعه، وهي تفاصيل تلعب دورا فاصلا عند وقوع خلاف، كونها تحمي المواطن من الإنكار أو الغموض، وتحدد بدقة مقدار ما دفعه وسبب الأداء والجهة التي تسلمته.

    وإلى جانب ذلك، ألزم القانون المحامي بمسك دفتر يومي تسجل فيه المداخيل والمصاريف والودائع، وبفتح حساب خاص بملف كل موكل، مع منح النقيب صلاحية فحص هذه الحسابات والتحقق من وضعية الودائع مرة واحدة سنويا على الأقل، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك.

    من بين المستجدات أيضا إحداث حساب للودائع والأداءات على مستوى كل هيئة للمحامين، تودع فيه وجوبا المبالغ المسلمة إلى المحامين على سبيل الوديعة، وتمر عبره الأداءات المهنية المنجزة لفائدة الموكلين أو الغير.

    وقد ذهب القانون أبعد من ذلك، عندما قرر أن الأداء المخالف لهذه القواعد لا تكون له قوة إبرائية، مع إمكان ترتيب المسؤولية عن المبالغ المستحقة، أي أن المشرع استهدف بناء مسار مالي قابل للتتبع، والحد من النزاعات والشكايات المتعلقة بالودائع، والتي تعد أكثر الملفات حساسية لأنها تمس الثقة في العلاقة بين المحامي وموكله.

    من الاتفاق الغامض حول الأتعاب إلى الطعون

    ووضع القانون قواعد أكثر وضوحا في باب الاتفاق حول الأتعاب، وجعلها محل اتفاق بين الطرفين، مع منع الاتفاق المسبق الذي يمنح المحامي حصة من نتيجة القضية، بهدف ألا تتحول العدالة إلى مضاربة، والحؤول دون أن يصبح المحامي صاحب مصلحة شخصية مباشرة في المال أو الحق المتنازع عليه.

    وتنص المادة 45 على أن لا يجوز للمحامي أن يتفق مسبقا مع موكله على الأتعاب المستحقة عن أي قضية، ارتباطا بالنتيجة التي يقع التوصل إليها، كما حظرت أن يقتني المحامي، بطريق التفويت، حقوقا متنازعا فيها قضائيا، أو أن يستفيد هو أو زوجه أو فروعه بأي وجه كان، من القضايا التي يتولى الدفاع بشأنها.

    وعند نشوء خلاف بشأن الأتعاب، يختص النقيب بالنظر في النزاع، ويحق للمحامي والموكل الطعن في القرار أمام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف داخل الأجل القانوني.

    ونظم القانون مسألة الاحتفاظ بملف القضية عند انتهاء مهمة المحامي، فالملف ليس وسيلة ضغط مطلقة في مواجهة الموكل، والقرار المتعلق بالاحتفاظ به يخضع بدوره للضوابط وإمكانية الطعن، حتى لا يظل المواطن عالقا بين حاجته إلى وثائقه واعتراضه على مبلغ الأتعاب.

    وبهذا الصدد، نصت المادة 49 على أنه لا يحق للمحامي أن يحتفظ بالملف المسلم إليه من طرف موكله، ولو في حالة عدم أداء ما وجب له من المصروفات والأتعاب، ما لم يرخص له النقيب ذلك، بمقتضى قرار خاص اعتمادا على ما يدلي به من مبررات.

    المحامي قبل النزاع وأثناءه وبعده

    وسع القانون، في المادة 30، مجال الخدمات التي يمكن للمحامي تقديمها، فبدل الاقتصار على المرافعة أمام المحكمة، أصبحت تشمل تمثيل المواطن أمام الإدارات، وتقديم الاستشارات، وإعداد الدراسات القانونية، وتحرير العقود، ومباشرة الإجراءات غير القضائية، والحصول على الوثائق، وتتبع تنفيذ الأحكام والاتفاقات.

    وراهن المشرع في هذا المقتضى على مبدأ “الوقاية خير من العلاج”، إذ إن استشارة المحامي قبل توقيع عقد قد تكون أقل تكلفة بكثير من اللجوء إليه بعد نشوء نزاع.

    وفي المقابل، وضع القانون حاجزا ضد تضارب المصالح، فمنع المحامي الذي حرر عقدا بين طرفين من تمثيل أحدهما ضد الآخر في نزاع ناشئ عن العقد نفسه، ومنع المحامين العاملين في إطار مهني مشترك من تمثيل أطراف متعارضة المصالح، حرصا على ألا تتحول المعلومات التي يحصل عليها المحامي بحكم الثقة لاحقا إلى سلاح ضد صاحبها.

    حماية أكبر لحقوق الموكلين

    عند ممارسة المهنة في إطار المشاركة، أقر القانون المسؤولية المدنية التضامنية للمحامين الشركاء تجاه موكليهم، لتوفير مجال أوسع للمطالبة بالتعويض إذا ثبت وقوع خطأ مهني سبب له ضررا.

    وتنص المادة 28 على أن المحامين الشركاء مسؤلون مدنيا على وجه التضامن إزاء موكليهم، كما منعتهم من النيابة أو مؤازرة أو تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة.

    كما ألزم القانون، من خلال المادة 91، مجالس هيئات المحامين بإبرام عقود للتأمين عن المسؤولية المهنية لأعضائها، وألزم الشركات المدنية المهنية للمحامين بالتأمين عن مسؤوليتها.

