المدونة

  • جواز الشباب.. من توسيع الولوج إلى رهان قياس الأثر

    جواز الشباب.. من توسيع الولوج إلى رهان قياس الأثر

    أضحت قدرة الدول على الاستثمار في شبابها تقاس اليوم بمدى نجاحها في بناء جسور عملية بينها وبين فرص التكوين والإدماج والتمكين، لا بمجرد توفير خدمات مرحلية تنتهي بانقضاء ولاية واضعيها في زمن حكومي قصير.

    في المغرب، حيث تطرح فئة الشباب تحديات تنموية واجتماعية متشابكة، سيما في ظل ارتفاع بطالة الشباب واستشراء ظاهرة شباب “NEET”، اتجهت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، خلال الولاية الحكومية الحالية، إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على تقريب الخدمات من المستفيدين وتجميعها ضمن منظومات أكثر تكاملا.

    ويعد “جواز الشباب” أحد أبرز تجليات هذا التحول، باعتباره مشروعا حكوميا يتجاوز البعد الرقمي الضيق إلى نموذج جديد في تدبير السياسات الشبابية، يرتكز على تسهيل الولوج إلى الفرص، وتوسيع قاعدة المستفيدين وتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي لفئة تشكل رهانا أساسيا في مسار التنمية.

    ومنذ تنصيب الحكومة في 7 أكتوبر 2021، انخرطت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يحمل حقيبتها محمد مهدي بنسعيد، في تنفيذ خطة عمل تستهدف إعادة صياغة السياسات العمومية الموجهة للشباب والنساء والأطفال، عبر مقاربة جديدة تقوم على تحديث البنيات التحتية، وتعزيز الكفاءات، وتطوير فضاءات التعلم والإبداع والحماية، مع التركيز على أهداف استراتيجية ترتبط بالإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي وتعزيز المواطنة.

    وأتت هذه الدينامية في سياق وطني اتسم بتحديات حقيقية تواجه فئة الشباب، خاصة مع تقديرات المندوبية السامية للتخطيط التي أظهرت أن حوالي 1.5 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة كانوا سنة 2022 في وضعية “NEET”، أي خارج منظومة التعليم والتكوين والشغل.

    هذه المعطيات عكست حجم الرهانات المطروحة أمام السياسات العمومية، وفرضت البحث عن آليات مبتكرة لتقريب الخدمات والفرص من الشباب وتحفيز اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي.

    السياسات الشبابية بمنطق جديد

    وأطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل، سنة 2023 برنامج “جواز الشباب” باعتباره أحد أبرز المشاريع الهيكلية ضمن حزمة برامجها الكبرى، إلى جانب برنامج “متطوع”، والمخيمات الصيفية، وبرامج تمكين النساء وتطوير دور الحضانة وتحديث البنيات التحتية.

    وعكس “جواز الشباب” تحولا نوعيا في فلسفة التدخل العمومي تجاه الشباب، إذ بدل الاقتصار على تقديم خدمات متفرقة وموزعة بين عدد من المؤسسات، تم اعتماد مقاربة تقوم على تجميع الخدمات داخل منصة موحدة وسهلة الولوج، تتيح للشباب الاستفادة من عروض متعددة عبر تطبيق رقمي واحد، يؤكد محمد شكال، رئيس مشروع “جواز الشباب” بوزارة الشباب والثقافة والتواصل.

    ويوضح شكال، في تصريح لمنصة “AM+ MEDIA”، أن جواز الشباب لم يكن هدفه معالجة إشكال واحد فقط، بل مواجهة مجموعة من التحديات المتداخلة التي كانت تحد من استفادة الشباب من الفرص والخدمات المتاحة.

    ويضيف أن التشخيصات المنجزة عن الفترة السابقة أظهرت وجود تشتت الخدمات والبرامج الموجهة للشباب بين عدة قطاعات ومؤسسات، إضافة إلى ضعف الولوج إلى هذه الخدمات، خاصة بالنسبة للشباب في المناطق القروية والنائية، ونقص المعلومة وصعوبة التعرف على الفرص المتاحة وشروط الاستفادة منها، زيادة على غياب منصة موحدة تجمع مختلف الخدمات والعروض في فضاء رقمي واحد.

    ومن هنا جاء “جواز الشباب”، يضيف شكال، كمنصة وطنية موحدة تهدف إلى تقريب الخدمات من الشباب وتسهيل الولوج إليها وتعزيز تكافؤ الفرص بينهم أينما كانوا.

    بدوره، يرى أنس هدان، المدير التنفيذي لحركة مواطنون، أن السياسة العمومية الموجهة للشباب في عهد الحكومة الحالية عرفت تطورا مهما من حيث الأدوات، خصوصا مع اعتماد الرقمنة والخدمات المندمجة.

    وأبرز أن “جواز الشباب” من بين “المبادرات التي تحمل إمكانات كبيرة، فهو لا يقتصر فقط على تقديم تخفيضات أو خدمات، بل ساهم أيضا في التعريف بحقوق وخدمات كانت موجودة منذ سنوات لكنها لم تكن معروفة لدى أغلب الشباب، مثل المراكز الصحية الخاصة بالشباب وبعض الخدمات العمومية الأخرى”، مضيفا أن هذا في حد ذاته مكسب مهم.

    لكن لكي يتحول جواز الشباب إلى رافعة حقيقية للإدماج، ينبغي أن يتجاوز منطق تجميع الخدمات إلى منطق مرافقة المسار، أي أن يصبح منصة تربط الشاب بالتكوين، والتوجيه، وفرص الشغل، وريادة الأعمال، والصحة النفسية، والسكن، والثقافة، والعمل التطوعي، والمشاركة المواطنة، مع تتبع لمساره وليس فقط توفير خدمة معزولة، يؤكد رئيس حركة مواطنون.

    أرقام مرضية

    غير أن الحصيلة الرقمية للبرنامج تظهر نجاح “جواز الشباب” في الوصول إلى فئة واسعة من الشباب، فالتطبيق سجل أكثر من مليوني عملية تحميل، فيما بلغ عدد المستخدمين نصف مليون شاب وشابة، وهي مؤشرات تبرهن على قدرة المبادرة على جذب اهتمام الشباب واستعمالهم الفعلي للخدمات المعروضة، وفق مدير المشروع.

    ولدى سؤال “AM+ MEDIA” لمحمد شكال عن تفسيره للفرق بين عدد التحميلات والمستخدمين الفعليين، أكد أن بلوغ مليوني تحميل في ظرف وجيز دليل على “نجاح الرؤية التي تأسس عليها المشروع، على رأسها توفير خدمات حقيقية وذات قيمة مضافة للشباب، واعتماد مسطرة تسجيل مبسطة وآمنة بفضل التكامل مع الهوية الرقمية الوطنية، ناهيك عن توسيع شبكة الشركاء بشكل مستمر وإضافة عروض جديدة، وتنظيم حملات تواصلية وتحسيسية على المستوى الوطني والجهوي، انتهاء عند اعتماد التطبيق كمنصة موحدة تجمع خدمات متعددة داخل فضاء رقمي واحد.

    وأشار المسؤول ذاته إلى أن عدد المستخدمين الفعليين يعكس مستوى التفاعل الحقيقي مع الخدمات، وليس فقط تحميل التطبيق، ما يؤكد أن الشباب لا يكتفون بالتسجيل وإنما يستفيدون فعليا من العروض المتاحة.

    وبهذا صدد، يظهر مؤشر الرضا، الذي أوردته الحصيلة المرحلية للوزارة، أن ثمانية شباب من أصل عشرة يوصون باستعمال “جواز الشباب”، الذي يقدم 33 خدمة متنوعة تشمل مجالات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، والتكوين، والإبداع، والنقل والإيواء، والصحة، والولوج المجاني للمتاحف والمعالم التاريخية، وتخفيضات على تذاكر المسارح والسينما…، ما يعكس مستوى الثقة في الخدمات المقدمة ويؤشر على وجود قيمة مضافة ملموسة بالنسبة للمستفيدين، وفق ما تكشفه الحصيلة المرحلية للوزارة الوصية على القطاع.

    رافعة لمواجهة الهشاشة الاجتماعية

    وكشف شكال للمنصة أن تحديد الخدمات والعروض التي يقدمها “جواز الشباب” تم بناء على مقاربة تشاركية وواقعية اعتمدت على دراسة حاجيات وانتظارات الشباب في مختلف جهات المملكة، وتحليل الخدمات الأكثر طلبا من طرف هذه الفئة العمرية، والتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الخواص، إضافة إلى الحرص على تغطية المجالات الأساسية التي تهم الشباب، مثل التنقل، والصحة، والتكوين، والثقافة، والترفيه، والمشاركة المواطنة، والخدمات البنكية.

    غير أن رئيس حركة مواطنون يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة “التفريد” أو “التكييف الترابي” للسياسات العمومية، لأن “احتياجات شاب في الدار البيضاء ليست هي احتياجات شاب في الحوز أو جرادة أو زاكورة أو فكيك”، مشددا على أنه “يجب أن تمنح الجهات والجماعات الترابية ودور الشباب هامشا أكبر لتطوير برامج تستجيب لأولويات كل مجال، بدل اعتماد مقاربة موحدة على المستوى الوطني”.

    وأكد محمد شكال بهذا الصدد أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل واعية بحجم التحديات التي تنتظر “جواز الشباب”، سيما على مستوى التكييف الترابي، مشددا على أن العروض المقدمة بالبرنامج تخضع بشكل مستمر للتقييم والتطوير وفق مؤشرات الاستعمال وملاحظات المستفيدين، بما يضمن ملاءمتها لاحتياجات الشباب المتجددة.

    الأمر ذاته أكده وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسيعد، خلال حلوله ضيفا على برنامج “ديكريبتاج” بإذاعة “إم إف إم”، مبيّنا أن “هناك إشكاليات في بعض الجهات وطلبنا من المجالس المنتخبة أن توقع معنا شراكات من أجل التجاوب مع الإشكاليات التي يعتبرونها كفاعلين محليين وإقليميين وجهويين ويمكن أن يقدموها لشباب جهاتهم، لأن مجموعة من البنيات التحتية غير موجودة في بعض الأقاليم والجهات على غرار ‘الترامواي” الموجود في الرباط وسلا والدار البيضاء، لكنه لا يوجد في جهات ومدن أخرى”.

    وشدد بنعسيد على أن وزارته تحاول التجاوب بطرق أخرى مع هذه الإشكالية، و”نحن منفتحون حتى لإدخال خدمة حافلات النقل الحضري، ونعمل على تقديم الخدمات للشباب حتى لا يكون هناك إحساس نقص جهة على حساب أخرى”.

