المدونة

  • الرئيس الانتقالي لمالي يشكر جلالة الملك ويجدد دعم مغربية الصحراء

    الرئيس الانتقالي لمالي يشكر جلالة الملك ويجدد دعم مغربية الصحراء

    استقبل الرئيس الانتقالي لجمهورية مالي، رئيس الدولة، الجنرال أسيمي غويتا، اليوم الجمعة في باماكو، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة.

    وخلال هذا الاستقبال، الذي يأتي على هامش أعمال الدورة الرابعة للجنة المشتركة للتعاون المغربي-المالي، أعرب الرئيس المالي عن شكره لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على الموقف الثابت والمتماسك للمملكة المغربية الداعم لسيادة جمهورية مالي، ووحدتها الوطنية، وسلامة أراضيها.

    كما أشاد الرئيس المالي بروابط الصداقة والتضامن القائمة بين البلدين، معربا عن شكره لجلالة الملك على دعمه متعدد الأشكال لمالي.

    ورحب رئيس دولة مالي بتطور العلاقات الثنائية، معبرا عن رغبة بلاده العمل مع المملكة المغربية لتعزيز هذه العلاقات في كافة المجالات.

    وفي السياق ذاته، جددت جمهورية مالي تأكيد “موقفها الداعم للوحدة الترابية للمغرب ولسيادته على كامل ترابه، بما في ذلك منطقة الصحراء”، مؤكدة في الوقت ذاته دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، باعتبارها “الحل الوحيد الجاد والواقعي لتسوية هذا النزاع الإقليمي”.

    وتم التعبير عن هذا الموقف في البيان المشترك الصادر في ختام أشغال الدورة الرابعة للجنة الكبرى المشتركة للتعاون المغربي-المالي، التي اختتمت أشغالها، اليوم الجمعة بباماكو، تحت الرئاسة المشتركة لوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي بمالي، عبدواللاي ديوب.

    وجاء في البيان المشترك، أن جمهورية مالي “تجدد دعمها لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، وكذا لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية، باعتبارها الحل الوحيد الجاد والواقعي لتسوية هذا النزاع الإقليمي، وذلك وفقا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025”.

    ويأتي هذا الموقف امتدادا لإعلان الحكومة المالية الصادر في 10 أبريل 2026، الذي أعلنت فيه جمهورية مالي رسميا سحبها اعترافها بالكيان الانفصالي المزعوم.

    وانعقدت الدورة الرابعة للجنة المشتركة للتعاون بين المملكة المغربية وجمهورية مالي، خلال الفترة من 21 إلى 24 يوليوز الجاري بالعاصمة باماكو.

  • وزير الدولة البلجيكي: رؤية جلالة الملك أحدثت تحولا عميقا في المغرب

    وزير الدولة البلجيكي: رؤية جلالة الملك أحدثت تحولا عميقا في المغرب

     أكد وزير الدولة البلجيكي، أندري فلاهو، أن المغرب يواصل، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مساره التنموي بثبات، مستندا إلى رؤية ملكية متبصرة وعمل استراتيجي طويل النفس، قوامه الاستقرار والتضامن وإنجاز المشاريع الهيكلية.

    وقال السيد فلاهو، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة على عرش أسلافه المنعمين، إنه “من الواضح أنه منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش، شهد المغرب تطورا لافتا في العديد من المجالات، وبوتيرة استثنائية، يمكن أن تثير الإعجاب، بل وحتى الغبطة، لدى العديد من الدول الأوروبية”.

    وأبرز السيد فلاهو، وهو أيضا الرئيس السابق لمجلس النواب البلجيكي، أن النموذج التنموي الجديد بالمغرب القائم على “الاستقرار المؤسساتي، والنمو الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي”، يستمد إحدى أبرز نقاط قوته من قدرة المملكة على استباق التحديات بفضل حكامة مستقرة، مكنت من تنفيذ إصلاحات هيكلية طويلة الأمد في قطاعات استراتيجية.

    وأشار، على الخصوص، إلى الطفرة التي عرفتها البنيات التحتية، وتحديث المرافق العمومية، فضلا عن التقدم المحرز خلال السنوات الأخيرة في المجالات الاجتماعية، والتعليم، والصحة، منوها بالإرادة الراسخة للسلطات المغربية في “ربط التنمية الاقتصادية بالتقدم الاجتماعي”.

    وأضاف أن هذا التوجه يفسر المقاربة التنموية التي يعتمدها المغرب، والقائمة على الجمع بين الاستقرار السياسي، والانفتاح على العالم، والقدرة على التوفيق بين الإصلاحات الاقتصادية والمتطلبات الاجتماعية.

    وفي هذا السياق، نوه وزير الدولة البلجيكي بالخيار الحاسم الذي اعتمده المغرب لفائدة إرساء مفهوم الدولة الاجتماعية، في وقت تفضل فيه عدة بلدان أوروبية انتهاج سياسات تقشف تنعكس أحيانا في تقليص النفقات المخصصة للتعليم والخدمات الاجتماعية.

    وأبرز أن المملكة المغربية تثبت أنه “بفضل الطموح والإرادة السياسية الواضحة، من الممكن بناء سياسات تنموية قوية، حتى في غياب الموارد النفطية”.

    وبخصوص انفتاح المغرب على محيطه الإقليمي والدولي، أكد الوزير أن المملكة فرضت نفسها تدريجيا كشريك موثوق وذي مصداقية ويحظى بالاحترام، سواء في إفريقيا أو في أوروبا.

    وأضاف أن المغرب يضطلع اليوم بدور “محوري” على مستوى القارة الإفريقية، ويمكن اعتباره، بالنظر إلى المبادرات العديدة التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لفائدة التعاون جنوب-جنوب وتنمية القارة، بمثابة “السفينة الرائدة” لإفريقيا، مشيدا بقيادة جلالة الملك وقدرة المملكة على توحيد مبادرات التعاون خدمة للشعوب الإفريقية.

    وأكد السيد فلاهو أنه “يوجد بالفعل وعي داخل المغرب، ولدى جلالة الملك دون شك، بالدور الذي يمكن أن تضطلع به المملكة في القارة الإفريقية”، معتبرا أن المغرب يرسخ مكانته بشكل متزايد باعتباره “بلد توازن ومرجعا” على الصعيد القاري.

    كما أشاد وزير الدفاع البلجيكي الأسبق بالالتزام المتواصل للمملكة لفائدة السلام والوساطة والاستقرار في إفريقيا، معتبرا أن كل مبادرة تروم تعزيز الحوار والتعاون والتضامن بين الشعوب تستحق التشجيع والدعم.

    وردا على سؤال بشأن أبرز السمات التي تميز عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أشار السيد فلاهو إلى “الرؤية، والإرادة في تجسيد المشاريع، وإعطاء الأولوية للتضامن والسلام”، سواء داخل المملكة أو في علاقاتها مع إفريقيا وأوروبا. ورأى أن المغرب بات اليوم “شريكا لا غنى عنه”، يتعين على أوروبا أن تعزز تعاونها معه بشكل أكبر.

    وفي ختام هذا الحوار، أبرز السيد فلاهو عمق العلاقات المغربية-البلجيكية، التي تغذيها روابط تاريخية مشتركة وعلاقات إنسانية واقتصادية وثيقة، مشيدا بالدور البطولي الذي اضطلع به الرماة المغاربة في بلجيكا خلال الحرب العالمية الثانية، ومنوها بإسهامهم في تحرير أوروبا من الجيوش النازية.