    مسار زمني صارم للشكايات

    وسع القانون، من خلال منطوق المادة 61، نطاق التأديب ليشمل مخالفة النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد المهنة وأعرافها، والإخلال بالمروءة والشرف، حتى عندما يتعلق الأمر بأفعال وقعت خارج المجال المهني.

    وتتدرج العقوبات بين الإنذار والتوبيخ والإيقاف عن ممارسة المهنة والتشطيب من الجدول، لكن المستجد الأهم هو إخضاع الشكاية لمسار محدد.

    فالشكايات المقدمة ضد المحامين، وفق المادة 67، تحال على النقيب، الذي يتعين عليه اتخاذ قرار معلل بالحفظ أو المتابعة داخل ثلاثة أشهر، وإلا اعتبر سكوته قرارا ضمنيا بالحفظ، وأتاح القانون للأطراف المعنية الطعن في عدد من المقررات أمام محكمة الاستئناف.

    وخولت المادة المادة 69 لمجلس الهيئة أن يضع يده تلقائيا، على كل إخلال بالنصوص القانونية أو التنظيمية، أو قواعد المهنة أو أعرافها، أو أي إخلال بالمروءة والشرف، ويجري المسطرة التأديبية في مواجهة المحامي المعني بالأمر، مباشرة.

    ومنحت المادة 67 للوكيل العام للملك، وحده، وفق المادة ذتها، أن يطعن في قرار الحفظ الصادر عن النقيب، ضمنيا أو صراحة، بعد تبليغه بالقرار، وفي حال ألغت محكمة الاستئناف مقرر النقيب بالحفظ، تحيل الملف، وجوبا، من جديد، لعرضه على مجلس الهيئة لمواصلة إجراءات المتابعة.

    هذه الآجال والطعون تمنح المواطن وسيلة لمواجهة الصمت أو التأخير، وتخرج الرقابة، جزئيا، من المجال المهني الداخلي إلى رقابة القضاء، وهو مقتضى أثار رفضا المحامين بشدة.

    عقوبات مشددة للسماسرة والمنتحلين

    درءا للوسطاء والسماسرة الذين يوهمون بحكم مضمون، أو نفوذ داخل المحكمة، أو تسوية سريعة للقضايا، شدد القانون العقوبة على سمسرة الزبناء وجلبهم، سواء ارتكب الفعل وسيط أو ساهم فيه محام.

    وجرم القانون أيضا الاعتياد على مباشرة المساطر القضائية لفائدة الغير دون سند قانوني، وانتحال صفة محام، واستعمال وسائل توهم المواطنين بممارسة المهنة، بل وحتى ارتداء بذلة المحامي دون حق.

    ويعاقب، وفق المادة 98، كل شخص ثبت أنه يباشر بصفة اعتيادية، إجراء أي مسطرة قضائية لفائدة الغير دون أن يكون مخولا قانونا لذلك، بالحبس من سنة إلى سنتين وبغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف درهم، ما لم تكن الأفعال أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي كل شخص نسب لنفسه صفة محام علانية، ومن غير حق، أو انتحل صفة محام، أو استعمل أي وسيلة قصد إيهام الغير بأنه يمارس مهنة المحاماة أو انه مستمر في ممارستها، أو انه مأذون له في ذلك، حسب المادة المادة 99.

    ويعاقب كل شخص ارتدى، عن غير حق، أمام أي محكمة من المحاكم، أو أمام مجلس من المجالس التأديبية بذلة المحامي أو بذلة تشابهها، يمكن أن توهم أنه يمارس مهنة المحاماة بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 382 من القانون الجنائي.

    وتعاقب المادة 100 كل شخص قام بسمسرة الزبناء أو جلبهم، بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات، وبغرامة من عشرين ألفا إلى أربعين ألف درهم، فيما يعاقب المحامي الذي ثبت عليه القيام بالفعل نفسه، بصفته فاعلا أصليا أو مشاركا، بالعقوبة نفسها ما لم تكن الأفعال معاقبا عليها بعقوبة أشد.

    ماذا يقلق المحامين من قانون المهنة؟

    تتلخص أبرز مواقف المحامين في التمسك باستقلال المحاماة، إذ يعتبرون أن استقلال هيئاتهم ونقبائهم ومجالسهم امتداد لاستقلال القضاء وضمانة أساسية لحقوق المتقاضين، وليس مجرد امتياز مهني.

    ويرفض “أصحاب البذلة السوداء” الوصاية المالية، إذ يعترضون على إخضاع حساب ودائع المحامين للرقابة، بدعوى أن هذه الأموال خاصة وتعود إلى المحامين وموكليهم، وليست أموالا عمومية، كما يرون أن هذه الرقابة قد تمس بالسر المهني وخصوصية العلاقة بين المحامي وموكله.

    ويدافعون أيضا عن حماية اختصاصات الهيئات، إذ يعترضون على أن منح جهات إدارية أو قضائية صلاحيات يعتبرونها من الاختصاص الحصري للنقيب ومجلس الهيئة، خصوصا في القيد والتأديب وتدبير الشؤون المهنية.

    أيضا، يرفض المحامون ما جاءت به المادة 78، لأن تمكين القاضي من تحرير محضر ضد المحامي بسبب أفعال أو أقوال أثناء الجلسة، بحسبهم، قد يؤثر في حرية الدفاع، ويخلق ضغطا على المحامي، ويمس حق المتقاضي في دفاع حر وقاض مستقل ومحايد.