    أكثر من مليون رحلة

    غير أن أنس هدان يشير إلى ضرورة الانتقال من منطق تقييم الإنجاز بالأرقام إلى تقييمه بالأثر، لأن السؤال الحقيقي بحسبه “ليس فقط كم عدد المستفيدين؟ بل كيف تغيرت حياة هؤلاء الشباب؟ وهل ساهمت هذه البرامج فعلا في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية؟ وهل عززت الثقة بين الشباب والمؤسسات؟”.

    وبهذا الصدد، تظهر حصيلة “وزارة بنسعيد” أنها عملت، بالشراكة مع الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، على إتاحة العمل بتطبيق جواز الشباب والاستفادة من خدماته دون الحاجة إلى إنترنت، مراعاة للظروف الاجتماعية للشباب الأكثر هشاشة، إذ لا يحتاج التطبيق إلى إنترنت سوى في مرحلة التحميل والتسجيل لا غير.

    ويكشف محمد شكال أن معطيات الاستعمال تضع خدمات التنقل في صدارة الخدمات الأكثر طلبا ضمن “جواز الشباب”، خاصة التخفيضات المقدمة بشراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية وترامواي الرباط-سلا، و”مركوب.ما”، التي مكنت من تسجيل أكثر من مليون رحلة.

    وأبرز أن الخدمات الثقافية والترفيهية تحظى بإقبال مهم بأزيد من 100 ألف استفادة من الخدمة، سيما العروض الخاصة بالسينما والمتاحف والتظاهرات الثقافية، إلى جانب الخدمات الصحية والتكوينية والرياضة والسكن.

    ويعزى هذا الإقبال، وفق المتحدث عينه، إلى ارتباط هذه الخدمات بالحاجيات اليومية للشباب، وتأثير التخفيضات المباشر في تعزيز القدرة الشرائية، فضلا عن سهولة الولوج إليها عبر التطبيق، وتنوع العروض التي تغطي مجالات متعددة تهم فئة الشباب.

     حصيلة تتجاوز الأرقام

    ولا يمكن قراءة حصيلة “جواز الشباب” بمعزل عن باقي البرامج التي أطلقتها الوزارة في إطار رؤيتها الموجهة للشباب، والتي تقوم على الجمع بين التمكين الاقتصادي والاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة والمشاركة.

    وفي هذا السياق، يبرز البرنامج الوطني “متطوع” كأحد الأوراش المكملة لهذه الرؤية، حيث استفاد منه؛ منذ انطلاقه سنة 2022، ما مجموعه 2718 شابا وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة، مع تحقيق مبدأ المناصفة ببلوغ نسبة مشاركة النساء 50 في المئة، فضلا عن تغطيته لجميع جهات المملكة.

    ويترجم هذا البرنامج، وفق معطيات الوزارة الوصية، التوجه نحو الاستثمار في الرأسمال البشري للشباب من خلال تعزيز المشاركة المواطنة وتطوير المهارات الشخصية والمهنية ورفع الوعي بالقضايا المعاصرة، عبر مجالات متنوعة تشمل التكوين والتضامن والتعاون والتربية والتنشيط والتراث والثقافة والمقاولة الاجتماعية والتظاهرات الرياضية وحماية المعطيات الشخصية والذكاء الاصطناعي والعمل التطوعي.

    وأطلقت الوزارة أيضا برنامج “تدرج” بشراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، الرامي إلى تكوين 21 ألف متدرب ومتدربة سنويا في أفق سنة 2030، بما يعزز فرص الإدماج المهني للشباب ويقربهم من متطلبات سوق الشغل.

    هذه المؤشرات تعكس، وفق حصيلة وزارة الشباب، اتجاها واضحا نحو الاستثمار المبكر في مهارات المستقبل، من خلال هدف تكوين 200 ألف طفل في مجال الذكاء الاصطناعي في أفق سنة 2030، وهو توجه ينسجم مع التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة.

    وفي السياق ذاته، واصلت الوزارة توسيع قاعدة المستفيدين من برامجها الموجهة للشباب، حيث استفاد نحو 12 ألف شاب وشابة من برنامج “متطوع” خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فيما استفادت حوالي 10 آلاف فتاة من برامج التكوين الأساسي والمهني، بما يعزز فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص.

    أيضا، استفاد ألف شاب من تكوين في اللغة الأمازيغية بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، كما استفاد 677 شابا وشابة من برنامج “مهارات” المنجز بشراكة مع منظمة اليونيسيف، فضلا عن تمكين الشباب من تخفيضات خاصة على دروس اللغة الفرنسية والتحضير لشهادات دولية معترف بها، من قبيل DAF وDELF وTCF، بشراكة مع المعهد الفرنسي.

    ويمتد العمل على التكوين إلى شبكة دور الشباب التي تحولت بدورها إلى فضاءات للتعلم واكتساب المهارات، من خلال تنظيم تكوينات متنوعة بشراكة مع النسيج الجمعوي، إذ سجلت هذه الدينامية أكثر من مليوني مشاركة في برامج مرتبطة بريادة الأعمال والرقمنة ومجالات أخرى، ما يؤشر على الانتقال من الاكتفاء بخدمات استهلاكية أو امتيازات ظرفية إلى جعل الشباب فاعلا في التنمية ومؤهلا لاقتناص الفرص الاقتصادية الجديدة.

  • تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص.. إصلاح اجتماعي أمام اختبار التنزيل

    يشكل القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل أحد أبرز مخرجات الحوار الاجتماعي لسنة 2026، بعدما تقدمت به وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، وصادق عليه البرلمان بغرفتيه، في خطوة تروم إخضاع حراس الأمن الخاص لمدة الشغل القانونية العادية المحددة في ثماني ساعات يوميا، بدل نظام الاثنتي عشرة ساعة الذي ظل معمولا به لسنوات.

    ويأتي هذا الإصلاح استجابة لمطالب نقابية وحقوقية متواصلة، كما يندرج ضمن توجه يهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وإنهاء الاستثناء القانوني الذي ظل يميز هذه الفئة عن باقي الأجراء.

    استثناء قانوني

    عانى حراس الأمن الخاص لسنوات من نظام استثنائي يتيح تشغيلهم لمدة تصل إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا مقابل الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية، باعتبارهم ضمن فئة الحراس الذين تعد أشغالهم ذات طبيعة متقطعة.

    ويستند هذا التصنيف إلى مقتضيات المادة 193 من مدونة الشغل، التي اعتبرت أن بعض المهن تكون “معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي”، وهو ما كان يشمل حراس الأمن الخاص إلى جانب فئات مهنية أخرى.

    ويعني ذلك أن المشرِّع اعتبر أن بعض فئات الأجراء لا تؤدي عملا متواصلا طوال فترة وجودها داخل مقر العمل، وإنما تتخلل عملها فترات انتظار أو راحة، الأمر الذي شكل أحد المبررات لإخضاع هذه الفئة لنظام استثنائي في تنظيم مدة العمل.

    وينسجم هذا التوجه مع مقتضيات المادة 190 من مدونة الشغل، التي تجيز تمديد مدة الشغل إلى اثنتي عشرة ساعة كحد أقصى عندما يكون العمل متقطعا بطبيعته، أو عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال تحضيرية أو تكميلية يتعذر القيام بها داخل مدة الشغل العادية، بما يعكس تمييز المشرِّع المغربي بين ساعات الحضور وساعات العمل الفعلية.

    وفي المقابل، تعالج المادة 192 وضعا مختلفا لا يرتبط بطبيعة العمل، وإنما بحالات استثنائية وطارئة، إذ تجيز تمديد مدة الشغل عندما تقتضي الضرورة إنجاز أشغال مستعجلة، من قبيل اتقاء أخطار وشيكة، أو تنظيم تدابير النجدة، أو إصلاح ما تلف من معدات وتجهيزات وبنايات المقاولة.

    كما حددت المادة نطاق هذا التمديد زمنيا، من خلال السماح بالاستمرار في العمل طيلة يوم واحد، ثم تمديده بساعتين خلال الأيام الثلاثة الموالية، مما يؤكد أن الأمر يتعلق بتدبير استثنائي ومؤقت لمواجهة أوضاع طارئة، وليس نظاما دائما لتنظيم مدة الشغل.

    غير أن التحولات التي عرفها قطاع الحراسة الخاصة خلال السنوات الأخيرة جعلت استمرار إخضاع حراس الأمن الخاص لهذا التصنيف محل نقاش، بعدما أصبحت مهامهم تقوم على المراقبة المستمرة، وتأمين المؤسسات والمنشآت، ومراقبة الولوج، واستعمال أنظمة المراقبة الإلكترونية، والتدخل في الحالات الاستعجالية، الأمر الذي جعل ساعات حضورهم تقترب، في كثير من الأحيان، من ساعات العمل الفعلية.

    وفي هذا السياق، برزت مطالب نقابية وحقوقية تدعو إلى مراجعة هذا الاستثناء القانوني، معتبرة أن طبيعة عمل حراس الأمن الخاص لم تعد تنسجم مع المقتضيات الواردة في المادة 193 من مدونة الشغل المتعلقة بالأعمال ذات الطبيعة المتقطعة، وهو ما فتح الباب أمام مراجعة الإطار القانوني المنظم لمدة عمل هذه الفئة المهنية.

    ماذا تغير في مدونة الشغل؟

    جاء القانون رقم 032.26 القاضي بتتميم المادة 193 من مدونة الشغل ليضع حدا لهذا الوضع، من خلال إضافة مقتضى يستثني الحراس المرتبطين بعقود شغل مع المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة، طبقا للتشريع الجاري به العمل، من فئة الحراس الذين تعتبر أشغالهم ذات طبيعة متقطعة. ويترتب عن هذا التتميم إخضاع هذه الفئة للمقتضيات العامة المتعلقة بمدة الشغل القانونية المطبقة على باقي الأجراء، أي ثماني ساعات يوميا.

    وبموجب هذا التعديل، سيصبح حراس الأمن الخاص خاضعين لمقتضيات المادة 184 من مدونة الشغل، التي تحدد مدة الشغل القانونية في ثماني ساعات يوميا، وهو ما يكرس مبدأ المساواة بين الأجراء، ويعزز الحماية القانونية لفئة ظلت لسنوات تستفيد من حقوق أقل فيما يتعلق بتنظيم وقت العمل.

    ولا يقتصر أثر هذا التعديل على تقليص ساعات العمل، بل يعكس أيضا توجها نحو ملاءمة التشريع الاجتماعي مع التحولات التي يعرفها قطاع الحراسة الخاصة، ومع المعايير الحديثة للعمل اللائق، بما يضمن حماية أفضل للأجراء وتحسين ظروف اشتغالهم.

    وفي هذا السياق، أشار وزير الشغل والتكوين المهني السابق، جمال أغماني، إلى أن هذا التعديل يمثل أول مراجعة تهم مدونة الشغل منذ دخولها حيز التنفيذ سنة 2004، معتبرا أنه يشكل خطوة مهمة نحو إنصاف حراس الأمن الخاص بعد سنوات من خضوعهم لنظام استثنائي.

