حمل اللقاء الجماهيري الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة، مساء السبت 12 الماضي بمسرح الهواء الطلق بأكادير، إعلانا صريحا عن طموحه إلى قيادة الحكومة المقبلة أمام حضور كثيف توافد من مختلف أقاليم سوس ماسة.
ووضع “البام” تعبئته، منذ انطلاق الحملة الانتخابية في 10 شتنبر الجاري، في خدمة هدف يقتضي تغيير ترتيب القوى داخل الأغلبية الحالية، حيث يقود التجمع الوطني للأحرار الحكومة منذ انتخابات 2021.
واكتسب اللقاء بعاصمة سوس رمزية خاصة نظرا لحجم التعبئة في مدينة يرأس مجلسها الجماعي التجمع الوطني للأحرار، سيما أن نتائج دائرة أكادير إداوتنان في 2021 حصل فيها “الحمامة” على نحو 50.8 ألف صوت، مقابل نحو 14.1 ألفا للأصالة والمعاصرة.
ورغم الفارق، نال كل حزب مقعدا واحدا من المقاعد الأربعة، استنادا إلى القاسم الانتخابي، فيما توزع المقعدان الآخران على الاستقلال والتقدم والاشتراكية.
وعلى مستوى جهة سوس ماسة، فمن أصل 21 مقعدا في الدوائر المحلية للجهة سنة 2021، حصد الأحرار سبعة، والبام ستة، والاستقلال ستة، ونال كل من العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية مقعدا واحدا.
“البام” يراهن على الاستمرارية
وتجمع الترشيحات المعلنة للبام بين الاحتفاظ بنواب وتغيير الأسماء في دوائر أخرى، إذ يعود حميد وهبي إلى أكادير إداوتنان، ومحمد أودمين إلى إنزكان آيت ملول، وعبد اللطيف وهبي إلى تارودانت الشمالية، وحسان التابي إلى طاطا.
وفي اشتوكة آيت باها، دفع الحزب بالحسين الفارسي، فيما تنتقل حنان الماسي، التي دخلت البرلمان سنة 2021 عبر اللائحة الجهوية، إلى المنافسة المحلية بتارودانت الجنوبية.
أما تيزنيت، فتقدم اختبارا للتوسع بالنسبة البام الذي يدخل المنافسة بفؤاد المودني، رئيس فريق أمل تيزنيت، في دائرة تقاسم مقعديها الأحرار والاستقلال سنة 2021، ما يعني أن انتزاع مقعد فيها سيكون إضافة إلى الخريطة الانتخابية السابقة لحزب “الجرار”، بينما يمثل الفوز في الدوائر التي يحتفظ بها الحزب تثبيتا لرصيده، فيما تقود سناء زاهيد لائحة البام للنساء في اللائحة الجهوية.
وفي أكادير نفسها، سيكون حميد وهبي أمام منافسة تغيّر فيها الأحرار من كريم أشنكلي إلى زينة إدحلي، التي فازت سنة 2021 بمقعد عن اللائحة الجهوية للنساء، بينما يعود جمال الديواني عن الاستقلال وحسن أومريبط عن التقدم والاشتراكية، إلى جانب منافسين آخرين، إلى سباق المقاعد بالدائرة ذاتها.
اللوائح الجهوية تشعل المنافسة
تشكل الدائرة الجهوية لسوس ماسة محورا أساسيا لاختبار طموح البام إلى الصدارة، إذ تتنافس الأحزاب على سبعة مقاعد من أصل 90 مقعدا جهويا بمجلس النواب.
وتُحسب حصيلتها إلى جانب نتائج الدوائر المحلية، بما يجعل وزن الحزب في الجهة مرتبطا بقدرته على ترجمة تعبئته إلى أصوات في مجموع أقاليمها، من أكادير وإنزكان وآيت ملول واشتوكة آيت باها إلى تارودانت وتيزنيت وطاطا.
