الوسم: الأمازيغية في المغرب

  • عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    عبدالله بادو: الأمازيغية قطعت أشواطا مهمة والتحدي اليوم هو التنزيل

    بعد مرور 25 سنة على خطاب أجدير، الذي شكل محطة مفصلية في مسار النهوض بالأمازيغية، راكم المغرب سلسلة من المكتسبات الدستورية والمؤسساتية، نقلت هذا الورش من دائرة المطالب الثقافية إلى صلب السياسات العمومية.

    وتعزز حضور “تيفيناغ” بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودسترة الأمازيغية لغة رسمية، ثم ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية، في إطار رؤية ملكية تقوم على صيانة التعدد الثقافي وترسيخ الوحدة الوطنية.

    وفي هذا الحوار، يقدم عبدالله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة قراءة في أبرز التحولات التي شهدها هذا المسار، ويستعرض أهم المنجزات التي تحققت خلال ربع قرن، كما يتوقف عند التحديات المرتبطة باستكمال تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في مختلف المرافق والقطاعات.

    لقد شكل خطاب أجدير (2001) منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار القضية الأمازيغية، حيث نقلها من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”. فبفضل التوجيهات الملكية المتعاقبة، التي بدأت بـ”انفراج رمزي” في خطاب 20 غشت 1994 وتجذرت بـخطاب أجدير، تم إخراج الأمازيغية من دائرة “المطالبة الهامشية” إلى رحاب “الالتزام المؤسساتي”. وقد مكن هذا المسار الأمازيغية من تبوّء مكانتها كـ”رصيد مشترك” لكل المغاربة، وهو ما توج بدمج “الزمن الأمازيغي” ضمن الذاكرة الوطنية بقرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية سنة 2023، مؤكداً بذلك أن التعدد الثقافي ليس عائقاً أمام الوحدة، بل جزء أصيل منها.

    وقد أحدث الاعتراف الدستوري لسنة 2011 تحولاً جذرياً في طبيعة الترافع الأمازيغي؛ إذ لم يعد النقاش متمحوراً حول أحقية وجود الأمازيغية، بل حول كيفية تفعيل رسميتها. فمن خلال الفصل الخامس، تحولت الأمازيغية إلى التزام دستوري صريح يفرض على الدولة التخطيط والميزانية والتقييم، مما مهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16. لقد وضع الدستور حداً قانونياً لمرحلة التجاهل، وجعل من الأمازيغية مكوناً بنيويًا في الشخصية المغربية، مما نقل الملف من كونه قضية ثقافية أو حقوقية إلى ورشٍ مؤسساتي خاضع للمساءلة القانونية.

    ومع ذلك، تظل هناك مفارقة جوهرية بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الواقع الميداني؛ إذ تؤكد التحليلات أن المكاسب القانونية لا تتحول تلقائياً إلى إنصاف فعلي ما لم تكن مصحوبة بإرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فرغم التوسع الكمي في التعليم والانتشار البصري في الإدارة، لا تزال الأمازيغية تواجه تحديات حقيقية في “التنزيل الوظيفي”. وتظل الفجوة قائمة في مجالات التعليم، والإدارة، والقضاء، والإعلام، مما يجعل “العدالة اللغوية” ورشاً مفتوحاً يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطن.

    أسهمت التوجيهات الملكية منذ خطاب أجدير (2001) بشكل حاسم في إخراج القضية الأمازيغية من وضعية “الإنكار” إلى مرحلة “الاعتراف الرسمي والمأسسة”، مما ساهم في إعادة تعريف الهوية الوطنية لتصبح قائمة على التعدد والتنوع. يمكن تلخيص مدى هذا الإسهام وتأثيره في النقاط التالية:

