الوسم: المجلس الوطني لحقوق الإنسان

  • ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    ليست الهشاشة ولا البطالة.. أحداث سبتة تكشف دوافع جديدة للهجرة

    لطالما ارتبطت الهجرة غير النظامية بصورة الشاب الباحث عن فرصة عمل أو الهارب من الفقر، غير أن أحداث العبور الجماعي نحو سبتة نهاية يوليوز الماضي أعادت طرح سؤال مختلف حول ما إذا كانت الدوافع الاقتصادية وحدها كافية لتفسير إقدام آلاف الشباب على المجازفة بحياتهم.

    هذا السؤال حضر في الخلاصات الأولية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث سبتة، والذي اعتبر أن اختزال الهجرة في الفقر والهشاشة الاجتماعية لم يعد كافيا، داعيا إلى فهم التحولات التي تعرفها تطلعات الشباب، والدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المنصات الرقمية في تشكيل قرار الهجرة.

    فهم جديد لدوافع الهجرة غير النظامية

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى مجلس حقوق الإنسان أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

    وتفتح هذه الخلاصة بابا أمام نقاش أوسع حول ما إذا كانت الهجرة اليوم تعكس أزمة اقتصادية فقط، أم أنها أصبحت أيضا نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية ورقمية غيرت نظرة جزء من الشباب إلى المستقبل، وإلى معنى النجاح وتحقيق الذات.

    واقع اجتماعي جديد للشباب

    وفي قراءته للتحولات التي تعرفها دوافع الهجرة غير النظامية، يرى الباحث في علم الاجتماع، عادل النجاري، أن الاقتصار على تفسير الظاهرة بالفقر أو البطالة لم يعد يعكس الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشباب اليوم، معتبرا أن الهجرة أصبحت ترتبط أيضا بتحولات عميقة في منظومة التطلعات وطريقة بناء المستقبل.

    ويوضح النجاري في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA” أنه “في السنوات الأخيرة، لم تعد الهجرة غير النظامية تفسر فقط باعتبارها نتيجة للفقر أو البطالة، رغم أن هذين العاملين ما يزالان حاضرين بقوة”، مبرزا أن “ما نلاحظه اليوم هو أن دوافع الهجرة أصبحت أكثر تعقيدا، لأنها ترتبط أيضا بتحول في منظومة تطلعات الشباب”.

    وأشار المتحدث ذاته إلى أن الأجيال الحالية تعيش في فضاء مفتوح على العالم، وتقارن أوضاعها بشكل يومي بما تراه على المنصات الرقمية، وهو ما يرفع سقف انتظاراتها ويجعلها تبحث عن تحقيق الذات بالسرعة نفسها التي ترى بها تجارب الآخرين.

    لذلك، يرى النجاري، أن الهجرة لم تعد بالنسبة إلى البعض مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت في كثير من الحالات مشروعا لتحقيق حياة مختلفة، يختلط فيه الاقتصادي بالاجتماعي والثقافي والنفسي.

    التضليل الرقمي.. عندما يصنع الهاتف حلم الهجرة

    إذا كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان يدعو إلى تجاوز تفسير الهجرة بالفقر وحده، فإنه في المقابل يسلط الضوء على عامل آخر لا يقل تأثيرا، يتمثل في الفضاء الرقمي.

    وفق تقرير “مجلس بوعياش”، لم تكن المنصات الاجتماعية مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاء للتعبئة والتنسيق، ساهم في تشكيل قناعة لدى عدد من الشباب بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

     فقد رصد المجلس انتشار منشورات ومجموعات على فيسبوك وواتساب وتلغرام تداولت معلومات وإرشادات حول مسارات العبور، ونقاط التجمع، وحتى التوقيت المناسب للتحرك، إلى جانب محتويات روجت لتأويلات خاطئة لقرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليوز 2026، ما منح هذه الرواية انتشارا واسعا بين الراغبين في الهجرة.