    كما سلط الضوء على الإسهام الكبير للجالية المغربية في المجتمع البلجيكي، معتبرا إياها رافعة أساسية لتعزيز التقارب المستدام بين البلدين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية.

    وخلص الوزير البلجيكي إلى أن الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين يشكل “لحظة متميزة لاستحضار تاريخنا المشترك، وتجديد التأكيد على روابطنا، وتعزيزها أكثر من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا معا، في روح من التضامن المتبادل”.

  • الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    الدعم الاجتماعي الجامعي.. إنجازات مرحلية ورهانات مفتوحة

    شكّل الدعم الاجتماعي الجامعي أحد أبرز التحديات التي واجهت منظومة التعليم العالي بالمغرب منذ سنوات، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي عرفها الطلب على المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية منذ سنة 2011.

    فقد ارتفع عدد المستفيدين من المنحة من حوالي 182 ألف طالب خلال الموسم الجامعي 2011-2012 إلى نحو 330 ألف مستفيد سنة 2015-2016، ثم إلى أكثر من 415 ألف مستفيد خلال الموسم الجامعي 2020-2021. في المقابل، لم يواكب الغلاف المالي هذا التوسع إلا بشكل تدريجي، إذ انتقل من حوالي 718 مليون درهم إلى ما يقارب 2.39 مليار درهم، ما يعكس فجوة متنامية بين الطلب المتزايد والقدرة التمويلية للمنظومة.

    ومع تجاوز عدد طلبة الجامعات العمومية حاجز مليون طالب مع بداية الولاية الحكومية الحالية، تفاقمت الضغوط على منظومة الدعم الاجتماعي، سواء على مستوى المنح أو الأحياء الجامعية أو الخدمات الموازية، وهو ما أفرز تحديات بنيوية أبرزها محدودية تغطية الطلبات، والاكتظاظ داخل الأحياء الجامعية، وارتفاع الطلب على الإيواء والإطعام، ما جعل من تكافؤ الفرص والحد من الهدر الجامعي أحد رهانات السياسات العمومية في القطاع.

    ومع انطلاق الولاية الحكومية في أكتوبر 2021، تسلمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ملفا مثقلا بتراكمات سنوات من الضغط، أبرزها اتساع قاعدة الطلب على المنح، وارتفاع الحاجة إلى الطاقة الإيوائية، وتزايد الطلب على تطوير الخدمات الاجتماعية الموجهة للطلبة.

    وفي هذا السياق، جعلت الحكومة إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي ضمن أولوياتها، عبر استهداف رفع نسبة تغطية المنح الجامعية إلى 97 في المئة من الطلبة المستحقين، إلى جانب توسيع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

    وباشرت الوزارة، وفق هذا التوجه، مجموعة من الإصلاحات التدريجية التي شملت تعزيز الاستفادة من المنح، وتحسين حكامة تدبيرها، وتوسيع العرض الإيوائي والخدمات الجامعية، إضافة إلى تسريع وتيرة الرقمنة وتحديث آليات التتبع والمراقبة.

    ضغط متواصل ورقمنة متقدمة

    وعرف الموسم الجامعي 2020-2021 استمرار الضغط على منظومة الدعم الاجتماعي، حيث بلغ عدد المستفيدين من المنح حوالي 403.689 مستفيدا، قبل أن يرتفع إلى 409.000 منحة خلال موسم 2021-2022، أي بنسبة تطور تناهز 1.3 في المئة، مع تسجيل نسبة حضور نسائي بلغت حوالي 57 في المئة.

    وخلال هذه المرحلة، تم تعزيز الرقمنة عبر فتح فضاءات رقمية لتدبير لوائح الطلبة، وإطلاق خدمات إلكترونية لتتبع وضعية المنح وإيداع الطلبات عن بعد، إضافة إلى تطوير نظام تدبير بطائق “منحتي”، حيث استفاد أكثر من 130 ألف طالب من خدمات الحجز الإلكتروني لاستلام بطاقاتهم البنكية.

    تعزيز الحكامة وربط الدعم بالاستحقاق

    وتميز الموسم الجامعي 2021-2022 باعتماد آليات تدقيق للوائح المستفيدين، ما أسفر عن توقيف حوالي 8200 منحة غير مستحقة، في إطار تعزيز الشفافية وربط الدعم بمعايير الاستحقاق الاجتماعي.

    كما ارتفعت الميزانية المخصصة للمنح بـ200 مليون درهم، لتنتقل من 1.831 مليار درهم إلى 2.031 مليار درهم، وتم كذلك تطوير المنصات الرقمية الخاصة بتدبير الطلبات داخل المغرب وخارجه، وتحسين آليات صرف المنح بشراكة مع الخزينة العامة للمملكة.

    وفي هذا السياق، أكدت ماجدولين النهيبي، أستاذة التعليم العالي بكلية علوم التربية بالرباط، أن نظام المنح الجامعية عرف تحولات مهمة مقارنة بالماضي، إذ انتقل من الاعتماد على معايير مرتبطة أساسا بمكان الدراسة إلى الاستناد على مؤشرات اجتماعية واقتصادية أكثر دقة، تعتمد السجل الاجتماعي الموحد ووضعية الأسرة.

    واعتبرت النهيبي أن هذا التحول يعزز نجاعة الاستهداف، مع ضرورة الحرص على عدم إقصاء أي طالب مستحق، خاصة من الفئات الهشة.

    وأضافت الأستاذة الجامعية أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يمثل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، لكنها شددت في المقابل على أهمية تطوير هذا النموذج بشكل ديناميكي ومستمر، بما يسمح بمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة وطنيا ودوليا، وضمان استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة في مختلف السياقات.

    توسع محدود وضغط متزايد

    وعلى مستوى الأحياء الجامعية، تم افتتاح الحي الجامعي تطوان-المضيق بطاقة 1008 أسرّة، وتوسعة الحي الجامعي بالرشيدية بـ1200 سرير، ليصل عدد الأحياء الجامعية إلى 23 حيا جامعيا بطاقة إجمالية تناهز 52.253 سريرا، منها حوالي 61.5 في المئة مخصصة للإناث.

    غير أن تداعيات ما بعد جائحة كوفيد-19 فرضت تقليصا مؤقتا للطاقة الإيوائية بنسبة بلغت حوالي 30 في المئة، حيث تم إيواء ما يقارب 37 ألف طالب وطالبة، مع تسجيل معدل استجابة لا يتجاوز 40 في المئة من الطلبات، ما يعكس استمرار الضغط البنيوي على هذا المرفق الاجتماعي.

    وفي سياق هذا النقاش المرتبط بمدى نجاعة معايير الاستفادة من المنح والخدمات الاجتماعية الجامعية، تؤكد الطالبة رهام كريمي، التي تتابع دراستها بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المعايير المعتمدة للاستفادة من المنحة لا تعكس دائما الوضعية الاجتماعية الحقيقية للطلبة، ما يجعلها، حسب رأيها، في حاجة إلى مراجعة أكثر دقة وإنصافا.