    ومن بين النقاط التي أثارت غضب المحامين، تخويل وزير العدل صلاحية قبول المكاتب الأجنبية، إذ ينتقدون المادة 35 التي تتيح للوزير الإذن لمكاتب محاماة أجنبية بالممارسة، معتبرين أنها تنتزع جزءا من صلاحيات الهيئات، وتفتح الباب أمام التمييز بين المحامي المغربي والأجنبي، فضلا عن غموض حقوق هذا الأخير وواجباته.

    وينتقد المحامون أيضا المواد المنظمة لتأديب الطلبة التي تخلط بين الطالب والمحامي المتمرن، رغم أن الأول لم يكتسب بعد صفة مهنية، ويخضع لمؤسسة تكوين تشرف عليها وزارة العدل.

    ويطالب محامو المغرب بجودة التشريع، لأن قانون المهنة يتضمن، في نظرهم، عبارات غامضة وتداخلا في الاختصاصات وتناقضات مع قوانين قائمة، بما قد يفتح المجال لتأويلات متعارضة.

    وفي المجمل، يتلخص موقف المحامين في أن معركتهم ليست دفاعا عن امتيازات مهنية، بل عن استقلال المحاماة باعتباره شرطا لحرية الدفاع وضمانة لحقوق المتقاضين، وينتظرون من المحكمة الدستورية حسم مدى توافق المواد الخلافية مع مبادئ فصل السلط والمساواة والأمن القانوني والحق في محاكمة عادلة.

    وهبي: مصلحة المتقاضي فوق الحسابات المهنية

    في رده على الجدل الذي تثيره تصريحاته، يقول وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إنه لن يكون وزيرا صامتا لأن من حقه التعبير عن قناعاته السياسية والفكرية، مع احترام المساطر والمؤسسات التي يفرضها الدستور.

    ويضيف أن الاختلاف معه لا يبرر مطالبته بالصمت، بل يقتضي مواجهته برأي آخر وترك الحكم للرأي العام، مشددا في الوقت نفسه على أن القوانين الكبرى، ومنها القانون الجنائي وقانون المحاماة، تناقش داخل المؤسسات الدستورية، عبر الحكومة والبرلمان وممثلي الأمة، لا بمنطق الحسم في الشارع.

    وفي مواجهة الانتقادات التي أثارها قانون مهنة المحاماة، يدافع وهبي، في جل خرجاته الإعلامية، عن تصور يقوم، بحسبه، على تحديث المهنة وتقوية مؤسساتها، مع إخضاعها لقواعد المسؤولية والشفافية، بما يضمن حماية المتقاضين ويحافظ على انتظام سير العدالة.

    ويرى أن الخلاف القائم مع الهيئات المهنية لا يتعلق برفض الحوار، بل باختلاف جوهري حول طريقة إعداد القانون وحدود مشاركة المحامين في صياغته، مؤكدا أن وزارة العدل عقدت أكثر من ثمانية اجتماعات مع ممثلي المهنة، إلى جانب لقاءات متعددة مع رئيس جمعية هيئات المحامين، كما تلقت ملاحظاتهم في أكثر من مناسبة.

    غير أن الوزير يعترض على تقديم الاستشارة المهنية كما لو كانت حقا في صياغة القانون بصورة نهائية، موضحا أن دور وزير العدل لا يقتصر على نقل مطالب فئة معينة إلى البرلمان، ويقول، في هذا السياق، إن الوزير “ليس ساعي بريد”، بل طرف في العملية التشريعية، يستمع إلى مختلف المتدخلين ثم يصوغ مشروعا يراعي المصلحة العامة.

    وينطلق دفاع وهبي من أن قانون المحاماة لا ينظم شؤون المحامين فقط، بل يحدد علاقتهم بالقضاة والمتقاضين والنيابة العامة والشرطة القضائية والإدارات والمؤسسات العمومية وبقية مكونات منظومة العدالة.

    وعلى هذا الأساس، يعتبر أن التشاور مع المحامين ضروري، لكنه لا يمنحهم سلطة احتكار مضمون القانون، فالدولة، بحسب تصوره، مطالبة بالاستماع إلى المهنيين، وفي الوقت نفسه إلى باقي الجهات التي تتقاطع مصالحها ومسؤولياتها مع عمل المحامي.

    وأبرز أن الحوار حول قانون المحاماة كان مفتوحا، مع المحامين، والسلطة القضائية، والنيابة العامة، وجميع الوزارات، والأمانة العامة للحكومة، مشيرا إلى أن “مشروع القانون نتاج تراكمات لقرابة 30 عاما، بمعنى أن الحوار كان مفتوحا منذ 30 سنة، حتى وصلنا إلى صيغة اليوم التي قدمتها أنا اليوم”.

    ويشدد المسؤول الحكومي على أن الوثائق التي عرضتها الوزارة على الهيئات المهنية كانت معدة للاستشارة ولم تكن نصوصا نهائية، وانتقد تسريبها وتداولها خارج إطار الحوار، رغم أنها، وفق قوله، لم تكن قد اعتُمدت أصلا.

    ويؤكد الوزير أن الدولة لا يمكن أن تخضع في ممارسة اختصاصها التشريعي لأي جهة، مهما كانت مكانتها، فالحوار، في نظره، لا يعني المساومة على سلطة المؤسسات المنتخبة، وإنما الاستماع إلى الآراء قبل المرور عبر الأمانة العامة للحكومة والمجلس الحكومي والبرلمان.