    وتتقاطع هذه المعطيات مع ما أكده المغرب، الذي اعتبر أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت القرار القضائي الإسباني لتسويق فكرة مفادها أن الوصول إلى سبتة عبر البحر أصبح يضمن عدم الإرجاع، وهو ما غذى لدى عدد من الشباب صورة عن “فرصة استثنائية” للعبور.

    وفي تفسيره للدور الذي لعبه الفضاء الرقمي خلال موجة العبور الأخيرة، يعتبر عادل النجاري أن المنصات الاجتماعية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحولت إلى فضاء يعيد تشكيل تصورات الشباب ويؤثر في قراراتهم.

    الباحث في علم الاجتماع يؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى فاعل اجتماعي يؤثر في بناء التصورات والسلوكيات، فالشباب لا يتابعون فقط الأخبار المتعلقة بالهجرة، بل يتعرضون يوميا لمحتويات تقدم نماذج حياة تبدو أكثر جاذبية خارج الوطن، دون أن تنقل في الغالب الوجه الآخر لهذه التجارب”.

    واسترسل موضحا أن تزامن ذلك مع انتشار معلومات مضللة أو تأويلات خاطئة، يفرز تأثيرها أكبر، لأنها تعزز لدى بعض الشباب الاعتقاد بأن فرصة العبور أصبحت ممكنة أو أقل خطرا، وهنا لا يصنع المحتوى الرقمي قرار الهجرة من الصفر، لكنه يسرع اتخاذه ويمنحه شرعية نفسية واجتماعية”.

    بين “الفردوس الموعود” وصدمة الواقع

    غير أن الصورة التي رُسمت على المنصات الرقمية لم تصمد طويلا أمام الواقع، فبعد أيام قليلة من أحداث العبور، بدأت تتداول مشاهد عودة أعداد كبيرة من الشباب إلى المغرب، في وقت أكد فيه مصدر حكومي لوكالة الأنباء المغربية أن نحو 95 في المئة من الذين وصلوا إلى سبتة غادروها طواعية، معتبرا أن هؤلاء اكتشفوا بأنفسهم أن “الفردوس الموعود” الذي روجت له شبكات التهريب وبعض المحتويات الرقمية لا يعكس حقيقة ما ينتظرهم على الضفة الأخرى.

    وتتقاطع هذه الرواية مع جزء مما وثقه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي سجل حالات عودة طوعية، كما رصد شهادات تحدثت عن أوضاع صعبة عاشها عدد من العابرين، من بينها الجوع والعطش، إلى جانب تعرض بعضهم لاعتداءات وممارسات عنيفة داخل سبتة.

    ووثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان انتشار خطاب معاد للمهاجرين، واعتداءات ذات طابع عنصري استهدفت عددا من الشباب المغاربة، ما يعكس الهوة بين الصورة التي سبقت قرار الهجرة والواقع الذي واجهه عدد منهم بعد الوصول.

    وبخصوص ما كشفته العودة السريعة لعدد من الشباب بعد وصولهم إلى سبتة، يرى الباحث في علم الاجتماع أن هذه التجربة أبرزت الفارق بين الصورة التي تُبنى قبل الهجرة والواقع الذي يواجهه الشباب بعد العبور.

    ويشير النجاري إلى أن التجربة التي عاشها عدد من الشباب بعد الوصول إلى سبتة كشفت الفارق بين الصورة التي تشكلت لديهم قبل العبور والواقع الذي وجدوه بعده، الأمر الذي يؤكد أن جزءا من القرار كان مبنيا على تمثلات أكثر منه على معرفة دقيقة بالواقع

    لذلك فإن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل. فكلما تمكن المجتمع من تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، أصبح أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.”

