الوسم: إقليم وادي الذهب

  • كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    كيف أعاد المغرب رسم الخريطة الاقتصادية لأقاليمه الجنوبية بعد 47 سنة من استرجاع وادي الذهب؟

    تحولت الداخلة، بعد 47 سنة على استرجاع إقليم وادي الذهب، إلى واحدة من أبرز واجهات الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تعكس المشاريع الكبرى والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية مسارا انتقل من تجهيز المجال وتعزيز ارتباطه بباقي التراب الوطني إلى تثمين موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

    وتعكس الأرقام جزءا من هذا التحول، ففي جهة يبلغ عدد سكانها نحو 220 ألف نسمة، وصل الناتج الداخلي الإجمالي إلى 20.288 مليار درهم سنة 2024، وسجل الاقتصاد نموا بـ7 في المئة، مقابل 4.4 في المئة على المستوى الوطني، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للفرد 92 ألفا و904 دراهم، وهو أعلى مستوى بين جهات المملكة.

    ولا يتعلق الأمر بمؤشرات اقتصادية معزولة، بل بمسار تدعمه مشاريع مهيكلة جاءت في إطار الرؤية الملكية السامية لتنمية الأقاليم الجنوبية، من المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي، إلى الطاقة والقطاعات المنتجة والاستثمارات الجديدة.

    وتتقاطع في جهة الداخلة-وادي الذهب، هذه المشاريع التنموية مع موقع جغرافي يفتح الجهة على المحيط الأطلسي من جهة، وعلى موريتانيا وغرب إفريقيا من جهة أخرى، لتصبح التنمية المحلية جزءا من امتداد اقتصادي أوسع للمملكة نحو القارة.

    من استرجاع الإقليم إلى بناء قطب اقتصادي

    شكل استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979 محطة أساسية في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، لتدخل المنطقة بعد ذلك مرحلة أخرى عنوانها البناء والتجهيز وتعزيز اندماجها الاقتصادي والاجتماعي في محيطها الوطني.

    وأخذ هذا المسار دفعة جديدة مع إطلاق جلالة الملك محمد السادس، في نونبر 2015، النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ضمن برنامج تنموي مندمج بغلاف مالي يتجاوز 77 مليار درهم، بهدف إطلاق دينامية اقتصادية واجتماعية وخلق فرص الشغل والاستثمار وتوفير البنيات التحتية والمرافق الضرورية.

    وشمل هذا التوجه مجموعة من الأوراش الكبرى، من الطريق والربط الكهربائي والطاقات المتجددة إلى تثمين منتجات الصيد البحري وميناء الداخلة الأطلسي، ضمن رؤية تجمع بين الاستثمار في البنيات التحتية وتطوير القطاعات المنتجة.

    وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2022، أن الصحراء المغربية شكلت عبر التاريخ صلة وصل إنسانية وروحية وحضارية واقتصادية بين المغرب وعمقه الإفريقي، معتبرا أن العمل التنموي يروم ترسيخ هذا الدور وجعله أكثر انفتاحا على المستقبل.

    وعلى هذا الأساس، برزت الداخلة-وادي الذهب باعتبارها واحدة من المناطق التي تتجسد فيها هذه الرؤية الملكية بشكل واضح، بالنظر إلى مواردها البحرية والفلاحية والطاقية، وإلى موقعها على الواجهة الأطلسية وعلى المحور البري الممتد نحو إفريقيا.

    اقتصاد بمؤشرات تتجاوز المتوسط الوطني

    تكشف الحسابات الجهوية لسنة 2024، التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط خلال صيف 2026، عن دينامية واضحة في اقتصاد جهة الداخلة-وادي الذهب.

    فقد ارتفع الناتج الداخلي الإجمالي للجهة، بالأسعار الجارية، من 18.444 مليار درهم سنة 2023 إلى 20.288 مليار درهم في 2024، لترتفع مساهمتها في الناتج الداخلي الإجمالي الوطني من 1.2 إلى 1.3 في المئة.

    وفي الوقت نفسه، سجل اقتصاد الجهة نموا حقيقيا بلغ 7 في المئة خلال سنة 2024، مقابل 4.4 في المئة للاقتصاد الوطني.

    أما نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، فبلغ 92 ألفا و904 دراهم، مقابل 43 ألفا و891 درهما وطنيا، لتحتل الداخلة-وادي الذهب المرتبة الأولى بين جهات المملكة وفق هذا المؤشر.

