تدخل برامج التنمية الترابية المندمجة مرحلة جديدة في مسار تنزيلها، مع إعادة ترتيب سلسلة القرار المالي على المستوى المحلي، ومنح الولاة والعمال صلاحيات مباشرة في صرف الاعتمادات والتعامل مع الصفقات الممولة من الصندوق المخصص لهذا الورش، في خطوة تضع الإدارة الترابية في قلب التنفيذ المالي، بعدما كانت منذ صيف 2025 في صلب إعداد البرامج وتشخيص حاجيات الأقاليم.
وبموجب قرارات أصدرها الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، جرى تعيين ولاة وعمال بعدد من العمالات والأقاليم آمرين مساعدين بالصرف في الحساب الخصوصي للخزينة المسمى “صندوق التنمية الترابية المندمجة” مع تفويض صلاحيات مرتبطة بأداء النفقات وتدبير الصفقات والاتفاقيات الممولة من الاعتمادات المفوضة.
ولا يتعلق الأمر بتفويض إداري محدود، إذ تشمل الصلاحيات إصدار بيانات الدفع والأوامر بالتحصيل المرتبطة بالصفقات، بما فيها الغرامات الناتجة عن التأخر في التنفيذ، وحجز الضمان المؤقت أو النهائي والاقتطاع الضامن، إلى جانب استرجاع المدفوعات الزائدة المرتبطة بالنفقات المنفذة في إطار الاعتمادات المفوضة.
كما حدد القرار بنود الحساب التي يمكن لكل آمر مساعد بالصرف تنفيذ النفقات في إطارها، على أن يستمر العمل بهذه الترتيبات إلى غاية 31 دجنبر 2026.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من السياق الذي تأتي فيه، فالمغرب يستعد لتنزيل ورش تقدر كلفته الأولية بنحو 210 مليارات درهم خلال ثماني سنوات، بعد أشهر من التشخيص والمشاورات على مستوى مختلف العمالات والأقاليم.
ولم تعد المسألة تبعا لذلك، مرتبطة فقط بتحديد المشاريع التي تحتاجها المجالات الترابية، بل بالانتقال إلى بناء الآليات المالية والإدارية القادرة على تحويل تلك الأولويات إلى صفقات وأوراش قابلة للتنفيذ.
من التشخيص المحلي إلى القرار المالي
انطلقت عملية إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة في غشت 2025، عقب التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز من السنة نفسها.
ووجه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت في 15 غشت 2025، الولاة والعمال إلى إطلاق مشاورات مع مختلف الفاعلين على المستوى المحلي، على أساس تحديد الأولويات انطلاقا من الحاجيات الفعلية لكل مجال، بدل بناء البرامج انطلاقا من مقاربة قطاعية موحدة.
وحددت هذه المقاربة منذ البداية أربعة مجالات مركزية تتمثل أساسا في دعم التشغيل من خلال استثمار المؤهلات الاقتصادية المحلية، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، سيما التعليم والصحة، والتدبير الاستباقي والمستدام للموارد المائية، ثم التأهيل الترابي المندمج.
وتؤكد الوثائق الرسمية المرتبطة بقانون المالية لسنة 2026 أن المقاربة الجديدة تسعى إلى الجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبشرية داخل برنامج واحد مرتبط بخصوصيات كل مجال ترابي.
لكن التحول الأبرز ظهر في أبريل الماضي، عندما قدم وزير الداخلية أمام جلالة الملك محمد السادس، خلال المجلس الوزاري المنعقد في 9 أبريل 2026، الخطوط العريضة لحكامة هذه البرامج.
وكشفت المعطيات الرسمية حينها أن إعداد البرامج سبقته عمليات إنصات وتشخيص ترابي على مستوى مختلف عمالات وأقاليم المملكة، شملت تحليل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وتحديد مكامن القوة والضعف في التشغيل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي.
ومن هذه المرحلة، خرج الرقم الأكبر المرتبط بالورش بنحو 210 مليارات درهم كغلاف مالي إجمالي تقديري لتنفيذ البرامج خلال ثماني سنوات، أعلن عنه خلال المجلس الوزاري.
صندوق جديد و20 مليار درهم بين الأداء والالتزام
شكّل قانون المالية لسنة 2026 الأساس المالي للمرحلة الجديدة، من خلال تحويل “صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية” إلى “صندوق التنمية الترابية المندمجة”، بما يعكس انتقالا من منطق يستهدف أساسا العالم القروي والمناطق الجبلية إلى تصور أوسع للتدخل الترابي.
