الوسم: الأحزاب المغربية

  • انتخابات 2026.. عدد الترشيحات الإلكترونية يبلغ 1003 تصريحا

    انتخابات 2026.. عدد الترشيحات الإلكترونية يبلغ 1003 تصريحا

    أفاد مصدر مسؤول بوزارة الداخلية بأن عدد التصريحات بالترشيح برسم انتخاب أعضاء مجلس النواب المودعة عبر المنصة الإلكترونية بلغ، إلى حدود ليلة أمس الثلاثاء (فاتح شتنبر 2026)، ما مجموعه 1003 تصريحا بالترشيح من لدن مترشحات ومترشحين منتسبين للأحزاب السياسية بمختلف مشاربها.

    وأبرز المصدر ذاته أن التصريحات بالترشيحات المودعة شملت مجموع الدوائر الانتخابية المحلية والدوائر الانتخابية الجهوية المحدثة على صعيد كافة جهات المملكة.

    وذكر بأن عملية إيداع التصريحات بالترشيحات عبر المنصة الالكترونية المحدثة لهذه الغاية تواصلت خلال اليوم الثاني من الفترة المخصصة لتقديم الترشيحات، برسم انتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤه يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026.

  • نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    نجوى ككوس: “البام” لا يدعي الكمال وبرنامجنا الانتخابي ينطلق من انتظارات المواطن

    قبل أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود النقاش السياسي إلى واجهة المشهد، محمّلا بأسئلة تتجاوز التنافس الانتخابي إلى تقييم التجارب الحكومية، وتجديد النخب، ومستقبل العمل الحزبي، وقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية.

    وتفرض هذه الأسئلة نفسها على مختلف الفاعلين السياسيين، في لحظة تقدم فيها الأحزاب حصيلتها، وتعرض تصوراتها للمرحلة المقبلة، في سياق وطني يعرف أوراشا إصلاحية كبرى وتحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

    ودخلت الأحزاب السياسية منذ أشهر مرحلة إعادة ترتيب أوراقها للسباق الانتخابي في 23 شتنبر المقبل، وصياغة خطاب يستعيد ثقة الناخبين وإقناعهم ببرامج المرحلة المقبلة، وهي الدينامية التي يبرز في قلبها حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره أحد مكونات الأغلبية الحكومية، والحزب المتفرد بنموذج القيادة الجماعية في تدبير شؤونه التنظيمية، في تجربة تخوض أول اختبار انتخابي لها منذ اعتمادها.

    في هذا الحوار، تتحدث نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عن تقييم تجربة القيادة الجماعية بعد أكثر من سنتين على إطلاقها، واستعدادات الحزب لانتخابات 2026، ورهانات برنامجه الانتخابي، وحصيلة مشاركته في الحكومة، كما تتناول قضايا تجديد النخب، وتمكين الشباب والنساء، ومعايير منح التزكيات، وعلاقة الأحزاب بالمواطن، إضافة إلى رؤية الحزب لأولويات المرحلة المقبلة، في حوار يسلط الضوء على الأسئلة السياسية والتنظيمية التي تسبق واحدة من أهم المحطات الانتخابية في المغرب.

    نص الحوار:

    اعتمد حزب الأصالة والمعاصرة، خلال مؤتمره الأخير، نموذج القيادة الجماعية باعتباره تحولا في أسلوب تدبير الحزب، وانتقالا من نموذج القيادة الفردية الذي كان معمولا به في أغلب الأحزاب. بصفتكم رئيسة للمجلس الوطني، وبعد قرابة سنتين ونصف من هذا الاختيار، هل يمكن القول إن التجربة حققت أهدافها؟ وما أبرز التغييرات التي أحدثتها داخل الحزب مقارنة بالمراحل السابقة؟

    كان المؤتمر الوطني لسنة 2024 محطة مفصلية في تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة، لأنه جاء بعد أول تجربة للحزب في تدبير الشأن الحكومي منذ سنة 2021، كما تزامن مع مرحلة أعقبت مؤتمر 2020، الذي شكل بدوره نقطة تحول مهمة في مسار الحزب، سواء على مستوى أساليب التدبير أو اتخاذ القرار أو حتى في ما يتعلق بالمرجعية الفكرية والقيم التي يقوم عليها الحزب.

    لقد كانت الإرادة، منذ مؤتمر 2020، قائمة على تثمين ما تحقق من إيجابيات، مع القطع في المقابل مع الممارسات التي لم تعد تستجيب لطموحات الحزب. وجاء مؤتمر 2024 ليترجم هذه الإرادة إلى قرار جماعي يقضي باعتماد القيادة الجماعية بدل الاكتفاء بمنصب فردي، كما هو معمول به في عدد من الأحزاب السياسية. وقد كان هذا الاختيار ثمرة نقاش داخلي وإرادة جماعية عبرت عنها مختلف هياكل الحزب.

    واليوم، يمكن القول إن هذه التجربة مكنت أبناء وبنات الحزب من استخلاص العديد من الدروس. فمنذ التأسيس رفعنا شعارات تخليق الحياة السياسية، وتحرير الطاقات، وتجديد النخب، وأعتقد أننا نجحنا إلى حد كبير في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، وهو ما يظهر من خلال الدينامية التي تعرفها مختلف تنظيمات الحزب، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو داخل التنظيمات الموازية.

    أما فيما يتعلق بالقيادة الجماعية، فإنها أثبتت نجاعتها لأنها تقوم على إشراك الجميع في صناعة القرار، فلا مجال لقرار فردي داخل الحزب، بل إن مختلف القرارات يتم التداول بشأنها داخل القيادة الجماعية، كما تُعرض على المكتب السياسي، بل إن بعض القرارات تُحال أيضا على المجلس الوطني، وهو ما يعزز مبدأ المؤسسات ويكرس العمل الجماعي.

    ورغم الحملات التي تعرض لها الحزب من خصومه، فإننا نعتبر أن هذه التجربة أثبتت قدرتها على الصمود، بل إن تلك الضغوط شكلت بالنسبة إلينا حافزا إضافيا لمواصلة العمل من أجل بناء حزب قوي، يخدم المواطن، ويسترشد بالتوجيهات الملكية السامية باعتبارها الإطار المرجعي الذي نتحرك داخله.

    لذلك، أستطيع القول إن تجربة القيادة الجماعية حققت نتائج إيجابية إلى حدود اليوم، ونثق بأنها ستبرهن على نجاحها بشكل أكبر خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، باعتبارها أول انتخابات يخوضها الحزب تحت هذا النموذج القيادي.

    يستعد حزب الأصالة والمعاصرة لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والقيادة الجماعية التي تضم ثلاثة أمناء عامين تعد تجربة غير مسبوقة في المشهد الحزبي المغربي. كيف ستُدار الحملة الانتخابية في ظل هذا النموذج؟ وهل تعتبرون القيادة الجماعية نقطة قوة تضيف تكاملا في الأدوار، أم أنها قد تطرح تحديات مرتبطة بوحدة الخطاب والقرار خلال المرحلة الانتخابية؟

    عندما نتحدث عن الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، أو السيد محمد مهدي بنسعيد، أو الأستاذة فاطمة السعدي، فإننا نتحدث عن أبناء هذا الحزب الذين ساهموا في بنائه منذ تأسيسه، ويجمعهم المشروع السياسي نفسه، والمرجعية ذاتها، والقيم والمبادئ نفسها. لذلك، من الطبيعي أن يكون الخطاب منسجما، لأن الجميع ينطلق من المدرسة الفكرية والتنظيمية نفسها.

