الوسم: أزمة المغرب وإسبانيا

  • مدريد تُخفي العصا خلف ابتساماتها.. هل يدفع المغاربة على شبابيك “الفيزا” ثمن أزمة سبتة؟

    مدريد تُخفي العصا خلف ابتساماتها.. هل يدفع المغاربة على شبابيك “الفيزا” ثمن أزمة سبتة؟

    بين شواطئ الطرخال والبنزو التي شهدت في 30 و31 يوليوز الماضي، أكبر موجة عبور جماعي نحو الجيب الإسباني منذ سنوات، وبين شبابيك مراكز BLS International بالدار البيضاء والرباط وطنجة التي تعرف اكتظاظا غير مسبوق في مواعيد التأشيرات، ترسم اليوم خريطة أزمة جديدة لا تحتاج إلى بيان رسمي كي تقرأ، ما يجري على الحدود ينعكس ولو بشكل غير معلن على قنوات التنقل الشرعية بين ضفتي المتوسط، فحين تنسحب الدبلوماسيات إلى غرف مغلقة يبقى المسافر العادي والطالب والرياضي ورجل الأعمال في مواجهة شباك القنصلية وحده.

    من أزمة حدود إلى أزمة تأشيرات

    المفتاح السياسي لفهم ما يجري لا يوجد في الرباط ولا في مدريد بل في بروكسل، ففي 6 غشت الجاري وفي خضم تداعيات أزمة سبتة، دعا المفوض الأوروبي للداخلية والهجرة ماغنوس برونر، الدول الأعضاء الـ27 إلى استعمال “سياسة التأشيرات والتجارة” لضمان تعاون الرباط في ملف الهجرة أي أن “التأشيرات أصبحت أداة ضغط”

    الجملة، في القاموس الأوروبي ذات معنى واحد لا يقبل التأويل هي المادة 25 مكرر من مدوّنة تأشيرات شنغن، تلك التي تتيح للاتحاد الأوروبي أن يقلّص عدد التأشيرات ويطيل آجال معالجتها ويرفع رسومها، ويقيّد المدد الممنوحة حين يرى أن دولة ثالثة “لا تتعاون بما فيه الكفاية” في ملف الترحيلات وضبط الحدود، وهي الأداة نفسها التي استعملتها فرنسا ضد المغرب في خريف 2021، حين خفّضت 50% من التأشيرات الممنوحة للمغاربة، قبل أن يطوى الملف مع عودة العلاقات إلى مسارها.

    الفارق أن دعوة برونر جاءت هذه المرة بشكل جماعي على مستوى الاتحاد، وأن الجهة الأولى المعنية بتنفيذها ولو بشكل صامت وغير معلن هي إسبانيا نفسها، الجارة المباشرة ووجهة أكثر من نصف مليون طلب تأشيرة سنويا من المغرب.

    حالة الرجاء: الشاهد الذي لا يمكن إخفاؤه

    في 11 غشت الجاري، كشفت صحيفة إسبانية أن المباراة الودية المقرّرة بين الرجاء الرياضي وفريق فالنسيا الإسباني أصبحت “غير مؤكدة” بفعل “صعوبات في التأشيرات والسفر”.

    وفي 12 غشت، أعلنت إدارة النادي الأخضر رسميا إلغاء الرحلة إلى إسبانيا، وتحويل المعسكر الإعدادي إلى مدينة أكادير لمدة عشرة أيام، وذلك “بسبب عدم استخراج التأشيرات اللازمة”.

    المسألة لا تتعلق بلاعب هاو يبحث عن موعد صيفي، بل بـناد محترف ذي شأن رياضي وإداري ثقيل وتنسّق أموره القنصلية عبر قنوات رسمية، وتحمل رحلاته طابعا بروتوكوليا، وبالتالي حين يفشل ناد بهذا الحجم في الحصول على تأشيرات وفد رياضي في الآجال، فإن السؤال المفروض هنا هو هل نحن أمام رسالة صامتة ترسل من مدريد إلى الرباط عبر البوابة القنصلية؟.

    الرجاء لم يعلّق سياسيا، وهذا مفهوم فحين تختصر رحلة كاملة إلى إسبانيا في سطرين رسميين يقولان “بسبب التأشيرة”، فإن اللغة الدبلوماسية للفرق الرياضية تكون قد قالت كل شيء.