    ولذلك، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لم تعد تقتصر على خلق فرص الشغل أو تشديد المراقبة الأمنية، رغم أهميتهما، بل أصبحت تقتضي أيضا بناء خطاب قادر على مواجهة التضليل الرقمي، وتعزيز ثقة الشباب في مستقبلهم، وفهم التحولات التي يعرفها جيل نشأ في عالم تصنع فيه الشاشات الأحلام بالقدر نفسه الذي تصنع فيه الوقائع. وهو ما يجعل قراءة المجلس دعوة إلى توسيع زاوية النظر، والانتقال من تفسير اقتصادي أحادي إلى فهم أكثر شمولا لظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

    ما بعد أحداث الفنيدق.. أي مقاربة لفهم الهجرة؟

    لعل أهم ما تكشفه أحداث الفنيدق ليس فقط أنها أعادت ملف الهجرة غير النظامية إلى الواجهة، بل أنها أظهرت محدودية التفسيرات التقليدية التي تختزل الظاهرة في البطالة أو الفقر، لأن الهجرة اليوم تبدو أكثر تعقيدا؛ إذ تتداخل فيها الإكراهات الاقتصادية مع تحولات تطلعات الشباب، وتأثير الفضاء الرقمي، والصور التي تُبنى يوميا عن الحياة في الضفة الأخرى.

    وفي هذا السياق، يشدد الباحث في علم الاجتماع عادل النجاري على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية أو حتى الاقتصادية، بل تحتاج أيضا إلى العمل على مستوى الوعي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، ومواجهة المحتويات المضللة، إلى جانب خلق آفاق حقيقية تمنحهم الثقة في المستقبل.

    ويذهب الناجري إلى أن نجاح المجتمع في تقليص الفجوة بين الواقع والتصورات التي تنتجها المنصات الرقمية، يجعله أكثر قدرة على الحد من القرارات المبنية على الوهم أو على صور غير مكتملة عن الهجرة.

    وفي هذا السياق، تبدو أهمية خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في أنها تنقل النقاش من سؤال “كم تبلغ نسبة البطالة؟” إلى سؤال آخر أكثر عمقا: “كيف تتشكل تطلعات الشباب اليوم؟”، لأن الهجرة، وفق هذه المقاربة، لم تعد مجرد استجابة لواقع اقتصادي صعب، بل أصبحت أيضا نتاجا لتفاعل عوامل اجتماعية وثقافية ورقمية، تجعل بعض الشباب يرى في الهجرة مشروعا لتحقيق الذات، قبل أن يصطدم في كثير من الأحيان بواقع مختلف تماما.

  • مليون عضو و1400 منشور يوميا.. “مجلس بوعياش” يُفكِّك مسار التضليل والتعبئة لأحداث سبتة

    مليون عضو و1400 منشور يوميا.. “مجلس بوعياش” يُفكِّك مسار التضليل والتعبئة لأحداث سبتة

    كشف تقرير للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول أحداث العبور الأخيرة نحو سبتة أن الفضاء الرقمي لعب دورا محوريا في مختلف مراحل التحضير لمحاولات العبور الجماعي، من التعبئة والتنسيق وتبادل الإرشادات، وصولا إلى عرض معدات السباحة، وسط رصد مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، إلى جانب حضور حسابات وأرقام هاتفية أجنبية داخل مجموعات مغربية.

    وكشف المجلس، في تقرير عن أحداث 30 و31 يوليوز بسبة ومليلية، بأن محاولات العبور تواترت منذ 14 يوليوز، قبل أن تبلغ أوجها يوم 30 من الشهر نفسه، مؤكدا أن المنصات الرقمية أدت دورا “حاسما” في مختلف مراحل التحضير للعبور وما بعده نحو سبتة، وبدرجة أقل نحو مليلية.

    حكم إسباني يثير الفوضى

    يرسم التقرير تسلسلا زمنيا بين صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، في 8 يوليوز، وبين تصاعد المضامين الرقمية ومحاولات العبور خلال الأسابيع الثلاثة التي تلته.

    فالقرار، وفق ما أورده المجلس، قضى بأنه في حالة اعتراض مهاجرين في البحر لا يجوز إخضاعهم لنظام “الإرجاع الفوري” على الحدود، وإنما يتعين إخضاعهم لإجراء الإرجاع المنصوص عليه في قانون الأجانب.