    فالاختلاف في الخطاب قد يطرح عندما يكون الأشخاص من تيارات أو مرجعيات مختلفة، أما نحن فقد ساهمنا جميعا، إلى جانب باقي قيادات الحزب، في بناء هذا التنظيم، وفي صياغة وثائقه السياسية والفكرية، وفي مختلف المحطات التنظيمية التي مر بها. كما أن مؤتمر 2012، الذي اعتمد شعار “تحصين الديمقراطية”، كان محطة مفصلية شاركنا فيها فكريا وتنظيميا، وهو ما جعلنا نتقاسم الرؤية نفسها تجاه المشروع الحزبي.

    ولهذا، فإن ما يجمع أعضاء القيادة الجماعية يتجاوز مجرد تحمل المسؤولية، لأنه يقوم على مسار نضالي مشترك وعلى قناعة واحدة بمبادئ الحزب واختياراته، وهو ما يفسر الانسجام الذي يطبع خطاباتنا، سواء في اللقاءات الإعلامية أو في التواصل مع المناضلين، حيث نكمل بعضنا بعضا ولا نقدم خطابات متعارضة.

    أما فيما يتعلق بتدبير العملية الانتخابية، فإن الأمور تسير، إلى حدود اليوم، بشكل جيد، وهناك توزيع واضح للأدوار بين أعضاء القيادة الجماعية، الذين يشكلون أمانة عامة واحدة تعمل في إطار من التكامل والتنسيق المستمر، وهو ما يجعل هذا النموذج مصدر قوة أكثر من مصدر اختلاف.

    ما هو الرهان الأكبر الذي يضعه الحزب في برنامجه الانتخابي المقبل؟ وما الذي سيجعل عرضه السياسي مختلفا وقادرا على إقناع الناخب مقارنة بما تقدمه باقي الأحزاب؟

    رهاننا هو نفسه رهان الشعب المغربي. منذ تأسيسه، ظل حزب الأصالة والمعاصرة يسعى إلى التفاعل مع انتظارات المواطنات والمواطنين، كما يسترشد في توجهاته الكبرى بالتوجيهات الملكية السامية، التي تشكل بالنسبة إلينا مرجعا أساسيا في رسم اختياراتنا الاستراتيجية. ولا ينبغي أن ننسى أن جلالة الملك له دور محوري في توجيه السياسات الكبرى للدولة، بينما من ضمن مسؤولية الأحزاب تنزيل هذه التوجهات واقتراح البرامج والسياسات العمومية الكفيلة بتحقيقها.

    أما بخصوص أولويات البرنامج الانتخابي، فإنها تنطلق من أولويات المواطن المغربي نفسه، وفي مقدمتها القدرة الشرائية والصحة والتعليم، فما يزال هذان القطاعان يشكلان أكبر التحديات التي تواجه بلادنا، ولا يمكن الادعاء بأننا تجاوزنا كل الإشكالات المطروحة فيهما.

    ورغم ما تحقق في إطار ورش التغطية الصحية الإجبارية، الذي جاء بفضل المبادرة الملكية، فإننا لا نزال نواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والموارد البشرية، والحكامة داخل القطاع الصحي، وهي أوراش ما تزال تتطلب عملا كبيرا خلال المرحلة المقبلة.

    والوضع نفسه ينطبق على قطاع التعليم. ففي تقديري، لا يمكن الحديث عن تعليم ناجح ما دام التردد السمة الأبرز في اختيار الأسر المغربية للمدرسة العمومية. وبالنسبة إلي، سيصبح بإمكاننا القول إننا حققنا تقدما حقيقيا عندما تصبح المدرسة العمومية الخيار الأول للمغاربة، وليس خيارا اضطراريا، وحتى نصل إلى تلك المرحلة، ما يزال أمامنا الكثير من العمل.

    أما التشغيل، فرغم أنه يشكل أولوية وطنية، فإنه أصبح اليوم ملفا أكثر تعقيدا من السابق، لأن أزمة البطالة لم تعد ترتبط فقط بقدرة الدولة أو القطاع الخاص على خلق فرص الشغل، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتحولات اجتماعية وثقافية تمس علاقة الشباب بقيمة العمل. ولذلك نحن بحاجة إلى دراسات سوسيولوجية عميقة تساعد على فهم هذه التحولات، حتى نستطيع صياغة سياسات أكثر نجاعة في هذا المجال.

    إلى جانب ذلك، هناك أوراش استراتيجية أخرى، من بينها تنزيل مشروع الحكم الذاتي، ومواكبة مشروع “المغرب الصاعد”، وهي مشاريع كبرى تحتاج إلى حكامة جيدة وإلى حسن التدبير حتى تحقق أهدافها على أرض الواقع.

    شارك الحزب في انتخابات سنة 2021 وساهم في تدبير الشأن الحكومي. ما أبرز الدروس التي خرج بها من هذه التجربة؟ وما الأخطاء التي لا ترغبون في تكرارها خلال الاستحقاقات المقبلة؟

    خضنا انتخابات 2021 بكل ما حملته من رهانات، واستطعنا أن نحتل المرتبة الثانية، رغم أن طموحنا كان تحقيق المرتبة الأولى. ورغم ذلك، تعاملنا مع النتيجة بروح المسؤولية، وشاركنا في الحكومة، وتحملنا مسؤوليتنا كاملة داخل الأغلبية الحكومية.

    ومنذ بداية هذه التجربة، عمل الحزب على الحفاظ على تماسك الأغلبية الحكومية، وعلى ضمان استقرارها، رغم ما قد ينشأ داخل أي تحالف سياسي من اختلافات في وجهات النظر. وكان همنا الأساسي هو الحفاظ على هذا الاستقرار بما يخدم مصلحة المواطنين، لأن أي توتر داخل الأغلبية كان سينعكس مباشرة على الأداء الحكومي وعلى مصالح المغاربة، لذلك تحملنا مسؤوليتنا إلى آخر لحظة، وسنواصل القيام بذلك بالروح نفسها.

    أما بخصوص القطاعات التي أشرف عليها وزراء حزب الأصالة والمعاصرة، فإن حصيلتها تقاس بما تحقق فيها من نتائج وأرقام. ومع ذلك، فمن غير الواقعي انتظار تحقيق جميع الأهداف خلال خمس سنوات فقط، لأن تدبير القطاعات الحكومية يرتبط بإصلاحات عميقة تحتاج إلى الوقت حتى تظهر آثارها، وهناك مشاريع ستبرز نتائجها بشكل أوضح بعد سنة 2026، ونأمل أن تمنحنا ثقة المواطنين فرصة أكبر لمواصلة تنزيلها.

    أما الأخطاء، فنحن لا ندعي الكمال، بل نعتبرها جزءا من التجربة السياسية، ونسعى دائما إلى التعلم منها وتجاوزها في المحطات المقبلة.

    يتحدث حزب الأصالة والمعاصرة باستمرار عن تمكين الشباب والنساء، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: هل تمت ترجمة هذا الخطاب، من خلال منح الشباب والنساء مواقع متقدمة داخل اللوائح الانتخابية، أم سيظل الأمر في حدود الشعارات؟

    لو لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة يؤمن فعلا بتمكين الشباب والنساء لما شهدنا هذا التجديد المستمر في قياداته منذ تأسيسه. ففي كل مؤتمر يفرز الحزب قيادة جديدة، ومكتبا سياسيا متجددا، كما تعرف مختلف تنظيماته الموازية تداولا دائما على المسؤوليات، وهو ما يعكس قناعة راسخة بضرورة تجديد النخب وضخ دماء جديدة داخل الحزب.