    المواعيد اختفت من الموقع

    خلال الأسابيع التي أعقبت أزمة سبتة، تحوّل الواقع إلى لوحة حيّة للشكاوى عبر مجموعات الفيسبوك المتخصصة في تأشيرات شنغن وحسابات تيك توك ويوتيوب، حيث تراكم فيها المحتوى بشكل غير مسبوق حول مواعيد BLS التي “تختفي في ثوان”، ملفات “معلّقة بلا رد” منذ ستة أسابيع، طلبات تجديد لتأشيرات كانت سارية سنوات “ترفض بلا تعليل”.

    من بين ما رصدته “AM+MEDIA” في تتبّعها لهذه الشهادات المتداولة علنا على مواقع التواصل الاجتماعي ، لـ “س. ب” هو مقاول من الدار البيضاء يحمل تأشيرة شنغن إسبانية متعددة السفرات منذ 2021، قدّم طلب تجديد في نهاية يوليوز عبر مسطرة “بدون موعد مسبق” المخصّصة لأصحاب التأشيرات السابقة الصالحة أقل من أربع سنوات.

     تلقّى الرفض في منتصف غشت بصيغة نمطية “الغرض من الإقامة والشروط لم يتم إثباتها بشكل موثوق”، ويقول في تسجيل نشره على إحدى المجموعات”نفس الملف، نفس البنك، نفس العمل، نفس شركاء التجارة في إسبانيا، وتأشيرة خمس سنوات جدّدتها ثلاث مرات، اليوم فجأة غير ‘موثوق’ ماذا تغيّر؟ أنا لم أتغيّر”.

    أما ن. ع.، وهي طالبة مغربية مقبولة في ماستر بجامعة قرطاجنة (إسبانيا)، انتظرت موعدا في مسار الطلبة (SSU/SLU) عبر منصة BLS من منتصف يوليوز حتى منتصف غشت دون أن يتاح لها موعد واحد، في وقت يقترب فيه موعد الالتحاق تقول “الجامعة تنتظرني في شتنبر، القنصلية تفتح المواعيد الثلاثاء على الساعة الخامسة، وتستنفد قبل الخامسة والدقيقة، صرت أختار بين تأجيل التسجيل سنة كاملة أو التخلي عن المنحة”.

    من جانبها، ح. ز.، أرملة سبعينية من إقليم الناظور رفض طلبها لتأشيرة قصيرة الأمد لزيارة مدينة سبتة، حيث عاشت طفولتها حين كان والدها يعمل هناك، علّلت القنصلية الإسبانية الرفض بـ”عدم الموثوقية” بين الهدف المعلن (زيارة ذكريات الطفولة) والوضع الحالي، وأيّدت المحكمة العليا بمدريد القرار في أبريل 2026 القرار سابقٌ لأزمة يوليوز لكنه يكشف البنية القضائية-الإدارية التي أصبحت اليوم مستدعاة للاشتغال بوتيرة أعلى.

    الشكاوى تتقاطع في ثلاث نقاط ثابتة، وهي صعوبة الوصول إلى الموعد نظام BLS الجديد المعلن يوم 27 يوليوز 2026، أي قبل ثلاثة أيام فقط من أحداث سبتة  يقسّم طالبي التأشيرة إلى أربع فئات G1 وG2 وG3 وG4، مع طرح المواعيد يومي الثلاثاء والجمعة فقط، إطالة آجال المعالجة التي تجاوزت في بعض الحالات المدة القانونية (15 يوما حسب مدوّنة شنغن، قابلة للتمديد إلى 45)، وغياب التعليل الفعلي للرفض خصوصا في ملفات التجديد لأصحاب سجل سفر نظيف.

    ذاكرة قصيرة، سوابق طويلة

    من يقرأ التاريخ الأوروبي-المغاربي لا يفاجأ، ففي شتنبر 2021 وفي عزّ الأزمة الفرنسية المغربية حول الترحيلات وسلم القنصليات، أعلنت باريس تخفيض 50% من التأشيرات الممنوحة للمغاربة، دون أن تعلن ذلك بوصفه عقوبة سياسية، بل كـ”استجابة لغياب التعاون في إعادة القبول” وهي الصيغة نفسها التي يستعملها اليوم المفوّض الأوروبي.