    • الانتقال منالمطالبة الهامشيةإلىالالتزام المؤسساتي، بحيث شكل خطاب 20 غشت 1994 “انفراجاً رمزياً” وبداية الإعلان عن العناية بالأمازيغية، إلا أن خطاب أجدير (2001) مثل المنعطف الحاسم الذي أرسى “المأسسة” من خلال إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. هذا التوجه أعطى للأمازيغية صفة “الرصيد المشترك” لكل المغاربة، مما وضع حداً للإنكار الرسمي وفتح المجال للعمل العلمي واللساني.
    • تغيير مركز الثقل في الهوية الوطنية، إذ ساهمت هذه التوجيهات في تكريس الأمازيغية كمكون بنيوي في الشخصية المغربية، وليس مجرد “زينة تراثية” أو “فولكلور” يُستدعى في المناسبات. هذا التراكم أدى إلى ترسيمها لغة رسمية في دستور 2011، وهو ما نقل النقاش من دائرة “هل الأمازيغية مستحقة للترسيم” إلى دائرة “كيفية التفعيل”.
    • الاعتراف بالذاكرة والزمن الأمازيغي من خلال قرار ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية (2023)، الذي جاء ليعزز هذا المسار، حيث دمج “الزمن الأمازيغي” ضمن “الزمن الوطني”، مؤكداً أن التعدد ليس عائقاً أمام الوحدة، بل هو جزء أصيل منها.
    • منالخطابإلىالتزام السياسات العمومية، فالتوجيهات الملكية فرضت على الدولة الانتقال من الاعتراف اللفظي إلى الالتزام القانوني والمالي. فقد صار تفعيل الأمازيغية يتطلب تخطيطاً، وميزانيات، وتقييماً، وهو ما تجسد في إصدار القانون التنظيمي 26.16 (2019) والاعتمادات المالية المخصصة لتفعيله في قطاعات التعليم، الإدارة، والقضاء.

    بالرغم من هذا الأثر المؤسساتي الواضح، تؤكد التحليلات أن “الاعتراف الرسمي”، مهما علا شأنه، لا يتحول تلقائياً إلى “إنصاف فعلي” ما لم يواكب ذلك إرادة سياسية قوية وإدارة مقتنعة. فالمفارقة لا تزال قائمة بين “الاعتراف النصي والمؤسساتي” وبين الفجوة التي تعاني منها الأمازيغية في “الحياة اليومية للمواطن” (كالمدرسة، والإدارة، والقضاء، والإعلام).

    غير الاعتراف الدستوري سنة 2011 طبيعة الترافع الأمازيغي ومسار النهوض بها بشكل جذري، حيث شكل منعطفاً انتقالياً بتغيير مركز الثقل في النقاش؛ نقل النقاش من دائرة “المطالبة بالاعتراف بوجود الأمازيغية أو استحقاقها له” إلى دائرة “كيفية تفعيل رسميتها”.

    كما تم تأسيس مرجعية قانونية ملزمة، إذ تحولت الأمازيغية من مطلب ثقافي أو حقوقي إلى “التزام دستوري” صريح بموجب الفصل الخامس، مما فرض على الدولة التزامات قانونية ومالية تتعلق بالتخطيط، والميزانية، والتقييم، ومهد الطريق لإصدار القانون التنظيمي 26.16.

    وتم أيضا وضع حد قانوني لمرحلة الإنكار، بحيث أرسى الدستور حداً لمرحلة “التجاهل والإقصاء” التي ميزت التعامل السابق مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، مما فرض على السياسات العمومية التعامل معها كمكون بنيوي في الشخصية المغربية وليس كملف ثانوي.

    أيضا هناك تحدي “الاعتراف الرمزي”، إذ حملت صياغة الفصل الخامس من الدستور قوة الاعتراف، لكنها أحالت التفعيل على قانون تنظيمي، وهو ما أطلق معركة مدنية لمنع تحويل هذا الاعتراف إلى “احتفال رمزي” أو أداة لتأجيل المساواة. فقد كشف تأخر صدور القانون التنظيمي (من 2011 إلى 2019) أن الترسيم الدستوري، رغم أهميته، لا يحمي نفسه بنفسه ولا يضمن التنفيذ دون إرادة سياسية موازية لقوة النص.