    ولو لم نتبنَّ هذا الاختيار، لكنا اليوم نعيش الوضع نفسه الذي تعرفه بعض الأحزاب، حيث تستمر القيادات نفسها لولايات متتالية، وتتكرر الأسماء ذاتها داخل مختلف الأجهزة، بينما تبقى فرص الشباب والنساء محدودة. نحن لم نستورد مسؤولين من خارج الحزب، بل عملنا منذ البداية على تكوين أبناء وبنات الحزب وتأهيلهم وتحمل مسؤولياتهم داخله.

    فلسفة الحزب منذ تأسيسه تقوم على بناء مدرسة سياسية حقيقية، تخرج أطره وقياداته من داخله، وتمنحهم التكوين والتأطير اللازمين لتحمل المسؤولية. وهذا هو المعنى الحقيقي لتجديد النخب، أي أن يكون الحزب قادرا على إنتاج كفاءاته بنفسه، لا البحث عنها خارج تنظيمه.

    ولهذا، فعندما يُطرح السؤال حول من يقود الحزب اليوم، فإن الجواب واضح: إنهم أبناء وبنات الحزب الذين تدرجوا داخله، واكتسبوا تجربتهم السياسية والتنظيمية بين صفوفه. أما بالنسبة لنا، فإن المعيار الحاسم في تحمل المسؤولية يظل هو الكفاءة والاستحقاق، لأن الهدف هو وضع الرجل المناسب والمرأة المناسبة في المكان الذي يستحقانه، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.

    منذ سنوات يثار الجدل حول المعايير التي تتحكم في منح التزكيات، بين من يعتبر أن الكفاءة والخبرة والقدرة على الترافع هي الأساس، وبين من يرى أن الإمكانيات المالية والقدرة على تمويل الحملات الانتخابية ما تزال حاضرة بقوة. وبعد أن حسم الحزب في أغلب مرشحيه للاستحقاقات المقبلة، هل يمكن القول إن معيار الكفاءة كان هو الحاسم؟

    في تقديري، لا ينبغي أن يكون امتلاك المال معيارا لتقييم أهلية المنتخب، لأن وظيفة المسؤول المنتخب ليست الإنفاق من ماله الخاص على المواطنين، بل تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم، والعمل على إيجاد الحلول لمشاكلهم، أما تحويل الإمكانيات المالية إلى وسيلة للتأثير في الناخبين أو لكسب الأصوات، فهو يدخل في إطار الفساد الانتخابي.

    الدولة لا تحتاج إلى أشخاص ينفقون أموالهم الخاصة على تدبير الشأن العام، لأنها تتوفر على مواردها ومؤسساتها، ما تحتاج إليه هو منتخبون، ووزراء، وبرلمانيون، ورؤساء جماعات ترابية يمتلكون الكفاءة والحكامة، ويعرفون كيف يستقطبون الاعتمادات المالية، ويوظفونها في إنجاز المشاريع التي تستجيب لانتظارات المواطنين.

    أما من يستثمر مبالغ طائلة في الحملات الانتخابية، فمن الطبيعي أن يطرح السؤال حول كيفية استرجاع تلك الأموال بعد الانتخابات، وهو ما يثير إشكالا حقيقيا على مستوى النزاهة والشفافية.

    لذلك، فنحن لا نبحث عن مسؤولين ينفقون أموالهم الخاصة على الدولة أو على المواطنين، بل عن مسؤولين قادرين على تدبير المال العام، وأموال دافعي الضرائب، بكفاءة ونزاهة ومصداقية، بما يخدم المصلحة العامة.

    يخوض حزب الأصالة والمعاصرة الاستحقاقات المقبلة بعد تجربة في التدبير الحكومي راكم خلالها عددا من المنجزات. هل ستكون هذه الحصيلة مدخلا أساسيا لاستعادة ثقة المواطن في العمل السياسي؟ وإلى أي حد سيكون الحزب مستعدا للحديث، بكل صراحة، ليس فقط عما تحقق، بل أيضا عما لم يتحقق، وتفسير الإكراهات التي واجهت العمل الحكومي، باعتبار أن النقد الذاتي يمثل أحد عناصر القوة والمصداقية؟

    هذا ليس نقاشا سنفتحه اليوم فقط، لأن ثقافة المصارحة والنقد الذاتي رافقت حزب الأصالة والمعاصرة منذ بداية هذه الولاية الحكومية. فمنذ السنوات الأولى، كانت اجتماعات المكتب السياسي والمجلس الوطني فضاء مفتوحا للنقاش الحر، حيث كنا نعبر بكل مسؤولية عن آرائنا وملاحظاتنا، حتى وإن كانت أحيانا مكلفة سياسيا.

    كما أن فريق الحزب داخل مجلسي البرلمان كان يتمتع بهامش واسع من حرية التعبير، ولم يتردد في مناقشة مختلف القضايا والملفات، بل وحتى في توجيه النقد إلى القطاعات التي يشرف عليها وزراء الحزب أنفسهم عندما كان ذلك ضروريا. وربما كنا من أكثر الأحزاب ممارسة لهذا النوع من النقد تجاه القطاعات التي نتولى تدبيرها، لأننا نؤمن بأن المسؤولية تقتضي تقييم الأداء باستمرار، وليس الاكتفاء بالدفاع عنه.

    لذلك، فإن النقد الذاتي بالنسبة إلينا ليس مجرد شعار ظرفي، بل هو جزء من هوية الحزب منذ تأسيسه، ويظهر ذلك أيضا في احترامنا الدائم للمواعيد التنظيمية، وفي النقاشات الواسعة التي تسبق مؤتمرات الحزب، وترافقها، وتستمر بعدها، في إطار من الديمقراطية الداخلية والشفافية.

    في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب المغربي، وخاصة أولئك الذين ما زالوا مترددين في الانخراط في العمل السياسي أو المشاركة في الانتخابات؟

    رسالتي إلى الشباب المغربي هي ألا يسمحوا لليأس أو الإحباط بأن يسيطر عليهم، لأن المغرب يتوفر على كل مقومات الأمل، فنحن ننعم بالاستقرار السياسي والأمني، كما نعيش استقرارا اجتماعيا يشكل أرضية مهمة لمواصلة البناء والإصلاح، أما باقي التحديات، مهما كانت كبيرة، فهي ليست مستحيلة الحل.

    ولهذا أدعو الشباب إلى الثقة بالله أولا، ثم الثقة في وطنهم، وفي مؤسساتهم، وإلى العمل بروح جماعية، والانخراط في الأحزاب السياسية، والتسجيل في اللوائح الانتخابية، والمشاركة المكثفة في مختلف الاستحقاقات الديمقراطية، لأن التغيير لا يتحقق بالمقاطعة، بل بالمشاركة وتحمل المسؤولية.

    فكل مشاركة مواطنة واعية تساهم في تقوية المؤسسات، وفي إيجاد حلول لمختلف التحديات التي تواجه بلادنا، وتفتح المجال أمام الشباب ليكونوا جزءا من صناعة القرار، لا مجرد متابعين له.