    وأوضح أغماني في حديثه لجريدة “AM+ MEDIA” أن اعتماد مدة الشغل القانونية المحددة في ثماني ساعات من شأنه أن يعزز الحقوق القانونية والاجتماعية لهذه الفئة، ويضعها على قدم المساواة مع باقي الأجراء.

    وفي المقابل، نبه إلى أن تنزيل هذا الإصلاح قد يواجه تحديات عملية، بالنظر إلى أن حراس الأمن الخاص لا يشتغلون فقط داخل الإدارات العمومية أو المقاولات الكبرى، بل يوجدون أيضاً داخل الإقامات والتجمعات السكنية وغيرها من الفضاءات التي قد تجد صعوبة في تحمل الكلفة المالية الناتجة عن توظيف عدد أكبر من الحراس.

    ورغم ذلك، اعتبر أن المؤسسات العمومية ستكون قادرة على احترام المقتضيات الجديدة من خلال تضمينها في دفاتر التحملات والصفقات العمومية، بما يضمن التطبيق الفعلي للإصلاح.

    قانون مع وقف تنفيذ مؤقت

    لم يقتصر الإصلاح على تقليص ساعات العمل، وإنما رافقه تنظيم قانوني يهدف إلى ضمان تنزيله بشكل سلس، بالنظر إلى ارتباط عدد من شركات الحراسة بصفقات عمومية وخاصة أبرمت وفق نظام الاثنتي عشرة ساعة.

    فبينما يدخل القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، نص المشروع على مقتضى انتقالي يمنح المقاولات التي تمارس أعمال الحراسة أجلا أقصاه اثنا عشر شهرا لتسوية أوضاعها وملاءمة عقودها مع الأحكام الجديدة، وذلك بالنسبة لعقود الشغل الناشئة عن العقود المبرمة قبل هذا التاريخ.

    ويهدف هذا الأجل الانتقالي إلى تمكين شركات الحراسة والجهات المتعاقدة معها من مراجعة الصفقات السارية، وإعادة تنظيم مواردها البشرية وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة للانتقال إلى نظام الثماني ساعات، بما يضمن استمرارية الخدمات واحترام المقتضيات القانونية الجديدة دون إحداث اضطرابات في سير المرافق والمؤسسات المستفيدة من خدمات الحراسة.

    رهانات اجتماعية واقتصادية للإصلاح

    ومن المرتقب أن يحمل هذا الإصلاح أبعادا اجتماعية واقتصادية متعددة، إذ من الناحية الاجتماعية، يرتقب أن يسهم في تحسين ظروف اشتغال حراس الأمن الخاص والحد من الإرهاق البدني والضغط النفسي الذي تسببه ساعات العمل الطويلة، فضلا عن تمكينهم من تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والأسرية.

    وفي هذا السياق، أكد الكاتب المحلي للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ بسلا، منير سنينة، أن عددا كبيرا من حراس الأمن الخاص يعانون من ساعات عمل طويلة تصل أحيانا إلى 12 ساعة يوميا، الأمر الذي انعكس سلبا على صحتهم الجسدية والنفسية، مشيرا إلى استمرار عدد من الإشكالات المرتبطة بعدم احترام بعض الحقوق القانونية، من قبيل الاستفادة من العطل السنوية، والتعويض عن الساعات الإضافية، والتصريح الكامل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فضلا عن قضايا الأقدمية والحقوق النقابية.

    وأضاف أن التطبيق الفعلي لنظام الثماني ساعات من شأنه أن ينعكس إيجابا على جودة الخدمات الأمنية، معتبرا أن حارس الأمن الذي يشتغل في ظروف لائقة يكون أكثر يقظة وتركيزا وقدرة على أداء مهامه، بما يعزز أمن المؤسسات ويحسن جودة الخدمات المقدمة.

    وعدّ سنينة أن هذا التحول سيدفع الشركات إلى تنظيم مواردها البشرية بشكل أفضل، والحد من الاعتماد على ساعات العمل المفرطة.

    أما على المستوى الاقتصادي، فمن المرتقب أن يدفع اعتماد نظام الثماني ساعات شركات الحراسة إلى إعادة تنظيم أنماط العمل والانتقال تدريجيا نحو نظام يعتمد موارد بشرية كافية، وهو ما قد يساهم في خلق فرص شغل جديدة واستيعاب عدد أكبر من العاملين.

    وفي المقابل، ستتحمل المقاولات أعباء مالية وتنظيمية إضافية مرتبطة بتوظيف موارد بشرية جديدة وإعادة هيكلة العقود والصفقات.

    ترحيب نقابي وتحذير من عراقيل التنزيل

    ولم يقتصر النقاش حول تعديل المادة 193 على الجوانب القانونية والتنظيمية فحسب، بل امتد أيضا إلى مدى قدرة مختلف المتدخلين على ضمان تنزيله الفعلي على أرض الواقع. وفي هذا السياق، اعتبرت النقابات المهنية أن هذا الإصلاح يشكل خطوة مهمة نحو تحسين أوضاع حراس الأمن الخاص، مع التأكيد على أن نجاحه يظل رهيناً بآليات المراقبة واحترام المقتضيات الجديدة من طرف مختلف الجهات المعنية.

    وفي هذا الإطار، اعتبرت الكاتبة العامة للنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، لبنى نجيب، أن المصادقة على مشروع القانون تمثل “مكسبا تاريخيا” لفائدة حراس الأمن الخاص، مؤكدة أن هذا الإصلاح هو ثمرة سنوات من الترافع والنضال النقابي.

    وأوضحت أن النقابة تابعت هذا الملف منذ مراحله الأولى، معبرة عن تفاؤلها بعد المصادقة على المشروع، خاصة في ظل التخوفات التي كانت مطروحة بشأن تأخر إخراجه إلى حيز التنفيذ.

    وأشارت لبنى نجيب إلى وجود تنسيق مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات لمواكبة تنزيل هذا الورش، مع تأكيدها أن التنزيل الفعلي سينطلق ابتداءً من فاتح يناير 2027، بما يسمح للشركات بملاءمة أوضاعها وتجديد عقودها.

    وفيما يتعلق بضمان احترام المقتضيات الجديدة، شددت المتحدثة على أهمية دور مفتشيات الشغل والوزارة في مواكبة التنفيذ ومراقبته، مشيرة إلى أن عددا من المؤسسات العمومية شرعت بالفعل في مراجعة صفقاتها وفق نظام الثماني ساعات.

    وأكدت النقابية أن نجاح الإصلاح يقتضي أيضا التزام الإدارات العمومية بعدم الضغط على شركات الحراسة لتقديم خدمات بأثمان لا تراعي الكلفة الحقيقية لتطبيق النظام الجديد، معتبرة أن دور النقابة لن يتوقف عند المصادقة على القانون، بل سيشمل تتبع مدى احترامه ورصد مختلف الخروقات المحتملة.

    لذلك، فالأثر الحقيقي لهذا الإصلاح سيظل رهينا بمدى احترام شركات الحراسة الخاصة والجهات المستفيدة من خدماتها للمقتضيات الجديدة، فضلا عن قدرتها على ملاءمة صفقاتها ومواردها المالية مع النظام الجديد، بما يضمن انتقالا سلسا من نظام الاثنتي عشرة ساعة إلى نظام الثماني ساعات، ويحول هذا التعديل من مجرد مقتضى قانوني إلى مكسب اجتماعي ينعكس فعليا على ظروف عمل حراس الأمن الخاص بالمغرب.

  • ثلاثة مراسيم جديدة لتنزيل قانون التعليم العالي

    ثلاثة مراسيم جديدة لتنزيل قانون التعليم العالي

    صادق مجلس الحكومة، اليوم الأربعاء، على ثلاثة مشاريع مراسيم، تندرج في إطار تنزيل مقتضيات القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، قدمها وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

    وحسب بلاغ للوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، يتعلق الأمر بمشروع المرسوم رقم 2.26.328 بتحديد شروط وكيفيات تعيين المدير الإداري والمالي للجامعة؛ ومشروع المرسوم رقم 2.26.330 بتحديد شروط وكيفيات انتخاب رئيس الشعبة ومدة انتدابه وكذا التعويضات المخولة له؛ ومشروع المرسوم رقم 2.26.502 بتحديد مقدار وكيفيات صرف التعويضات عن المهام المخولة لنواب رؤساء الجامعات ورؤساء المؤسسات الجامعية ونوابهم والكتاب العامين للمؤسسات الجامعية.

  • الحكومة تصادق على مشروعي مرسومي جائزة الشباب وجواز الشباب

    الحكومة تصادق على مشروعي مرسومي جائزة الشباب وجواز الشباب

    صادق مجلس الحكومة، اليوم الأربعاء، على مشروعي مرسومين قدمهما وزير الشباب والثقافة والتواصل، يتعلقان ب”جائزة المغرب للشباب”، وبجواز الشباب.

    وحسب بلاغ للوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، يتعلق الأمر بمشروع المرسوم رقم 2.24.986 بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.23.361 الصادر في 2 ربيع الآخر 1445 (18 أكتوبر 2023) بإحداث “جائزة المغرب للشباب”، ويهدف إلى تحديد لجان تحكيم الجائزة بشكل أدق حسب كل صنف من أصنافها، وذك من خلال نسخ مقتضيات المادة 10 من المرسوم 2.23.361 السالف الذكر، وتغيير وتتميم المواد 6 و7 و11 و12 و13.

    وأضاف أن مشروع المرسوم الثاني رقم 2.25.153 يتعلق بجواز الشباب، ويهدف إلى إحداث تطبيق معلوماتي يحمل اسم “جواز الشباب”، وتحديد شروط الحصول على هذا الجواز والامتيازات التي يخولها وكيفيات تفعيله.

  • الاتفاق النووي الأمريكي السعودي.. تحول استراتيجي أم بداية سباق تسلح؟

    الاتفاق النووي الأمريكي السعودي.. تحول استراتيجي أم بداية سباق تسلح؟

    قال مصدران إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدعم اتفاقية للطاقة النووية مع الرياض تتيح للسعودية تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد، وهي خطوة قد تثير مخاوف دول إقليمية قلقة من مخاطر انتشار الأسلحة النووية.

    فيما يلي بعض المسائل الرئيسية المرتبطة بالاتفاق:

    ماذا حدث حتى الآن؟

    تجري واشنطن والرياض منذ سنوات محادثات بشأن اتفاق للتعاون النووي يتيح للسعودية الحصول على التكنولوجيا الأمريكية، ويمنح الشركات الأمريكية فرصة للفوز بعقود كبيرة ​لتطوير منشآت الطاقة النووية السعودية.

