الوسم: الأبناك المغربية

  • القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    القانون 87.21.. فلسفة جديدة لتدبير الأزمات البنكية في المغرب

    لم يعد التعامل مع تعثر مؤسسات الائتمان في المغرب رهينا بالتدخل بعد وقوع الأزمة، فالقانون الجديد رقم 87.21 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها يضع مسارا يبدأ قبل الانهيار، من خلال التخطيط الوقائي والتقويم، ويمر بالتدخل المبكر والإدارة المؤقتة، وصولا إلى تسوية منظمة عندما يصبح فشل المؤسسة واقعا أو وشيكا.

    ويكشف هذا المسار عن تحول في فلسفة تدبير الأزمات البنكية، لا يقوم فقط على محاولة إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي، وإنما على حماية استمرار الوظائف الحيوية، وحماية الودائع وأموال الزبناء، والحفاظ على الاستقرار المالي، مع تقليص كلفة الأزمة على المال العمومي.

    تحرك قانوني قبل الانهيار

    يبدأ القانون من مرحلة تسبق الفشل البنكي نفسه، من خلال إلزام مؤسسات الائتمان ذات المخاطر الخاصة أو الأهمية الشمولية بإعداد مخطط وقائي للتقويم.

    ويمكن أن يتضمن هذا المخطط تكوين احتياطيات لتغطية المخاطر، والحد من توزيع الأرباح، والرفع من رأس المال، وإعادة تنظيم المؤسسة، أو إغلاق أو تفويت بعض فروعها وشركاتها التابعة، إلى جانب البحث عن مساهمين أو شركاء جدد.

    لكن المقتضى الأكثر دلالة أن المخطط الوقائي لا يمكن أن يفترض اللجوء إلى الدعم المالي العمومي الاستثنائي، أي أن أراد أن تبدأ المؤسسة بمحاولة معالجة اختلالاتها من داخلها، قبل أن تتحول الأزمة إلى مسؤولية على الدولة، لينتقل القانون من منطق انتظار الأزمة إلى منطق الاستعداد لها والتدخل في مراحلها الأولى.

    ويخول القانون لبنك المغرب فرض تنفيذ تدابير محددة لإعادة الوضع إلى مساره الطبيعي في حال لاحظ أن وضعية المؤسسة تستدعي التقويم.

    ومع ارتفاع مستوى المخاطر، تتسع أدوات التدخل لتشمل فرض قيود إضافية مرتبطة بالملاءة والسيولة والمخاطر، أو توقيف بعض الأنشطة، أو تقليص شبكة المؤسسة، أو إعادة هيكلة الديون، أو تغيير بعض هياكلها القانونية والتنظيمية، زيادة على إمكانية الحد من توزيع الأرباح والمكافآت المتغيرة، والدعوة إلى عقد جمعية عامة، أو العمل على إدخال مساهمين جدد.

    الإدارة المؤقتة

    ويفتح القانون الباب أمام مرحلة أكثر تدخلا إذا لم تعد إجراءات التقويم كافية، من خلال تعيين مدير مؤقت تتوفر فيه الاستقلالية والكفاءة والخبرة في المجالات البنكية أو المالية أو القانونية، يتولى فعليا صلاحيات أجهزة الإدارة والرقابة والتسيير.

    وفي هذه الحالة، تتوقف الأجهزة المعنية عن ممارسة صلاحياتها، كما تتوقف اجتماعات الجمعية العامة، لتنتقل سلطة القرار إلى الإدارة المؤقتة خلال الفترة التي تقتضيها معالجة وضعية المؤسسة.

    ويقرأ الخبير والمستشار الدولي المغربي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، محمد أمين سامي، هذا التحول باعتباره انتقالا من منطق التدخل المتأخر إلى بناء قدرة مؤسساتية على استباق المخاطر.

    وأوضح سامي، في تصريح لجريدة “AM+ MEDIA”، أن أهمية الإطار الجديد تكمن في عدم انتظار وصول المؤسسة إلى مرحلة الانهيار قبل استعمال أدوات التقويم، لأن كلفة التدخل ترتفع كلما تأخر التعامل مع الاختلالات.