    وأضافت الطالبة، التي لا تستفيد من المنحة، أن غياب المنحة يزيد من حجم الأعباء المالية الملقاة على عاتقها وعلى أسرتها، ويجعل تحمل مصاريف الدراسة والتنقل والإقامة أكثر صعوبة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار مسارها الدراسي وظروف تحصيلها الأكاديمي.

    وأوضحت أنها لم تستفد أيضا من السكن الجامعي، رغم أن أسرتها تقيم بمدينة القصر الكبير، وهو ما يزيد من صعوبة وضعيتها، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف العيش بمدينة الدار البيضاء وصعوبة إيجاد بدائل سكنية ملائمة.

    وفي ما يتعلق بأبرز الإصلاحات المنتظرة، شددت على ضرورة إعادة النظر في معايير الاستفادة، خاصة ما يرتبط باعتماد المؤشر الاجتماعي، مع تحسين دقته وملاءمته للواقع المعيشي للطلبة، إلى جانب توسيع قاعدة المستفيدين من المنح، وضمان صرفها في آجالها المحددة، فضلا عن الرفع من جودة خدمات السكن والمطاعم الجامعية، بما يساهم في تخفيف الضغط الاجتماعي وتحسين ظروف الحياة الجامعية.

    ووفق معطيات الحصيلة المرحلية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، تواصلت الجهود الرامية إلى توسيع العرض وتحسين شروط الاستفادة من السكن والخدمات الجامعية، في محاولة للتقليص من حدة الفجوة بين الطلب المتزايد والقدرة الاستيعابية المحدودة.

    وشملت هذه الجهود إطلاق خدمات إلكترونية جديدة لتدبير السكن الجامعي، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين حكامة الأحياء الجامعية، إلى جانب تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص لإحداث إقامات طلابية جديدة.

    وفي تقييمها لهذه الحصيلة، اعتبرت ماجدولين النهيبي أن اعتماد الحكامة في تدبير ملف المنح والخدمات الاجتماعية يشكل خطوة إيجابية نحو عقلنة التسيير، من خلال إدخال مؤشرات دقيقة وآليات حديثة للتتبع والتقييم، غير أنها شددت على أن هذا النموذج يظل في حاجة إلى تطوير مستمر لمواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن استجابة أكثر فعالية لحاجيات الطلبة.

    تحسن المؤشرات وفجوة مستمرة

    وفي الموسم الجامعي 2024-2025، سجلت منظومة الدعم الاجتماعي خلال هذا الموسم تطورا ملموسا، حيث بلغ عدد المنح 421.551 منحة مقابل 407.178 خلال الموسم السابق، أي بنسبة تطور بلغت 3.5 في المئة، مع هيمنة الإناث بنسبة تقارب 63 في المئة.

    كما ارتفعت نسبة الاستجابة لطلبات المنح إلى حوالي 93 مقابل 82 في المئة، نتيجة تحسين الحكامة واعتماد السجل الاجتماعي الموحد وربط منصة “منحتي” بالمعايير الجديدة للاستحقاق.

    وعلى مستوى الإيواء، ارتفعت الطاقة الاستيعابية إلى حوالي 55.818 سريرا، مع تسجيل معدل استجابة لطلبات السكن في حدود 47 في المئة، مقابل استمرار ضغط الطلب الذي يفوق 46.700 طلبا.

    وفي هذا السياق، صرح آدم السعودي، طالب بالمدرسة العليا للتجارة والتسيير، أن المنحة ساهمت بشكل مهم في مواصلة دراسته وتخفيف جزء من الأعباء المالية عن أسرته، خصوصا ما يتعلق بمصاريف النقل واللوازم الدراسية وبعض الاحتياجات اليومية، غير أنه يعتبر أن قيمة المنحة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد كافية لتغطية فترة الصرف كاملة، داعيا إلى مراجعتها ورفع قيمتها بما يتناسب مع الظرفية الحالية.

    ويضيف الطالب ذاته أن اعتماد الرقمنة والسجل الاجتماعي الموحد ساهم في تبسيط الإجراءات وتحسين تنظيم عملية الاستفادة، مع تعزيز الشفافية وتقليص التعقيدات الإدارية، معتبرا أن هذه الخطوة إيجابية وتحتاج إلى مزيد من التطوير لتصبح أكثر سرعة وفعالية.

    وشدد على أنه رغم الجهود المبذولة فمنظومة الدعم الاجتماعي ما تزال بحاجة إلى مزيد من التحسين، سواء على مستوى قيمة المنحة أو جودة الخدمات المرتبطة بالسكن الجامعي والإطعام، من خلال تحسين ظروف الإقامة والصيانة والنظافة والتجهيزات، وتطوير جودة وتنوع الوجبات، بما يضمن ظروفاً دراسية ومعيشية أفضل للطلبة.

    وفي ضوء هذه المعطيات، وبين دينامية الإصلاحات واستمرار الضغوط البنيوية، يظل الدعم الاجتماعي الجامعي في قلب سؤال التحول: هل يتعلق الأمر ببداية مرحلة جديدة في تدبير هذا الورش الاجتماعي، أم باستمرار مسار إصلاحي تدريجي يحتاج إلى مزيد من الزمن والموارد؟

    وفي هذا السياق، يرى عدد من المتتبعين أن تقييم هذه الحصيلة يستوجب قراءة مزدوجة، تأخذ بعين الاعتبار حجم التراكمات من جهة، والظرفية الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة التي رافقت تنزيل هذه الإصلاحات من جهة ثانية، مع التأكيد أن التحدي الأكبر للمرحلة المقبلة يظل مرتبطاً باستدامة التمويل، وتوسيع العرض الجامعي، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الجامعية.

    نحو تغطية أوسع وإصلاح هيكلي

    وفي سياق استمرارية هذا الورش، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب في ماي المنصرم، أن الاستفادة من المنح الجامعية تبقى مرتبطة بمعايير السجل الاجتماعي الموحد، مشيرا إلى أن نسبة المستفيدين ارتفعت من 83 إلى 95 في المئة خلال الموسم الجامعي الحالي، على أن تبلغ 97 في المئة قبل نهاية الولاية الحكومية.

    وأوضح الوزير أن المنحة والسكن الجامعيين يشكلان ركيزتين أساسيتين لتحسين المردودية الدراسية والحد من الهدر الجامعي، مؤكدا مراجعة قيمة المنحة ومعايير الاستفادة، خصوصا عبر السجل الاجتماعي الموحد، بما يضمن استهدافا أدق للفئات المستحقة.

    كما كشف أن المغرب يتوفر حاليا على 23 مطعما جامعيا تُدبَّر في إطار التدبير المفوض، مع تحمل الدولة ما بين 30 و35 درهما عن كل وجبة، مقابل أداء رمزي لا يتجاوز 1.40 درهم من طرف الطالب.

    وفي ما يتعلق بالبنية الإيوائية، أقر الوزير بوجود خصاص واضح في الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية، حيث لا يتجاوز عدد الأسرة المتوفرة حوالي 60 ألف سرير، في حين تُقدَّر الحاجيات بنحو 400 ألف سرير، ما يعكس حجم الفجوة المسجلة في هذا القطاع.

    وفي مستجد لاحق خلال جلسة 29 يونيو بالبرلمان، أوضح ميداوي أن الوزارة تواصل جهودها لمعالجة هذا الخصاص من خلال مراجعة الإطار القانوني المنظم للمكتب الوطني للأعمال الجامعية الاجتماعية والثقافية، واعتماد نموذج حكامة جديد قائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف بلوغ الطاقة الاستيعابية المطلوبة في أفق سنة 2030.