    نفس القاعدة تعمل الآن على الجبهة الإسباني، فلا قرار معلن، لا بيان رسمي، لا تصعيد دبلوماسي، فقط ضغط ملموس على شبابيك القنصلية وتباطؤ في المعالجة، وتقييد للمواعيد وارتفاع في نسب الرفض وهو ما يصعب إثباته إحصائيا في الوقت الفعلي، لكن يحسّه المتقدمون بشكل جماعي وموثّق.

    الأخطر أن السياق الإسباني الحالي يختلف عن الفرنسي، فبينما كانت فرنسا تعبّر عن استياء من الرباط، تقدّم إسبانيا نفسها اليوم كـشريك استراتيجي للمغرب، ووزير داخليتها وصف الرباط في غشت 2026 بـ”الشريك الوفي” مع رفض تمديد صلاحيات الوكالة الأوروبية للحدود (فرونتكس) إلى سبتة، بحجّة أن “الموارد الوطنية والتعاون المغربي كافيان”، فأين إذن يتموقع تشدّد التأشيرة؟.

    الإجابة الأكثر دقة، أنه في المنطقة الرمادية بين رسالة سياسية علنية دافئة، وسلوك إداري بارد يلقي بثقله على الموطن العادي وهذه المنطقة الرمادية هي بالضبط ما يحوّل التأشيرة من إجراء قنصلي إلى قناة نقل للضغط بين حكومات لا تريد أن تصعّد علنا.

    الأرقام التي لا تكذب

    يحتجّ المدافعون عن القنصلية الإسبانية بالضغط الموسمي، فصيف 2026 يشهد ذروة الطلب، خصوصا من الجالية والزوّار ومراكز BLS الست في المملكة (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، الناظور، أكادير، تطوان) تعمل بأقصى طاقتها وهذا صحيح، لكن الضغط الموسمي يفسّر التأخير في الموعد، لا الرفض بلا تعليل لملفات التجديد، ولا صياغات جديدة في قرارات الرفض تتحدث عن “عدم الموثوقية” لطلبات كانت تقبل روتينيا في السنوات السابقة.

    ثم إن المغرب حسب أرقام مديرية الهجرة، كان يسجّل تاريخيا أدنى معدلات رفض التأشيرات في المنطقة، وذلك على أساس ما يزيد عن 500.000 طلب سنويا، أيّ تحوّل ملموس في هذه النسب حتى لو ظلّ غير معلن رسميا يمثّل انزياحا سياسيا واضحا.

    النظام الجديد الذي أعلنته BLS في 27 يوليوز الماضي، أي قبل ثلاثة أيام من أحداث سبتة، أطلق تحت شعار “تسهيل الحجز ومحاربة السمسرة”  لكن أثره الفعلي حسب متقدمين كان تعقيد المسطرة بتقسيم الطالبين إلى أربع فئات، وحصر أيام طرح المواعيد في اثنين فقط أسبوعيا، مع الإبقاء على “الإيداع بدون موعد مسبق” لفئة محدودة فقط.

    هذا التقاطع الزمني بين الإصلاح المعلن وأزمة سبتة يطرح كصدفة، لكنه ينتج نتيجة واحدة هي تدفق أضيق للمواعيد في لحظة يزداد فيها الطلب وتحت ضغط سياسي أوروبي يدعو صراحة إلى استعمال التأشيرات كأداة.

    بين الشرعية والاستنسابية.. ماذا يقول القانون؟

    مدوّنة تأشيرات شنغن (لائحة الاتحاد الأوروبي 2009/810) واضحة، للسلطات القنصلية سلطة تقديرية في دراسة الملفات لكن كل قرار رفض يجب أن يكون معللا كتابيا وأن يستند إلى الأسباب المذكورة في المادة 32، وأن يخضع لحق الطعن فالقضية ليست في الحق بالرفض بل في كيف يمارس.