    ثنائية الحقوق والمحاسبة

    يقول وهبي إن القانون يمنح المحامين حقوقا وضمانات مهمة، لكنه يضع في المقابل قواعد للعقاب والمتابعة والمسؤولية، لأن الاستقلال المهني، بحسب تصوره، لا يعني أن تصبح المحاماة خارج النظام العام أو بمنأى عن الرقابة.

    ويرى أن قوة المحاماة لا تقاس بحجم الامتيازات الممنوحة لها فقط، بل أيضا بقدرتها على محاسبة أعضائها وحماية المواطنين من الأخطاء والتجاوزات، لهذا، يدافع عن إعادة النظر في آلية الحفظ الضمني للشكايات، معتبرا أن تخليق المهنة يقتضي اتخاذ قرارات واضحة ومعللة بدل ترك الملفات تنتهي دون حسم صريح.

    واستند الوزير إلى رقم مفاده أن نحو 95 في المئة من الشكايات ضد المحامين تنتهي بالحفظ الضمني، منتقدا اضطرار النيابة العامة إلى استئناف عدد كبير منها.

    في المقابل، يرد ممثلو المحامين بأن الشكايات لا تشمل سوى نسبة محدودة لا تتجاوز 7 بالمئة من مجموع 15 ألف محام، ويعتبرون أن الحديث عن نسبة الحفظ دون وضعها في سياق العدد الإجمالي للمهنيين يعطي صورة غير مكتملة عن واقع المهنة.

    لكن وزير العدل يصر على أن حماية المتقاضي تفرض عدم قياس خطورة الإخلال بعدد مرتكبيه فقط، فحتى إذا تعلق الأمر بأقلية، فإن كل ملف مهمل أو وديعة متنازع بشأنها أو شكوى غير محسومة تمس مواطنا وضع ثقته في مؤسسة الدفاع.

    الضرائب.. مساواة أمام القانون

    ومن القضايا التي أثارت توترا بين الوزارة والمحامين ربط ممارسة المهنة بالوضعية الجبائية والاجتماعية، إذ يدافع وهبي عن إلزام المحامي بإثبات تسجيله لدى الإدارة الضريبية، إلى جانب تسوية الوضعية الاجتماعية للعاملين في مكتبه.

    واعتبر الوزير أن المحامي، بحكم وظيفته في الدفاع عن الحقوق وتطبيق القانون، ينبغي أن يكون في مقدمة الملتزمين بالواجبات الضريبية، موردا في هذا السياق أن 9 آلاف محام، من أصل 15 ألفا، غير مسجلين لدى إدارة الضرائب.

    وبالنسبة إلى وهبي، لا تستهدف هذه الإجراءات التضييق على المهنة، بل تكريس المساواة أمام القانون وحماية حقوق موظفي مكاتب المحامين في التغطية الاجتماعية، لأن المحامي الذي يطالب الدولة بتطبيق القانون، لا يمكن أن يضع نفسه خارجه.

    وفي جانب التكوين يقوم تصور قانون المحاماة على أن النظام القائم، المبني أساسا على الحصول على الإجازة واجتياز امتحان الأهلية ثم قضاء فترة التمرين، لم يعد كافيا لإعداد محام قادر على مواجهة التحولات الاقتصادية والقانونية.

    ويستحضر في هذا السياق انفتاح المغرب على الاستثمارات الدولية والاستعداد لاستضافة تظاهرات عالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، وما يصاحب ذلك من عقود ونزاعات ذات طبيعة مالية وضريبية ورياضية وتجارية عابرة للحدود.

    من هذا المنطلق، يدافع وزير العدل عن تكوين مؤسساتي قريب من نموذج المعهد العالي للقضاء، يرفع مستوى التأهيل ويتيح التخصص في مجالات مثل الضرائب والمالية والرياضة والاستثمار، مع تركيز كبير على ضرورة إتقان اللغات، حتى يكون المحامي المغربي قادرا على منافسة المكاتب الدولية المتوقع توسع حضورها في السوق الوطنية.

  • كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    ظلت أوراش كبرى لإصلاح العدالة لسنوات حاضرة في النقاش المؤسساتي والقانوني بالمغرب، فيما بقيت نصوص أساسية تنتظر المراجعة أو الحسم، رغم التحولات التي عرفها المجتمع وتطور انتظارات المواطنين والمهنيين.

    وبين تعقيد المساطر، وتراكم القضايا، وتحديات السياسة الجنائية، وضغط التحول الرقمي، استمر سؤال تحديث منظومة العدالة، مع الحفاظ على التوازن بين النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات، يطرح نفسه بقوة.

    وسط هذا المشهد، تولى عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في أكتوبر 2021، ليجد أمامه تراكما من المشاريع والقوانين والمطالب المهنية التي امتد بعضها عبر حكومات متعاقبة.

    وغير أن أوراش الإصلاح بدأت قبل الحكومة الحالية، فالسمة التي طبعت الولاية الحالية تمثلت في فتح عدد من الملفات الثقيلة، والدفع بها من دائرة الانتظار إلى مراحل التشريع والتنفيذ.

    من المسطرتين المدنية والجنائية إلى العقوبات البديلة، ومن تنظيم المؤسسات السجنية إلى إعادة تأطير المهن القانونية والقضائية، ارتبط اسم وهبي بأوراش أثارت نقاشات واسعة واحتجاجات مهنية وخلافات انتقلت، في بعض المحطات، من طاولات الحوار إلى البرلمان ووسائل الإعلام.