وبرسم سنة 2026، رُصد للصندوق 5 مليارات درهم كاعتمادات للأداء، إلى جانب ترخيص بالالتزام المسبق بـ15 مليار درهم من اعتمادات سنة 2027، أي أن مبلغ 20 مليار درهم المتداول يجمع بين اعتمادات الأداء المتاحة خلال 2026 والتزامات مسبقة على السنة الموالية، وليس اعتمادات أداء بقيمة 20 مليار درهم متاحة للصرف خلال السنة الحالية.
وترك قانون المالية تحديد الآمر بقبض موارد الصندوق وصرف نفقاته للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل.
وفي 3 غشت الجاري، حُسم هذا الجانب بمرسوم لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، جرى بموجبه تعيين الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، بصفة انتقالية، آمرا بالصرف في الصندوق.
وبعد يومين فقط، بدأت ترجمة هذا الاختيار على المستوى الترابي، من خلال القرارات التي جعلت الولاة والعمال آمرين مساعدين بالصرف، ووسعت دائرة المسؤولين المخول لهم التدخل في تنفيذ الاعتمادات.
الولاة والعمال لا يختارون المشاريع فقط
تتجلى أهمية القرارات الجديدة في أنها تستكمل هندسة حكامة سبق الإعلان عنها رسميا في أبريل الفارط، وليس في طبيعة الاختصاصات المالية المفوضة.
ويقسم التصور المعتمد قيادة البرامج إلى ثلاثة مستويات مترابطة، إذ تُحدث على المستوى المحلي لجنة برئاسة عامل العمالة أو الإقليم تضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، وتتولى صياغة البرنامج وتتبع تنفيذ المشاريع والتشاور مع الساكنة المستهدفة.
وعلى المستوى الجهوي، يرأس والي الجهة لجنة تتولى تجميع برامج مختلف العمالات والأقاليم وضمان الانسجام بينها.
أما على المستوى الوطني، فتُحدث لجنة يرأسها رئيس الحكومة وتضم القطاعات الوزارية المعنية، وتتولى المصادقة على البرامج وضمان طابعها المندمج والتشاوري، مع اعتماد مؤشرات لتتبع المشاريع وقياس آثارها.
ويصبح بذلك العامل، في الهندسة الجديدة، موجودا في أكثر من حلقة؛ إذ يترأس عملية صياغة البرنامج وتتبع تنفيذه محليا، وأصبح بموجب قرارات الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ضمن المسؤولين المخول لهم تدبير الاعتمادات المفوضة لتنفيذ النفقات.
هذا التحول يمنح المستوى الترابي قدرة أكبر على الانتقال من تشخيص الحاجة إلى تنفيذ المشروع، لكنه يرفع في المقابل مستوى المسؤولية المرتبطة بالآجال والكلفة وجودة الإنجاز.
صلاحية التوقيع والفسخ
وفوض قرار آخر لوزير الميزانية فوزي لقجع، يحمل رقم 1768.26 وصدر بدوره بتاريخ 5 غشت الجاري في الجريدة الرسمية، للولاة والعمال المعنيين صلاحية الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات والاتفاقيات المبرمة في إطار الاعتمادات المفوضة من صندوق التنمية الترابية المندمجة، فضلا عن إمكانية فسخها، على أن يستمر العمل بالقرار إلى غاية نهاية دجنبر 2026.
وهذا التفويض مهم عمليا لأن تنفيذ البرامج الترابية لا ينتهي عند توفير الاعتماد المالي، فبين رصد الأموال وظهور المشروع على الأرض تمر سلسلة من المساطر، تبدأ بالبرمجة والالتزام بالنفقة، وتمر بإبرام الصفقة وتنفيذها ومراقبة الآجال، وتنتهي بالأداء أو، عند الاقتضاء، تطبيق الغرامات أو فسخ العقد.
وتشير المعطيات كذلك إلى توسيع التفويض ليشمل مسؤولين محليين وجهويين في قطاعات وزارية مختلفة، من بينها التجهيز والصحة والفلاحة والتعمير والتعليم، باعتبارهم نوابا عن الآمرين المساعدين بالصرف أو مسؤولين مخولا لهم الإمضاء في نطاق الاختصاصات المفوضة.
أما القرارات المتعلقة بالولاة والعمال فتستثني بعض العمالات من الجداول المنشورة، ومن بينها الرباط وبعض عمالات مقاطعات الدار البيضاء وطنجة-أصيلة.