    بناءً على المعطيات المتوفرة لدينا والتي تم رصدها خلال العقود الاخيرة، يمكن تلخيص مظاهر حضور الأمازيغية اليوم في هذه القطاعات مقارنة بما قبل خطاب أجدير، مع الإشارة إلى الفجوة بين “الحضور الرمزي/البصري” و”الحضور الوظيفي”.

    على مستوى التعليم، انتقل الوضع من الغياب أو التهميش إلى توسع كمي ملحوظ، حيث بلغت نسبة التغطية في التعليم الابتدائي حوالي 32% من المؤسسات سنة 2024، مع وجود 16,530 قسماً.

    ورغم هذا التوسع، لا تزال هناك تحديات بنيوية تتعلق بالجودة البيداغوجية، واستمرار صيغة “الأستاذ المزدوج”، والبطء في التعميم الأفقي والعمودي (في مستويات الإعدادي والثانوي).

    وفيما يرتبط بالإدارة، تحول المشهد من الغياب الكلي إلى “حضور بصري” (مثل لوحات التشوير واللافتات). إلا أن هذا الحضور يفتقر إلى “الخدمة الوظيفية”، إذ لا تزال الإدارة تعاني من نقص في الموظفين الناطقين بالأمازيغية، وضعف في توفير الوثائق الإدارية والخدمات الرقمية باللغة الأمازيغية.

    أما على مستوى القضاء، يظل الحضور “ضعيفاً جداً” مقارنة بالمأمول، لأن المتقاضين يعانون من غياب مأسسة الترجمة والوساطة اللغوية المهنية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على شروط المحاكمة العادلة وضمان حق الفهم والولوج إلى العدالة.

    أما في الإعلام، فقد تجسد الحضور في إطلاق قناة “تمازيغت” (2010)، والتي تعد أداة للتمثيل والاعتراف.

    ومع ذلك، تظل التحديات قائمة في ضرورة “التعميم الأفقي” للأمازيغية داخل كافة أقطاب الإعلام العمومي، وتطوير مضامين تفاعلية رقمية تتجاوز منطق النافذة الإعلامية المعزولة.

    وخلاصة القول، نحن اليوم في منطقة وسطى؛ فقد قطعنا مسافة معتبرة في “النص والقانون”، لكن التحدي الكبير يكمن في الانتقال من “الأمازيغية البصرية” التي نراها في الواجهات، إلى “الأمازيغية الوظيفية” التي يلمسها المواطن في قضاء مآربه اليومية، وهو ورشٌ مفتوح يتطلب استمرارية في العمل لتجاوز منطق “الاعتراف الرمزي” نحو تحقيق أثر ملموس في الحياة اليومية.

  • تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    بعد مرور أكثر من عقد على الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، عاد ملف تفعيل طابعها الرسمي إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل تسارع الإجراءات الحكومية الرامية إلى إدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة.

    ويعد القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، المرجع الأساسي لتحديد مراحل وكيفيات إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والفضاءات العمومية، غير أن بداية الولاية الحكومية الحالية في أكتوبر سنة 2021 كانت تتسم بمحدودية التفعيل الميداني، سواء على مستوى خدمات الاستقبال والتوجيه، أو حضور الأمازيغية في التشوير والمواقع المؤسساتية.

    ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، تبرز مؤشرات جديدة تعكس تسارع وتيرة تنزيل هذا الورش، من خلال إحداث آليات مؤسساتية وتمويلية مخصصة، وتوسيع حضور اللغة الأمازيغية داخل المرافق العمومية واعتمادها بشكل متزايد في عدد من الخدمات والفضاءات الرسمية.

    أين وصل تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟

    ويؤكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، أن الولاية الحكومية الحالية شكلت مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بعد الانتقال من حالة الجمود إلى الشروع في تنزيل إجراءات عملية مدعومة باعتمادات مالية مخصصة، همت تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاءات وبعض الخدمات العمومية.