    وفي أكثر من مناسبة، بدا الجدل حول شخصية الوزير وتصريحاته أعلى صوتا من النقاش حول طبيعة التحولات التي كانت تتحرك داخل الوزارة. ومع الاقتراب من نهاية الولاية الحكومية، يصبح السؤال المحوري حول الحصيلة التشريعية، ماذا تحقق؟ وهل تعبر كثافة النصوص التي تم إخراجها عن تحول فعلي في منظومة العدالة، أم عن إنتاج تشريعي سيظل أثره رهينا بقدرة المؤسسات على التنفيذ؟

    المسطرة المدنية.. من تراكم الملفات إلى فتح الأوراش الثقيلة

    تكشف قراءة حصيلة وزارة العدل عن تحرك الإصلاح على ثلاثة مستويات متوازية؛ قوانين دخلت حيز التنفيذ، ومشاريع قطعت مراحل متقدمة من المسطرة التشريعية، وأوراش ما تزال في طور الإعداد أو التفاوض.

    ولا تكمن خصوصية هذه الحصيلة في العدد وحده، وإنما في طبيعة المجالات التي مستها، فقد تحرك الإصلاح من قواعد التقاضي المدني والجنائي إلى فلسفة العقوبة وظروف تنفيذها، ومن التنظيم القضائي إلى المهن المرتبطة بالمحكمة، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية والموارد البشرية وتوسيع الخدمات الرقمية.

    ويتقدم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قائمة الأوراش الكبرى التي طبعت هذه المرحلة، الذي يحدد الطريق الذي تسلكه الدعوى منذ ولوجها إلى المحكمة، مرورا بالتبليغ والإجراءات والطعن، وصولا إلى صدور الحكم وتنفيذه.

    وتنبع أهمية مراجعة هذا النص من كون قواعد التقاضي المدني ظلت تواجه تحديات مرتبطة بطول الآجال وتعقيد بعض المساطر وصعوبة تنفيذ الأحكام، بالتوازي مع الحاجة إلى إدماج التكنولوجيا في العمل القضائي.

    وقد مر القانون بمسار دستوري وتشريعي دقيق، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، التي صرحت بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة بعض مقتضياته للدستور. وبعد تعديل النص وترتيب الأثر على القرار، صودق على الصيغة الجديدة، قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026.

    ولا تقتصر أهمية المسطرة المدنية الجديدة على تحديث الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى توفير سند تشريعي للتحول الرقمي، إذ إن بناء محكمة رقمية لا يمكن أن يتم عبر التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنح الإجراءات والوثائق الإلكترونية حجيتها القانونية وتنظم موقع التكنولوجيا في مختلف مراحل التقاضي.

    المسطرة الجنائية.. الإصلاح في منطقة الحقوق والحريات

    وبموازاة ذلك، شكل القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية واحدا من أكثر الأوراش حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحرية الفردية والحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.

    وقد نشر القانون في الجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025، حاملا مقتضيات تتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظرية في بعض الجرائم، وتنظيم ظروف تغذيتهم، وإحداث قاعدة بيانات مركزية للسجل العدلي، إلى جانب تدابير تراعي وضعية الأطفال الموجودين في تماس مع القانون.

    وتكمن حساسية النص في المعادلة التي تحكم كل سياسة جنائية، أي منح الدولة الوسائل الضرورية للبحث عن الجرائم وحماية المجتمع، مع إحاطة هذه السلطة بضمانات تحمي حقوق الأشخاص وتصون شروط المحاكمة العادلة.

    وبهذا المعنى، لم تمثل مراجعة المسطرة الجنائية تعديلا تقنيا لبعض المواد، وإنما محاولة لإعادة ترتيب جوانب من العلاقة بين سلطة البحث وحقوق الأفراد، فيما سيظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بكيفية تنزيل الضمانات وتوحيد تطبيقها داخل مختلف المحاكم.

    وفي قراءة لطبيعة هذه الدينامية التشريعية، يرى خليل عبد العزيز، المحامي بهيئة الرباط والخبير القانوني، أن ولاية عبد اللطيف وهبي تميزت بإعطاء دفعة قوية لعدد من الأوراش الإصلاحية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز سيادة القانون، وتسريع البت في القضايا، وتقريب العدالة من المواطن.

    ويعتبر عبد العزيز أن الوزارة قادت ورشا تشريعيا واسعا شمل إصلاح المسطرة الجنائية، وتعزيز حقوق الدفاع، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة، وتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بموجب القانون رقم 46.21، إلى جانب أوراش مرتبطة بالتوثيق والأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية.

    ويرى أن أهمية هذه الإصلاحات لا تكمن فقط في عدد النصوص، وإنما في اتصالها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، سواء تعلق الأمر بضمانات المحاكمة، أو تنفيذ الأحكام، أو حماية المعاملات القانونية والعقارية وتحسين البيئة الاستثمارية.

    لكن قياس أثر هذه الدينامية لا يمكن أن يتوقف عند النصوص، فالقانون لا يتحول إلى إصلاح بمجرد نشره، وإنما حين تبدأ مقتضياته في تغيير الممارسة، ومن بين مختلف الأوراش المفتوحة، تقدم العقوبات البديلة نموذجا يسمح بقياس المسافة بين إخراج القانون وبدء إنتاج أثره.

    العقوبات البديلة.. ثورة في قلب السياسات الزجرية

    يعد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة أحد أبرز النصوص التي ميزت هذه المرحلة، ليس فقط لأنه أضاف أنواعا جديدة من العقوبات، بل لأنه أعاد طرح السؤال حول فلسفة الجزاء الجنائي نفسها.