ويقود البام هذا السباق بسناء زاهيد، في مواجهة لائحة الأحرار التي تتصدرها زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، ولائحة الاستقلال بقيادة كنزة قيوح، ليمتد التنافس بين مكونات الأغلبية إلى الاقتراع الجهوي، حيث يضع الأحرار شخصية حكومية في واجهة السباق، بينما يدخل البام والاستقلال المنافسة بأسماء جديدة لقيادة لائحتيهما.
وتشارك في السباق أيضا سناء عكي عن العدالة والتنمية، وخديجة الباز عن التقدم والاشتراكية، وفدوى الرجواني عن الاتحاد الاشتراكي، وسناء فوزي المساعدي عن تحالف اليسار، والسعدية نعمة عن الاتحاد الدستوري.
ففي اقتراع 2021، نالت لائحة الأحرار بقيادة زينة إدحلي مقعدين، بأكثر من 270 ألف صوت، بينما حصل الاستقلال بقيادة نورة كروم على مقعد بأكثر من 130 ألف صوت.
وحصل البام، الذي قادت لائحته حنان ماسي، مقعدا بنحو 122.7 ألف صوت، فيما حصل كل من العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية على مقعد واحد.
وتضع هذه الحصيلة الأصالة والمعاصرة أمام اختبارا قدرته على تحسين موقعه في الأصوات والمقاعد قياسا بشريكيه في الحكومة، اللذين تقدما عليه في التصويت الجهوي.
ويرتبط تجديد وكلاء اللوائح أيضا بالقواعد المنظمة لهذا الاقتراع، إذ يمنع القانون من سبق انتخابه عن دائرة جهوية من الترشح مجددا عبرها، ويشترط التسجيل في اللوائح الانتخابية بإحدى جماعات الجهة المعنية، ما يفسر تغير الأسماء مقارنة بوجوه 2021.
ثقل حكومي يرفع سقف المنافسة
تفرض جهة سوس ماسة، وإقليم تارودانت على وجه الخصوص، نفسها كإحدى أكثر ساحات التنافس الانتخابي إثارة خلال الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، بالنظر إلى الحضور اللافت لأسماء حكومية وازنة اختارت خوض المعركة من دوائر الجهة، بما يرفع منسوب التنافس إلى أعلى درجاته.
وتلوح منافسة قوية بين عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك، ومرشحة البام حنان الماسي، النائبة البرلمانية والصيدلانية، في دائرة تارودانت الجنوبية.
وفي تارودانت الشمالية، تتخذ المنافسة طابعا أكثر حساسية، مع دخول عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، باسم حزب الأصالة والمعاصرة، والذي سبق أن فاز فيها بمقعد في ثلاث استحقاقات متتالية 2011 و2016 و2021، ولحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، في مواجهة انتخابية مباشرة.
ولا تقتصر الأسماء الحكومية على الدوائر المحلية، إذ تحضر زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، على مستوى اللائحة الجهوية للنساء، حيث تقود لائحة حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة.
ويعكس هذا الزخم طبيعة الرهان الذي تمثله سوس ماسة بالنسبة إلى الأحزاب، باعتبارها جهة ذات وزن اقتصادي وديمغرافي وسياسي، وباعتبار أن نتائجها قد تقدم مؤشرا على حجم الثقة التي تحتفظ بها القيادات الحزبية والوزراء داخل قواعدهم الانتخابية.
برنامج يحرك “المياه الآسنة”
في قلب العرض الذي قدمه البام بأكادير، تولى فوزي لقجع، عضو مكتبه السياسي والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، تقديم الشق الاقتصادي والاجتماعي، مذكرا بأن كلفة البرنامج ستبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، من 2026 إلى 2031، بمعدل 70 مليارا سنويا، متعهدا بتوفير التمويل دون زيادة الضرائب على المواطنين.
ومن بين المقترحات التي يلتزم بها “الجرار” في برنامجه الانتخابي رفع الحد الأدنى لمعاش المتقاعدين إلى 3 آلاف درهم، ومراجعة الضريبة على الدخل ما سيرفع أجور العاملين والموظفين بزيادات تتراوح بين 1500 و4 آلاف درهم، وتمكين الأرملة من معاش كامل بدل النصف الذي تحصل عليه اليوم.