    وفي هذا السياق، تبرز حصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الحكومة اتجهت إلى إرساء إطار مؤسساتي ومالي خاص بورش الأمازيغية في محاولة لتجاوز محدودية التنزيل، إذ كانت الإدارات العمومية تفتقر إلى خدمات استقبال مهيكلة باللغة الأمازيغية، كما كان حضورها شبه غائب في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية، فضلا عن غياب إطار ميزانياتي مخصص لهذا الورش أو بنية مؤسساتية مكلفة بتتبعه، إلى جانب محدودية الأدوات والمصطلحات الإدارية باللغة الأمازيغية.

    وأدرجت الوزارة دعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي، إلى جانب إصدار نصوص تنظيمية تحدد معايير الاستفادة من هذا الدعم بالنسبة للقطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، فضلا عن الجمعيات والقطاع الخاص.

    وتم أيضا إحداث مديرية مخصصة ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، مكلفة بتطوير استعمال اللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية وتتبع هذا الورش وتنسيق تنزيله بين مختلف القطاعات، في خطوة تعكس انتقال ملف الأمازيغية من بعده الرمزي والثقافي إلى مستوى السياسات العمومية المهيكلة.

    إدماج الأمازيغية في الإدارات العمومية

    وأبرز تقرير حصيلة وزارة الانتقال الرقمي برسم الولاية الحكومية 2021-2026 تسجيل تقدم على مستوى تقريب الخدمات العمومية من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، بعد سنوات من محدودية حضور هذه اللغة داخل المرافق الإدارية.

    وفي هذا الإطار، تم توظيف 491 عونا متخصصا لتأمين خدمات الاستقبال والتوجيه باللغات الأمازيغية بتنويعاتها الوطنية الثلاث؛ تاريفيت وتاشلحيت وتامازيغت، على مستوى المصالح المركزية واللاممركزة، إلى جانب تعبئة 1387 عونا إضافيا من خلال اتفاقيات خاصة، فضلا عن تخصيص 75 عونا للاستقبال الهاتفي باللغة الأمازيغية على مستوى 11 مركزا للاتصال تعرف ضغطا مرتفعا من حيث طلبات المواطنات والمواطنين.

    وشهدت السنوات الخمس الماضية بدء الإدارات العمومية في اعتماد التشوير ثنائي اللغة، من خلال نشر أكثر من 3153 لوحة ولافتة مدمجة للغة الأمازيغية على مستوى ثماني إدارات، مع وجود أكثر من ألفي لوحة إضافية في طور الإنتاج، إلى جانب برمجة إدماج الأمازيغية داخل المحطات الطرقية والمطارات والموانئ والطرق والطرق السيارة.

    ويؤكد لحسن أمقران، أستاذ اللغة والثقافة الأمازيغية، أن توظيف أعوان للاستقبال واعتماد التشوير الثنائي والترجمة الرقمية يمثل “خطوات مهمة لكسر الحاجز النفسي واللغوي بين الإدارة والمواطن”، خاصة بالنسبة لسكان المناطق القروية والجبلية وكبار السن الذين يواجهون صعوبات في التواصل مع الإدارة.

    وشدد أمقران على أن حضور الأمازيغية، بحروف “تيفيناغ” في الإدارات، يحمل بعدا رمزيا يتمثل في تعزيز شعور الناطقين بها بالتمثيل داخل الفضاء العام.

    وتبرز الحصيلة أن هذا الورش امتد ليشمل وسائل النقل والمركبات العمومية، حيث تم جرد 20 ألفا و385 مركبة تابعة للمديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والدرك الملكي والوقاية المدنية والمفتشية العامة للقوات المساعدة. كما تم إدراج الكتابة بالأمازيغية على 512 مركبة تابعة للأمن الوطني ووزارة الصحة، مع برمجة تعميمها على 19 ألفا و402 مركبة إضافية خلال السنوات المقبلة، في إطار تعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء العمومي وترسيخ هويتها البصرية داخل المرافق والخدمات التابعة للدولة.