    في اليوم نفسه، 8 يوليوز، رصد المجلس ما وصفه بأول محتوى مضلل على صفحة “فيسبوكية” متخصصة في محتويات الهجرة وإسبانيا والمغاربة المقيمين بها، يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص.

    وزعمت التدوينة أن “المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر عند العبور إلى سبتة أو مليلية عن طريق السباحة لا يمكن إرجاعهم”، وقدمت هذه الخلاصة باعتبارها منقولة عن “وفد حكومي إسباني”، وسجل المجلس أن المنشور حظي بتفاعل كبير.

    بعد خمسة أيام فقط، في 13 يوليوز، رصد المجلس محتوى عن “منع المحكمة العليا الإسبانية للإعادة الفورية للمهاجرين”، داخل مجموعة كان عدد أعضائها، قبل حذفها، يتجاوز 124 ألف شخص، وكانت تنشر بمعدل يصل إلى 231 تدوينة في اليوم.

    ورصد “مجلس بوعياش” أن حسابات ومجموعات بالفضاء الرقمي استخدمت “التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة” من أجل تقديم رسالة أكثر تبسيطا وإغراء مفادها أن الوصول عن طريق البحر يعني عدم إمكانية الإرجاع.

    من التضليل إلى محاولات العبور

    وتكشف الكرونولوجيا التي قدمها تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن تصاعد المحتوى الرقمي تزامن مع ارتفاع وتيرة محاولات العبور.

    ففي 14 يوليوز، أوقفت السلطات المغربية محاولة هجرة لـ20 شخصا عبر الناظور، وفي 15 يوليوز أوقفت البحرية الملكية محاولة جماعية لنحو 50 شخصا في اتجاه سبتة انطلاقا من الفنيدق.

    واستمرت المحاولات في 17 يوليوز، إذ جرى توقيف محاولة تسلل جماعي لعشرات الأشخاص سباحة نحو سبتة، قبل تسجيل محاولة شملت نحو 200 شخص في 19 يوليوز عبر منطقتي تارخال وبليونش.

    وبين 15 و27 يوليوز، يفيد التقرير أنه تم تسجيل 1500 حالة هجرة إلى سبتة شملت بالغين وقاصرين.

    غير أن يوم 28 يوليوز شكل، وفق معطيات المجلس، محطة أخرى في تصاعد التعبئة الرقمية، بعدما وصلت شابة منحدرة من مدينة العرائش إلى سبتة سباحة، مسجلا أنه “ورغم أن عدد العابرين في ذلك اليوم تجاوز 100 شخص، فإن صورة الشابة وصديقتها وهما ترفعان شارة النصر بعد الوصول انتشرت على نطاق واسع”.

    وبحسب المجلس، تحولت الصورة إلى مادة لـ”الترويج والتضليل”، اعتمادا على “تأويل غير دقيق أو مغرض” لمنطوق حكم المحكمة العليا الإسبانية، الأمر الذي أنشأ سردية رقمية توحي بأن العبور ممكن وأن فرص الإرجاع شبه منعدمة.

    وفي 29 يوليوز، رصد المجلس انتشار أخبار ومضامين داخل الفضاءات الرقمية، ليلتي الأربعاء والخميس، تزعم أن “الحدود مفتوحة”، لتبدأ، بين 29 و30 يوليوز، أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والعائلات تتوافد على الفنيدق.

    وخلال عمليات التقصي الميداني، أفادت مجموعات مختلفة من الشباب لفرق مجلس حقوق الإنسان بأنها تلقت رسائل عبر تطبيق “واتساب” تدعوها إلى التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل، بهدف المرور الجماعي إلى سبتة.

    23 مجموعة وأكثر من مليون عضو

    واطلع فريق الرصد المركزي لمجلس حقوق الإنسان على منشورات 23 مجموعة على “فيسبوك”، بلغ مجموع أعضائها أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنتج، مجتمعة، أكثر من 1400 تدوينة يوميا في المتوسط.