    وأضاف أن القانون رقم 24.49 أتاح لأول مرة إمكانية مساهمة الجماعات الترابية والجهات، إلى جانب المحسنين والفاعلين الآخرين، في تمويل وإنجاز الأحياء الجامعية وتقديم الدعم، بعدما كان هذا المجال يفتقر إلى إطار قانوني واضح، داعيا مختلف المتدخلين إلى الانخراط في هذا الورش باعتباره مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة واستثمارات على المدى المتوسط والبعيد.

  • وزارتا الشباب والإسكان تنظمان مباراة لاختيار ممثل المغرب بمعرض الهندسة المعمارية بالبندقية

    وزارتا الشباب والإسكان تنظمان مباراة لاختيار ممثل المغرب بمعرض الهندسة المعمارية بالبندقية

    تنظم وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بشراكة مع وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مباراة لاختيار المشروع المؤهل لتمثيل المغرب في المعرض الدولي العشرين للهندسة المعمارية بالبندقية 2027.

    وأوضح بلاغ لوزارة الشباب والثقافة والتواصل أن على الفريق المختار سيكون تقديم عمل يرقى إلى مستوى التميز المعماري المغربي، ويعكس تجذره في المجتمعات والمجالات الترابية، وقدرته على الانخراط في مسار التنمية المستدامة.

    وتُنظم هذه المباراة على مرحلتين؛ تكتمل الأولى منها بحلول 10 غشت المقبل كموعد نهائي لإيداع أظرفة الترشيح.

    وأبرز البلاغ أن المباراة تهدف إلى اختيار فريق متعدد التخصصات من بين الكفاءات المعمارية الوطنية، ليُكلف بتصميم وتهيئة وإنجاز جناح المملكة المغربية. وتتولى لجنة تحكيم، تضم شخصيات مرموقة ومشهوداً لها في مجالات اختصاصها، انتقاء خمسة مشاريع في المرحلة الأولى، على أن تشهد المرحلة الثانية اختيار المشروع النهائي.

    ودعت الوزارة المترشحين المهتمين إلى زيارة الموقع الإلكتروني التالي للاطلاع على شروط وإجراءات المشاركة وإيداع ملفات ترشيحهم: https://mjcc.gov.ma/fr/avis-de-concours-architectural-2

    وحددت آجال إيداع الترشيحات من الإثنين 27 يوليوز 2026 إلى الإثنين 10 غشت 2026.

    وتشارك المملكة المغربية للمرة الثانية في المعرض الدولي العشرين للهندسة المعمارية بالبندقية 2027، بعد مشاركة أولى في بينالي البندقية للهندسة المعمارية سنة 2025، وحضور ناجح في بينالي البندقية للفنون سنة 2026.

    ويؤكد هذا التتويج، وفق بلاغ لوزارة الشباب والقافة والتواصل، الإشعاع الفني والإبداعي للمغرب على الساحة الدولية، تحت رعاية الملك محمد السادس. وتقام هذه الدورة لسنة 2027، التي أُوكلت قيمتها الفنية للمنسقَين “وانغ شو” (Wang Shu) و”لو وِنيو” (Lu Wenyu) من مكتب (Amateur Architecture Studio)، تحت شعار “ممارسة الهندسة المعمارية — من أجل إمكانية التعايش في مواجهة واقع ملموس”.

  • بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    بين الصدمات ورهان السيادة.. كيف واجه المغرب عاصفة الطاقة العالمية؟

    شهدت المنظومة الطاقية العالمية خلال السنوات الأخيرة واحدة من أعنف الأزمات منذ عقود، في سياق دولي اتسم بتوالي الاضطرابات، بدءا من تداعيات جائحة كوفيد-19 سنة 2020 وما خلفته من اختلالات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، وصولا إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط والغاز والفحم، وأعادت قضية الأمن الطاقي إلى صدارة أولويات الدول.

    وقد شكلت هذه التطورات ما يمكن وصفه بـ”صدمة الطاقة”، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على معدلات التضخم وأسعار المواد الأساسية والقدرة الشرائية للمواطنين عبر العالم.

    وعلى المستوى الوطني، فقد تزامنت هذه التطورات مع توقف العمل بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي سنة 2021، وهو ما وضع المغرب أمام تحديات إضافية مرتبطة بتأمين إمداداته من الغاز الطبيعي وتنويع مصادر التزود بالطاقة.

    وجاء ذلك في وقت كانت فيه المنظومة الطاقية الوطنية تواجه تحديات بنيوية مرتبطة بارتفاع التبعية الطاقية للخارج، التي ناهزت 88 في المئة من الحاجيات الطاقية، واستمرار الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، رغم التقدم المحرز منذ إطلاق الاستراتيجية الطاقية الوطنية سنة 2009.

    وفي المقابل، راكمت المملكة خلال السنوات الماضية مؤهلات مهمة في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدة من إمكاناتها الكبيرة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، ومن مشاريع استراتيجية واعدة، من قبيل الهيدروجين الأخضر ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، بما يفتح آفاقا لتعزيز الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.

    وأمام مخاطر انتقال آثار صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي وما قد ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية، اختارت الدولة التدخل من خلال تعبئة موارد مالية استثنائية بلغت نحو 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

    وفي هذا السياق، يطرح حجم التدخل المالي الذي خصصته الدولة لمواجهة تداعيات الأزمة، والمقدر بحوالي 79 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين ما 2022 و2025، تساؤلات حول الكيفية التي تم بها توظيف هذه الاعتمادات لتفادي انتقال صدمة الطاقة العالمية إلى الداخل المغربي، وما كان يمكن أن ينجم عنها من ارتفاع في أسعار الكهرباء وغاز البوتان وتفاقم الضغوط الاجتماعية.

    من تدبير الأزمة إلى تعزيز الأمن الطاقي

    فرضت التحولات التي عرفها قطاع الطاقة منذ سنة 2021 على المغرب تحديات مرتبطة بتأمين الإمدادات والتحكم في كلفة الطاقة، ما دفع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة إلى تبني مقاربة تجمع بين التدخلات الآنية والإصلاحات الهيكلية، بهدف تعزيز صمود المنظومة الطاقية الوطنية والحد من تداعيات الأزمة على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

    ومن بين أبرز التدابير التي اتخذها المغرب لمواجهة تداعيات الأزمة الطاقية، تفعيل آلية التدفق العكسي لأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، وذلك عقب توقف العمل به في اتجاهه التقليدي سنة 2021.

    وسمح هذا الإجراء بتغيير اتجاه نقل الغاز من إسبانيا نحو المغرب، وتمكين المملكة من استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، وضمان استمرارية تزويد محطتي تهدارت وعين بني مطهر بالغاز دون انقطاع.

    وفي هذا الصدد، أشار خبير الطاقات المتجددة محمد بوحاميدي إلى أن الدعم الذي خصصته الدولة خلال سنوات الأزمة كان ضروريا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحماية الأسر والمقاولات من الارتفاعات غير المسبوقة في أسعار الطاقة، غير أنه يؤكد أن الرهان على المدى البعيد يقتضي توجيه الجهود نحو الاستثمار في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية باعتبارهما الحل المستدام لتقليص فاتورة الطاقة وتعزيز الأمن الطاقي.