  • “CNDP” تؤطر الأحزاب لحماية المعطيات الشخصية

    “CNDP” تؤطر الأحزاب لحماية المعطيات الشخصية

    أعلنت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أنها عملت على إحاطة الأحزاب السياسية بالقواعد المؤطرة لمعالجة هذه المعطيات خلال مختلف مراحل المسلسل الانتخابي.

    وكشفت اللجنة في بلاغ أنها قامت، بمناسبة الانتخابات التشريعية لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنبر المقبل، بإحاطة الأحزاب بهذه القواعد طبقا للمقتضيات القانونية المعمول بها والمبادئ المتعارف عليها في ميدان حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

    وقررت اللجنة إطلاع عموم المواطنات والمواطنين، لا سيما الهيئة الناخبة، على هذه القواعد التي تشمل الامتثال للقانون رقم 08-09 من خلال إشعار اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي قبل الشروع فيها (المادة 12 من القانون رقم 08-09)، واحترام الغاية من المعالجة المحددة ومدة الاحتفاظ بالمعطيات (المادة 3 من القانون رقم 08-09)؛ وعدم استغلال الآراء السياسية دون الرضا الصريح للأشخاص المعنيين (المادة 21 من القانون رقم 08-09، الفقرتان 1 و2).

    ويتعلق الأمر بعدم ممارسة الاستقراء المباشر دون الرضا المسبق للأشخاص المعنيين (المادة 10 من القانون رقم 08-09)؛ والإخبار بأي محتوى تم إنتاجه بواسطة الذكاء الاصطناعي (القانون الجنائي المغربي لعام 2018، المادة 447-2؛ القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، المواد 39، 51 و53)؛ وتجميع المعطيات ذات الطابع الشخصي بطريقة نزيهة وشفافة (المادة 3 من القانون رقم 08-09)؛ وضمان حقوق الأشخاص المعنيين (الباب الثاني من القانون رقم 08-09: من المادة 5 إلى المادة 9).

    وتشمل هذه القواعد تنظيم عملية المعالجة من الباطن بموجب عقود تتوافق مع القانون رقم 08-09 (المادتان 23 و25)؛ والامتثال للقانون رقم 08-09 عند أي عملية نقل المعطيات (المادتان 15 و18 ومواد الباب الخامس: المادتان 43 و44)؛ والامتثال والتعاون وتحمل المسؤولية فيما يتعلق بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

    وخلص البلاغ الى أنه في إطار انفتاح اللجنة على محيطها ومواكبتها لهذه المحطة الديمقراطية الهامة، تضع اللجنة لهذا الغرض رقما مباشرا 3020 رهن إشارة العموم، لطلب توضيحات أو تفاصيل بخصوص القواعد المذكورة، ومتابعة كل ما يخص حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي خلال مختلف مراحل العملية الانتخابية.

  • قبل إعلان برامج الأحزاب.. صندوق النقد يرسم ملامح خريطة أولويات إصلاح اقتصاد المغرب

    قبل إعلان برامج الأحزاب.. صندوق النقد يرسم ملامح خريطة أولويات إصلاح اقتصاد المغرب

    قبل أقل من شهر من موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، وإعلان الأحزاب المغربية عن برامجها للاستحقاقات المقبلة المقررة في 23 شتنبر المقبل، وضع تقرير جديد لصندوق النقد الدولي “خريطة مسبقة” للملفات الاقتصادية التي ينتظر أن تكون في قلب النقاش السياسي، وعلى رأسها الحوكمة، وسوق الشغل، وكفاءة الإنفاق العام، وتنظيم الأعمال، والتعليم والرقمنة.

    ولم يقدم صندوق النقد، في تقريره حول “النمو القوي والمستدام والمتوازن والشامل”، الذي نشره اليوم الخميس 27 غشت 2026،  توصيات، إذ وضع أجندة إصلاحات اقتصادية مرتبة حسب الأولوية بالنسبة للمغرب.

    ورغم أن المملكة ليست عضوا في مجموعة العشرين، فقد أدرجها صندوق النقد ضمن عينة إفريقية تضم مصر وأنغولا وإثيوبيا وغانا وكينيا ونيجيريا والجزائر، إضافة إلى جنوب إفريقيا بوصفها عضوا في مجموعة العشرين.

    ورسم صندوف النقد صورة أجندة إصلاح مؤسسي وهيكلي للمغرب أقل ضغطا مقارنة مع الدول التي شملها التقرير، إذ تظل السياسة المالية أولوية متوسطة، في حالة مختلفة عن بقية الاقتصادات الإفريقية الكبرى، لكن تحسين كفاءة الإنفاق وإدارة المالية العامة يظل مطلوبا، وفي المقابل، تتصدر الحوكمة، سيما مكافحة الفساد، وإصلاح مؤسسات سوق العمل، قائمة الأولويات.

    المغرب استثناء في الإصلاح المالي

    أبرز ما يميز المغرب في التقرير أنه الاقتصاد الوحيد ضمن العينة الإفريقية المعروضة الذي لم تحصل فيه إصلاحات السياسة المالية على درجة “أولوية مرتفعة”، بل على درجة متوسطة، غير أن صندوق النقد يضع المغرب إلى جانب أنغولا وكينيا ونيجيريا ضمن الدول المطالبة بتحسين إدارة الاستثمار والمالية العامة ورفع كفاءة الإنفاق.

    في المقابل، لا يذكر التقرير المغرب ضمن أمثلة البلدان التي يعطي فيها إصلاح دعم الوقود أولوية خاصة، إذ يحصر هذا المثال في الجزائر وأنغولا، كما لا يدرجه ضمن الأمثلة المتعلقة بتطوير سوق السندات المحلية، التي تشمل الجزائر ومصر وكينيا.

    وعلى مستوى توجه السياسة المالية، يتوقع التقرير موقفا انكماشيا في الأجل القريب في معظم الاقتصادات الإفريقية المشمولة، مستثنيا أنغولا ونيجيريا، ما يدرج المغرب ضمن الاتجاه العام نحو التشديد المالي، من دون أن يحدد التقرير حجمه أو ما إذا كان المغرب من الحالات التي يوصي لها بتشديد إضافي.

    وتشير الوثيقة ذاتها إلى أن التوصيات تختلف عن المسارات المتوقعة في نحو نصف الحالات الإفريقية، وكلها في اتجاه مزيد من الضبط المالي.

    أولوية مرتفعة للحوكمة وسوق الشغل

    ووضعت خريطة الإصلاحات الهيكلية في التقرير ملفين في صدارة الأولويات المغربية، أولهما الحوكمة ومؤسسات سوق العمل، مع منح أولوية متوسطة لإصلاح تنظيم الأعمال، والسياسات المالية، والقطاعين النقدي والمالي، والتعليم والمهارات، والإصلاحات الخضراء، والابتكار والرقمنة، فيما حصلت إصلاحات القطاع الخارجي على أولوية منخفضة

    ونبه تقرير صندوق النقد في تقريره لسنة 2026 أن التقييمات “خاصة بكل بلد وغير قابلة للمقارنة المباشرة بين البلدان”، ما يعني أنها ترتيب للأولويات داخل كل دولة، لا تصنيفا لجودة أدائها أو ترتيبا تنافسيا بينها.

    وتكشف المقارنة المغاربية والشمال إفريقية أن المغرب يتقاسم مع الجزائر أولوية إصلاح سوق العمل والحوكمة، بينما يمنح مصر أولوية متوسطة في المجالين.