    وفي 30 يوليوز وحده، جرى حذف خمس مجموعات رئيسية من بين المجموعات التي كان “مجلس بوعياش” يتابعها.

    ولم يقتصر الرصد على “فيسبوك”، فقد تابع المجلس وفق تقريره الفيديوهات والشهادات والمضامين المرتبطة بالعبور وما أعقبها على “إكس” و”إنستغرام” و”تيك توك”، فضلا عن مجموعات مغلقة أو شبه مغلقة على “واتساب” و”تلغرام”.

    وخلص التقرير إلى أن المجموعات الرقمية تحولت إلى فضاءات لتوفير سلسلة متكاملة من المعلومات والخدمات المرتبطة بالعبور، وجرى فيها عرض وبيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة وملابس الرياضات البحرية وزعانف السباحة، وتقديم إرشادات عملية بشأن كيفية الاستعداد للعبور، فضلا عن تحديد نقاط الالتقاء داخل المدن والتعبئة من أجل التحرك الجماعي.

    كما تداول أعضاء هذه المجموعات معلومات ميدانية عن الوضع على الأرض، وطلبات واستفسارات عن كيفية التنقل بعد الوصول إلى طنجة، والطرق المؤدية إلى سبتة، إلى جانب تقاسم روابط الالتحاق بمجموعات “واتساب” و”تلغرام” لمواصلة التنسيق بعيدا عن الفضاءات المفتوحة.

    أياد خفية.. وسطاء وحسابات أجنبية

    ومن أبرز خلاصات الرصد الرقمي التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تسجيل منشورت تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات “قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر”، تعرض خدمات لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور.

    ولفت المجلس أيضا إلى أنه جرى تداول معلومات حول أماكن المراقبة والمسالك والتوقيت الأنسب للعبور، إلى جانب تجارب سابقة ومنشورات تظهر تمكن أشخاص من الوصول إلى سبتة.

    وسجل المجلس وجود حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية، قال إنها تنشر أخبارا زائفة ومضامين تشجع على العبور وتقدم إرشادات لتسهيله.

    وفي إحدى الحالات التي وثقها، عمدت مجموعة على “واتساب”، كانت تتداول طرق وإرشادات الوصول إلى سبتة، إلى حذف جميع الأرقام الهاتفية التي تحمل الرمز الدولي لدولة أجنبية، بينما رصد المجلس في مجموعة أخرى أكثر من 18 رقما هاتفيا تعود إلى الدولة الأجنبية نفسها.

    وربط “مجلس بوعياش” هذه المعطيات بما سبق أن أورده في تقريره السنوي عن حالة حقوق الإنسان برسم سنة 2024، حين نبه إلى انتشار صفحات وحسابات ومجموعات رقمية تنشر إعلانات صريحة لتقديم “خدمات” غير مشروعة لتنظيم وتنشيط عمليات العبور غير النظامي باستعمال وسائل بحرية مقابل مبالغ مالية.

    وأشار التقرير، في السياق نفسه، إلى استغلال قرار للمحكمة العليا الإسبانية في مضامين رقمية استخدمت، بحسب المجلس، في التضليل والترويج والتنسيق والإرشاد والتعبئة، مع رصد حسابات وأرقام هاتفية ومضامين لصناع محتوى من خارج المغرب داخل مجموعات مغربية.

    أجراءات رادعة وفوضى بالشارع

    بلغت محاولات العبور ذروتها يومي 30 و31 يوليوز، إذ عبر آلاف المواطنين المغاربة والأجانب من بينهم نساء وأطفال صغار ويافعون، نحو سبتة، في 30 يوليوز، فيما أدى تدخل السلطات لمنع مجموعات أخرى من مواصلة العبور إلى مواجهات عنيفة.

    وفي اليوم نفسه، أشار المجلس إلى أن القوات العمومية تدخلت لمنع محاولات للعبور نحو مليلية في محيط بني أنصار وفرخانة والمسالك القريبة من السياج والساحل، موثقا رشق مركبات بالحجارة وإضرام النار في أخرى وإلحاق أضرار بممتلكات عامة وخاصة.