    وتكشف بنية الاقتصاد المحلي أيضا عن تحول تدريجي في الأنشطة؛ فإلى جانب الوزن الذي يحتفظ به الصيد البحري، ارتفعت بالقيمة الجارية خلال 2024 أنشطة البناء بـ14 في المئة، والنقل والتخزين بـ49.6 في المئة، والفنادق والمطاعم بـ39.7 في المئة، والصناعة التحويلية بـ7.2 في المئة.

    ويرى محمد أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أن هذه المؤشرات تعكس تحولا فعليا في البنية الاقتصادية للجهة.

    ويقول سامي، في تصريح لـAM+ MEDIA، إن “الداخلة انتقلت تدريجيا من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الصيد البحري والأنشطة الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعا، تدخل فيه اللوجستيك والصناعة والطاقات المتجددة والخدمات المرتبطة بالتجارة والنقل”، موضحا أن “هذا التحول يرتبط بشكل مباشر بالمشاريع الكبرى التي عرفتها الجهة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والمحور الطرقي تيزنيت-الداخلة”.

    أكثر من ملياري درهم من الاستثمارات في سنة

    تظهر الدينامية نفسها في أرقام الاستثمار بالجهة، حيث تمت خلال سنة 2024، المصادقة على 118 مشروعا استثماريا بقيمة إجمالية تفوق ملياري درهم، يرتقب أن تساهم في إحداث 2707 مناصب شغل مباشرة، وفق المعطيات الرسمية لوزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية.

    وتتوزع مؤهلات الجهة بين الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، والفلاحة والسياحة والخدمات والطاقات المتجددة، فيما توسع البنيات الكبرى مجالات الاستثمار باتجاه الصناعة واللوجستيك والتجارة.

    وبهذا الصدد، يرى محمد أمين سامي أن قيمة المشاريع الكبرى التي تعرفها الداخلة “لا تقاس فقط بكلفتها المالية، وإنما بما أنتجته وما ستنتجه حولها من أنشطة اقتصادية جديدة”، مسترسلا “مثلا، ميناء الداخلة لا يمثل مجرد منشأة لاستقبال السفن، بل قاعدة لاستقطاب وحدات صناعية ولوجستية، وتثمين المنتجات المحلية وربط المستثمرين والأسواق”.

    وتابع بالقول: “التحول الذي تحقق على مستوى البنية التحتية وفر للجهة قاعدة قوية لاستثمارات منتجة وفرص شغل وقيمة مضافة محلية، وهو ما يعزز انتقال الداخلة نحو منظومة اقتصادية أكثر تكاملا”.

    ميناء الداخلة بوابة بحرية على الأطلسي

    في قلب هذه المنظومة يبرز ميناء الداخلة الأطلسي، باعتباره واحدا من أبرز المشاريع المهيكلة التي تجسد المرحلة الجديدة من تنمية الأقاليم الجنوبية، وركيزة لتطوير قطب يجمع بين أنشطة التجارة والصيد البحري والصناعة واللوجستيك، ويرتبط بمنطقة مخصصة للأنشطة الاقتصادية، بما يسمح باستقطاب استثمارات جديدة وتثمين جزء أكبر من موارد المنطقة محليا.

    ويكتسب المشروع أهميته من موقعه المطل على المحيط الأطلسي وبالقرب من محور بري يمتد نحو موريتانيا وغرب إفريقيا، ما يمنح البنية المينائية وظيفة تتجاوز حاجيات السوق الجهوية إلى دعم المبادلات الوطنية والقارية.

    وكان المشروع ضمن الأوراش التي وضعها البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية في صلب التحول الاقتصادي للمنطقة، إلى جانب الطريق والطاقات المتجددة والربط بالشبكة الكهربائية الوطنية.

    ومع تواصل أشغاله خلال سنة 2026، يضيف الميناء إلى الوظيفة البرية للداخلة امتدادا بحريا، ويعزز تشكل منظومة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتصدير.

    1055 كيلومترا تعزز الربط بين الشمال والجنوب

    وإذا كان ميناء الداخلة الأطلسي يعزز الواجهة البحرية للجهة، فإن المحور الطرقي تيزنيت-الداخلة رسخ ارتباطها البري بباقي المملكة.