    وبالتوازي مع جهود تعزيز الأمن الطاقي، عملت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على تسريع تحديث البنيات التحتية الكهربائية لمواكبة الارتفاع المتزايد في حصة الطاقات المتجددة ضمن المزيج الطاقي الوطني، باستثمار 2.5 مليار درهم في مشاريع نقل الكهرباء خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، مع برمجة استثمارات إضافية تناهز 30 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030.

    وفي سياق تعزيز قدرة الشبكة الوطنية على استيعاب الإنتاج المتزايد من الكهرباء المتجددة، أطلقت المملكة عددا من المشاريع الهيكلية، أبرزها مشروع خط الضغط العالي جدا الرابط بين الجنوب والوسط بقدرة تصل إلى 3 جيغاواط، والذي يهدف إلى نقل الطاقات المتجددة.

    وتمت برمجة إضافة قدرات إنتاجية جديدة تصل إلى 15.672 ميغاواط خلال الفترة ما بين 2025 و2030، إلى جانب إدماج حلول التخزين الطاقي عبر إنجاز محطة منزل للضخ والتخزين بقدرة 350 ميغاواط المرتقب دخولها الخدمة سنة 2029، فضلا عن برمجة بطاريات تخزين بقدرة إجمالية تصل إلى 1.500 ميغاواط، في خطوة تروم تعزيز استقرار المنظومة الكهربائية الوطنية وتدبير الطابع المتقطع للطاقات المتجددة.

    ويرى محمد بوحاميدي في هذا الإطار أن تطوير شبكات نقل الكهرباء وتعزيز قدرات التخزين وتشجيع التصنيع المحلي لمعدات الطاقات المتجددة، إلى جانب تسريع برامج النجاعة الطاقية، تشكل عناصر أساسية لتعزيز استقلالية المملكة في المجال الطاقي، مشيرا إلى أن استمرار التبعية لاستيراد الوقود الأحفوري يظل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن الطاقي الوطني، إذ يجعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والتحولات الجيوسياسية في الأسواق الدولية.

    وشملت التدابير المتخذة إصلاحا يهم الضريبة على القيمة المضافة المطبقة على الطاقة الكهربائية، وذلك في إطار مقتضيات قانون المالية لسنة 2024، الذي أقر مسارا تدريجيا لتوحيد أسعار هذه الضريبة، من خلال رفعها من 14 إلى 16 في المئة سنة 2024، ثم إلى 18 في المئة سنة 2025، وصولا إلى 20 في المئة ابتداء من سنة 2026. غير أن هذا الإصلاح أُرفق، خلال المرحلة الانتقالية، بآلية موازية تقوم على تخفيض التعريفات الصافية للكهرباء، بما يضمن عدم انعكاس الزيادة الجبائية على الفاتورة النهائية للمستهلكين، في إطار مقاربة تروم إصلاح النظام الضريبي مع الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر.

    كما أطلقت الوزارة في يوليوز 2022 الحملة الوطنية للاقتصاد في الطاقة تحت شعار “الاقتصاد في الطاقة، ربح لنا ولبلادنا”، والتي أسفرت عن خفض الاستهلاك الوطني للكهرباء بنسبة 3 في المئة خلال شهر دجنبر 2022، أي ما يعادل اقتصادا يقدر بنحو 800 جيغاواط ساعة، كما تم توزيع 240 مليون درهم في إطار منح تحفيزية لفائدة الأسر المقتصدة.

    وإلى جانب هذه الإجراءات، واصلت الوزارة تنفيذ برامج الكهربة القروية في إطار تعزيز العدالة المجالية وفك العزلة عن المناطق النائية، حيث تم ربط 747 دوارا بالكهرباء خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2021 إلى غشت 2025، لفائدة 17 ألفا و361 أسرة، إلى جانب ربط 2059 مؤسسة تعليمية و738 مسجدا و207 مستوصفات، باستثمارات بلغت 706 ملايين درهم.

    وساهمت هذه الجهود في رفع معدل الكهربة الوطني إلى 99,91 في المئة، مقابل 99,80 في المئة سنة 2021، بما يعكس استمرارية ورش الكهربة القروية ودوره في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للمناطق القروية.

    كما تم إطلاق برنامج PERG 2.0 القائم على الحلول الشمسية لفائدة الدواوير المعزولة التي يصعب ربطها بالشبكة التقليدية، وذلك من خلال اعتماد محطات كهروضوئية صغيرة وشبكات مصغرة أو تجهيز الأسر بأطقم شمسية فردية، بما يساهم في تعميم الولوج إلى الكهرباء وتقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.

    تسريع الانتقال الطاقي وبناء أسس السيادة الطاقية

    بعد التدخلات الاستعجالية الرامية إلى الحد من تداعيات أزمة الطاقة العالمية، اتجه المغرب نحو إطلاق إصلاحات هيكلية تروم بناء نموذج طاقي أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية، وذلك من خلال تسريع الانتقال الطاقي وتعزيز الأمن والسيادة الطاقية.

    وفي هذا الإطار، عملت المملكة على تسريع الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بالانتقال الطاقي، من خلال اعتماد القانون رقم 82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية، إلى جانب القانون رقم 40.19 المعدل للقانون رقم 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والقانون رقم 48.15 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء، بما ساهم في تعزيز انفتاح سوق الطاقة، وتوسيع ولوج المنتجين الخواص إلى الشبكة الكهربائية، وتشجيع الاستثمار الخاص في مشاريع الطاقات المتجددة.

    كما سجل المغرب تقدما ملحوظا في مجال الطاقات المتجددة، حيث ارتفعت حصته في القدرة الكهربائية المركبة من 37,1 في المئة سنة 2021 إلى 46,1 في المئة سنة 2025، مع إضافة 1733 ميغاواط من القدرات المتجددة الجديدة وتعبئة استثمارات تجاوزت 21 مليار درهم خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس تسارع وتيرة الانتقال الطاقي واقتراب المملكة من تحقيق هدفها المتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة بحلول سنة 2030.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي إدريس عيساوي أن المغرب انتقل بشكل ملموس من منطق التسيير الآني للأزمات إلى التأسيس التدريجي لنموذج طاقي أكثر مرونة وصمودا، مشيرا إلى أن الإصلاحات التشريعية والإنفاق الاستثنائي ساهما في تحويل المملكة إلى منصة جاذبة للمشاريع الكبرى والاستثمارات في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

    وفي المقابل، أكد أن هذا الانتقال لا يزال يواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها استمرار التبعية الطاقية للخارج، إلى جانب الفجوة القائمة بين ارتفاع القدرة الكهربائية المركبة ومحدودية مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج الفعلي للكهرباء.

    رهانات الانتقال الطاقي وأهداف المغرب في أفق 2030

    رغم التقدم المسجل، لا تزال المملكة تواجه تحديات بنيوية مرتبطة باستكمال الانتقال الطاقي وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التقلبات الدولية، خاصة في ظل استمرار التبعية الطاقية للخارج، التي لا تزال تناهز 88 في المئة من الحاجيات الطاقية الوطنية.