    في المقابل، بدت الحاجة إلى إصلاح القطاع الخارجي أقل إلحاحا في المغرب مقارنة بالجزائر (مرتفعة) ومصر (متوسطة)، فيما يصنف التقرير إصلاح تنظيم الأعمال والقطاع المالي بدرجة متوسطة في المغرب، مقابل درجة مرتفعة لدى مصر والجزائر.

    وعلى نطاق العينة الإفريقية الأوسع، ينضم المغرب إلى نيجيريا وجنوب إفريقيا والجزائر في وضع إصلاحات سوق العمل ضمن أعلى الأولويات، أما في تنظيم الأعمال، فيقع مع إثيوبيا وغانا وكينيا ضمن فئة الأولوية المتوسطة، بينما تحصل الجزائر وأنغولا ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا على أولوية مرتفعة.

    مكافحة الفساد في صلب أجندة الحوكمة

    يضع الصندوق إصلاح الحوكمة في المغرب ضمن فئة الأولوية المرتفعة، إلى جانب كينيا ونيجيريا، التي تد من ضمن الاقتصادات التي ينبغي أن تركز إصلاحاتها على تقوية ممارسات مكافحة الفساد.

    ويربط صندوق النقد هذه الإصلاحات بتقوية المؤسسات الاقتصادية وتحسين قدرة الدول على تعبئة الموارد وتوجيهها بكفاءة.

    وبخصوص السياسة النقدية، يكشف التقرير أن الجزائر هي الاقتصاد الوحيد في العينة الإفريقية الذي يتوقع أن يتبع موقفا توسعيا، موصيا بمزيد من التشديد النقدي في الجزائر ومصر وإثيوبيا وغانا، دون ذكر المغرب ضمن هذه الحالات الأربع.

    وتصنف خريطة الإصلاحات القطاعين النقدي والمالي في المغرب ضمن الأولوية المتوسطة، وهي الدرجة نفسها المسندة إلى كينيا، مقابل أولوية مرتفعة في الجزائر وأنغولا ومصر وإثيوبيا وغانا ونيجيريا، وأولوية منخفضة في جنوب إفريقيا.

    أجندة متوسطة الكثافة في التعليم والرقمنة والتحول الأخضر

    وحصل المغرب المغرب على أولوية متوسطة في التعليم والمهارات، والابتكار والرقمنة، والإصلاحات الخضراء، وفي التعليم، يتقاطع وضعه مع الجزائر ومصر، بينما ترتفع الأولوية في أنغولا وغانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، وتنخفض في إثيوبيا وكينيا.

    وفي الإصلاحات الخضراء، يأتي المغرب ضمن مجموعة الأولوية المتوسطة إلى جانب أنغولا ومصر وغانا وكينيا، مقابل أولوية مرتفعة في الجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا.

    أما الابتكار والرقمنة، فيشترك المغرب في الدرجة المتوسطة مع أنغولا والجزائر ومصر وغانا وكينيا، بينما يمنح التقرير جنوب إفريقيا أولوية مرتفعة، وإثيوبيا أولوية منخفضة، ولا يوفر تقييما لنيجيريا.

    برامج الأحزاب أمام أربعة اختبارات

    تضع خريطة صندوق النقد الدولي، البرامج الانتخابية المقبلة للأحزاب أمام أربعة اختبارات رئيسية، أولها الحوكمة، وما إن كانت ستقدم إجراءات مؤسساتية محددة لمحاربة الفساد، والثاني مرتبط بملف حارق هو سوق الشغل وقدرة الأحزاب على اقتراح إصلاحات متكاملة تجمع بين الاستثمار والتكوين والحماية الاجتماعية وإدماج القطاع غير المهيكل.

    أما الاختبار الثالث، والذي يظل مهما في نجاعة تدبير الحكومات، فهو كفاءة الإنفاق، ومدى إظهار البرامج الانتخابية كيفية تمويل الوعود الاجتماعية، والقطاعات التي ستحصل على الأولوية، والأهم كيفية قياس نتائج الإنفاق العمومي.

    ويتجلى الاختبار الرابع بمدى ترابط السياسات، إذ يمنح صندوق النقد التعليم والمهارات، والابتكار والرقمنة، والإصلاحات الخضراء درجات متوسطة متساوية تقريبا في أولوية الإصلاح، وهي ملفات مترابطة، إذ يصعب إصلاح سوق الشغل دون إصلاح التكوين، أو رفع إنتاجية المقاولات بلا رقمنة، أو جذب الاستثمار بدون قواعد تنظيمية واضحة.

  • جيل فقد الثقة في الأحزاب.. هل تنجح الشبيبات في إعادته إلى السياسة؟

    جيل فقد الثقة في الأحزاب.. هل تنجح الشبيبات في إعادته إلى السياسة؟

    في انتخابات 2021، كان ثلث الشباب بين 18 و24 سنة فقط مسجلا في اللوائح الانتخابية أي ما يقارب 33.6 في المئة، مقابل أغلبية بقيت خارجها، وهو رقم يتحدث عن علاقة مأزومة بين جيل يتابع السياسة ويناقشها ويحتج على قراراتها، وبين أحزاب لم تعد بالنسبة إلى جزء واسع منه الطريق الطبيعي للمشاركة فيها.

    بدر العيساوي واحد من هذا الجيل، يتابع ما يجري، يناقش القرارات التي تمس مستقبله، ويغضب مثل كثيرين من أبناء سنه، لكنه يتوقف عند عتبة الحزب وصندوق الاقتراع، فهو لا يتبنى خطاب المقاطعة ولا يقدم نفسه خصما للسياسة، فيما حجته أبسط من ذلك هي أنه يؤمن بأنه لن يرى أثرا كافيا لصوته، ولا يجد في البرامج المطروحة ما يقنعه بأن انخراطه سيغير شيئا في حياته أو في حياة جيله.

    خلف موقف بدر، تختبئ فجوة أوسع لشباب حاضر في النقاش العام، لكنه أقل حضورا داخل التنظيمات التي يفترض أن تحول هذا النقاش إلى قرار، شباب يكتب مواقفه على المنصات، ينتقد الحكومة والأحزاب والمنتخبين، ويتفاعل مع كل قضية تمس التعليم والشغل والسكن والحريات، ثم يغيب جزء كبير منه عندما تنتقل السياسة من الشاشة إلى المقر ومن التعليق إلى صندوق الاقتراع.

    هذه هي المفارقة التي تدخل بها الأحزاب انتخابات 2026، لجيل لم يهجر السياسة بقدر ما هجر قنواتها التقليدية، وهنا يصبح الرهان على الشبيبات الحزبية أكثر صعوبة من مجرد استقطاب منخرطين جدد، فيما المطلوب إقناع شباب مثل بدر بأن الحزب يمكن أن يكون مكانا للتأثير وأن العضوية تمنح صوتا فعليا وأن الطريق إلى القرار لا ينتهي دائما عند الوجوه نفسها.

    اللوائح تكشف ما يُؤجَّل في الخطاب

    جيل “زد” ليس جيلا غائبا عن الشأن العام، فهو على المنصات يتابع الأحداث لحظة وقوعها، يناقش السياسات، ويرفع مطالبه من غير وسيط وحين قرر التعبير عن غضبه، لم يطلب من الأحزاب أن تتحدث باسمه غير أن هذا الحضور يتقلص كلما اقترب الموعد من التسجيل أو من يوم الاقتراع.

    وبالفعل، في استحقاق 2021 لم تتجاوز نسبة المسجلين في اللوائح الانتخابية لدى الفئة بين 18 و24 سنة 33.6 في المئة أما الرقم فقد صدر ومرّ، ثم استقر في التقارير كمعطى يُستعاد عند الحاجة.