    ويمتد المشروع على 1055 كيلومترا، في واحد من أكبر الأوراش الطرقية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، ويجمع بين الطريق السريع تيزنيت-العيون وتوسيع وتقوية الطريق الوطنية رقم 1 في المقطع الرابط بين العيون والداخلة.

    وأكدت وزارة التجهيز والماء في يونيو 2026 أن هذا المحور يشكل شريانا استراتيجيا للربط بين شمال المملكة وجنوبها ودعم الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

    ولا تقتصر أهميته على تحسين تنقل الأشخاص، بل تمتد إلى حركة البضائع والمنتجات وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، وتقليص أثر المسافات الطويلة التي كانت تمثل أحد تحديات الاستثمار في المنطقة.

    ومن الداخلة، يستمر الامتداد البري عبر الكركرات نحو موريتانيا ودول غرب إفريقيا، ما يمنح المحور وظيفة تتجاوز الربط الداخلي للمملكة.

    من ثروة الصيد البحري إلى التثمين

    ويظل الصيد البحري أحد أبرز مرتكزات اقتصاد الداخلة-وادي الذهب، وفق ما تؤكده أحدث الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط.

    وارتفعت القيمة المضافة للقطاع بالجهة من 2.542 مليار درهم سنة 2023 إلى 2.968 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 16.8 في المئة بالأسعار الجارية.

    ومثلت الداخلة-وادي الذهب خلال السنة نفسها 33.8 في المئة من القيمة المضافة الوطنية لقطاع الصيد البحري، ما يعكس الوزن الذي تحتله الجهة داخل الاقتصاد البحري للمملكة.

    غير أن التحول الذي تعرفه المنطقة لم يعد يقوم فقط على استغلال هذه الثروة، بل على تثمينها محليا عبر التحويل والتبريد والتخزين والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية، ما يسمح بربط الموارد البحرية بالصناعة والنقل والتصدير، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الجهة، إلى جانب توسيع أثر القطاع على الاستثمار والتشغيل.

    وسيعزز ميناء الداخلة الأطلسي والمناطق الاقتصادية المرتبطة به هذا المسار، من خلال توفير بنية قادرة على ربط الإنتاج البحري بالتصنيع والأسواق الوطنية والخارجية.

    الهيدروجين الأخضر يوسع خريطة الاستثمار

    وإلى جانب القطاعات التي راكمت فيها الداخلة حضورا اقتصاديا، بدأت مجالات جديدة تدخل خريطة الاستثمار في الجهة.

    ففي يونيو 2026، وقفت لجنة تتبع مشروع مندمج لإنتاج الهيدروجين الأخضر بجهة الداخلة-وادي الذهب على مدى تقدم المشروع، وصادقت على أولى مخرجات الدراسات الجارية، في إطار تنزيل “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر.

    ويضيف هذا المشروع بعدا جديدا للاقتصاد المحلي، ويربط الموارد الطاقية التي تتوفر عليها المنطقة بالتحول الذي يعرفه المغرب في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، كما يعكس استمرار الدينامية الاستثمارية إلى غاية سنة 2026، وانتقال الجهة من القطاعات التقليدية إلى أنشطة جديدة ذات ارتباط بالتحول الطاقي والأسواق الدولية.

    حين تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

    شكلت المسافة التي تفصل الداخلة عن المراكز الاقتصادية الكبرى للمملكة، في مراحل سابقة، أحد تحديات الاستثمار وحركة السلع، لكن تطوير البنيات التحتية أعاد تدريجيا صياغة هذه المعادلة.

    وأصبحت الداخلة توجد اليوم في نقطة اتصال بين السوق الوطنية شمالا وموريتانيا وغرب إفريقيا جنوبا، بينما تمنحها واجهتها الأطلسية منفذا على حركة التجارة البحرية.

    ويؤكد ذلك الخبير والمستشار الدولي في مجال الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي محمد أمين سامي، موضحا أن “الداخلة توجد اليوم في نقطة تقاطع استراتيجية بين ثلاثة مجالات: السوق المغربية شمالا، والعمق الإفريقي جنوبا، والمسارات البحرية على الواجهة الأطلسية غربا. والمشاريع التي تم إنجازها والجاري استكمالها حولت هذه الجغرافيا إلى ميزة تنافسية حقيقية”س.