    حين تعلل حالات الرفض بصيغة نمطية واحدة، فإن “الغرض من الإقامة لم يثبت بشكل موثوق”، المعلومات المقدمة تفتقر إلى المصداقية وتنطبق هذه الصيغة على ملفات فيها كل الوثائق وتطبق على أشخاص لهم سجل سفر متكرر، وهنا السؤال المشروع هو هل نحن أمام سلطة تقديرية فردية، أم أمام سياسة تصنيف جديدة يطبّقها الموظف القنصلي دون أن يعلن عنها؟  الأول خطأ إداري قابل للتصحيح بالطعن، والثاني توجّه سياسي مخفى تحت غطاء إداري وهو بالضبط ما يخشاه المراقبون بعد دعوة برونر الأوروبية.

    ما وراء الشباك..البعد السياسي للتأشيرة

    هل تبقى التأشيرة أداة قنصلية محضة، أم تتحول إلى ورقة تفاوض سياسية؟، الجواب في العلاقات الدولية معروف منذ عقود فالتأشيرة كانت دائما أداة سياسية لكنها كانت تستعمل بشكل مضبوط ومعلن حين يكون التصعيد مقصودا، وبالتالي الجديد في الحالة الإسبانية-المغربية سنة 2026 هو الاستعمال الصامت لهذه الأداة، في ظل خطاب رسمي يتحدث عن الشراكة الاستراتيجية.

    هذه الازدواجية تنتج ثلاث تكلفات مباشرة على المغرب والمغاربة، التكلفة الأولى، اقتصادية لأن قطاع السياحة الإسباني يستقبل سنويا مئات الآلاف من المغاربة، وحركة رجال الأعمال بين البلدين تقدر بمليارات اليوروهات أيّ اضطراب في التأشيرات ينعكس مباشرة على العقود والاستثمارات والصفقات.

    التكلفة الثانية اجتماعية، وهي عائلات مغربية إسبانية مختلطة، جالية مغربية بإسبانيا تقدر بأكثر من مليون شخص، طلاب في الجامعات الإسبانية، مرضى في مستشفيات مدريد وبرشلونة كلهم يجدون أنفسهم رهائن لتأخيرات لم يتسبّبوا فيها.

    أما التكلفة الثالثة فهي رمزية، لأن كل رفض غير معلل يعزّز شعور “المواطن من الدرجة الثانية” في العلاقة الأوروبية المغاربية وهذا الشعور حين يتراكم يشكّل بيئة مناسبة لكل السرديات الشعبوية على ضفتي المتوسط.

  • رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    رغم مطالب المغرب.. قضاة إسبانيا يبقون عودة القاصرين في متاهة الإجراءات

    بعد أسبوعين من موجة العبور غير المسبوقة نحو سبتة، ما زال ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين عالقا بين استعداد معلن من الرباط لاستقبالهم، ومساطر إدارية وقضائية إسبانية ترفض أي إعادة جماعية.

    وفي وقت تقدم مدريد هذه الإجراءات باعتبارها ضمانات قانونية لحماية الأطفال، ترى الرباط أنها تحولت عمليا إلى عراقيل تؤخر عودتهم وتبقيهم داخل مراكز إيواء مكتظة وفي ظروف هشة.

    وبدأ التصعيد في ملف إعادة القاصرين عقب أحداث 30 و31 يوليوز الفائت، عندما تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين نحو سبتة المحتلة، سباحة أو عبر المعابر والسياج الحدودي.

    وتراوحت التقديرات الإسبانية لأعداد الوافدين بين 72 ألفا و80 ألف شخص، فيما قدر المغرب عدد المشاركين في عمليات العبور غير القانوني في أزيد من 41 ألفا بقليل، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها المدينة، بينما حصيلة الوفيات الرسمية ما تزال غير محددة حتى الآن.

    وعاد معظم المهاجرين غير النظاميين إلى المغرب خلال الأيام التالية، إما بصورة طوعية أو عبر عمليات نفذتها السلطات الإسبانية، لكن ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف شخص ظلوا في سبتة، وفق تقديرات إسبانية، وبينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين.

    وفي الأيام الأولى للأزمة، قدّرت حكومة سبتة عدد القاصرين بنحو 1100، فيما أعلنت الشرطة الإسبانية تحديد هوية 528 طفلا ووضعهم رهن إشارة سلطات المدينة لتولي رعايتهم، ثم ظهرت تقديرات إسبانية لاحقة رفعت العدد المحتمل للقاصرين الذين يمكن أن تشملهم إجراءات الحماية إلى 1898  قاصرا بمراكز الإيواء.