لماذا وُضع المستوى الترابي في قلب المنظومة؟
وتعكس طبيعة الفلسفة التي بُني عليها الجيل الجديد من البرامج الهندسة الجديدة، فالمنطلق المعلن رسميا هو أن الحاجيات التنموية لا تتطابق بالضرورة بين إقليم وآخر، لأن منطقة تعاني نقصا في الماء ليست في الوضع نفسه الذي تعيشه منطقة يتوفر فيها الماء، لكن تعاني بطالة مرتفعة، كما أن إقليما يحتاج إلى تحسين الولوج إلى المستشفى أو المدرسة قد تختلف أولوياته عن مجال يملك بنية اجتماعية أفضل لكنه يفتقر إلى الطرق أو النشاط الاقتصادي.
لذلك تقوم المقاربة على التشخيص على مستوى العمالة أو الإقليم، قبل تجميع المشاريع على المستوى الجهوي وربطها بالتنسيق والتمويل على المستوى المركزي.
ويهدف هذا البناء، بحسب التصور الرسمي، إلى الانتقال من البرامج القطاعية المتفرقة إلى تدخل مندمج تكون فيه الأولوية للأثر المحقق داخل المجال الترابي.
وهذا ما يفسر أيضا الثقل الذي مُنح للولاة والعمال، بما فيه الإدارة الترابية التي يفترض أن تكون نقطة التقاء المصالح اللاممركزة للوزارات والجماعات الترابية والفاعلين المحليين، قبل رفع البرامج إلى المستوى الجهوي ثم الوطني.
وويجعل حجم التمويل المتوقع برامج التنمية الترابية المندمجة من بين أكبر الأوراش العمومية متعددة السنوات المبرمجة حاليا في المغرب، لكن الوثائق الرسمية نفسها تجعل التقييم جزءا من هندسة البرنامج، إذ أقر المجلس الوزاري في أبريل اعتماد مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس أثر المشاريع، وربط الحكامة المحلية والجهوية بالقيادة الوطنية.
في هذا الإطار، يرى الخبير في المالية العمومية والحكامة الترابية، سعيد القرنفلي، أن أهمية هذا التوجه تكمن في أنه يمنح التنمية الترابية مضمونا تنفيذيا، بعدما ظلت لسنوات مرتبطة أساسا بمنطق التخطيط والبرمجة.
وأوضح الخبير في تصريحه لـ “AM+MEDIA”، أنه عندما تتقارب سلطة التنسيق مع القدرة على تحريك الاعتمادات وتنفيذ المشاريع، يصبح بالإمكان بناء تدخل عمومي أكثر تماسكا وأسرع في تحويل القرار إلى أثر داخل المجال.
وأضاف القرنفلي: “نحن أمام تطور مهم في مفهوم اللامركزية واللاتمركز الإداري، لأن الدولة لا تنقل فقط مهام التنفيذ إلى التراب، بل تعزز قدرته على قيادة الاستثمار العمومي انطلاقا من المجال نفسه”.
وهذا مهم وفق الخبير ذاته، لأن القيمة المضافة للوالي أو العامل لا تكمن فقط في قربه الجغرافي وإنما في امتلاكه رؤية أفقية للمجال، سيما وأن الوزارة تنظر عادة إلى قطاعها، بينما المسؤول الترابي يرى الصحة والتعليم والماء والاستثمار والتشغيل باعتبارها مكونات لمنظومة واحدة.
وشدد المتحدث على أن الأهم اليوم أن هذه المقاربة يمكن أن تجعل الاستثمار العمومي أكثر قدرة على خلق التكامل بين المشاريع، موضحا أن “الطريق مثلا، لا تُقرأ فقط باعتبارها بنية تحتية وإنما من خلال قدرتها على فك العزلة عن السكان، وتقريب المدرسة والمستشفى، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق وتحسين جاذبية المجال للاستثمار”، مردفا “وهنا تنتقل التنمية من تجميع مشاريع متفرقة إلى بناء سلسلة مترابطة من الأثر الاقتصادي والاجتماعي”.
وأبرز القرنفلي أن هذا التحول يعطي للمجال الترابي مكانة مختلفة داخل السياسة العمومية إذ لم يعد مجرد نقطة وصول للميزانية المركزية، بل يصبح فضاء، في تقديره، تُبنى داخله الأولويات وتلتقي فيه السياسات العمومية وتُقاس نتائجها لتصبح إحدى أهم الإضافات التي يحملها الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
وبهذه الهندسة، تدخل التنمية الترابية مرحلة يصبح فيها الرهان على التنفيذ بقدر الرهان على التمويل، بعد ارتباط معالجة الفوارق المجالية لسنوات بتعدد البرامج والمتدخلين ومحدودية الأثر.