    ويضيف سامي أن “محور تيزنيت-الداخلة عزز حركة الأشخاص والبضائع داخل المملكة، بينما سيمنح ميناء الداخلة الأطلسي هذا الامتداد منفذا بحريا كبيرا، والتكامل بين الطريق والميناء والمناطق الصناعية واللوجستية يجعل الداخلة منصة طبيعية للتجارة والاستثمار والربط مع الأسواق الإفريقية”.

    الداخلة.. بوابة المغرب نحو إفريقيا

    اكتسب هذا الموقع بعدا أكبر مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء سنة 2023، حين أكد الملك محمد السادس أن الواجهة الأطلسية هي بوابة المغرب نحو إفريقيا، ودعا إلى استكمال المشاريع الكبرى في الأقاليم الجنوبية وتعزيز البنيات التحتية والنقل واللوجستيك.

    وفي الخطاب نفسه، أطلق الملك المبادرة الدولية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، مع إعلان استعداد المغرب لوضع بنياته التحتية الطرقية والمينائية والسككية رهن إشارة هذه الدول.

    ويمنح هذا التوجه للمشاريع المنجزة والجارية في الأقاليم الجنوبية وظيفة تتجاوز التنمية المحلية، إذ تصبح البنيات الطرقية والمينائية جزءا من رؤية أوسع للربط الاقتصادي مع إفريقيا.

    وفي هذا السياق، رسخت الداخلة موقعها كإحدى البوابات الرئيسية للمغرب نحو عمقه الإفريقي، بما تتوفر عليه من اتصال بري مع موريتانيا وغرب القارة، وواجهة أطلسية، وموارد واستثمارات ومشاريع لوجستية وصناعية.

    ويقول محمد أمين سامي لـ”AM+ MEDIA” إن الداخلة “أصبحت اليوم جزءا فعليا من الرؤية الاقتصادية المغربية تجاه إفريقيا، فالموقع والبنية التحتية والاستثمارات لم تعد عناصر منفصلة، وإنما مكونات لمنظومة تربط المغرب بغرب إفريقيا ودول الساحل، وتفتح أمام المنطقة فرصا أكبر في التجارة واللوجستيك والصناعة”.

    وهكذا، تحمل ذكرى 14 غشت، إلى جانب رمزيتها الوطنية المرتبطة باسترجاع وادي الذهب واستكمال الوحدة الترابية، صورة مسار تنموي متواصل على الأرض، تعكسه الطرق والموانئ والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية، وتشهد على الانتقال من استرجاع المجال إلى تثمينه، ومن تعزيز ارتباطه إلى ترسيخ موقعه كحلقة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي وواجهته الأطلسية.

  • ذكرى استرجاع وادي الذهب.. من ملحمة الوحدة إلى ورش التنمية

    ذكرى استرجاع وادي الذهب.. من ملحمة الوحدة إلى ورش التنمية

    في أجواء الحماس الوطني الفياض والتعبئة الوطنية الشاملة والمستمرة، يخلد الشعب المغربي ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير، غدا الجمعة، الذكرى 47 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، والتي تشكل محطة وضاءة في مسيرة استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية المقدسة.

    وذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في بلاغ لها بالمناسبة، أن وفود علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ سائر قبائل إقليم وادي الذهب قدمت إلى عاصمة المملكة الرباط في يوم 14 غشت 1979، لتجديد وتأكيد بيعتهم لأمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، جلالة المغفور له الحسن الثاني، معبرين عن تعلقهم المكين بالعرش العلوي المجيد وولائهم وإخلاصهم للجالس عليه على هدي آبائهم وأجدادهم، واصلين الماضي بالحاضر، ومؤكدين تمسكهم بمغربيتهم وتشبثهم بالانتماء الوطني وبوحدة التراب المقدس من طنجة إلى الكويرة، مفوتين ومحبطين مخططات ومناورات خصوم الوحدة الترابية والمتربصين بالحقوق المشروعة لبلادنا.