    وفي هذا الصدد، يرى المحلل الاقتصادي بدر زاهر الأزرق أن المغرب بدأ ينتقل من منطق تدبير الأزمة إلى منطق بناء الأمن الطاقي، من خلال الإصلاحات التي أُطلقت في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي، لكن هذا الانتقال ما زال في بدايته، لأن تحقيق السيادة الطاقية يحتاج إلى سنوات من الاستثمار، وإلى تسريع تنفيذ المشاريع، ورفع وتيرة الربط بالشبكات وتعزيز القدرات الصناعية المحلية المرتبطة بالطاقة.

    وتجسيدا لهذا التوجه، تراهن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، مع استهداف بلوغ 59 في المئة وفق مخطط التجهيز الكهربائي الجديد، إلى جانب تعبئة استثمارات تناهز 120 مليار درهم خلال الفترة 2025-2030، يخصص أكثر من 100 مليار درهم منها لمشاريع الطاقات المتجددة.

    كما تشمل الأوراش المستقبلية تطوير البنية التحتية الغازية الوطنية، لاسيما إنجاز وحدة استيراد الغاز الطبيعي المسال بناظور غرب المتوسط وربطها بالأنبوب المغاربي-الأوروبي والمناطق الصناعية، فضلا عن إنجاز خط الضغط العالي جدا الرابط بين جنوب ووسط المملكة بقدرة 3 جيغاواط.

    وفي هذا الإطار، اعتبر محمد بوحاميدي أن مراجعة خارطة طريق الغاز الطبيعي وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، موضحا أن الغاز الطبيعي يمكن أن يشكل طاقة انتقالية لضمان استقرار المنظومة الكهربائية، في حين يمنح الهيدروجين الأخضر للمغرب فرصة للتموقع كمركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، غير أن نجاح هذه المشاريع يظل رهينا بتسريع وتيرة الإنجاز وتكوين الموارد البشرية وتشجيع البحث العلمي وإشراك القطاع الخاص.

    كما يراهن المغرب على تعزيز موقعه كمركز إقليمي للطاقة النظيفة بين إفريقيا وأوروبا، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب تحقيق أهدافه المناخية المتمثلة في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 53 في المئة في أفق 2035، والالتزام بالحياد الكربوني بحلول سنة 2050.

    وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمية، يبقى تعزيز الأمن والسيادة الطاقية من أبرز التحديات الاستراتيجية المطروحة أمام المغرب، بما سيحدد إلى حد كبير ملامح المنظومة الطاقية الوطنية وقدرتها على الصمود في أفق 2030 وما بعده.

  • المغرب يسجل أقوى نمو اقتصادي في عشر سنوات

    المغرب يسجل أقوى نمو اقتصادي في عشر سنوات

    أفاد البنك الدولي في أحدث تقرير له، اليوم الخميس، بأن الاقتصاد المغربي ينمو بـ”أسرع وتيرة له” منذ أكثر من عشر سنوات، مدعوما بطفرة في استثمارات البنية التحتية وانتعاش القطاع الفلاحي.

    وأوضح البنك، في أحدث إصدار من “تقرير متابعة الوضع الاقتصادي بالمغرب – صيف 2026″، المعنون: “ترسيخ النمو: التحول الرقمي كرافعة للإنتاجية”، أن نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بلغ نحو 4.9 بالمائة خلال سنة 2025، مما يمثل أقوى أداء اقتصادي يسجله المغرب خلال عشر سنوات، مدفوعا بطفرة في الاستثمار العمومي المرتبط بالاستعدادات لكأس العالم 2030، وبوادر تعاف في القطاع الفلاحي.

    وحسب الإصدار، فإنه من المتوقع أن يظل النمو قويا عند 4.2 بالمائة خلال السنة الجارية، مدعوما باستمرار الاستثمار وقوة الطلب المحلي.

    ويبين التقرير أنه على الرغم من متانة الأسس الماكرواقتصادية للمملكة، فإن القفزة الكبرى المقبلة في مجال الإنتاجية ستعتمد على مدى عمق واتساع نطاق تبني المقاولات للتكنولوجيات الرقمية المتقدمة.

    وأضاف أن قدرة الاقتصاد المغربي على الصمود جديرة بالإشادة، مشيرا إلى أن الزخم الذي يشهده النمو الاقتصادي في البلاد حقيقي وملموس، مشيرا إلى أنه من أجل ضمان استدامة هذه المكاسب وتعزيزها، سيتعين بذل جهود موجهة لتحرير مصادر جديدة لزيادة الإنتاجية.

    وأفاد بلاغ صحفي للبنك الدولي يرافق التقرير أن التحول الرقمي يعد أقوى رافعة متاحة لتعزيز هذه الدينامية، كما أن المغرب يمتلك الطموح والأسس اللازمة لإنجاح هذا المسار.

    وعلى الرغم من ذلك، -يضيف التقرير-“لا تزال هناك رياح معاكسة”، من بينها تأثير الصراع في الشرق الأوسط على تكاليف استيراد الطاقة وأسعار الشحن، والذي يقدر أثره السلبي بنحو 0.8 نقطة مئوية مقارنة بمعدل نمو الاقتصاد المغربي قبل اندلاع الصراع.

    كما يظل نمو الاقتصاد المغربي قابلا للتأثر بوتيرة التعافي الاقتصادي لدى شركائه التجاريين الأوروبيين الرئيسيين.

    وأفاد التقرير أيضا أن معدل التضخم انخفض بشكل حاد إلى 0.8 بالمائة فقط، مما خفف الضغوط التي تراكمت في السنوات السابقة على الأسر والمقاولات.

    وسلط الضوء أيضا على “التقدم الكبير” الذي أحرزته الحكومة على صعيد المالية العامة، حيث نجحت في تقليص عجز الميزانية إلى 3.5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي. كما رفعت وكالة “ستاندرد آند بورز”، مؤخرا، التصنيف الائتماني السيادي للمغرب إلى “درجة الاستثمار”.

    ويظهر الفصل الخاص في التقرير أنه على الرغم من التقدم الملموس الذي أحرزته المقاولات المغربية في اعتماد الأدوات الرقمية، فإن أقل من مقاولة واحدة من كل خمس مقاولات تستخدم حاليا التكنولوجيات المتطورة، مثل برمجيات تسيير المؤسسات، ومنصات إدارة العملاء، أو أدوات التجارة الإلكترونية، استخداما مكثفا ومتكاملا.

    ويرى البنك أن تعميق اعتماد هذه الأدوات يمثل فرصة كبيرة، إذ تحقق المقاولات التي تتجه نحو استخدام أكبر للتكنولوجيات الرقمية مكاسب في الإنتاجية قد تصل إلى 70 بالمائة، وتنمو فرص الشغل فيها بوتيرة أسرع بنسبة 10 بالمائة، وتدفع أجورا أعلى بنحو 27 بالمائة في المتوسط.

    وخلص التقرير إلى أنه من شأن تقليص الفجوة الرقمية في المغرب بما يوازي مستوى البلدان المماثلة يمكن أن يرفع الإنتاجية الإجمالية بنسبة تتراوح بين 10 بالمائة و15 بالمائة.