    ويقدر فاروق المهداوي، المحامي بهيئة الرباط، حضور الشباب في الأصوات المعبر عنها بنحو 8 في المئة، التسجيل عتبة، التصويت عتبة ثانية والجيل يتوقف قبل العتبتين معا في أحيان كثيرة.

    ويقدم المهداوي معطى آخر أقل تداولا، إذ لا توجد شبيبات حزبية إلا لدى نحو 22 حزبا من أصل 35، أي ثلث الخريطة الحزبية تقريبا بلا إطار شبابي أصلا، متسائلا: كيف يُطلب من شاب أن يقترب من تنظيم لم يبنِ له مكانا؟

    المهداوي لا يحمّل الشباب وحدهم وزر هذا الابتعاد، فالأحزاب في تقديره، لم تنجح بما يكفي في تجديد نُخبها ولا في فتح الطريق أمام جيل جديد نحو مواقع القيادة والسلم نفسه يُعاد استعماله، الوجوه نفسها تطول إقامتها، والشاب الذي يدخل التنظيم سرعان ما يكتشف أن حضوره ينتهي عند العمل التنظيمي أو عند تعبئة مناسبة، من غير أن يمتد إلى صناعة القرار.

    الخطاب يصل بعد أن يكون النقاش قد انتهى

    جيل اليوم لا ينتظر النشرة ولا بيان المكتب السياسي، يعيش مع الهاتف ومع المنصات ومع الذكاء الاصطناعي ويصل إلى المعلومة بالسرعة التي تقع بها، يقرأ، ويعلّق، ويقارن، وفي الجهة الأخرى، يصل إليه الخطاب السياسي في الغالب متأخرا؛ مهرجان، أو ذكرى، أو أسبوع حملة، أو لغة ثقيلة، وإيقاع بطيء، وموعد لا يشبه مواعيده.

    النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة نادية بوزندوفة ترى أن الشباب لا يتواصل بسهولة مع الأحزاب لأن التواصل يظل مناسباتيا.

    ترى البرلمانية البامية أن المسؤولية مشتركة والأحزاب مطالبة بأن تكون حاضرة في القضايا التي تشغل هذا الجيل، لا في مواسم الانتخابات وحدها أما الحضور الذي يظهر أسابيع قبل الاستحقاق ثم ينسحب لا يبني ثقة، إنما هذه الأخيرة تُصنع في الأيام العادية أو لا تُصنع.

    وتذهب بوزندوفة إلى أبعد من لغة التواصل، فالشباب في نظرها، يجب أن يكون قوة اقتراح وضغط تدفع الأحزاب إلى إدراج انتظاراته ضمن برامجها وأولوياتها أي أن المطلوب ليس أن يُستدعى الجيل ليصفق بل أن يفرض أجندته غير أن تعديل الخطاب، وحده، لا يكفي إذا بقي التنفيذ على حاله.

    عبقري: ليست فجوة هذا خندق

    صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، يرفض الكلمة الخفيفة، فالحديث عن “فجوة” بين الشباب والسياسة، في تقديره، لا يصف المسافة كما هي فالأمر أقرب إلى “خندق” والأحزاب والسياسيون يتحملون قسطا كبيرا منه.

    الشباب يسمع، يقول عبقري خطابات رنانة ووعودا وبرامج لكنهم لا يرون دائما ما يكفي من النتائج، ومع كل وعد لا يتحقق ومع كل برنامج لا يجد طريقه إلى التنفيذ يتعمق الشك وتتراجع الرغبة في الانخراط وهذا الجيل يقيس السياسة بما وقع، لا بما أُعلن.

    احتجاجات جيل “زد” جاءت على هذه الخلفية، فالابتعاد عن الأحزاب لم يكن ابتعادا عن الشأن العام سيما وأن المطالب كانت هناك، والرغبة في التعبير أيضا لكن خارج المقرات جزء من هذا الجيل وجد في الشارع وفي المنصات مساحة أقرب إلى لغته، وأسرع في نقل ما يريد قوله.

    من بقي في الشارع ومن دخل المقر

    محمد المنصوري من جانبه، يرفض وضع الاحتجاج والانتماء الحزبي على طرفي نقيض، فقد شارك في احتجاجات وهو منخرط في شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، من دون أن يرى في ذلك تناقضا يحتاج إلى تبرير، فبالنسبة إليه الحزب ليس عقد ولاء يمنع الاعتراض، والشارع ليس إعلان قطيعة مع المؤسسات.

    يقول إنه نزل للاحتجاج خلال فترة انخراطه، ولم يتلق عتابا من الحزب، ولم يتصل به أحد لمساءلته عن وجوده هناك، وبالنسبة إليه كان الأمر امتداداً لحقه في اتخاذ موقف من قضايا لا يتفق معها، لا تمرداً على التنظيم الذي ينتمي إليه.

    تجربة المنصوري تضع اليد على واحدة من الصور التي أضرت طويلا بعلاقة الشباب بالأحزاب، أن الدخول إلى التنظيم يعني الدفاع عنه في كل الأحوال، وأن النقد يبدأ خارجه وينتهي بمجرد الحصول على بطاقة العضوية.

    قبل المنصوري بسنوات، انتقل عبدالله عيد من حركة 20 فبراير إلى العمل الحزبي، ولم يكن ذلك بالنسبة إليه تخليا عن فكرة التغيير بل تغييرا في موقع الاشتغال عليها؛ من الشارع، حيث يرتفع المطلب سريعا إلى المؤسسة، حيث يمر عبر التنظيم والتفاوض وموازين القوة قبل أن يجد طريقه إلى القرار.

    مر أكثر من عقد ونصف على احتجاجات 2011، وتراجعت موجة وظهرت أخرى، وانتقل جزء كبير من النقاش السياسي إلى الهواتف، لكن المسافة بين الاحتجاج والتنظيم ظلت قائمة.

    شباب كثيرون وجدوا في المنصات مساحة أرحب من المقرات، وفي التعبير الفردي حرية أكبر من الانضباط التنظيمي، وآخرون مثل عيد والمنصوري اختبروا طريقا أصعب هو حمل الاعتراض معهم إلى داخل الحزب.

    الانتقال من الشارع إلى المقر لا يطفئ الغضب بالضرورة، لكنه يغير شروط التعبير عنه، ففي الشارع تكفي لافتة واضحة ومطلب مباشر داخل الحزب، يدخل المطلب في مسار أطول، تحكمه الهياكل والبرامج والتوافقات وموازين القرار وهنا لا يعود التحدي أن يرفع الشاب صوته، بل أن يجد لصوته أثرا.

    بعد البطاقة يبدأ الامتحان

    لهذا لا تبدأ أزمة الأحزاب مع الشباب عند باب الانخراط، ولا تنتهي عندما يملأ الشباب قاعة لقاء حزبي، فاستقطابهم هو الجزء الأسهل من معادلة أكثر تعقيدا والأصعب يبدأ في اليوم التالي، عندما تنتهي صور النشاط ويعود التنظيم إلى اشتغاله العادي.

    سلمى أبلحساين، رئيسة المجلس الوطني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تضع تأطير الشباب ومواكبتهم في صلب إعداد نخبة سياسية جديدة.