    وقد ألقوا بين يدي جلالته طيب الله ثراه نص البيعة، بيعة الرضى والرضوان، معلنين ارتباطهم الوثيق والتحامهم بوطنهم المغرب. ومما جاء في نص البيعة: ”اجتمع شرفاؤنا وعلماؤنا ووجهاؤنا، ورجالنا ونساؤنا، كبارنا وصغارنا، فاتفق رأينا الذي لا يتطرق إليه اختلال، واجتمعت كلمتنا التي لا تجتمع على ضلال على أن نجدد لأمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين سيدنا الحسن الثاني حفظه الله بالسبع المثاني، البيعة التي بايع بها آباؤنا وأجدادنا آباءه وأجداده الكرام، نعم الله أرواحهم في دار السلام، فبايعناه على ما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت شجرة الرضوان، وأقررنا بحكمه، والتزمنا طاعته ونصحه في كل وقت وآن، فنحن أنصاره وأعوانه وعساكره وجنوده نوالي من والى، ونعادي من عادى”.

    وكانت لحظة تاريخية كبرى في ملحمة الوحدة التي حمل مشعلها بإيمان واقتدار وتبصر وبعد نظر مبدع المسيرة الخضراء المظفرة، مسيرة فتح الغراء، عندما خاطب أكرم الله مثواه أبناء القبائل الصحراوية المجاهدة قائلا: “إننا قد تلقينا منكم اليوم البيعة، وسوف نرعاها ونحتضنها كأثمن وأغلى وديعة. فمنذ اليوم، بيعتنا في أعناقكم ومنذ اليوم، من واجباتنا الذود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوما إلى إسعادكم، وإننا لنشكر الله سبحانه وتعالى أغلى شكر وأغزر حمد على أن أتم نعمته علينا فألحق الجنوب بالشمال ووصل الرحم وربط الأواصر”.

    وزاد من بهاء وروعة هذا اللقاء التاريخي ودلالاته قيام جلالته قدس الله روحه بتوزيع السلاح على وفود القبائل الصحراوية، في إشارة رمزية إلى استمرار الكفاح من أجل الدفاع عن الوحدة الترابية وعن استتباب الأمن والأمان والاستقرار بالأقاليم الجنوبية المسترجعة .

    وما كادت تمر إلا بضعة أشهر حتى تحقق اللقاء مجددا بين مبدع المسيرة الخضراء وأبناء إقليم وادي الذهب عندما حل به في زيارة رسمية بمناسبة احتفالات عيد العرش المجيد حيث تجددت العروة الوثقى ومظاهر الارتباط القوي بين العرش العلوي المنيف وأبناء هذه الربوع المجاهدة من الوطن، هذا الارتباط الذي أحبط كل مناورات خصوم وحدتنا الترابية. فسار المغرب على درب البناء والنماء والارتقاء بأقاليمه الجنوبية إلى مدارج التقدم والازدهار، وإدماجها في المجهود الوطني للتنمية الشاملة والمستدامة والمندمجة، مدافعا عن وحدته كاملة، ومبرزا للعالم أجمع مشروعية حقوقه وإجماع الشعب المغربي على الدفاع عنها والذود عنها بالغالي والنفيس.

    وأضافت المندوبية أن يوم 14 غشت 1979، هو يوم تاريخي مشهود في سلسلة الملاحم والمكارم في سبيل تحقيق الوحدة الترابية واستكمال السيادة الوطنية. إنه تتويج لمسيرة نضالية طويلة ومريرة وزاخرة بالدروس والعبر، إذ بعد عقود من الوجود الاستعماري الاسباني بالأقاليم الجنوبية، تواصلت مسيرة تحرير ما تبقى من الأجزاء المغتصبة بدءا بمدينة طرفاية في 15 أبريل 1958 ثم سيدي إفني في 30 يونيو 1969، فالأقاليم الجنوبية المسترجعة غداة المسيرة الخضراء التي انطلقت في 6 نونبر 1975 بفضل عبقرية وحنكة جلالة المغفور له الحسن الثاني ونضالات وبطولات أبناء هذه الربوع المجاهدة، وأخيرا استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979.

    وواصل سليل الأكرمين وباني المغرب الجديد صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله حمل مشعل الدفاع عن وحدة التراب الوطني، موليا عنايته القصوى لأقاليمنا الجنوبية المسترجعة ورعايته الكريمة لأبنائها، تعزيزا لأواصر العروة الوثقى والتعبئة الوطنية الشاملة والمستمرة من أجل صيانة الوحدة الترابية المقدسة.