    وكما هو الحال دائما مع التكنولوجيا النووية، ظلت المخاوف المتعلقة بالأمن وانتشار الأسلحة النووية والتعقيدات السياسية في منطقة متوترة، من أهم الشواغل.
    ومثل جميع الدول الموقعة على ‌معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تلتزم السعودية بالفعل بعدم تطوير أسلحة نووية، ووافقت على عمليات التفتيش الدولية. لكن واشنطن دأبت على السعي للحصول على ضمانات إضافية.

    وأبلغ المصدران رويترز هذا الأسبوع أن إدارة ترامب أصبحت مستعدة الآن لطرح الاتفاق على الكونغرس.

    مع ذلك، أفاد المصدران بأن الاتفاق لا يتضمن “المعيار الذهبي” الذي يمنع السعودية من تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد، وهما مساران يمكن من خلالهما إنتاج مواد تستخدم في صنع رأس حربي نووي. كما لا يتضمن الاتفاق “البروتوكول الإضافي” الذي يفرض رقابة دولية أوسع.

    ومن المرجح أن يثير عدم ​تضمين هذين البندين قلق حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، وتطرح تساؤلات حول اتساق السياسة الأمريكية، إذ إن أحد المبررات التي استندت إليها الحرب الأمريكية على إيران هذا العام ​كان رفض طهران التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم.

    وقد يواجه الاتفاق معارضة في الكونجرس، حيث طالب أعضاؤه سابقا بوضع ضوابط صارمة على أي اتفاق من هذا النوع.

    ⁠لماذا ترغب السعودية في برنامج نووي؟

    قد لا تبدو السعودية، أكبر مُصدر للنفط في العالم، مرشحا بديهيا للاعتماد على الطاقة النووية، لكنها تسعى إلى خفض انبعاثات الكربون وإتاحة كميات أكبر من النفط الخام للتصدير في إطار خطة “رؤية ​2030” الاقتصادية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

    وقالت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في 2024، إن 68 بالمئة من إنتاج الكهرباء في السعودية يعتمد على حرق الغاز و32 بالمئة من حرق النفط، مع استخدام 1.4 مليون ​برميل يوميا من النفط الخام لتوليد الطاقة في شهر يونيو حزيران الذي يشهد ذروة الاستهلاك.

    وقد توفر الطاقة النووية بعضا من الطاقة المستخدمة في مجالات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل تحلية المياه وتكييف الهواء، مما يسمح للمملكة بجني أموال أكثر من مبيعات النفط.

    وأعلنت السعودية أيضا أنه إذا كانت إيران تطور سلاحا نوويا، فيتعين عليها أن تفعل الشيء نفسه، وهو تصريح أريد به فيما يبدو تصعيد الضغط على طهران لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف من طموحاتها النووية.

    ولا تقوم العديد من الدول المنتجة للطاقة النووية بتخصيب اليورانيوم ​محليا، بل تعتمد على استيراد الوقود النووي المخصب لاستخدامه في مفاعلاتها.

    وأعلنت المملكة في يناير كانون الثاني 2025، أنها ستخصب اليورانيوم، الذي قد يستخدم أيضا ضمن برنامج عسكري، لإنتاج “الكعكة الصفراء” لتوليد طاقة نووية يمكنها بيعها. و”الكعكة الصفراء” ​هي مادة أولية تستخدم لاحقا في إنتاج الوقود النووي.

    ما هي المكاسب التي ستعود على أمريكا؟

    قد تجني الولايات المتحدة مكاسب استراتيجية وتجارية.

    كان التعاون النووي المدني المصحوب بضمانات أمنية حافزا مهما في مساعي جو بايدن، سلف الرئيس ترامب، للتوسط في اتفاق ‌لتطبيع العلاقات بين ⁠السعودية وإسرائيل.
    غير أن هاتين المسألتين لم تعودا مرتبطتين الآن، لكن التوصل لاتفاق نووي قد يدعم الجهود الدبلوماسية الأمريكية مع المملكة. واستبعدت الرياض تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية.

    واجتمع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت مع وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان العام الماضي، وقال رايت إن البلدين “على مسار” نحو اتفاق نووي مدني. ولم يشر إلى اتفاق أوسع نطاقا يتناول قضايا أخرى مثل التطبيع.

    وقد يعزز التوصل لاتفاق فرص الشركات الأمريكية في الفوز بعقود بناء محطات الطاقة النووية السعودية، ويوفر للولايات المتحدة قدرا من الإطلاع على البرنامج النووي للمملكة، مما قد يخفف أي مخاوف أمريكية تتعلق بانتشار الأسلحة.

    وبموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954، يجوز لواشنطن التفاوض ​على اتفاقيات للتعاون النووي المدني مع دول أخرى.
    وتحدد هذه ​المادة تسعة معايير لمنع الانتشار النووي يجب على ⁠تلك الدول استيفاؤها لمنعها من استخدام التكنولوجيا في تطوير أسلحة نووية أو نقل مواد حساسة إلى آخرين.
    ويشترط القانون الأمريكي مراجعة الكونجرس لمثل هذه الاتفاقات.

    خيارات السعودية
    إذا فشلت المحادثات الأمريكية السعودية، حتى في هذه المرحلة المتقدمة، فهناك عدد من الدول راسخة القدم في مجال الطاقة النووية والتي تبدي اهتمامها بالبرنامج النووي السعودي، أو يُنظر إليهم باعتبارهم ​شركاء محتملين.
    وذكرت تقارير أن المؤسسة الوطنية النووية الصينية المملوكة للدولة قدمت عرضا في عام 2023 لبناء محطة نووية في المملكة.
    كما وقعت شركة روساتوم النووية الروسية الحكومية، ​التي شيدت محطة نووية في ⁠مصر، اتفاقيات تعاون أولية مع الرياض. ومن بين المنافسين المحتملين الآخرين كوريا الجنوبية التي أقامت مفاعلات في الإمارات، وفرنسا أيضا منافس محتمل.
    ويرجح أن يتوقف اختيار الشريك على العروض التكنولوجية وشروط التمويل والتوافق الجيوسياسي، بما في ذلك الشروط المتعلقة بالتعامل مع الوقود النووي.

    تخصيب اليورانيوم

    تتمثل إحدى القضايا الرئيسية فيما إذا كانت واشنطن ستوافق على بناء منشأة لتخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، ومتى قد تفعل ذلك، وما إذا كان بإمكان الموظفين السعوديين الوصول إليها أم ستقتصر إدارتها على الموظفين الأمريكيين ⁠ضمن ترتيبات ما ​يطلق عليه “الصندوق الأسود”.

    وفي غياب ضمانات صارمة، بوسع السعودية التي تمتلك احتياطيات من خام اليورانيوم على أراضيها، من الناحية النظرية، أن تستخدم منشأة ​التخصيب لإنتاج يورانيوم عالي التخصيب وهو ما يمكن أن يوفر، إذا بلغ درجة نقاء كافية، مواد انشطارية تُستخدم في صنع قنابل نووية.

    وصرح مصدر لرويترز بأن الاتفاق الأمريكي السعودي المقترح يوفر مسارا قانونيا للتعاون في مجال دورة الوقود النووي، والتي تشمل تخصيب اليورانيوم، لكنه لا تيلزم ​واشنطن بنقل أي تكنولوجيا أو قدرات ذات صلة إلى المملكة.

    وهناك قضايا دبلوماسية أيضا. فكثيرا ما عبرت إسرائيل، الحليف الإقليمي الأكبر لواشنطن، عن معارضتها لفكرة إنشاء برنامج نووي مدني سعودي.

  • 250 مليون دولار لدعم التحول الرقمي بالمغرب

    250 مليون دولار لدعم التحول الرقمي بالمغرب

    شكل التحول الرقمي محور اجتماع عقد، اليوم الأربعاء، بالرباط، بين الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، ونائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أوسمان ديون، الذي ترأس وفد هذه المؤسسة المالية العالمية.

    وفي كلمة بالمناسبة، أكدت السيدة السغروشني أن هذا اللقاء يأتي في أعقاب الموافقة على برنامج تسريع التحول الرقمي للمملكة والتوقيع عليه في يونيو الماضي، والذي مكن من تحديد إطار مشترك قائم على نتائج قابلة للقياس، وعلى استخدام الأنظمة الوطنية.

    وأوضحت أن هذا البرنامج، الذي رصد له تمويل قدره 250 مليون دولار على مدى خمس سنوات، يهدف إلى تسريع نشر واعتماد الخدمات العمومية الرقمية المتمحورة حول المرتفقين، فضلا عن تعزيز رقمنة القطاع الخاص، وقدرته التنافسية، ومساهمته في خلق فرص الشغل.

    كما أشارت الوزيرة إلى أن هذه المبادرة ستتيح تسريع الأوراش التي أطلقتها الوزارة بالفعل، لاسيما في مجالات الإدارة الرقمية، والبنيات التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وكذا الاقتصاد الرقمي والتشغيل، من خلال إدراجها في منطق يركز على النتائج.

    وأفادت بأن الأولوية الفورية للقطاع تتجلى في ضمان الإطلاق العملي للبرنامج، بتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية، بغية توفير الظروف اللازمة لدخوله حيز التنفيذ قبل تاريخ 23 شتنبر 2026.

    من جهته، أشار السيد ديون، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إلى أن هذا اللقاء يندرج في سياق النقاشات التي انطلقت منذ سنتين في واشنطن حول إرساء شراكة متينة مع المغرب.

    وفي هذا الصدد، نوه بإضفاء بعد ملموس على هذا التعاون من خلال الموافقة على تمويل بقيمة 250 مليون دولار لدعم الأجندة الرقمية للمملكة.

    واعتبر أن هذه الشراكة ستساهم في تحديث الإدارة، وتطوير الأجندة الرقمية، وخلق فرص الشغل، وكذا تعزيز قابلية التشغيل البيني للأنظمة، بما يتيح تحسين أداء الاقتصاد والإدارة المغربيين.

  • أصول بنك المغرب ترتفع بـ11 بالمئة في 2025

    أصول بنك المغرب ترتفع بـ11 بالمئة في 2025

    بلغت الحصيلة الإجمالية لبنك المغرب ما يقارب 615 مليار درهم عند اختتام السنة المالية 2025، مسجلة نموا سنويا بنسبة 11 في المائة.

    وأوضح بنك المغرب، في تقريره السنوي حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية، أن هذا التطور يعزى على مستوى الأصول بالأساس إلى تعزيز الموجودات والتوظيفات بالعملات الأجنبية (زائد 17 في المائة) وبالذهب (زائد 49 في المائة)، وكذا التمويلات الممنوحة للبنوك (زائد 2 في المائة)، مشيرا إلى أن تسديد المبلغ المتبقي من الاستحقاق على الدولة برسم خط الوقاية والسيولة ساهم في التخفيف من هذه الزيادة.