    إنقاذ الوظائف وليس البنك

    اللافت في القانون الجديد أنه لا يجعل هدف التسوية إنقاذ المؤسسة في شكلها الحالي بأي ثمن، وإنما يربطها بالحفاظ على وظائفها الحيوية، وحماية الاستقرار المالي، وتقليص اللجوء إلى المال العمومي، وحماية الودائع المشمولة بالضمان وأموال وأصول الزبناء.

    ولتدبير هذه المرحلة، يمنح القانون هيئة التسوية مجموعة من الأدوات، من بينها تفويت جزء من أنشطة المؤسسة أو أصولها والتزاماتها إلى مشترٍ، أو نقل بعض أو كل هذه العناصر إلى مؤسسة جسر، أو فصل بعض الأصول ونقلها إلى بنية متخصصة في تدبيرها.

    وتكتسب مؤسسة الجسر أهمية خاصة، لأنها تتيح استمرار الأنشطة الحيوية خلال فترة مؤقتة، في انتظار إعادة تفويت ما تم نقله إليها وفق الشروط والآجال التي تحددها هيئة التسوية.

    من يتحمل الخسائر؟

    إذا كان القانون يضع حماية الودائع والاستقرار المالي ضمن أهدافه، فإنه في المقابل يحدد من يتحمل تكلفة الفشل، إذ يضع المساهمين والشركاء في مقدمة من يتحملون الخسائر، يليهم أصحاب الديون المقرونة بشروط، ثم الدائنون العاديون، مع ضمان ألا يتحمل الدائن خسارة أكبر مما كان سيتحملها في حالة تصفية المؤسسة.

    أما الودائع المشمولة بالضمان، فتحظى بالحماية التي يقررها النظام القانوني للضمان.

    ويعتبر محمد أمين سامي في حديثه للجريدة أن هذا الجانب من الإطار الجديد مهم من زاوية الاستقرار المالي، لأن وضوح ترتيب تحمل الخسائر يساهم في تحديد المسؤوليات وتقليص حالة عدم اليقين عند وقوع الأزمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حماية المودعين والوظائف الأساسية للمؤسسة.

    المال العمومي.. آخر الخيارات

    لم يغلق القانون الباب بشكل مطلق أمام تدخل الدول، فالدعم المالي العمومي الاستثنائي يظل ممكنا في حالات محددة، عندما يتبين أن أدوات التسوية الأخرى لن تكون كافية، وبعد المرور عبر المساطر والشروط التي يحددها القانون.

    لكن الفارق الأساسي أن الدعم العمومي لم يعد يمثل نقطة الانطلاق في معالجة الأزمة، وإنما خيارا استثنائيا وأخيرا، وهذه النقطة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمؤسسة البنكية عند الفشل، لأن الدولة تتدخل لحماية الاستقرار عندما تصبح الضرورة قائمة، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى جهة تتحمل الخسائر التي كان يمكن تدبيرها داخل المؤسسة.

    حماية الزبون تتجاوز الوديعة

    لا يحصر القانون الحماية في الودائع المشمولة بالضمان، بل يربط التسوية أيضا بحماية أموال وأصول الزبناء واستمرار الخدمات والبنيات التحتية الحيوية، لأن أزمة مؤسسة ائتمان لا تتوقف آثارها عند ميزانيتها، بل يمكن أن تمتد إلى الأفراد والمقاولات والعمليات اليومية المرتبطة بالنظام المالي.

    لذلك، فإن استمرار الوظائف الحيوية للمؤسسة يصبح في حد ذاته هدفا من أهداف التسوية، حتى إذا كان مصير المؤسسة الأصلية هو التفويت أو إعادة الهيكلة أو تغيير الملكية.

    لكن القانون، في المقابل، وضع آلية للطعن في قرارات هيئة التسوية أمام محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بالنسبة لكل شخص ذاتي أو اعتباري له مصلحة.