    وبموازاة ذلك، سجل المجلس بين 29 و31 يوليوز إجراءات لـ”تقييد” تنقل أشخاص كانوا متوجهين نحو مدن الشمال، شملت توقيف رحلات أو منع مواصلة التنقل بمحطات طرقية ومحطات قطار في مدن من بينها الدار البيضاء والمحمدية والجديدة والقنيطرة وفاس ووجدة وإنزكان ومراكش والقصر الكبير.

    وفي خلاصاته، اعتبر المجلس أن محاولات العبور، رغم تسجيلها في وقت سابق، اكتسبت “زخما وتعبئة منقطعة النظير” بعد نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية وتأويله على شبكات التواصل الاجتماعي.

    اعتداء فرد القوات العمومية

    وفي ما يتعلق بالتعامل الميداني مع الأحداث، استمعت اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى شخص ظهرت حالته بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، في واقعة أظهرت تهديدا لسلامته الجسدية من طرف أحد أفراد القوات العمومية.

    وأعلن المجلس أنه سيضع تقرير الاستماع لدى النيابة العامة من أجل إعمال القانون.

    وفي المقابل، خلصت معاينته وشهادة الشخص المعني، حسب التقرير، إلى أن إحدى الصور المتداولة للواقعة جرى تعديلها وإعادة تشكيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، كما رُوجت صورة أخرى باعتبارها توثق إصابات تعرض لها الشخص نفسه، في حين أكد المجلس أنها لا علاقة لها بسياق الواقعة.

    أرقام متضاربة وحصيلة المغرب ترتفع إلى 14 وفاة

    ورصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان تضاربا في الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم العبور وحصيلة الوفيات، إذ أعلن المغرب في 2 غشت الجاري عبور 40 ألف شخص إلى سبتة و1135 في اتجاه مليلية، مع تسجيل 11 وفاة في تلك المرحلة.

    في المقابل، نقل المجلس عن سلطات سبتة أرقاما متغيرة بدأت بـ50 ألف عابر ثم 60 ألفا قبل أن تصل التقديرات الإسبانية إلى 72 ألف شخص، فضلا عن إعلان وفاة 80 شخصا.

    وإلى حدود 6 غشت، ارتفعت الحصيلة التي يستند إليها مجلس حقوق الإنسان وفق المعطيات المغربية إلى 14 وفاة، فيما لا تزال جثامين بمستودع الأموات في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها وتسليمها إلى أسرها.

    وبهذا الصدد، ودعا المجلس إلى إحداث بنية مشتركة ومسؤولة للتدقيق في أعداد الوفيات، والتعرف على الضحايا وضمان إعادة جثامينهم إلى ذويهم في شروط تحفظ الكرامة الإنسانية.

    وسجل، إلى حدود التاريخ نفسه، 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين وإحالة 13 مصابا إلى مؤسسات استشفائية، مقابل تقديم استشارات وعلاجات طبية لـ87 عنصرا من عناصر القوات العمومية المغربية.

    وبلغ عدد الموقوفين على خلفية أحداث سبتة نحو 100 شخص، بينهم 11 حدثا، ويتابع 69 شخصا في حالة اعتقال و14 في حالة سراح، بينما أودع ستة أحداث بمراكز للرعاية الاجتماعية وسّم خمسة إلى أولياء أمورهم، وحُفظت ملفات ستة أشخاص لانعدام الفعل الجرمي.

    من التضليل إلى مخاطر الاستغلال السياسي والعنصري

    في 01 غشت، رصد مجلس حقوق الإنسان وصول أفراد ينتمون إلى مجموعة تطلق على نفسها “النواة الوطنية” في إسبانيا، ويصنفهم التقرير ضمن “النازيين الجدد”، بعدما كانت المجموعة قد عممت في 31 يوليوز بلاغا للتعبئة من أجل “الدفاع” عن سبتة في مواجهة ما وصفته بـ”الغزو”.