ونقلت قيادة “البام”، خلال لقاء أكادير، تقييم الالتزامات إلى توضيح مصادر الموارد، وحجم الإنفاق الإضافي مقارنة بما تتضمنه الميزانيات والبرامج القائمة، والآجال التي ستنفذ خلالها الإجراءات.
وأكد لقجع أن الحزب حدد مصادر التمويل سنة بسنة؛ وهي تفاصيل يتوقف عليها اختبار اتساق الأهداف مع الموارد، ما يضفي على توضيحاته، انطلاقا من موقعه وزيرا للميزانية، وزنا اقتصاديا ودقة منهجية، ويضعه أمام مساءلة مرتبطة بما سيختلف في الولاية المقبلة.
“الجرار” يرسخ صورة البديل
يبرز وعد “تغيير المسار” أبرز كجواب قاطع عن سؤال ما سيختلف في الولاية الحكومية المقبل، إذ استندت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، في مداخلتها بأكادير، إلى تجربة المنتخبين والوزراء وحصيلة مسؤولياتهم، رابطة المشروع الانتخابي بشعار “من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة”.
من زاوية لقجع وفاطمة سعدي، يبدو “الجرار” عازما على الجمع في حملته الانتخابية بين الدفاع عن تجربته في الحكومة وطلب تفويض من المغاربة من خلال صناديق الاقتراع لتغيير الاتجاه.
ومع تصاعد التنافس، تظل خريطة التحالفات المقبلة مفتوحة، فقد أوضحت المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لـ”البام”، فاطمة الزهراء المنصوري، أن موقفها الشخصي بعدم المشاركة في حكومة يقودها الأحرار بعد الانتخابات المقبلة لا يلزم الحزب، وأن القرار يعود إلى مؤسساته، وعلى رأسها المجلس الوطني، وفق النتائج.
ويظل الميزان الوطني حاسما في اختبار هذا الطموح، ففي انتخابات 2021، تصدر الأحرار الانتخابات التشريعية بـ102 مقعد، مقابل 87 للبام، بفارق 15 مقعدا.
وفي انتخابات 23 شتنبر الجاري، قدم الأصالة والمعاصرة 92 لائحة محلية و12 لائحة جهوية، ما يمنحه مجالا لخوض المنافسة على الصدارة بتغطية كاملة.
غير أنه خلال لقاء أكادير، أظهر “البام” قدرة على الحشد وإعلان المنافسة قلب عاصمة سوس، وسيكشف اقتراع 23 شتنبر مدى التغيير في أصوات أكادير، وفي مقاعد سوس ماسة، ثم في الترتيب الوطني الذي يرتبط به بلوغ طموحه في قيادة الحكومة.
رسائل غير مشفرة
أخذت الرسائل الموجهة إلى “الأحرار” صيغة واضحة حين دعا سمير كودار سوس ماسة، بعد خمس سنوات، إلى الانتقال من “أغراس أغراس” إلى “كلمة وحدة”.
واستكمل صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب “البام”، هذه الرسالة حين وصف الجدية والالتزام في برنامج “البام” بأنهما “أغراس أغراس الحقيقية”.
وامتدت المواجهة إلى حصيلة التنمية بأكادير، إذ أكد حميد وهبي، مرشح الحزب بأكادير إداوتنان، أن التحولات التي عرفتها المدينة تعود إلى المشروع الملكي، وقال إن هذا الورش “ليس له علاقة بتسيير المدينة”، منتقدا المزايدة عليه، رابطا ذلك باستمرار الفوارق داخل سوس ماسة، خصوصا في القرى والجماعات التي قال إنها لم تحظ بالاهتمام المستحق.
وفي الجدل المرتبط بفوزي لقجع، تقاطعت مداخلات حميد وعبد اللطيف وهبي حول الدفاع عن المنتخب باعتباره ملكا لجميع المغاربة، ورفضا إخضاع نجاحاته للتجاذب الانتخابي.