    وفي تصورها، لا يكفي انتقاد الواقع من خارجه، لأن جزءا من تغييره يمر عبر المشاركة في المؤسسات والتنظيمات التي تنتج القرار، وتقول إن منظمة شباب الحزب تواكب نحو 25 ألف شاب وشابة ممن سجلوا في اللوائح الانتخابية، مع طموح إلى توسيع هذه القاعدة.

    ورغم كل هذه المبادرات، منحت المنصات الرقمية هذا الجيل ما لم يكن متاحا للأجيال السابقة بالقدر نفسه، وهي مساحة للتعبير من دون وسيط حزبي وقدرة على النقد من دون المرور عبر تنظيم وإمكانية بناء جمهور من خارج المؤسسات.

    لذلك لم يعد الحزب يحتكر التأطير ولا النقاش ولا حتى إنتاج الخطاب السياسي، ما بقي في يده هو شيء أكثر صعوبة يكمن في تحويل المشاركة إلى أثر، وفتح الطريق من الرأي إلى القرار.

  • انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    انتخابات 23 شتنبر.. بين عداد دقائق الإعلام العمومي وسرعة المنصات الرقمية

    تدخل الأحزاب السياسية المغربية مرحلة حاسمة من التحضير للانتخابات المقررة في 23 شتنبر المقبل، و لتبدأ معها الاستعدادات التنظيمية للحملة الانتخابية مرحلة جديدة بعدما أجريت في 23 يوليوز الفائت القرعة الخاصة بتوزيع الحصص الإعلامية للأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية.

    وبينما تبدو العملية في ظاهرها إجراء تقنيا يقتصر على تحديد مواعيد بث الوصلات الانتخابية، فإنها تستند في الواقع إلى منظومة قانونية تنظم حضور الأحزاب في الإعلام العمومي، وتحدد كيفية تحقيق التوازن بين مبدأ تكافؤ الفرص وبين اختلاف التمثيلية السياسية للأحزاب.

    وأجرت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بحضور ممثلي الأحزاب السياسية ومؤسسات الإعلام العمومي، القرعة الخاصة ببرمجة الحصص الإعلامية الخاصة بالحملة الانتخابية، بعد تقسيم الأحزاب المشاركة، وعددها 27 حزبا، إلى ثلاث مجموعات وفق معيار التمثيلية البرلمانية، مع تحديد مدة البث المخصصة لكل فئة، إضافة إلى آليات تغطية التجمعات الانتخابية واستضافة ممثلي الأحزاب في النشرات الإخبارية.

    غير أن هذه العملية تطرح أسئلة تتجاوز الجانب التنظيمي، من قبيل: لماذا لا تستفيد جميع الأحزاب من المدة الزمنية نفسها؟ وما الأساس القانوني لاعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا للتوزيع؟ وكيف يضمن الإعلام العمومي الحياد خلال الحملة الانتخابية؟

    من ينظم الظهور الإعلامي للأحزاب؟

    لا يخضع توزيع الحصص الإعلامية لاجتهادات ظرفية، وإنما تنظمه مقتضيات المرسوم رقم 2.11.610 المتعلق باستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية، والذي يحدد المبادئ العامة المؤطرة لحضور الأحزاب السياسية في القنوات التلفزية والإذاعات العمومية.

    وينص هذا الإطار التنظيمي على تخصيص فترات بث للأحزاب المشاركة في الانتخابات، مع مراعاة مجموعة من الضوابط، من بينها توزيع الحصص على مختلف الفترات الزمنية خلال اليوم، واستمرار حضور الأحزاب طيلة الحملة، وتفادي بث الحصة نفسها في أكثر من وسيلة إعلامية في التوقيت ذاته، بما يسمح بوصول الرسائل الانتخابية إلى أكبر شريحة من المواطنين.

    ويشمل التنظيم تغطية الأنشطة الميدانية للأحزاب، واستضافة ممثليها في النشرات الإخبارية وفق قواعد موحدة، بما يضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين داخل الإعلام العمومي خلال فترة الحملة.

    ويأتي هذا التنظيم في إطار تنزيل المبادئ الدستورية المرتبطة بالتعددية السياسية، وحق المواطنين في الاطلاع على البرامج الانتخابية، مع ضمان حياد وسائل الإعلام العمومية وعدم توظيفها لخدمة أي طرف سياسي.

    لماذا تختلف مدة البث بين الأحزاب؟

    أبرز ما يلفت الانتباه في توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملة الانتخابية هو اختلاف الزمن المخصص لكل حزب، فالأحزاب التي تمتلك فريقا برلمانيا تحظى بحيز زمني أكبر، تليها الأحزاب الممثلة في البرلمان دون فريق، بينما تستفيد الأحزاب غير الممثلة من مدة أقل.

    ويستند هذا التوزيع إلى معيار التمثيلية البرلمانية التي أفرزتها آخر انتخابات تشريعية، باعتبارها مؤشرا على حجم الحضور السياسي لكل تنظيم داخل المؤسسات المنتخبة.

    ولا يقوم هذا النظام على مبدأ المساواة المطلقة في عدد الدقائق، بل على مبدأ الإنصاف القانوني، الذي يميز بين الأحزاب وفق وضعيتها التمثيلية مع ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع التنظيمات المشاركة في الانتخابات.

    وبهذا المعنى، فإن جميع الأحزاب تستفيد من حق الولوج إلى الإعلام العمومي، لكن حجم الاستفادة يختلف وفق معايير محددة سلفا في النصوص التنظيمية، وليس بناء على قرارات تقديرية أو اعتبارات سياسية.

    ويهدف هذا التصور إلى التوفيق بين اعتبارات متوازنة؛ فمن جهة، يمنح الأحزاب الناشئة أو الصغيرة فرصة التعريف ببرامجها والوصول إلى الناخبين، ومن جهة أخرى، يعكس الوزن الانتخابي للأحزاب التي سبق أن نالت ثقة الناخبين وحصلت على تمثيلية داخل البرلمان، انطلاقا من أن نتائج الاقتراع تشكل أساسا لتوزيع بعض الحقوق المرتبطة بالمنافسة الانتخابية.

    ورغم ذلك، يظل هذا النظام محل نقاش مع كل استحقاق انتخابي، إذ يرى مؤيدوه أنه يجسد مبدأ التمثيلية ويحترم الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بينما تعتبر أطراف أخرى أن التفاوت في الزمن الإعلامي، إلى جانب الفوارق في الإمكانيات التنظيمية والمالية، قد يحد من تكافؤ فرص الأحزاب الأقل تمثيلا في الوصول إلى الناخبين.

    ولا يقتصر دور الإعلام العمومي، في هذا الإطار، على بث الوصلات والرسائل الانتخابية، بل يضطلع بوظيفة ديمقراطية تتمثل في إتاحة فضاء تعددي يعرض مختلف البرامج والرؤى السياسية وفق قواعد موحدة وشفافة، بما يساعد الناخب على المقارنة بين الخيارات المطروحة وتكوين رأي قبل الإدلاء بصوته يوم الاقتراع.

    وفي تفسيره للأساس القانوني الذي يقوم عليه توزيع الحصص الإعلامية خلال الحملات الانتخابية، يرى أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حميد بلغيث، أن اعتماد التمثيلية البرلمانية معيارا لتوزيع الزمن الإعلامي يعكس فلسفة تشريعية تسعى إلى التوفيق بين احترام نتائج الاقتراع السابق وضمان حق جميع الأحزاب المشاركة في الولوج إلى وسائل الإعلام العمومية.