    وعلى المستوى الرقمي، شهدت المواقع المؤسساتية بدورها خطوات نحو اعتماد ثنائية اللغة، من خلال ترجمة 310 آلاف و292 كلمة تهم محتويات المواقع الإلكترونية ووثائق التواصل الخاصة بـ12 مؤسسة، من بينها رئاسة النيابة العامة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة النقل واللوجستيك، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والصندوق المغربي للتقاعد، فضلا عن إنجاز دراسة لتقييم مستوى إدماج اللغة الأمازيغية في المواقع الإلكترونية الرسمية وإعداد خارطة طريق عملية لتنزيلها.

    وموازاة مع ذلك، عملت “وزارة السغروشني” على دعم التكوين والمصطلحية الإدارية، من خلال تكوين 130 موظفا في مجال التواصل باللغة الأمازيغية، وإعداد معجم إداري يضم 7949 مصطلحا بالأمازيغية، بهدف تيسير استعمال الأمازيغية داخل الإدارة وتعزيز التواصل الثنائي بين اللغتين الرسميتين للمملكة.

    الأثر على المواطن الناطق باللغة الأمازيغية

    تمثل الولاية الحكومية 2021-2026، وفق معطيات الحصيلة، مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مستوى الولوج التدريجي إلى خدمات عمومية متاحة باللغة الأمازيغية.

    وبهذا الصدد، شرعت مجموعة من الإدارات والمؤسسات العمومية في السنوات الأخيرة في تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاء الإداري، سواء من خلال تعبئة ما يقارب ألفي عون للاستقبال والتوجيه باللغة الأمازيغية، أو عبر إدماجها في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية.

    واتجهت المواقع الإلكترونية الرسمية تدريجيا نحو اعتماد ثنائية اللغة، بما يتيح للمواطنين الناطقين بالأمازيغية الولوج إلى المعلومات والخدمات الرقمية بلغتهم، في حين أصبح بإمكانهم متابعة الجلسات العامة للبرلمان والندوات الصحفية الحكومية باللغة الأمازيغية.

    وامتد أثر هذا الورش إلى الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين، إذ تتيح الآليات الجديدة لدعم تفعيل الأمازيغية إمكانية تمويل مشاريع تروم إدماج “تيفيناغ” في الخدمات والوسائط التواصلية، بما يساهم في توسيع استعمالها خارج المجال الإداري والثقافي.

    وعلى مستوى تدبير الشأن العام، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من كونها موضوعا ذا بعد رمزي وثقافي إلى مكون يندرج ضمن السياسات العمومية.

    ويعكس إعداد 25 مخططا قطاعيا وإطلاق تجربة نموذجية على مستوى 40 جماعة ترابية تشمل الاستقبال، والتكوين، وحملات التحسيس، والمواقع الإلكترونية، وإدراج اللغة الأمازيغية على علامات 12.725 مركبة، تشمل سيارات الإسعاف، ونقل الأموات، والنقل المدرسي، إضافة إلى التشوير داخل 30 محطة طرقية، (يعكس) توجها نحو إرساء مقاربة مؤسساتية تروم التعميم التدريجي لهذا الورش في أفق سنة 2030.

    ورغم هذه المؤشرات التي تعكس تقدما في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، يرى عدد من الفاعلين والباحثين في الشأن الأمازيغي أن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الحياة اليومية للمواطنين الناطقين باللغة الأمازيغية لا يزال محدودا، وأن هذا الورش يواجه مجموعة من التحديات.

    وفي هذا السياق، أشار أمقران إلى وجود عدد من التحديات التي تحد من الأثر الفعلي لهذه الإجراءات، معتبرا أن خدمات الاستقبال باللغة الأمازيغية لا تزال في كثير من الأحيان “حبيسة البوابة”، في ظل عدم توفر أطر تتقن الأمازيغية في مختلف مراحل المسار الإداري.

    وأشار المتحدث إلى استمرار تأخر إدماج الأمازيغية في بعض القطاعات الحيوية، لاسيما قطاع العدالة، بسبب غياب مترجمين معتمدين ومحلفين داخل المحاكم، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بتمكين المتقاضين من التواصل بلغتهم الأم.