  • وزارة التواصل تجري قرعة تدخلات الأحزاب بالإعلام العمومي

    وزارة التواصل تجري قرعة تدخلات الأحزاب بالإعلام العمومي

     تم اليوم الخميس بمقر قطاع التواصل – وزارة الشباب والثقافة والتواصل، تحت إشراف الكاتب العام للقطاع، عبد العزيز البوجدايني، إجراء القرعة المتعلقة بتوزيع تدخلات الأحزاب السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وذلك بحضور ممثلين عن الأحزاب السياسية وكذا ممثلي متعهدي وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية.

    وأوضح بلاغ لوزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع التواصل، أنه قد تم توزيع الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات المقبلة (27 حزبا) إلى ثلاث مجموعات. تضم المجموعة الأولى الأحزاب التي تتوفر على فريق برلماني بأحد مجلسي البرلمان أو على عدد الأعضاء المطلوب لتكوين فريق برلماني داخل المجلس المعني، حيث خصصت لهذه الفئة مدة بث من واحد وعشرين دقيقة على أساس ثلاث حصص من سبع دقائق لكل حصة.

    أما المجموعة الثانية، فتضم الأحزاب الممثلة في البرلمان دون فريق بالغرفتين، حيث سيخصص لكل حزب منها مدة بث من خمسة عشر دقيقة على أساس ثلاث حصص من خمس دقائق لكل حصة، بينما ضمت المجموعة الثالثة الأحزاب غير الممثلة في البرلمان والتي سيخصص لكل منها مدة بث من تسع دقائق على أساس ثلاث حصص من ثلاث دقائق لكل حصة.

    وستستفيد الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان من حصة فريدة تخصص لها في إطار ضيف النشرات الإخبارية (خمس دقائق لأحزاب المجموعة الأولى وثلاث دقائق لأحزاب المجموعة الثانية).

    أما بالنسبة لتغطية التجمعات الانتخابية، فستغطي وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية، يضيف البلاغ، تجمعا انتخابيا واحدا لكل حزب سياسي على أساس ثلاث دقائق لأحزاب المجموعة الأولى ودقيقتين ونصف لأحزاب المجموعة الثانية ودقيقتين لأحزاب المجموعة الثالثة.

    وأشار البلاغ إلى أنه قد تم توزيع فترات بث الحصص الخاصة بالحملة الانتخابية وفقا لمقتضيات المرسوم رقم 2.11.610 المتعلق باستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية، ولآلية تراعي عددا من المعايير منها حضور مختلف الأحزاب السياسية في الفترات الثلاث الرئيسية (الصباحية والزوالية والمسائية)، وكذا حضورها طوال الحملة الانتخابية وعدم تزامن بث حصص كل حزب في أكثر من وسيلة إعلامية.

    وعقب ذلك، تم إجراء القرعة لتحديد موقع كل حزب في خريطة وبرمجة بث الحصص المتعلقة بالحملة الانتخابية من خلال منح رقم لكل حزب سياسي.

  • فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    فاطمة الزهراء المنصوري.. الوجه الإنساني لـ”المرأة الحديدية”

    تقف فوق كرسي بلاستيكي، وحولها عشرات الوجوه التي لم تنم منذ الليلة السابقة، وعيون تبحث عن إجابات أكثر مما تبحث عن وعود. بلا ميكروفونات، ولا كاميرات، ولا إجراءات بروتوكولية تمهد لها الطريق، فقط امرأة تحاول أن تجعل صوتها يصل إلى آخر الواقفين في مركز إيواء متضرري زلزال الحوز.

    كانت تلك المرأة هي فاطمة الزهراء المنصوري. في تلك اللحظة، تراجعت الوزيرة والعمدة، وبرز وجه آخر، امرأة تحمل هم مواطنين، في مشهد لم يكن مرتبا، ولم يكن هناك من يبحث عن التقاط صورة مناسبة تتصدر منصات “البوز”.

    لكن ما لم يظهر في الفيديو المتداول هو ما سبق تلك اللحظة قبل أيام قليلة ليلة الزلزال؛ مكالمة قلقة من الرباط، وقرار اتخذ في دقائق، ثم طريق طويلة نحو مدينة لم تكن قد استوعبت بعد حجم فاجعتها ودمارها.

    تقول سلمى بنزبير، الأمينة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة الرباط: “ليلة الزلزال كنا في الرباط، واتصلت بي المنصوري بعد دقائق من الهزة التي بلغ مداها العاصمة، ولم نكن نعرف بعد حجم ما وقع، وقالت لي بقلق: يا ربي ما يكونوش الناس تضرروا”.

    تواصل بنزبير بتأثر وهي تسترجع تفاصيل ليلة حزينة: “بعد نحو عشرين دقيقة، اتصلت بي مجددا وقالت لي: خصنا نكونوا فمراكش مع الناس”، مضيفة أن المنصوري توجهت وحيدة تلك الليلة إلى مراكش بسيارتها الخاصة.

    ربما لم يكن ذلك المشهد سوى مفتاح لفهم شخصية فاطمة الزهراء المنصوري، فخلف الملامح التي توحي بالحزم، تقيم امرأة يصعب عليها أن تنظر إلى السياسة بوصفها منصبا أو امتيازا، فبالنسبة إليها، تبدأ المسؤولية حين يحتاج الناس إلى من يكون بينهم.

    لذلك، لم يكن حضورها مقتصرا على المدينة الحمراء، بل حملها التزامها الإنساني قبل مسؤوليتها إلى القرى والدواوير التي خلف الزلزال فيها وجعا كبيرا، في الحوز وشيشاوة وتارودانت وورزازات وغيرها، بسيارتها الخاصة، وهناك، لم تكن المسافات ما يشغلها أو يؤرقها، بل تشابه الوجوه التي فقدت بيوتا وأقارب، وتشابه الحاجة إلى من يصغي ويطمئن قبل أن يعد.

    من القانون إلى السياسة

    ملامحها، للوهلة الأولى، توحي بشخصية صارمة، نظرة حادة يقابلها حضور هادئ وكلمات محسوبة، لكن هذه الصورة لا تكتمل إلا عندما تبتسم، أو عندما تتحدث عن مراكش التي تسكنها، أو عن الشباب، أو عن النساء، أو عن السياسة كما تتصورها هي.

    المقربون منها يؤكدون أن قوة المنصوري لا تستمدها من القسوة، بل من فرط حساسيتها تجاه ما تعتبره واجبا، ولهذا تؤكد سلمى بنزبير أن إنسانية المنصوري الكبيرة هي التي صنعت منها امرأة حديدية، وليس العكس، فقوتها تأتي من إحساسها العميق بمسؤوليتها تجاه الناس، وعندما تختار أن تحارب، فإنها تفعل ذلك دفاعا عن قضية أو عن مواطن، لا من أجل إثبات ذاتها.

    لم تبدأ علاقتها بالسياسة داخل مقر حزبي، بل في مكتبة منزل العائلة وحول مائدة كانت النقاشات العامة جزءا من تفاصيلها اليومية، فهناك تشكل وعيها الأول، قبل أن تصقل دراسة القانون هذا الميل إلى الاحتكام للعقل والحجة والأرقام أكثر من الانفعال.

    تروي المنصوري، المزدادة في الثالث من يناير 1976 بمراكش، أن النقاشات السياسية كانت حاضرة داخل الأسرة، وأن والدها سفير المغرب السابق بالإمارات وباشا مراكش ونقيب المحامين بالمدينة الحمراء، عبد الرحمان المنصوري، رحمه الله، زرع فيها الاهتمام بالشأن العام، فيما غذت قراءاتها للكتب السياسية في ريعان شبابها هذا الميل.