    فبعدما ظل السجن العقوبة المركزية في التعامل مع عدد واسع من الجرائم، فتح القانون المجال أمام بدائل تستهدف تحقيق التناسب بين الجريمة والجزاء، وتشجيع إعادة الإدماج، وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

    وتشمل هذه البدائل الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى المراقبة الإلكترونية.

    وبعد ثمانية أشهر من دخول القانون حيز التنفيذ، كشف وزير العدل، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، أن عدد العقوبات البديلة الصادرة بلغ، إلى غاية 14 أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبات.

    وتصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ1075 مقررا، أي 41 في المئة من المجموع، تلاها العمل لأجل المنفعة العامة بـ1027 عقوبة، بنسبة 39 في المئة، ثم تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بـ483 مقررا، أي 19 في المئة، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودا في 20 عقوبة فقط، بما يمثل واحدا في المئة.

    ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الأحكام فقط، وإنما في أثرها المباشر، فقد مكن تطبيق القانون، وفق معطيات الوزير، من الإفراج عن 1578 معتقلا، كما جنب 90 شخصا مدانا كانوا يتابعون في حالة سراح دخول المؤسسات السجنية.

    وبالنسبة إلى مئات الأسر، أصبحت العقوبات البديلة تغييرا فعليا في مسار تنفيذ العقوبة، فيما يمكن أن تساهم، بالنسبة إلى المؤسسات السجنية، في الحد من الاكتظاظ وتوجيه الإمكانات والبرامج التأهيلية نحو الحالات التي تقتضي طبيعة جرائمها تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.

    غير أن الأرقام تكشف أيضا حدود التنزيل، فاستحواذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة على معظم الأحكام، مقابل محدودية المراقبة الإلكترونية، يعكس استمرار صعوبات مرتبطة بتفعيل بعض العقوبات ذات الطابع التقني.

    وقد أقر وهبي بوجود تحديات تتعلق بتتبع تطبيق المقررات القضائية، وتنوع الوضعيات الإجرائية، وحالات رفض التنفيذ أو الإخلال بشروطه، إلى جانب ضعف تفعيل بعض العقوبات، داعيا إلى تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية وتقوية العدالة التصالحية والوساطة الجنائية.

    كما طالب بتوسيع نطاق الجرائم القابلة للاستفادة من العقوبات البديلة، مع مراعاة طبيعة الجريمة وخطورتها وشخصية مرتكبها وإمكانية جبر الضرر.

    من العقوبة إلى السجن وإعادة الإدماج

    لم يتوقف إصلاح السياسة العقابية عند إيجاد بدائل للسجن، بل امتد إلى ظروف تنفيذ العقوبة من خلال القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، الصادر سنة 2024.

    وتنبع أهمية النص من كونه ينقل الإصلاح من قاعة المحكمة إلى مرحلة تنفيذ الحكم، لأن العدالة لا تنتهي بصدور العقوبة، وإنما تشمل أيضا ظروف الاعتقال وحماية كرامة السجين وإعداده للعودة إلى المجتمع.

    ويتقاطع هذا التوجه مع تطور اللجوء إلى الإفراج المقيد بشروط، إذ ارتفع عدد المستفيدين من 13 شخصا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نهاية 2021، إلى 160 سنة 2022، ثم 204 سنة 2023، و420 سنة 2024، وصولا إلى 447 مستفيدا إلى غاية 14 أكتوبر 2025.

    كما أبرمت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط ومساعدتهم على الاندماج في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

    وتكشف هذه الدينامية توجها نحو توسيع أدوات السياسة الجنائية خارج منطق السجن وحده، من خلال الجمع بين العقوبات البديلة والإفراج المقيد بشروط وإعادة الإدماج. غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على مواكبة المستفيدين اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تتحول البدائل القانونية إلى حلول مؤقتة.

    الرقمنة.. إصلاح لا يرى في القانون فقط

    إذا كانت المسطرتان المدنية والجنائية والعقوبات البديلة تمثل الواجهة التشريعية للإصلاح، فإن الرقمنة شكلت وجهه التنفيذي الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للمرتفقين.

    فقد تجاوزت نسبة الطلبات الإلكترونية للسجل العدلي 80 في المئة، فيما ناهزت طلبات شهادة الجنسية المغربية المقدمة عن بعد 90 في المئة من مجموع الطلبات المعالجة.

    كما تم إطلاق بوابة إلكترونية لطلبات العفو والإفراج المقيد، وخدمة الأداء الإلكتروني للغرامات، وتطبيق “محاكم”، والبوابة الإلكترونية للشكايات، والمكتبة القانونية الرقمية “عدالة”، ومنصة الحماية الإلكترونية “e-Himaya”، إلى جانب خدمات تتبع الملفات وجدول الجلسات وأداء مخالفات السير.

    وامتدت الرقمنة إلى العلاقة بين المحاكم والمهن القانونية والمؤسسات، من خلال منصات للتبادل الإلكتروني مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، وأخرى لتتبع تنفيذ الأحكام الصادرة في حق أشخاص القانون العام، مفعلة لفائدة 17 وزارة و20 مؤسسة عمومية، فضلا عن التبادل الإلكتروني مع الأبناك وشركات التأمين وعدد من الإدارات.

    وخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، خصصت الوزارة أكثر من 124.6 مليون درهم للمشاريع الرقمية على مستوى الإدارة المركزية، ونحو 315.5 مليون درهم على المستوى الإقليمي.

    وبالنسبة إلى المواطن، يفترض أن يترجم هذا التحول إلى تقليص عدد التنقلات نحو المحاكم، وتبسيط الحصول على الوثائق والخدمات، وتقليص زمن الانتظار، فيما يمنح المهنيين إمكانية تتبع الملفات وتبادل المعطيات بشكل أسرع.

    وفي هذا السياق، يعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن ورش الرقمنة وإرساء تصور المحكمة الرقمية الموحدة يمثلان أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية خلال ولاية وهبي، بالنظر إلى ما تتيحه الخدمات الرقمية من إمكانات لتتبع الملفات القضائية ومواعيد الجلسات والإجراءات والأحكام عن بعد.

    ويرى أن المشروع، القائم على التنسيق بين وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وهيئات المحامين، يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز الشفافية ومحاربة بعض مظاهر الفساد والبيروقراطية، من خلال التتبع الفوري والدقيق للعمليات القضائية والإدارية.

    حلقات متكاملة في مسار العدالة

    لم تقتصر الدينامية على قواعد التقاضي والعقوبة، بل امتدت إلى المؤسسة القضائية نفسها، من خلال القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي وتعديله بموجب القانون رقم 73.24.

    ويؤطر هذا الورش أصناف المحاكم وبنياتها واختصاصاتها والإدارة القضائية، فيما جرى، في إطار تنزيله، تحديث الخريطة القضائية للمملكة، في محاولة لتقريب الخدمات من المواطنين ومراعاة التحولات الديمغرافية والمجالية.

    كما شملت الدينامية قوانين تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، في سياق استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بعد تكريس استقلالها.

    لكن فعالية العدالة لا تتوقف عند القاضي أو صدور الحكم، لأن مسار القضية يمر عبر مهن تضطلع بالتبليغ والتنفيذ والخبرة والترجمة والتوثيق والدفاع. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وهي مهنة ترتبط مباشرة بتبليغ الإجراءات وتنفيذ الأحكام، فالحكم لا يحقق غايته إذا تعثر تبليغه أو تنفيذه، ما يجعل إصلاح هذه الحلقة مرتبطا مباشرة بقدرة المواطن على الحصول فعليا على الحق الذي أقره له القضاء.

    كما شمل الورش الخبرة القضائية من خلال القانون رقم 44.22، إلى جانب إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة الخبراء القضائيين، فضلا عن صدور القانون رقم 52.23 المتعلق بمهنة التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم.

    وفي مجال التكوين، صدر القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء، في تأكيد أن تغيير القوانين يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استيعابها وتطبيقها.

    وامتدت الحصيلة إلى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي يؤطر وسائل بديلة لتسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي، بما يمكن أن يخفف الضغط على المحاكم ويوفر آليات أكثر مرونة، خصوصا في النزاعات التجارية والاستثمارية.

    كما شمل الإصلاح القانون رقم 71.24 المتعلق بمقتضيات الشيك، وهو مجال تتقاطع فيه السياسة الجنائية مع حماية الثقة في المعاملات الاقتصادية، حيث يرتبط الرهان بإيجاد توازن بين ضمان حقوق المستفيد وعدم الإفراط في توظيف العقوبة السالبة للحرية.

    وامتدت الإصلاحات إلى الأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية، من خلال الاشتغال على سجل الوكالات الرسمية وتنظيم دورات تكوينية للتعريف به وضمان حسن استعماله، بما يوفر إمكانية أفضل للتحقق من الوكالات ويعزز الثقة في المعاملات القانونية والعقارية والبيئة الاستثمارية.

    بين المنجز والأوراش المفتوحة

    إلى جانب القوانين النافذة، تضم حصيلة الوزارة مشاريع لم تستكمل جميع مراحلها، في مقدمتها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير 2026، قبل مواصلة دراسته بالبرلمان بغرفتين والمصادقة عليه، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، المنتظر منها حسم الجدل الذي رافق مشروع القانون بسبب رفض المحامين له.

    ويكتسي القانون حساسية خاصة بالنظر إلى موقع المحاماة في منظومة العدالة وارتباطها بحقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يفسر النقاش المهني الواسع الذي رافقه.

    كما يوجد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس النواب في أبريل 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 58.24 المتعلق بمهنة التوثيق، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالأمن التعاقدي وتوثيق الحقوق والمعاملات الأسرية والعقارية والمالية.

    وتشمل المشاريع كذلك مشروع القانون رقم 53.23 المتعلق بالرسوم والمصاريف القضائية، وهو نص يرتبط بكلفة الولوج إلى العدالة، إلى جانب مشاريع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية، ومراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ومراجعة مجموعة القانون الجنائي.

    التنفيذ.. من النص إلى المؤسسة

    منذ بداية الولاية، باشرت الوزارة 118 مشروعا في مجالي البناء والتهيئة بمختلف الدوائر القضائية، منها 35 مشروعا مدشنا بكلفة 1.35 مليار درهم، و20 مشروعا جاهزا للتدشين، و13 ورشا مفتوحا، إضافة إلى 50 مشروعا في طور الدراسة.

    كما تم إحداث وتجهيز 39 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، إلى جانب 23 فضاء أزرق داخل أقسام قضاء الأسرة، صممت لتوفير ظروف أكثر ملاءمة للأطفال أثناء تفاعلهم مع النظام القضائي.