    ويؤكد بلغيث، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن اعتماد المشرع معيار التمثيلية البرلمانية يستند إلى الإرادة الشعبية التي أفرزتها الانتخابات السابقة، ويعكس الوزن السياسي لكل حزب داخل المؤسسات المنتخبة”، غير أنه يشدد على أن ذلك لا يعني المساواة المطلقة في الزمن الإعلامي، بل تحقيق تكافؤ الفرص وفق معايير قانونية موضوعية.

    ويبرز أن المساواة في الزمن تختلف عن المساواة في الحقوق الانتخابية، التي تضمن لجميع الأحزاب الحق في الترشح، والولوج إلى الإعلام العمومي، والاستفادة من الضمانات القانونية نفسها، مشيرا إلى أن القانون ألزم وسائل الإعلام العمومية باحترام مبادئ الحياد والتعددية والإنصاف، مع إخضاعها لرقابة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، التي تتولى تتبع توزيع الزمن الإعلامي ورصد مدى الالتزام بالمقتضيات القانونية، بما يضمن شفافية الحملة الانتخابية ونزاهة المنافسة السياسية.

    الإعلام العمومي.. أي دور خلال الحملة الانتخابية؟

    لا يقتصر دور وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال فترة الحملة الانتخابية على بث الوصلات الخاصة بالأحزاب، بل يمتد إلى توفير فضاء إعلامي يخضع لقواعد قانونية تضمن احترام التعددية السياسية وتكافؤ فرص الوصول إلى الناخبين.

    ولهذا السبب، لا تقتصر برمجة الحملة على الحصص الانتخابية فقط، إذ يشمل التنظيم أيضا تغطية التجمعات الانتخابية، واستضافة ممثلي الأحزاب داخل النشرات الإخبارية وفق ضوابط محددة سلفا.

    وبحسب التنظيم المعتمد، تستفيد الأحزاب الممثلة في البرلمان من فقرة “ضيف النشرات الإخبارية”، كما تتولى وسائل الإعلام العمومية تغطية تجمع انتخابي واحد لكل حزب، مع اختلاف مدة التغطية بحسب المجموعة التي ينتمي إليها الحزب.

    ويهدف هذا التنظيم إلى ضمان حد أدنى من الحضور الإعلامي لجميع الأحزاب المشاركة، مع تفادي احتكار الفضاء السمعي البصري العمومي من قبل جهة سياسية واحدة، ما يجعل الإعلام العمومي جزءا من الضمانات المؤسساتية المنظمة للعملية الانتخابية، وليس مجرد ناقل للأنشطة الحزبية.

    غير أن تحقيق الحياد لا يرتبط فقط بتوزيع الزمن الإعلامي، بل يشمل كذلك طريقة تقديم الأخبار، وترتيب المواضيع، واحترام التوازن في تغطية الأنشطة، وهي عناصر تخضع بدورها للمراقبة من قبل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا”، باعتبارها المؤسسة المكلفة بالسهر على احترام قواعد التعددية داخل وسائل الإعلام السمعية البصرية.

    هل ما زال التلفزيون يصنع القرار الانتخابي؟

    خلال العقد الأخير، تغيرت أنماط استهلاك الأخبار والمضامين السياسية، وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تحتل موقعا متقدما في متابعة النقاش العمومي، خصوصا لدى فئة الشباب.

    وأصبحت الأحزاب السياسية تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لنشر برامجها، وبث لقاءاتها، والتفاعل المباشر مع المواطنين، وهو ما جعل الحملة الانتخابية لا تقتصر على الفضاء الذي ينظمه القانون داخل وسائل الإعلام العمومية، بل تمتد أيضا إلى فضاءات رقمية مفتوحة تختلف فيها قواعد المنافسة.

    ويلاحظ أن هذا التحول لا يلغي أهمية الإعلام العمومي، بل يعيد تحديد وظيفته، لأن المنصات الرقمية تمنح الأحزاب إمكانية الوصول السريع إلى جمهور واسع، لكن الإعلام العمومي يظل الفضاء الذي يخضع لضوابط قانونية واضحة، ويضمن حضور مختلف الفاعلين السياسيين وفق قواعد موحدة، بعيدا عن منطق الخوارزميات أو الإمكانيات المالية المخصصة للإعلانات الرقمية.

    وفي قراءته للتحولات التي يعرفها التواصل السياسي، يرى جلال زين العابدين، أستاذ التواصل السياسي، أن الحملات الانتخابية لم تعد تعتمد على الإعلام العمومي بالكيفية نفسها التي كانت عليها في السابق، في ظل تنامي حضور المنصات الرقمية وتغير أنماط تفاعل الناخبين مع الخطاب السياسي، وهو ما يطرح، بحسبه، تحديات جديدة أمام الإطار القانوني المنظم للحملات الانتخابية.

    ويؤكد، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن “الإعلام العمومي لا يزال يحتفظ بدور أساسي داخل الحملات الانتخابية، باعتباره فضاء يضمن حضورا مؤسساتيا متوازنا للأحزاب وفق قواعد قانونية واضحة، لكنه لم يعد الوسيلة الوحيدة المؤثرة في تشكيل الرأي العام كما كان في السابق”.

    ويشرح زين العابدين هذا التوحل بالتغيير الذي أحدثه المنصات الرقمية في قواعد التواصل السياسي، بعدما أتاحت للأحزاب الوصول المباشر إلى الناخبين، والتفاعل الفوري معهم، واستهداف فئات محددة برسائل موجهة، مشددا على أنه أصبح من الضروري أن يواكب الإطار القانوني هذا التحول، من خلال تنظيم التواصل السياسي الرقمي بما يضمن الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحد من التضليل الإعلامي، مع الحفاظ على حرية التعبير والتنافس الديمقراطي.

    بين التنظيم القانوني والتحول الرقمي

    ويطرح هذا الواقع تحديا جديدا أمام المنظومة الانتخابية، يتمثل في كيفية الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص داخل فضاء إعلامي أصبح منقسما بين وسائل إعلام عمومية منظمة قانونا، ومنصات رقمية يصعب إخضاعها للقواعد نفسها.

    ففي الوقت الذي يحدد فيه القانون مدة بث كل حزب داخل التلفزيون والإذاعة، تبقى المنافسة على المنصات الرقمية مرتبطة بقدرات الأحزاب على إنتاج المحتوى، وتدبير الحملات الرقمية، واستثمار الإعلانات الممولة، وهو ما يفتح نقاشا حول مدى الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني المنظم للاتصال السياسي بما يواكب التحولات التكنولوجية.

    ويثير هذا التطور تساؤلات حول تأثير المحتوى الرقمي في تشكيل الرأي العام، خاصة مع تنامي استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وانتشار المحتويات القصيرة، وتزايد مخاطر الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة خلال الفترات الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن التحدي لم يعد يقتصر على ضمان عدالة توزيع الزمن الإعلامي داخل القنوات العمومية، بل أصبح يشمل أيضا التفكير في آليات تعزز شفافية الحملات الرقمية، وتحافظ على ثقة الناخبين في سلامة المنافسة الانتخابية.

    وفي هذا السياق، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين توسيع فضاءات التعبير السياسي وضمان منافسة نزيهة تحترم قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، كما تزداد أهمية تطوير آليات الرقابة والتقنين بما يواكب تطور وسائل الاتصال، ويحافظ على حق المواطن في الوصول إلى معلومة سياسية دقيقة ومتوازنة بعيدا عن التضليل أو الممارسات غير المشروعة.