    وعلى مستوى الخصوم، يعكس هذا الارتفاع في الحصيلة الإجمالية بشكل رئيسي زيادة حجم الأوراق البنكية والقطع النقدية المتداولة (زائد 15 في المائة)، يقابلها تراجع التزامات البنك بالدرهم القابل للتحويل (ناقص 96 في المائة).

    كما كشف التقرير ذاته أن الأوراق البنكية والقطع النقدية المتداولة ارتفعت بنسبة 15 في المائة لتصل إلى زهاء 513 مليار درهم، بعد تسجيلها ارتفاعا بنسبة 8 في المائة سنة 2024، نتيجة بالأساس لاستمرار الطلب على النقد.

    وبلغت العمليات مع الخارج ما قدره (ناقص 404.5 مليار درهم)، مسجلة تحسنا قدره 72.16 مليار درهم مقارنة بمتم سنة 2024. وعلاوة على انخفاض التزامات البنك المركزي تجاه المؤسسات المالية الدولية عقب التسديد الكلي لأصل المبلغ المستحق لصندوق النقد الدولي برسم السحب من خط الوقاية والسيولة، ي فسر هذا التطور بارتفاع الموجودات والتوظيفات بالذهب والعملات الأجنبية.

    أما رصيد العمليات مع الدولة فقد سجل ارتفاعا مهما ليصل إلى أكثر من 4 مليارات درهم، ونتج هذا التطور بالأساس عن التسديد الكلي لأصل المبلغ المستحق لبنك المغرب على الدولة برسم خط الوقاية والسيولة، إلى جانب تراجع موجودات الحساب الجاري للخزينة العامة (ناقص 3.4 مليارات درهم).

    ومن جهتها، انتقلت الوضعية الصافية لمؤسسات الائتمان من (ناقص 124.7 مليار درهم) في نهاية 2024 إلى (ناقص 127.2 مليار درهم) مع متم 2025، وهو ما يعكس ارتفاع التمويلات الممنوحة للبنوك في نهاية السنة.

    أما رصيد العمليات المتعلقة بممتلكات البنك، فقد بلغ أكثر من 8.66 مليارات درهم، أي بزيادة بنسبة 4 في المائة، مدفوعة بارتفاع الرساميل الذاتية ومثيلاتها بـ 1.06 مليار درهم لتصل إلى 7.58 مليارات درهم.

    وتترجم هذه الأخيرة تعزيز الرساميل الذاتية لبنك المغرب عقب تخصيص مليار درهم برسم هذه السنة لصناديق الاحتياطيات الخاصة، إلى جانب انخفاض قدره 712.5 مليون درهم في النتيجة الصافية للبنك التي بلغت 5.74 مليارات درهم.

  • متى ينتقل التمكين الاقتصادي للنساء من شعار إلى واقع؟

    متى ينتقل التمكين الاقتصادي للنساء من شعار إلى واقع؟

    لم يعد الحديث عن التمكين الاقتصادي للنساء في المغرب يقتصر على كونه مطلبا يرتبط بالمساواة أو العدالة الاجتماعية، بل أصبح يحضر بشكل متزايد ضمن النقاشات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، والإنتاجية، وتنافسية الاقتصاد الوطني.

    ومع كل تقرير جديد حول سوق الشغل، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة؛ لماذا ما تزال مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي محدودة، رغم التحولات التي عرفها المغرب على مستوى التعليم، والإصلاحات التشريعية، وتعدد البرامج الموجهة لدعم التشغيل وريادة الأعمال النسائية؟

    يأتي هذا النقاش في سياق شهد ارتفاعا في عدد النساء الحاصلات على الشهادات الجامعية، وتوسيعا لعدد من برامج الإدماج الاقتصادي، إلى جانب إدماج مقاربة النوع في عدد من الاستراتيجيات العمومية، غير أن تقييم أثر هذه الجهود يظل مرتبطا بما تعكسه المؤشرات الرسمية، وفي مقدمتها المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، التي تتابع تطور مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي وتقيس مدى حضورهن داخل سوق الشغل.

    وتظهر إحصائيات سنة 2025 أن معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء بلغ 19 في المئة، مقابل 68.5 في المئة لدى الرجال، فيما استقر المعدل الوطني عند 42.9 في المئة.

    وتزداد دلالة هذا المؤشر عند تتبع تطوره خلال السنوات الماضية، إذ انتقل معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء من 28.1 في المئة سنة 2000 إلى نحو 19 في المئة سنة 2023، بينما تراجع المعدل الوطني خلال الفترة نفسها من 53.1 إلى 43.6 في المئة. ويعكس هذا المسار اتجاها مستمرا أكثر منه وضعية ظرفية، وهو ما جعل ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل يتحول إلى أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة المتعاقبة منذ أكثر من عقد ونيف.

    ورغم هذا التراجع، لم يعرف سوق الشغل جمودا كاملا خلال السنة الماضية، إذ سجل الاقتصاد الوطني إحداث 193 ألف منصب شغل سنة 2025، مقابل 82 ألفا خلال سنة 2024، توزعت أساسا بين قطاعات الخدمات والبناء والصناعة، غير أن ارتفاع عدد المناصب المحدثة لا يكفي وحده لقياس استفادة النساء من هذه الدينامية، وهو ما تدفع إليه قراءة مؤشرات البطالة.

    المعطيات نفسها تظهر أن معدل البطالة لدى النساء ارتفع من 19.4 في المئة سنة 2024 إلى 20.5 في المئة سنة 2025، في الوقت الذي تراجع فيه المعدل الوطني بشكل طفيف إلى 13 في المئة، ما يبرز أن تحسن بعض مؤشرات سوق الشغل لا ينعكس بالضرورة على مختلف الفئات بالوتيرة نفسها.

    وتقود هذه المؤشرات إلى ملاحظة أخرى، مفادها أن محدودية مشاركة النساء لا ترتبط فقط بعدد فرص الشغل المتاحة، بل أيضا بطبيعة البيئة التي تسمح لهن بولوج سوق العمل والاستمرار فيه، إذ إن خدمات الرعاية والحضانة، وإمكانية التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، ووسائل النقل، وجودة التكوين، ومرونة تنظيم العمل، كلها عوامل تؤثر في قرار المشاركة الاقتصادية، كما تؤثر في قدرة النساء على الحفاظ على استقرارهن المهني.

    واقع مرير واختيارات محدودة

    وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لـ “AM PLUS MEDIA”، أن ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي يعكس إشكالية بنيوية تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وثقافية، رغم الإصلاحات التي راكمها المغرب في مجال المساواة.

    ويوضح ليمينة أن العوائق لا ترتبط بكفاءة النساء، بل باستمرار المعيقات من قبيل ضعف خدمات الرعاية والحضانة، وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، واستمرار الصور النمطية، إضافة إلى محدودية ولوج النساء إلى القطاعات ذات القيمة المضافة، وارتفاع حضورهن في القطاع غير المهيكل.

    ويعتبر رئيس لجنة المساواة بالمجلس الوطني لـ”البام”، أن الاستثمار في النساء لم يعد خيارا اجتماعيا فقط، بل أصبح رهانا اقتصاديا يرتبط بتحسين الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، موضحا أن رفع مشاركة النساء في سوق الشغل يساهم في توسيع القاعدة الضريبية، وتحفيز الاستهلاك، ورفع الاستثمار في التعليم والصحة، بما ينعكس على النمو الاقتصادي.

    ولا يقتصر النقاش حول التمكين الاقتصادي للنساء على رصد المؤشرات أو تشخيص الإكراهات، بل يمتد إلى البحث عن السياسات القادرة على تحويل هذه الأرقام إلى نتائج ملموسة، إذ إن محدودية مشاركة المرأة في سوق الشغل لا ترتبط فقط بفرص العمل المتاحة، وإنما أيضا بقدرة البيئة الاقتصادية والاجتماعية على استيعابهن، وضمان استمراريتهن داخل الدورة الإنتاجية، ليتحول السؤال من كيف نرفع نسبة تشغيل النساء فقط، إلى كيف نجعل مشاركتهن أكثر استقرارا وجودة وإنتاجية؟

    هذا السؤال كان محور النقاش خلال منتدى المرأة، الذي نظمته الأمانة الإقليمية لحزب الأصالة والمعاصرة في 18 يوليوز الجاري بالدار البيضاء-أنفا تحت شعار “التمكين الاقتصادي للنساء… الواقع والآفاق”، بمشاركة مسؤولات ومنتخبات وخبيرات في قضايا التنمية والمقاولة والعمل الاجتماعي.

    وأكد المشاركون في المنتدى أن التمكين الاقتصادي لم يعد ملفا اجتماعيا معزولا، بل أصبح أحد المؤشرات التي يقاس بها مستوى التنمية وقدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة موارده البشرية.

    إكراهات خارج العمل

    وفي هذا الإطار، اعتبرت مليكة مزور، عضوة المكتب التنفيذي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، أن الحديث عن التمكين الاقتصادي لا يمكن فصله عن تمكين النساء من المشاركة في صناعة القرار، موضحة أن حضور المرأة داخل المؤسسات المنتخبة وهيئات التدبير لا يقتصر على تحقيق التمثيلية، بل ينعكس على طبيعة السياسات العمومية نفسها.

    واستحضرت مزور الإكراهات التي تواجه النساء في حياتهن اليومية، سواء تعلق الأمر بخدمات القرب، أو النقل، أو فضاءات رعاية الأطفال، أو ظروف التوفيق بين الحياة الأسرية والمهنية، مشددة على أن الاستثمار في هذه الجوانب يشكل مدخلا عمليا لتوسيع مشاركة النساء في سوق الشغل، لأن جزءا مهما من الإكراهات التي تحد من نشاطهن يرتبط بعوامل خارج المقاولة أكثر مما يرتبط بسوق العمل نفسه.

    ومن زاوية أكثر ارتباطا بالواقع اليومي للنساء داخل سوق الشغل، توقفت نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، عند عدد من الإكراهات الاجتماعية والمهنية التي ما تزال تحد من استقرار النساء في العمل، معتبرة أن التمكين الاقتصادي لا يرتبط فقط بإحداث فرص الشغل، بل أيضا بتوفير الظروف التي تسمح للمرأة بالاستمرار فيها.

    وأشارت إلى أن العديد من النساء يواجهن أشكالا مختلفة من المضايقات والتمييز داخل بيئة العمل، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالتوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمهنية، خاصة في ظل محدودية المرافق والخدمات الموجهة للأمهات العاملات، مثل دور الحضانة وفضاءات رعاية الأطفال، ما يدفع عددا منهن إلى الانقطاع عن العمل أو التخلي عن فرص مهنية.

    واعتبرت كوكوس أن تعزيز مشاركة النساء في سوق الشغل يقتضي مواكبة الإصلاحات الاقتصادية بإجراءات اجتماعية ومؤسساتية توفر بيئة عمل أكثر أمانا وإنصافا، وتضمن احترام الحقوق المهنية والاجتماعية للنساء.