    ولا يتعلق الأثر هنا بتحديث المباني وحدها، بل بتحسين ظروف استقبال المتقاضين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، داخل فضاء العدالة.

    وعلى مستوى الموارد البشرية، شهدت الولاية نقل المناصب المالية والوضعيات الإدارية للقضاة والملحقين القضائيين إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخصيص 450 منصبا ماليا على مدى ثلاث سنوات لدعم أقسام قضاء الأسرة، وإحداث المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية.

    كما أشرفت الوزارة على برامج تكوينية لفائدة أطرها ومديريها الإقليميين والمساعدين الاجتماعيين، خصوصا في ما يتعلق بالعقوبات البديلة والمستجدات التشريعية، وعقدت، وفق معطيات الحصيلة، 42 جلسة مع الفرقاء الاجتماعيين بين سنة 2021 وماي 2026.

    غير أن الخصاص في الموارد البشرية يظل من أبرز التحديات، إذ يقدر بنحو 4500 موظف، وهو خصاص ترافع وزير العدل من أجل تقليصه عبر إحداث مناصب مالية جديدة.

    ويعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن الاستثمار في التكوين والعنصر البشري يمثل شرطا أساسيا لإنجاح الإصلاحات، لأن المحكمة الرقمية تحتاج إلى موظفين قادرين على تشغيلها، والعقوبات البديلة إلى أطر تتولى تتبعها، فيما تتطلب القوانين الجديدة تكوينا مستمرا يضمن حسن فهمها وتطبيقها.

    ويخلص الخبير القانوني، في تقييم أكاديمي، إلى أن حصيلة عبد اللطيف وهبي تعكس “قيادة عملية وطموحة” نجحت في إعطاء دفعة قوية لإصلاح منظومة العدالة، خصوصا من خلال الرقمنة وتحديث التشريعات والانكباب على قضايا تمس في جوهرها حقوق المواطنين ومصالحهم.

    ومع ذلك، يعتبر أن الخصاص في الموارد البشرية وتحديات التنسيق المؤسساتي يحتاجان إلى معالجة أسرع، حتى تتمكن المنظومة من استيعاب الترسانة القانونية التي أخرجت خلال هذه الولاية، ويرى أن الدينامية التي أطلقها وهبي يمكن أن تشكل إرثا إصلاحيا مهما، شرط ضمان استمرارها وتسريع التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة.

    كلفة الإصلاح.. بين منطقي التصادم والحسم

    وتكشف حصيلة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل عن مرحلة اتسمت بكثافة الأوراش وتعدد مستوياتها، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأوراش بدأت مع وهبي أو أنها اكتملت كلها خلال ولايته؛ فالإنصاف يقتضي الاعتراف بتراكمات الحكومات والوزراء السابقين، والتمييز بين القوانين النافذة والمشاريع التي لم تستكمل مسارها بعد.

    لكن السمة الأبرز لهذه المرحلة تظل في الدفع بعدد كبير من الملفات الثقيلة إلى واجهة التشريع والتنفيذ خلال فترة متقاربة، بدل الاكتفاء بتدبير الشؤون اليومية للقطاع أو تأجيل الأوراش المثيرة للخلاف.

    ولم تكن كلفة هذه الأوراش قانونية وتقنية فقط، بل كانت سياسية ومهنية أيضا، فكل تعديل يمس قواعد التقاضي أو صلاحيات المهن القانونية يعيد توزيع الأدوار والمصالح داخل منظومة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر انتقال الخلاف، في بعض الملفات، من النقاش التقني حول مواد القوانين إلى توترات مفتوحة بين الوزارة والهيئات المهنية.

    وقد جعلت هذه المقاربة الجدل جزءا من الولاية، فكلما اقترب الإصلاح من قواعد التقاضي أو العقاب أو شروط ممارسة المهن القانونية، اتسعت دائرة المتأثرين به وتعددت المواقف بشأنه.

    ويكشف ذلك أن اختيار فتح هذه الملفات خلال ولاية واحدة لم يكن قرارا إداريا محضا، بل توجها سياسيا وقبولا لتحمل كلفة الجدل بدل الاستمرار في تأجيل مشاريع ظلت معلقة لسنوات. غير أن الجرأة في فتح الملفات لا تعفي من تقييم جودة التشاور، ومدى استيعاب ملاحظات المهنيين، وقدرة الوزارة على بناء توافقات تضمن سهولة التنفيذ لاحقا.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل اصطدام دليلا على فشل الإصلاح، كما لا يمكن تقديم الجدل وحده دليلا على الجرأة والنجاح، فالمعيار الأكثر دقة يوجد في مضمون النصوص، وطريقة إعدادها، ومستوى التشاور بشأنها، ثم قدرتها على إنتاج أثر بعد دخولها حيز التنفيذ.

    وقد قدمت العقوبات البديلة أول نموذج واضح لهذه المعادلة؛ كونه قانونا انتقل إلى التطبيق واستفاد منه آلاف الأشخاص، لكنه كشف أيضا عن صعوبات في التنفيذ وضعف اللجوء إلى بعض العقوبات التقنية.

    أما التحدي الأكبر الذي تضعه هذه الحصيلة أمام المرحلة المقبلة، فيتمثل في قدرة المنظومة على استيعاب هذا الحجم من التحولات، وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية، وتكوين الموارد البشرية، وضمان استمرار الإصلاح بعد نهاية الولاية الحكومية.