أما كودار، فدافع عن مشروعية الطموح الرياضي بقوله إن “الحلم ليس حراما”، في إشارة إلى تصريحات لقجع التي أثارت جدلا لدى منافسي الحزب، وطالبهم بمناقشة البرامج وما يقدمونه في برامجهم الانتخابية، بدل التركيز على البام وبرنامجه الانتخابي الاجتماعي.
وبخصوص البرنامج الانتخابي، جعلت فاطمة سعدي أثر السياسات على المواطن وحماية كرامته أساسا للحكم عليها، فيما شدد كودار على أن الالتزامات تتضمن كيفية التنزيل وتوقيته ومصادر تمويله.
وقدم عبقري من جهته أمثلة قال إن الحزب مستعد لشرحها لمنافسيه، بينها مجانية فاتورة الكهرباء لمن تقل قيمة استهلاكهم عن مئة درهم، ورفع الدعم المباشر وإلغاء المؤشر، مؤكدا أن تمويل التعهدات لن يكون بمساهمة المتقاعدين، موجها رسالة طمأنة إلى هذه الفئة ودعوة إلى مناقشة تفاصيل المقترحات.
“تغيير المسار” يثير “الهلع”
وقدم يونس السكوري، عضو المكتب السياسي للبام، في تصريح لـ”AM+MEDIA” على هامش اللقاء، توضيحا لتركيبة الكلفة المعلنة، قائلا إن أكثر من ثلث مبلغ 350 مليار درهم يرتبط ببرامج مندمجة تمت تعبئة تمويلاتها، وربط الباقي بموارد إضافية من إدماج القطاع غير المهيكل، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتحقيق نمو أكبر، مؤكدا أن الحزب حدد حاجاته التمويلية سنة بسنة.
ويكمل هذا التفسير تعهد لقجع بعدم زيادة الضرائب على المواطنين؛ إذ يجمع الدفاع المالي للحزب، بحسب عرض قيادييه، بين تمويلات معبأة وموارد يتطلع إلى تحصيلها، تبقى مرتبطة بنجاح الإصلاحات والفرضيات الاقتصادية التي يستند إليها.
وكان عبقري أكثر وضوحا في تفسير الفجوة بين مشاركة الحزب في الحكومة ورفعه شعار التغيير، كاشفا أن البام اقترح داخل الأغلبية إنشاء شركات جهوية للحد من المضاربة في الأسعار، لكنه “لم يجد آذانا مصغية”، موضحا أن الحزب أدرج المقترح في برنامجه الانتخابي، ما يجعل “تغيير المسار” سعيا إلى تنفيذ اختيارات يقول الحزب إنه دافع عنها خلال الولاية الحالية ولم تجد التجاوب المطلوب.
وفي الاتجاه نفسه، أقر السكوري بأن الانتقال من التراخيص المسبقة إلى دفاتر التحملات في إنشاء المقاولات لم يتحقق خلال هذه الولاية، رابطا المقترح بتخفيف أعباء الانتظار عن أصحاب المشاريع واعتماد المراقبة والزجر عند المخالفة.
ووضع السكوري تجربة المشاركة الحكومية أساسا لمعرفة الإكراهات، مشددا على أن التنفيذ يحتاج إلى مقتضيات في قانون المالية وتغييرات تشريعية تُترجم في الميدان، داعيا من يعتبر البرنامج غير واقعي أو غير قابل للتمويل إلى مقارعة “البام” بالحجج.
ووسع عبد اللطيف وهبي مضمون الدفاع عن البرنامج إلى إصلاح القوانين وتوسيع هامش الحرية، منتقدا الاعتماد على السجون لمعالجة مختلف المشكلات، داعيا إلى حلول للضحايا والمدمنين على المخدرات.
وربط وهبي هذا الانتقال بتعريف المواطنين بحقوقهم، وبمراجعة علاقة الجامعة بسوق الشغل حتى يقود التكوين إلى الإدماج المهني.