    عودة “سريعة” للبالغين ومسار معقد للقاصرين

    بخلاف البالغين، لا تسمح التشريعات الإسبانية بإعادة القاصرين غير المصحوبين بصورة تلقائية أو إخضاعهم لعمليات الطرد الفوري، إذ بمجرد التأكد من سن القاصر، تصبح سلطات سبتة مسؤولة عن رعايته، ويسجل في السجل الخاص بالقاصرين الأجانب غير المصحوبين.

    ويتطلب قرار إعادته فتح ملف إداري مستقل، والتحقق من هويته وظروف أسرته، والاستماع إليه، والحصول على رأي النيابة العامة ومصالح حماية الطفولة، ثم التأكد من أن عودته إلى أسرته أو إلى مؤسسة استقبال في المغرب لا تعرضه لأي خطر.

    هذه الضمانات تستند إلى قانون الهجرة الإسباني، إضافة إلى الاتفاق المغربي الإسباني الموقع سنة 2007 بشأن الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وإعادتهم بصورة منسقة، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2012، غير أن هذه المسطرة أفرزت بطءا شديد في عمليات الإعادة، حتى عندما يعلن المغرب استعداده لاستقبال القاصرين، وفق ما أكده وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في تصريحات صحفية سابقة.

    التعقيدات الإدارية الإسبانية تعرقل الإعادة

    الرباط أكدت، من خلال تصريحات وهبي، أنها مستعدة لاستقبال جميع القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في إسبانيا، بمن فيهم الذين عبروا إلى سبتة في نهاية يوليوز.

    وأكد الوزير المغربي أن تحديد هوية القاصرين لا يشكل عائقا، وأن المشكلة تكمن في الإجراءات الإدارية والقرارات القضائية داخل إسبانيا.

    وبحسب الموقف المغربي، توجد تعليمات ملكية واضحة للعمل على إعادة هؤلاء القاصرين، كما أن التزام الرباط لا يعود إلى الأزمة الحالية، بل سبق تأكيده في بيان مشترك لوزارتي الداخلية في البلدين في يونيو 2021.

    وصعّد وزير العدل معلنا أن المملكة تطالب باستعادة القاصرين، وحمّل السلطات الإسبانية مسؤولية استمرار وجودهم بعيدا عن أسرهم، وما يواجهه بعضهم من ظروف معيشية صعبة داخل سبتة ومراكز الإيواء الإسبانية.

    وترفض الرباط، في هذا السياق، تحميلها مسؤولية تعثر عمليات العودة، معتبرة أن إسبانيا تمتلك الموافقة المغربية والآلية الثنائية اللازمة، لكنها لم تنجح في تحويلهما إلى إجراءات عملية وسريع بسبب تعقيد المساطر الإدارية.

    كابوس أزمة 2021

    الحذر الإسباني الحالي يرتبط إلى حد كبير بما وقع عقب أزمة سبتة في ماي 2021، عندما دخل أكثر من ثمانية آلاف شخص خلال يومين، بينهم أكثر من ألف قاصر.

    في غشت من العام نفسه، شرعت السلطات الإسبانية في إعادة مجموعات من القاصرين المغاربة، وتم ترحيل 55 منهم تقريبا قبل تدخل القضاء وتعليق العملية.

    وأكدت المحكمة العليا الإسبانية في يناير 2024 أن تلك الإعادات كانت غير قانونية، بسبب عدم فتح ملفات فردية وعدم الاستماع إلى القاصرين أو إشراك النيابة العامة وتقييم أوضاعهم الأسرية.

    واعتبرت “المحكمة العليا أن السلطات الإسبانية تجاهلت بصورة كاملة الضمانات التي يفرضها قانون الهجرة، وأن حقوق القاصرين في السلامة الجسدية والمعنوية تعرضت لـ”الانتهاك”.

    وتعزز هذا المسار في شتنبر 2025، عندما أدينت مسؤولة سابقة في الحكومة الإسبانية وأخرى في حكومة سبتة بسبب دورهما في تلك الإعادات السريعة، ما جعل هذه السابقة تعامل أي مسؤول مع ملف القاصرين تحت رقابة قضائية مشددة.