    ومن جهته، أكد عبدالله بادو أن هذه الإجراءات لم تنعكس بعد بشكل كامل على الحياة اليومية لجزء من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، خاصة في المناطق القروية، معتبرا أن العديد منهم لا يزالون يواجهون صعوبات لغوية عند الولوج إلى عدد من المرافق والخدمات العمومية.

    وفي تقييمه للحصيلة، اعتبر بادو أن بعض التدابير المتخذة ما تزال تتسم بطابع جزئي، إذ يرتكز جزء منها على حلول مؤقتة، من قبيل الاستعانة بأعوان استقبال ومقدمي خدمات، بدل إرساء مأسسة شاملة تدمج الأمازيغية داخل مختلف مستويات الوظيفة العمومية.

    وأشار إلى أن حضور الأمازيغية في عدد من المنصات والخدمات الرقمية ما يزال في كثير من الأحيان شكليا، إذ لا يشمل مختلف الخدمات والوثائق والمساطر الرقمية، فضلا عن محدودية حضورها في عدد من المنصات الوطنية الكبرى، مثل منصات الدعم الاجتماعي المباشر والسجل الاجتماعي الموحد وبعض البوابات القانونية والإدارية الموجهة للمواطنين.

     ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز آليات الحكامة والتتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    2030 ورهان تعميم الأمازيغية في مختلف المرافق العمومية

    وتعي الحكومة حجم التحديات التي تواجه ورش تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، لذلك تُراهن خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2030 على الانتقال إلى مرحلة التعميم التدريجي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    وتشمل هذه المرحلة توسيع تنزيل الورش ليشمل مجموع الجماعات الترابية، ومواصلة إدماج الأمازيغية في المركبات العمومية، وإطلاق منصة للتعليم عن بعد مخصصة للغة الأمازيغية، إلى جانب مواصلة ترجمة النصوص التشريعية وإعداد معجم قانوني متخصص.

    وفي هذا الإطار، أشار لحسن أمقران إلى أن الانتقال من “التدابير الترقيعية” إلى “المأسسة الشاملة” يقتضي التركيز على ثلاثة أوراش أساسية، تتمثل في تسريع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في السلكين الابتدائي والإعدادي، وتعزيز تكوين الموارد البشرية، إلى جانب دعم حضور الأمازيغية في مسار التحول الرقمي من خلال تطوير تطبيقات وخدمات حكومية رقمية تدعم حرف “تيفيناغ” وتيسر الولوج إلى الخدمات الرقمية التفاعلية لفائدة الناطقين بالأمازيغية.

    ودعا إلى تسريع وتيرة ترجمة النصوص التشريعية والقانونية، بما في ذلك الدساتير والقوانين التنظيمية ومدونة الأسرة وقانون الالتزامات والعقود، معتبرا أن “القوانين لا تحمي من لا يفهمها”.

    وفي السياق ذاته، يؤكد عبدالله بادو أن إنجاح المرحلة المقبلة يقتضي الانتقال من منطق التدابير القطاعية إلى مأسسة فعلية للأمازيغية داخل مختلف السياسات العمومية، وذلك من خلال مأسسة حضورها داخل الوظيفة العمومية، وتسريع تعميم تدريسها وتأهيل الموارد البشرية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني وتعزيز آليات التتبع والتقييم.

    وشدد بدوره على ضرورة تعزيز حضور الأمازيغية في مجالي العدالة والإعلام، والانتقال من حضورها الرمزي في الفضاء العام إلى استعمالها كلغة وظيفية تضمن الولوج الفعلي للمواطنين إلى الخدمات والحقوق.

    ومن هذا المنطلق، ورغم ما تحقق من تقدم في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وانتقاله من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي، يبقى الرهان الأساسي للحكومة المقبلة متمثلا في ضمان استفادة المواطنين الناطقين بالأمازيغية من خدمات عمومية متاحة بلغتهم بشكل فعلي ومتوازن على مختلف جهات المملكة، بما يترجم المقتضيات الدستورية إلى ممارسات يومية ملموسة.