    وهكذا، بعد مرور 47 سنة على عودة هذا الإقليم إلى الوطن، تواصل بنفس العزم والحزم والإصرار مجهود تنمية هذا الجزء الغالي من الوطن، للارتقاء به إلى قطب جهوي ليس قياسا مع الجهات الإثنتي عشرة للبلاد فحسب، ولكن بالنسبة لكافة مناطق الساحل والصحراء. فمنذ استرجاع هذا الإقليم والأقاليم الجنوبية الأخرى، انطلقت أوراش عمل كبرى لانجاز مشاريع وبرامج استثمارية وتنموية في كافة المجالات وعلى شتى الواجهات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والثقافية والبشرية، وإقامة التجهيزات الأساسية والبنى التحتية والارتكازية لإرساء اقتصاد جهوي قوي وخلاق للقاعدة المادية للإنتاج وموفر لفرص الشغل.

    وأشار البلاغ إلى أن تصور مشاريع تنموية دامجة ومستدامة تضع المواطن في صلب الأولويات، هو خيار مهد الطريق أمام تحول عميق وجذري في جهة الداخلة-وادي الذهب والجهات الصحراوية الثلاث، وهي مناطق من الوطن لم تشهد أية تنمية اقتصادية واجتماعية إبان فترة احتلالها. لكنها تعيش اليوم على وقع دينامية متواصلة في مختلف مجالات التنمية الشاملة والمتكاملة والمندمجة في الاقتصاد الوطني.

    إن الاحتفاء بالذكرى 47 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، ككل سنة، واستحضار قيمها ودلالاتها، دروسها وعبرها، يدعونا للتأمل والتدبر لاستقراء هذه المرحلة من محطات ومعالم البناء والنماء التي بصمت تاريخ عهد الاستقلال الزاهر والزاخر بمشاريع وبرامج تنموية ناهضة وبانية للوحدة الترابية والاقتصاد الوطني والمجتمع الجديد المرسخ لقيم ومقاصد التطوع والتضامن والتكافل، والمعزز للعدالة الاجتماعية والمجالية.

    إنها الرسائل السامية التي تتوخى المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير إيصالها وانتقالها من جيل إلى جيل، بما تحمله من معان وتجليات القيم الروحية والوطنية التي ينبغي إشاعتها باستمرار في نفوس وأوساط الناشئة والشباب والأجيال المتعاقبة، لتتقوى فيها الروح الوطنية وحب الوطن والاعتزاز بالانتماء الوطني وبالهوية المغربية الأصيلة.

    وتغتنم أسرة المقاومة وجيش التحرير مناسبة الاحتفاء بهذه الذكرى الغالية، لتجدد التأكيد على تعبئتها المستمرة ويقظتها الموصولة وتجندها الدائم إلى جانب سائر فئات وأطياف المجتمع المغربي من أجل صيانة وحدتنا الترابية وتثبيت مكاسبنا الوطنية، مثمنة عاليا ما ورد في الخطاب السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ليوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، عقب صدور القرار الأممي رقم 2797، القاضي باعتماد مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المسترجعة تحت السيادة المغربية كأساس وحيد ومرجع أوحد لكل تفاوض حول مستقبلها.

    وبهذه المناسبة الغراء، ستنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، غدا الجمعة على الساعة الثانية عشرة ظهرا، بقاعة الغرفة الفلاحية بالداخلة، مهرجانا خطابيا تلقى خلاله كلمات وشهادات للإشادة بفصول ملحمة الكفاح البطولي الذي خاضه العرش العلوي المنيف والشعب المغربي الأبي في التحام وثيق وترابط متين من أجل حرية الوطن واستقلاله وتحقيق وحدته الترابية والدفاع عن مقدساته وثوابته.

    كما سيتم تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برورا وعرفانا بما أسدوه للدين والوطن والعرش من جليل الأعمال وجسيم التضحيات، فضلا عن توزيع إعانات مالية وإسعافات اجتماعية على عدد من المنتمين لهذه الأسرة المجاهدة الجديرة بموصول الرعاية وشامل العناية.

    وبالمناسبة ذاتها، ستجري على هامش المهرجان الخطابي والحفل التكريمي مراسم وضع الحجر الأساس لمشروع بناء فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالداخلة.

    كما أعدت النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ومعها شبكة فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير عبر التراب الوطني، وتعدادها حاليا 109 وحدة – فضاء، برامج بالأنشطة التربوية والفكرية والثقافية والتواصلية مع الذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية، بتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والخاصة والهيآت المنتخبة ومنظمات ونشطاء المجتمع المدني.