    التمويل وحده لا يكفي

    أما مريم ولهان، نائبة عمدة الدار البيضاء، فقد تناولت الموضوع من زاوية المقاولة النسائية، معتبرة أن تشجيع النساء على إطلاق مشاريعهن لا يكتمل بمجرد توفير التمويل، مشيرة إلى أن التجربة أظهرت أن عددا من المشاريع النسائية يواجه صعوبات خلال سنواته الأولى بسبب محدودية المواكبة، وضعف الولوج إلى الأسواق، وصعوبة بناء شبكات مهنية تفتح آفاق الاستثمار والتسويق.

    واعتبرت أن تطوير منظومة متكاملة للمواكبة، تجمع بين التكوين والتأطير وربط المقاولات الناشئة بفرص الشراكة، يمثل أحد الشروط الأساسية لتحويل ريادة الأعمال النسائية إلى رافعة حقيقية للتشغيل وخلق القيمة المضافة.

    ولم يقتصر النقاش على التشغيل وريادة الأعمال، بل امتد أيضا إلى إعادة النظر في مفهوم المساهمة الاقتصادية للنساء، فجزء مهم من العمل الذي تؤديه النساء يوميا، سواء داخل الأسرة أو في مجال الرعاية، لا ينعكس في المؤشرات الاقتصادية رغم دوره في استقرار الأسر واستمرار النشاط الاقتصادي، ما يجعل عددا من الخبراء يعتبرون أن قياس المشاركة الاقتصادية للنساء يظل غير مكتمل إذا اقتصر على سوق الشغل النظامي وحده، دون استحضار الأدوار الأخرى التي تؤديها النساء داخل المجتمع.

    وتلتقي مختلف القراءات التي طُرحت، سواء من خلال المؤشرات الرسمية أو المداخلات التي شهدها منتدى المرأة، عند فكرة مفادها أن التمكين الاقتصادي للنساء لم يعد يُقاس بعدد البرامج أو المبادرات المعلنة، ولا بارتفاع معدلات التشغيل وحدها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في واقع مشاركة النساء داخل الاقتصاد الوطني.

    ومع استمرار معدل النشاط الاقتصادي للنساء دون عتبة 20 في المئة، يبرز أن التحدي اليوم في المغرب لا يرتبط فقط بإحداث فرص شغل جديدة، وإنما أيضا بتهيئة بيئة اقتصادية واجتماعية أكثر إدماجا، تتيح للنساء الولوج إلى سوق الشغل والاستمرار فيه، وتوفر لهن فرصا متكافئة في التكوين، والتمويل، وريادة الأعمال، والوصول إلى مراكز القرار.

    وبينما تؤكد المعطيات الرسمية استمرار الفجوة في المشاركة الاقتصادية بين النساء والرجال، تبرز مختلف المداخلات أن هذا الورش يظل رهينا بتكامل السياسات العمومية، وربط إصلاحات التشغيل بمنظومة أوسع تشمل اقتصاد الرعاية، والحماية الاجتماعية، وتأهيل الرأسمال البشري، ودعم المقاولة النسائية، بما يضمن انتقال المرأة من موقع المستفيدة من البرامج إلى فاعل اقتصادي يساهم في الإنتاج والاستثمار وخلق القيمة المضافة. وفي هذا السياق، يبقى الرهان المطروح هو مدى قدرة هذه الأوراش على تحويل التمكين الاقتصادي من هدف تتضمنه الاستراتيجيات والسياسات العمومية إلى أثر ملموس ينعكس على النمو، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، ويكرس مساهمة النساء كشريك أساسي في تحقيق التنمية.

    وفي هذا السياق، دعا المهدي ليمينة، رئيس لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، في تصريح لجريدة “AM PLUS MEDIA”، إلى اعتماد سياسات عمومية مندمجة تشمل تطوير اقتصاد الرعاية، وتحفيز المقاولات الدامجة، وتسهيل ولوج النساء إلى التمويل والاقتصاد الرقمي والصناعة والاقتصاد الأخضر، مشددا على ضرورة تعزيز آليات المواكبة والتكوين، بما يجعل المرأة شريكا أساسيا في خلق الثروة وتحقيق التنمية.

  • كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    كريم عايش: الشباب لم يهجر السياسة والثقة لا تبنى بالوعود الانتخابية

    لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يعزف الشباب عن السياسة، بل كيف يمكن للأحزاب أن تستعيد قدرتها على مخاطبة جيل تغيرت اهتماماته ووسائل تواصله وتطلعاته. وبين الاحتجاج والانتخابات، وبين الفضاء الرقمي والعمل الحزبي، تتجدد النقاشات حول مستقبل الوساطة السياسية ودور الشبيبات الحزبية في إعادة بناء الثقة.

    في هذا الحوار، يقدّم كريم عايش، محلل سياسي وباحث في القانون والعلاقات الدوليين، قراءة في واقع العلاقة بين الشباب والأحزاب بالمغرب، ويتوقف عند أسباب تنامي أشكال التعبير الجديدة، وآفاق تجديد الخطاب الحزبي، ودور المجتمع المدني والشبيبات في ترسيخ المشاركة السياسية لدى الأجيال الصاعدة.

    في تقديري، لا يمكن القول إن الشباب المغربي ابتعد عن السياسة كليا، بل ابتعد عن الأشكال التقليدية لممارسة السياسة. هناك جيل يعيش يوميا ضغط التشغيل، التعليم، الصحة، السكن، والهجرة، ويريد أجوبة سريعة وواضحة. عندما نعرف أن معدل البطالة وسط الشباب ما بين 15 و24 سنة بلغ حوالي 37.2 بالمئة سنة 2025، لدى نستطيع ان نفهم لماذا أصبح جزء من الشباب يشعر بأن الخطاب الحزبي لا يلامس دائما واقعه اليومي. وهذا لا يعني أن الأحزاب فقدت دورها، بل يعني أن عليها أن تقترب أكثر من لغة الشباب ومن قضاياه الملموسة.

    الأحزاب في الأصل لها وظيفة مهمة جدا؛ الدستور المغربي ينص على أنها تؤطر المواطنات والمواطنين وتساهم في تكوينهم السياسي وفي التعبير عن إرادة الناخبين. لذلك، المشكل ليس في وجود الأحزاب وهياكلها، بل في طريقة حضورها وسط الشباب. الشاب اليوم لا يريد فقط أن يسمع وعودا في فترة الانتخابات، بل يريد تواصلا مستمرا، حضورا في الجامعة، في الأحياء، في المنصات الرقمية، ويريد أيضا أن يرى شبابا حقيقيين داخل مواقع القرار الحزبي، لا فقط في الصفوف الخلفية.

    يمكن اعتبار هذه الاحتجاجات مؤشرا على وجود ضعف في الوساطة السياسية، لكن يجب أن نقول ذلك بحذر. الاحتجاج ليس دائما ضد الأحزاب أو ضد الانتخابات، بل أحيانا يكون رسالة قوية تقول إن هناك مطالب لم تجد طريقها الطبيعي عبر المؤسسات والهيئات الوسيطة. خلال العقد الأخير رأينا احتجاجات اجتماعية في مناطق مختلفة، وآخرها احتجاجات “جيل زد” حول قضايا مثل التعليم والصحة ومحاربة الفساد، وتم تنظيم جزء كبير منها عبر “تيكتوك”، و”إنستغرام” و”ديسكورد” وهذا معناه أن جزءا من الشباب أصبح يعتبر المنصات الرقمية أسرع من القنوات الحزبية والنقابية والجمعوية.

    لكن في المقابل، لا ينبغي أن نسقط في فكرة أن الاحتجاج بديل كامل عن الحوارات والنقاشات المؤسساتية. فالاحتجاج ينبه، يضغط، يطرح السؤال، لكنه لا يصوغ بالضرورة السياسات العمومية ولا يحول المطالب إلى قوانين وميزانيات وبرامج. وهنا تظهر أهمية الأحزاب والانتخابات؛ لأن الاقتراع هو الذي يفرز المجالس الجماعية والجهوية والبرلمان، وهذه المؤسسات هي التي تملك أدوات القرار والمراقبة والمساءلة. لذلك، المطلوب ليس معارضة الاحتجاج بالانتخابات، بل خلق جسر بينهما: مطالب الشارع يجب أن تجد من يصغي إليها داخل الأحزاب والمؤسسات.

    الشبيبات الحزبية يمكن أن تلعب دورا أساسيا، لأنها الأقرب عمريا ونفسيا إلى الشباب. دورها لا يجب أن يبقى محصورا في تعبئة انتخابية موسمية أو في ترديد خطاب القيادات. فالمطلوب أن تتحول إلى فضاء للتكوين والنقاش والاقتراح، وأن تفتح نقاشات صريحة حول التشغيل، التعليم، الصحة النفسية، الرقمنة، المقاولة، المشاركة المحلية، والبيئة. المغرب اليوم يضم أكثر من 36,8 مليون نسمة، وجزء كبير من النقاش العمومي يمر عبر الشباب والفضاء الرقمي، وبالتالي لا يمكن لأي حزب أن يتجدد دون تجديد علاقته بهذه الف ولا يمكنه مسايرة التغيرات المجتمعية دون العودة والانصات للشباب..

    كما أن الشبيبات مطالبة بأن تكون مدرسة سياسية حقيقية، لا مجرد واجهة تنظيمية. يجب أن تُكَوِّن الشباب في فهم الدستور، الجماعات الترابية، الميزانية، دور البرلمان، ودور المنتخب. كثير من الشباب ينتقد السياسة لأنه لا يرى نتائج مباشرة، لكن جزءا من المشكل أيضا هو ضعف الثقافة المؤسساتية. عندما نشرح للشباب كيف تُتخذ القرارات، وكيف يمكن التأثير فيها عبر التصويت، العرائض، الجمعيات، الإعلام، والمجالس المنتخبة، نكون قد بدأنا فعلا في إعادة بناء الثقة. الثقة لا تعود بالشعارات، بل بالممارسة والقرب والصد في الخطاب السياسي الذي يلامس الهموم والانتظارات ويبرز سبل الحل وكيفية تحقيقه.

    أكيد، لأننا أمام جيل رقمي بامتياز. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، حوالي 76.9 بالمئة من الشباب ما بين 15 و34 سنة يستعملون الإنترنت، وهذا رقم مهم جدا، ويعني أن الشاب لا ينتظر البلاغ الحزبي الطويل ولا الندوة التقليدية فقط؛ فهو يتابع فيديوها قصيرة، وبودكاست، ونقاشات مباشرة، وتدوينات، أو محتوى بصريا مبسطا. لذلك، فتجديد الخطاب لا يعني تبسيط السياسة إلى حد التفاهة، بل يعني شرح السياسة بلغة مفهومة ومباشرة ومرتبطة بحياة الناس.

    لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أن الرقمنة ليست فقط نشر صور وأنشطة على مواقع التواصل، فالخطاب الرقمي الناجح هو خطاب يتفاعل، يجيب، يعترف بالأخطاء، ويشرح المواقف دون تعالٍ.

    الشباب اليوم يميز بسرعة بين التواصل الحقيقي والتسويق السياسي، لذلك، إذا أرادت الشبيبات أن تكون مؤثرة، فعليها أن تذهب نحو محتوى يشرح مثلا ماذا يفعل المستشار الجماعي؟ كيف تُصرف ميزانية الجماعة؟ لماذا نصوت؟ كيف نحاسب المنتخب؟ هنا يصبح الخطاب الرقمي أداة للتربية السياسية، وليس مجرد دعاية.

    أرى أن هذا التوجه يمكن أن يكون إيجابيا إذا تم باحترام واضح لمنطق التربية المدنية، وليس بمنطق الاستقطاب المبكر أو التوظيف الحزبي الضيق. فالتلاميذ، حتى لو لم يكونوا ناخبين اليوم، هم مواطنو الغد. تعريفهم بالدستور، بالمؤسسات، بالمشاركة، بالانتخابات، وبقيم الحوار والاختلاف، يمكن أن يخلق جيلا أكثر وعيا وأقل نفورا من السياسة. في دول كثيرة، التربية على المواطنة تبدأ قبل سن التصويت، وهذا أمر طبيعي إذا كان الهدف هو تكوين وعي ديمقراطي لا توجيه اختيارات حزبية مسبقة.

    على المدى البعيد، مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة إذا احترمت ثلاثة شروط: الشفافية، التعددية، والبعد التربوي. بمعنى ألا تتحول المدرسة إلى مجال للدعاية، بل إلى فضاء لفهم الحياة العامة، وهنا يمكن لكل الشبيبات الحزبية، وليس شبيبة حزب واحد فقط، أن تساهم في تأهيل النقاش العمومي، لأن العملية الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط؛ بل قبل ذلك بسنوات، عبر بناء الثقة، وتكوين المواطن، وتعليمه أن صوته له قيمة، وأن السياسة ليست صراعا فارغا، بل وسيلة لتنظيم الاختلاف وخدمة الصالح العام. في انتخابات 2021 مثلا، بلغت المشاركة 50.18 بالمئة، وهذا رقم مهم، لكنه يذكرنا أيضا بأن توسيع المشاركة يحتاج عملا مستمرا مع الشباب قبل موعد الانتخابات، لا أثناء الحملة فقط.

  • من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    من إزالة الصفيح لمنع عودته.. كيف أعاد المغرب هندسة واحدة من أعقد سياساته العمومية؟

    تحول القضاء على دور الصفيح في المغرب من مجرد مشروع للسكن إلى واحد من أكبر الأوراش الاجتماعية والعمرانية التي أطلقتها المملكة منذ مطلع الألفية الثالثة، فعندما أعطى الملك محمد السادس سنة 2004 انطلاقة البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كان الهدف يتمثل في تمكين نحو 270 ألف أسرة من مغادرة السكن غير اللائق ووضع حد لظاهرة ظلت لعقود عنوانا للفوارق الاجتماعية والهشاشة داخل المجال الحضري، غير أن تعقيدات العقار وتسارع التوسع العمراني واستمرار الهجرة نحو المدن، إلى جانب ظهور تجمعات جديدة للسكن الصفيحي جعلت حجم التحدي يتضاعف مع مرور السنوات ليرتفع عدد الأسر المعنية بالبرنامج إلى أكثر من 509 آلاف أسرة.

    وبعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش، عاد الملف إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما أعلنت الحكومة الحالية أنها رفعت وتيرة معالجة دور الصفيح إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بالسنوات السابقة، وانتقلت من متوسط 6200 أسرة مستفيدة سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025، بالتوازي مع اعتماد مقاربة جديدة تقوم على إعادة الإسكان بدل الاقتصار على إعادة الإيواء وإشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي للمستفيدين وتشديد المراقبة للحد من ظهور تجمعات صفيحية جديدة.

    ولا يمكن تقييم حصيلة هذا الورش الوطني بمنطق الأرقام وحدها، لأن البرنامج لم يكن مجرد عملية لبناء مساكن أو إعادة إيواء أسر، بل سياسة عمومية واجهت على امتداد أكثر من عقدين تحديات عقارية واجتماعية وتمويلية وإدارية متشابكة. ومن ثم، فإن فهم نتائجه يمر عبر تتبع مساره منذ انطلاقه وقراءة التحولات التي عرفتها فلسفة تدبيره وآليات تنزيله، وقياس الأثر الذي أحدثته الإجراءات المعتمدة خلال الولاية الحكومية الحالية على وتيرة القضاء على دور الصفيح.

    من وعد بالقضاء على الصفيح إلى ورش مفتوح منذ عقدين

    عندما أعطى الملك محمد السادس في 26 يوليوز 2004، الانطلاقة الرسمية للبرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، كانت الدولة تراهن على طي أحد أكثر الملفات الاجتماعية تعقيدا داخل المجال الحضري، عبر استهداف نحو 270 ألف أسرة موزعة على 85 مدينة ومركزا حضريا.

    وقد قُدِّم البرنامج آنذاك باعتباره مشروعا وطنيا يروم القضاء التدريجي على السكن الصفيحي من خلال تعبئة مختلف المتدخلين واعتماد مقاربتي إعادة الإيواء وإعادة الهيكلة وربط التدخل السكني بتأهيل الأحياء وتجهيزها بالبنيات الأساسية، لكن مسار البرنامج لم يسر وفق التقديرات الأولى، فكلما تقدمت عمليات المعالجة كانت تتكشف معطيات جديدة توسع دائرة التدخل سواء نتيجة تحيين الإحصائيات أو إدراج تجمعات صفيحية لم تكن مشمولة عند الانطلاق أو استمرار تسجيل بؤر جديدة في عدد من المدن.

    وبذلك، لم يعد البرنامج يتعامل مع الرصيد الذي أحصي سنة 2004 فقط، بل مع واقع حضري متغير ليرتفع عدد الأسر المعنية تدريجيا إلى حوالي 509 آلاف أسرة، أي ما يقارب ضعف العدد الذي انطلق به البرنامج.

    وهذا التطور، تجاوز مجرد تغير في الأرقام إلى كشف أن القضاء على السكن الصفيحي يرتبط بتوفير وحدات سكنية بديلة، وأيضا بقدرة السياسات العمومية على مواكبة التحولات العمرانية والاجتماعية التي تعرفها المدن المغربية.

    بهذا الصدد، سجل المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره الرقابية أن البرنامج واجه خلال مراحل تنزيله إكراهات متعددة من بينها صعوبة تعبئة الوعاء العقاري وتعقيد مساطر نزع الملكية واختلال التنسيق بين المتدخلين وتأخر إنجاز مشاريع التجهيز، إضافة إلى محدودية بعض آليات التتبع، وهي عوامل انعكست على وتيرة الإنجاز وأدت إلى تمديد آجال استكمال البرنامج مقارنة بالأهداف الزمنية التي حددت عند انطلاقته.

    ورغم هذه الإكراهات، حقق البرنامج نتائج مهمة خلال العقدين الماضيين، إذ أعلنت السلطات تباعا عددا من المدن والمراكز الحضرية “مدنا بدون صفيح”، فيما استفادت مئات الآلاف من الأسر من حلول سكنية مختلفة، غير أن استمرار وجود تجمعات صفيحية خاصة في الأقطاب الحضرية الكبرى أبقى هذا الورش مفتوحا، ودفع الحكومة الحالية إلى إعادة صياغة منهجية التدخل، ليس عبر رفع الاعتمادات المالية فقط، بل أيضا من خلال مراجعة أدوات التنفيذ نفسها، وهي المقاربة التي ستشكل أحد أبرز عناصر تقييم الحصيلة خلال الولاية الحكومية الحالية.

    قبل 2021.. 15 سنة من الاختلالات

    عندما تسلمت الحكومة الحالية في أكتوبر 2021، تدبير ورش “مدن بدون صفيح”، لم تكن تنطلق من برنامج يسير وفق أهدافه الأصلية، بل من ورش كانت قد شخصت اختلالاته أعلى هيئة رقابية بالمملكة.

    ففي 23 يونيو 2020، قدم المجلس الأعلى للحسابات أول تقييم شامل للبرنامج منذ إطلاقه سنة 2004، بعد افتحاص استغرق سبعة أشهر وشمل فترة 2004-2018، واعتمد على تحليل 162 عملية ميدانية وزيارات لسبع جهات تمثل 98 في المئة من الأسر المعنية إضافة إلى مراجعة 156 اتفاقية تغطي نحو 231 ألفا و675 أسرة.

    وخلص المجلس إلى أن البرنامج انحرف عن الجدول الزمني الذي وضع له، إذ كان يستهدف القضاء على دور الصفيح في أفق 2010، غير أن عدد الأسر المستهدفة ارتفع بدل أن يتراجع من نحو 270 ألف أسرة عند الانطلاق إلى 472 ألفا و723 أسرة بنهاية 2018 كما توسع نطاقه من 70 إلى 85 مدينة ومركزا حضريا، ما عكس استمرار الظاهرة بوتيرة أسرع من وتيرة معالجتها.

    وأرجع التقرير هذا التعثر إلى التمويل وتأخر بعض المشاريع، فضلا عن النموذج المعتمد نفسه، معتبرا أن البرنامج ركز على معالجة نتائج الظاهرة أكثر من أسبابها، في ظل غياب سياسة وقائية تحد من ظهور تجمعات جديدة، إلى جانب اختلالات في الحكامة تمثلت في ضعف التنسيق بين المتدخلين وغياب إطار قانوني ومنظومة معلوماتية موحدة وصعوبات مرتبطة بالعقار وتجهيز مواقع إعادة الإيواء وتعقيد المساطر، فضلا عن استمرار ظاهرة “الانزلاق” التي دفعت بعض الأسر إلى التخلي عن الوحدات أو البقع المستفاد منها.

    وهكذا، وجدت الحكومة الحالية نفسها عند بداية ولايتها أمام برنامج يعاني، وفق تشخيص رسمي للمجلس الأعلى للحسابات، اختلالات بنيوية مست الحكامة وآليات الاستهداف والسياسة العقارية ونموذج التدخل، بما جعل إصلاح هذه الأعطاب شرطا أساسيا قبل الحديث عن تسريع القضاء على دور الصفيح.