    جمعيات القضاة ترفض الحلول الجماعية

    وفي خضم الأزمة الحالية، طالب رئيس سبتة خوان خيسوس فيفاس الحكومة الإسبانية برفض طلبات اللجوء وإعادة المهاجرين إلى المغرب دون استثناءات أو تسويات لاحقة.

    وحظي طلب فيفاس بدعم قيادة الحزب الشعبي، التي اعتبرت الإجراء ضروريا لحماية المدينة وردع استخدام الهجرة وسيلة للضغط السياسي.

    لكن جمعيات القضاة في إسبانيا رفضت هذا المقترح، مؤكدة أن الدخول بصورة غير نظامية لا يلغي حق الشخص في طلب الحماية الدولية، وأن كل طلب يجب أن يخضع لدراسة مستقلة.

    ووفق الموقف الذي نقلته “الصحافة الإسبانية، يمكن تشديد إجراءات اللجوء وتسريعها في الحدود، لكن لا يجوز تقرير الرفض الجماعي مسبقا.

    ولا تخص هذه القاعدة القاصرين وحدهم، لكنها تزيد تعقيد ملفاتهم، فالقاصر الذي يطلب الحماية الدولية لا يمكن إعادته قبل البت في طلبه، أما القاصر الذي لا يتقدم بطلب لجوء، فيظل خاضعا بدوره لمسار فردي مستقل تحكمه قاعدة “المصلحة الفضلى للطفل”.

    ما بعد الرشد.. عندما تبدأ سنوات الضياع

    لا تتوقف تداعيات تعثر معالجة ملف القاصرين عند حدود مراكز الإيواء أو إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم، بل تمتد إلى المرحلة التي تلي بلوغهم سن الرشد، حين يفقد كثير منهم مظلة الحماية من دون أن يمتلكوا وثائق إقامة أو سكنا أو شبكة اجتماعية تساعدهم على الاندماج.

    وفي غشت 2025، أعادت وفاة شاب مغربي يبلغ 19 عاما في مدينة خاين هذا الملف إلى واجهة النقاش في إسبانيا، بعدما عثر على الشاب “م.أ.أ”، ميتا يوم 17 غشت في موقف للسيارات أسفل مركز الرعاية الصحية الجديد “لا ألاميدا”، بعد إصابته بضربة في إثر سقوطه، وأُعيد جثمانه لاحقا إلى أسرته في مدينة الفنيدق.

    وبحسب ما كشفته الصحافة الإسبانية، وصل الشاب إلى إسبانيا عندما كان قاصرا، وأقام في أحد مراكز حماية الطفولة إلى أن بلغ سن الثامنة عشرة، لكن خروجه من المركز مثّل بداية مرحلة جديدة من الهشاشة، إذ حرم من الاستفادة من عدد من الموارد الرسمية بسبب عدم امتلاكه وثائق قانونية، كما لم تكن لديه أسرة أو شبكة دعم مستقرة، لينتهي به الأمر إلى العيش في الشارع.

    وكان الشاب قد وصل إلى خاين قبل وفاته بشهرين، بعد تنقله بين بلباو وفالدبيناس وأليكانتي. وخلال وجوده في المدينة، كان يتردد على مركز جمعية “بوبلادو موندو” للحصول على الطعام وخدمات النظافة والمواكبة الاجتماعية، ووصفه العاملون في المركز بأنه شاب ودود ومحبوب، لكنه كان يعاني مشكلات مرتبطة بالإدمان والصحة النفسية، في وقت حال غياب الوثائق دون حصوله على سكن مستقر أو رعاية متواصلة.

    وترى الجمعية أن حالته ليست استثناء، بل نموذجا لمسار يعيشه عدد من الشباب المهاجرين بعد مغادرة مؤسسات حماية القاصرين، نظرا لغياب الوثائق والسكن والرعاية النفسية ما يدفعهم إلى دائرة من التشرد وتعاطي المخدرات والاحتكاك بالقانون، فيما يعيش كثير منهم داخل مبان وأكواخ مهجورة ويعتمدون على الجمعيات لتغطية احتياجاتهم الأساسية بعدما يتحولون إلى أشخاص “غير مرئيين، بلا حقوق وبلا خيارات” بعد بلوغ سن الرشد.