    ويقول المجلس إن تسجيلات مصورة وثقت استفزازات وتهديدات ومطاردات واعتداءات استهدفت وافدين وسكانا في سبتة، خاصة المسلمين، محذرا في خلاصاته من الاستغلال السياسي للعبور الجماعي ومن تنامي الخطاب المعادي للهجرة والتحريض على الكراهية والعنصرية تجاه الأجانب.

    ووثق المجلس شهادات عائدين تتضمن ادعاءات متطابقة بشأن تعرضهم لسوء المعاملة والاعتداء على أيدي قوات عمومية إسبانية، إضافة إلى آثار ضرب وندوب عاينتها فرق الرصد، مسجلا أيضا مخاوف تتعلق باستخدام القوة من طرف السلطات المغربية أثناء عمليات منع العبور، ولا سيما من زاوية مبدأي الضرورة والتناسب.

    وفي سبتة، سجل التقرير كذلك حرمان أعداد كبيرة من العابرين، بينهم أطفال ونساء وأشخاص في أوضاع هشاشة، من الماء والغذاء نتيجة إغلاق المتاجر والمقاهي والمطاعم، فضلا عن مخاوف تتعلق بعمليات الإرجاع والوصول إلى إجراءات اللجوء والحماية من الاعتداءات العنصرية.

    انتقادات للتغطية الإعلامية

    ولم يقتصر رصد المجلس على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ سجل أيضا حالات تضليل إعلامي على قنوات فضائية بثت محتويات عن حالات “عبور” دون التحقق منها، قبل أن تسحبها لاحقا من دون تقديم توضيح أو اعتذار.

    كما رصد ما وصفه بتهافت إعلامي ورقمي على تقديم فرضيات وتأويلات متسرعة ومطلقة مباشرة بعد الأحداث، إلى جانب حالات في المشهد الصحفي والإعلامي الوطني جرى فيها نقل تصريحات دون اتخاذ الاحتياطات التي تفرضها أخلاقيات النشر والمعايير الحقوقية والدولية الفضلى.

    وشدد التقرير، في هذا السياق، على ضرورة مراعاة حماية كرامة الأشخاص، مع إيلاء عناية خاصة لحقوق الأطفال ومصلحتهم الفضلى، في ظل ما كشفته أحداث سبتة من تداخل متزايد بين التحركات على الأرض والتعبئة في الفضاء الرقمي، وما يصاحب ذلك من مخاطر التضليل والاستغلال والاتجار بالبشر.

    “مجتمعات رقمية” ودوافع جديدة للهجرة

    واستنادا إلى الشهادات التي جمعها، يرى المجلس أنه لا يمكن اختزال محاولات العبور الجماعي للشباب والقاصرين في المقاربة التقليدية التي تفسر الهجرة حصرا بالفقر أو الهشاشة.

    ويطرح، في المقابل، ضرورة فهم التحولات العميقة في “تطلعات” الشباب، والنظر أيضا إلى الهجرة باعتبارها قرارا شخصيا لدى المعني بها، في سياق ما يصفه بـ”مجتمعات رقمية” رافضة، في الأصل، لمنطق الحدود والحواجز.

    وفي حالة سبتة، يرسم تقرير مجلس حقوق الإنسان مسارا بدأ في 8 يوليوز بتأويل مضلل لحكم قضائي، ومر بصورة انتصار انتشرت على نطاق واسع، ثم بأخبار تقول إن “الحدود مفتوحة”، وانتهى برسائل “واتساب” تحدد موعد التوجه بعد منتصف الليل وبتدفق جماعي نحو نقاط العبور.

    وهو تسلسل يجعل التضليل الرقمي، في قراءة المجلس، أبعد من مجرد أخبار زائفة عابرة، إذ أصبح أحد العوامل المؤثرة في التعبئة واتخاذ القرار والتنظيم الميداني، في حدث انتهى إلى وفيات وإصابات وعنف واعتقالات ومس خطير بحقوق الأطفال والمهاجرين والحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.