    من تغيير المقاربة إلى مضاعفة الوتيرة.. ماذا تغير منذ 2021؟

    إذا كان البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح” قد حافظ منذ إطلاقه سنة 2004 على الهدف نفسه؛ وهو القضاء على السكن الصفيحي، فإن أدوات تنزيله لم تبق على حالها، فالسنوات الأخيرة عرفت تحولا في طريقة تدبير هذا الورش، انطلق من مراجعة فلسفة التدخل نفسها، بعدما أظهرت التجربة أن الصيغ المعتمدة خلال المراحل السابقة لم تعد قادرة، وحدها، على مجاراة الطلب المتزايد على السكن اللائق ولا على تقليص الرصيد المتبقي داخل المدن الكبرى.

    وتقوم المقاربة الجديدة، التي اعتمدتها الحكومة منذ الولاية الحالية، على الانتقال من منطق “إعادة الإيواء” إلى منطق “إعادة الإسكان”، ففي حين كانت الصيغة التقليدية تعتمد أساسا على إعادة إيواء الأسر داخل تجزئات سكنية مع ما يرافق ذلك من إكراهات مرتبطة بتجهيز الأحياء وإنجاز البنيات التحتية، أصبح التوجه الجديد يقوم على توفير وحدات سكنية جاهزة عبر تعبئة المنعشين العقاريين والقطاع الخاص بما يسمح بتقليص آجال الإنجاز وتسريع استفادة الأسر.

    هذا التحول، انعكس مباشرة على وتيرة التنفيذ، فبحسب المعطيات التي قدمتها وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلس النواب نهاية يونيو الماضي، ارتفع متوسط عدد الأسر التي تتم معالجة وضعيتها سنويا من حوالي 6200 أسرة خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2021 إلى حوالي 18 ألف أسرة سنويا بين 2022 و2025 أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف.

    وأكدت أن هذا التطور جاء نتيجة رفع وتيرة الإنجاز فضلا عن اعتماد هندسة جديدة لتدبير البرنامج شملت إشراك القطاع الخاص وإحداث سجل وطني رقمي لضبط المستفيدين مع وتعزيز المراقبة الميدانية، وهو ما مكن وفق المعطيات الحكومية من تقليص انتشار دور الصفيح بنسبة 35 في المئة.

    ولتسريع إنهاء هذا الورش، اعتمدت الحكومة برنامجا خماسيا يمتد بين2024 و2028، يستهدف معالجة أوضاع 120 ألف أسرة ما تزال تقطن بدور الصفيح، تتوزع أساسا بين 62 ألف أسرة بالدار البيضاء الكبرى و30 ألف أسرة بمراكش و12 ألف أسرة بالقنيطرة وأكثر من 5100 أسرة بإقليم بنسليمان، إلى جانب تجمعات أخرى بمختلف جهات المملكة، فيما يقوم هذا البرنامج على هندسة مالية جديدة وعلى التوسع في إعادة الإسكان بدل إعادة الإيواء مع تعبئة الاستثمار الخاص لتسريع إنتاج الوحدات السكنية الجاهزة.

    وتشير الحصيلة التي قدمتها الوزيرة إلى أن المقاربة الجديدة مكنت من إنتاج31 ألفا و538 وحدة سكنية من بينها 23 ألفا و884 وحدة تم تسليمها للمستفيدين، فيما توجد 7654 وحدة في مراحل الاستكمال والتسليم، كما أكدت أن الوزارة أولت أهمية خاصة لضبط لوائح المستفيدين عبر سجل وطني رقمي باعتباره أحد الآليات الرامية إلى تعزيز الشفافية وتفادي الازدواجية في الاستفادة.

    ولا تعكس هذه الأرقام، بحسب المسؤولة الحكومية، سوى جزء من حصيلة البرنامج، فإلى غاية نهاية مارس الماضي بلغ عدد الأسر التي تحسنت ظروف عيشها في إطار البرنامج الوطني 384 ألفا و818 أسرة، فيما ارتفع عدد المدن والمراكز الحضرية التي أعلنت رسميا “بدون صفيح” إلى 62 مدينة ومركزا حضريا، بعدما كان البرنامج قد انطلق سنة 2004 مستهدفا 85 مدينة ومركزا حضريا و270 ألف أسر.

    وتشير المعطيات الحكومية إلى أن الكلفة الإجمالية للبرنامج بلغت 73.71 مليار درهم ساهمت الوزارة الوصية منها بحوالي 16.48 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم الاستثمار العمومي الذي خصص لهذا الورش منذ انطلاقته.

    ومع ذلك، فإن بلوغ 62 مدينة ومركزا حضريا خالية من دور الصفيح لا يعني نهاية البرنامج لأن التحدي انتقل من معالجة المدن التي استكملت تدخلاتها إلى استهداف الأقطاب الحضرية التي تستأثر اليوم بأكبر كثافة للسكن غير اللائق، وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى ومراكش والقنيطرة، لهذا فإن الرهان الذي تضعه الحكومة لنهاية سنة 2028 يقاس بعدد الوحدات التي سيتم إنتاجها فضلا عن مدى قدرة المقاربة الجديدة على إنهاء الرصيد المتبقي ومنع إعادة تشكل بؤر صفيحية جديدة بعد أكثر من عشرين سنة على إطلاق هذا الورش الوطني.

    وفي هذا الإطار يرى الخبير في السياسات الحضرية والإسكان أحمد بنزيان، أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو اختزال نجاح برنامج “مدن بدون صفيح” في عدد الأسر التي غادرت السكن العشوائي، إذ إن هذا المؤشر، على الرغم من أهميته، لكنه ليس المؤشر الحاسم، سيما وأن التجارب الدولية تبين أن النجاح الحقيقي يبدأ بعد تسليم المفاتيح وليس قبلها.

    وأوضح الخبير في حديثه لـ”AM PLUS MEDIA”، بأنه “إذا انتقلت الأسرة إلى سكن جديد لكنها بقيت بعيدة عن فرص الشغل أو عن النقل العمومي أو عن المدرسة أو عن الخدمات الصحية، فإننا نكون قد غيرنا شكل الهشاشة ولم نعالج مضمونها”.

    لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه الحكومة اليوم أكثر تعقيدا من تحدي الحكومات السابقة وفق تعبيره، لأنها “لم تعد مطالبة فقط بإزالة آخر الأحياء الصفيحية، بل بضمان ألا تعود هذه الظاهرة بأشكال جديدة داخل الهوامش الحضرية.”

    وزاد الخبير في حديثه للموقع، أن ما يلفت الانتباه في المقاربة الحالية هو أنها حاولت معالجة عدد من الاختلالات التي ظلت مطروحة لسنوات مثل رقمنة المستفيدين وإشراك القطاع الخاص والانتقال نحو إعادة الإسكان وهي خطوات يراها “يمكن أن ترفع من نجاعة التنفيذ، لكن نجاحها سيظل رهينا بقدرتها على الاندماج داخل سياسة حضرية أوسع”.

    وشدد بنزيان، على أن المدينة ليست مشروعا سكنيا بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، وإذا لم تتطور سياسات النقل والتشغيل والتجهيز والعدالة المجالية بالوتيرة نفسها، فإن خطر إعادة إنتاج الهشاشة سيظل قائما، حتى وإن اختفت آخر براكة.”

    من إنهاء الصفيح إلى منع عودته.. التحدي الذي ينتظر المغرب بعد 2026

    بعد أكثر من عقدين على إطلاق البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق أكثر منه أمام خط نهاية، فالأرقام الحكومية تشير إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة المعالجة وإلى اقتراب إغلاق آخر البؤر الكبرى.

    فبينما تكشف قراءة مسار البرنامج منذ 2004 أن كل مرحلة كان يُعتقد أنها الأخيرة كانت تفتح تحديات جديدة أكثر تعقيدا، بدأ المشروع كبرنامج لإزالة دور الصفيح، ثم تحول تدريجيا إلى سياسة لإنتاج السكن قبل أن يجد نفسه اليوم أمام سؤال مختلف تماما مفاده: كيف يمكن بناء مدينة لا تعود فيها ظاهرة الصفيح إلى الظهور؟

    وهنا تحديدا تنتقل المسؤولية من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الاستدامة، فإذا كانت المرحلة الأولى من البرنامج انصبت على إخراج الأسر من المساكن غير اللائقة، فإن المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بضمان ألا تدفع التحولات الاقتصادية والضغط العقاري واتساع الهوامش الحضرية إلى إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة السكنية.

    والتجارب الدولية، كما تؤكد أدبيات السياسات الحضرية، بينت أن القضاء على الأحياء الصفيحية لا يتحقق بمجرد نقل السكان إلى مساكن جديدة بل بقدرة المدينة على توفير بيئة عمرانية واجتماعية واقتصادية تمنع عودة الظاهرة في صور أخرى، سواء عبر البناء غير النظامي أو التوسع العشوائي أو الهشاشة السكنية المقنعة.

    ولهذا، فإن الحكومة التي ستنبثق عن انتخابات 2026 لن تبدأ من الصفر، كما أنها لن ترث برنامجا في بدايته بل ستتسلم المرحلة الأكثر حساسية منذ إطلاق هذا الورش، فالرصيد المتبقي حسب آخر المعطيات الرسمية التي قدمتها فاطمة الزهراء المنصوري لم يعد موزعا على عشرات المدن بل أصبح متمركزا في الأقطاب الحضرية الأكثر تعقيدا من حيث الضغط الديمغرافي والعقاري وفي مقدمتها الدار البيضاء الكبرى حيث تتداخل رهانات السكن مع إكراهات الوعاء العقاري، والنقل، والتشغيل، والاندماج المجالي وهذا يعني أن النجاح في السنوات المقبلة لن يرتبط فقط بقدرة الدولة على بناء وحدات سكنية إضافية، بل بقدرتها على إنتاج نموذج حضري يجعل السكن اللائق جزءا من منظومة متكاملة أكثر منه منتج عقاري.

    ومن هذه الزاوية، فإن اختزال حصيلة الولاية الحكومية الحالية في عدد الأسر التي غادرت دور الصفيح أو في عدد المدن التي أعلنت “بدون صفيح” رغم إيجابيتها يظلمها، على اعتبار أن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطا بمدى نجاح الإصلاحات التي أطلقتها في تحويل البرنامج من سياسة لمعالجة آثار الهشاشة إلى سياسة تمنع إعادة إنتاجها، فالمجلس الأعلى للحسابات كان قد شخص قبل وصول الحكومة الحالية، اختلالات مست الحكامة والعقار والوقاية وآليات الاستهداف، بينما تقول الحكومة إنها أعادت بناء جزء من هذه المنظومة عبر تغيير نموذج التدخل ورقمنة تدبير المستفيدين وإشراك القطاع الخاص، ورفع وتيرة الإنجاز.

    وبهذا، فإن الحكم النهائي على هذه التحولات لن يصدر مع نهاية الولاية، وإنما مع مرور السنوات عندما يتضح ما إذا كانت قد أغلقت فعلا آخر بؤر الصفيح، أم أنها أرست فقط شروط مرحلة جديدة من تدبيرها.