    بدأت مسارها المهني محامية متخصصة في قضايا العقار والأراضي، قبل أن تجد نفسها، سنة 2008، ضمن المؤسسين الأوائل لحزب الأصالة والمعاصرة، بعد تجربة “حركة لكل الديمقراطيين”، التي جاءت في سياق أزمة العزوف السياسي التي كشفتها انتخابات 2007.

    لذلك، بالنسبة إليها، لم تكن السياسة خيارا فرديا بقدر ما كانت استجابة لسؤال كيف يمكن إعادة الثقة للمغاربة في العمل السياسي؟

    “امرأة حديدية” ولكن..

    توصف فاطمة الزهراء المنصوري بـ”المرأة الحديدية”، لكنها غير متحمسة لهذا اللقب؛ فالمقربون منها يرون أن الصورة التي ترسمها ملامحها الهادئة ونظراتها الحادة لا تعكس بالضرورة شخصيتها اليومية، فهم يتحدثون عن امرأة بشخصية مرحة بالفطرة المراكشية.

    بالنسبة إليهم، لا تنبع قوتها من القسوة، بل من إحساس عميق بالمسؤولية، لأنها تجمع بين الحزم في اتخاذ القرار واللين في التعامل مع الناس، وبين الصرامة في تدبير الملفات والقدرة على الإصغاء لمختلف الآراء، وربما لهذا يصفها بعض رفاقها بأنها “امرأة حديدية” لكن بقلب حساس، إذ لا تدخل معركة لإثبات ذاتها، بقدر ما تدخلها عندما تعتقد أنها تدافع عن فكرة أو مؤسسة أو مواطن.

    في المغرب، حيث ما تزال النساء فيه يشققن طريقهن إلى مواقع القرار بصعوبة، تحولت تجربة المنصوري إلى مصدر إلهام بالنسبة إلى عدد من الشابات. فداخل منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، تقول كثيرات إن مسارها وحضورها كان من بين الأسباب التي شجعتهن على طرق باب العمل السياسي، ليس لأنها قدمت خطابا موجها لاستقطاب النساء، وإنما لأنها جسدت، في نظرهن، إمكانية الوصول إلى المسؤولية من خلال العمل والتدرج داخل المؤسسات.

    وتقول ياسمين، إحدى المناضلات الشابات بالحزب، إنها اختارت الانضمام إلى الأصالة والمعاصرة بعدما رأت في فاطمة الزهراء المنصوري وزميلاتها في الحزب نموذجا مختلفا للمرأة السياسية؛ نموذجا يقوم على الكفاءة والانخراط في النقاش، في حزب يتيح للنساء التعبير عن آرائهن والمشاركة في صناعة القرار.

    ولا تفصل المنصوري نجاحها الشخصي عن مسار النساء الأخريات، فهي تردد، في أكثر من مناسبة، أن حضور المرأة في مواقع القرار لا ينبغي أن يبقى حدثا استثنائيا أو مناسبة للاحتفاء، بل أن يصبح أمرا طبيعيا، تقاس فيه المسؤوليات بالكفاءة والقدرة على خدمة الشأن العام فقط.

    السياسة في اختبار المواقف

    من بين أكثر مواقفها لفتا للانتباه تلك التي رافقت احتجاجات “جيل زد” وأحداث التخريب التي عرفتها العديد من المدن المغربية، ومن بينها مراكش.

    لم تكتف بإدانة أعمال التخريب، وطرحت سؤالا قد يبدو محرجا لمن يتولى مسؤولية تدبير الشأن العام والمحلي، بمن فيهم هي: “كيف ولماذا وصل أطفال في الثانية عشرة من العمر إلى الشارع في ساعات متأخرة من الليل؟”.

     بالنسبة إليها، كما تؤكد في كثير من تصريحاتها، لم يكن الحدث مجرد انفلات أمني، بل رسالة اجتماعية تستحق وقفة تأمل للفهم، لذلك لا تجد حرجا في الاعتراف بأن المغرب حقق مكاسب مهمة خلال العقود الأخيرة، لكنها ترى في الوقت نفسه أن الغضب الذي يعبر عنه الشباب دليل على أن جزءا من السياسات لم يصل بعد إلى أثره المنشود.

    وعندما وجدت نفسها في قلب الجدل المرتبط بملف أراضي تسلطانت، لم تلذ بالصمت، ولم تختبئ خلف البيانات أو البلاغات، بل خرجت إلى الإعلام، وأجابت عن “القيل والقال”، لتقطع شعرة معاوية بالتأكيد أن الأرض موضع الجدل ورثتها عن أبيها، وصرحت بممتلكاتها قبل تولي أي مسؤولية، وأن المجلس الأعلى للحسابات يتوفر على جميع المعطيات، معلنة استعدادها الكامل لأي تحقيق.

    ولا تبدو هذه المواقف، على اختلاف سياقاتها، معزولة عن بعضها البعض، لأن خيطا ناظما يجمع بينها؛ الميل إلى البحث عن جذور المشكلات لاستئصالها، وعدم التردد في تحمل مسؤولية الإجابة عنها، ففي نظر المنصوري، لا تقاس السياسة بقدرتها على إنتاج الخطابات، وإنما بقدرتها على مواجهة الأسئلة الصعبة.

    في قاموسها السياسة بعيدة عن الحسابات الضيقة، فهي تقول إن السياسة، إذا فقدت معناها، فلن يبق منها سوى الاسم، وإن معناها الحقيقي هو خدمة الآخرين، وهو ما يفسر ابتعادها عن الصدامات الإعلامية، وحرصها على الحديث عن الملفات أكثر من الأشخاص، وعلى الدفاع عن المشاريع أكثر من الدخول في سجالات سياسية، لأنها تؤمن بأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن المعارضة ليست عداوة، وأن الضرب تحت الحزام لا يبني سياسة ولا مؤسسات.

    وترى سلمى بنزبير أن هذا الأسلوب يجد جذوره في تكوينها الأكاديمي، وتبين أن المحاماة حاضرة في طريقة تفكيرها وفي أسلوب حديثها، مضيفة أن المنصوري “تمتلك رؤيتها الخاصة، ولا تحتاج إلى تزيين كلامها أو تغليفه بعبارات فضفاضة، فهي تتحدث بوضوح، وتعد بما تعتقد أنها قادرة على إنجازه، وعندما يتعذر عليها تحقيق شيء تقول ذلك بصراحة”.

    طريق طويل إلى القيادة

    يكاد يجمع الذين رافقوا فاطمة الزهراء المنصوري في مسارها السياسي على أنها لم تكن من السياسيين الذين يلاحقون المناصب، فكل مسؤولية تقلدتها جاءت بعد سنوات من العمل داخل هياكل الحزب، لا عبر حملات شخصية أو منافسة على المواقع، وحتى عندما كان اسمها يتردد لتولي مناصب قيادية، كانت تميل إلى ترك الحسم للتوافقات الحزبية، معتبرة أن المسؤولية تكليف أكثر منها مكسبا.

    وتؤكد إيمان عزيزو، التي عملت إلى جانبها منذ سنة 2016 داخل المجلس الوطني، أن اختزال صعود المنصوري في اسمها العائلي أو في دعم من مراكز النفوذ لا يعكس حقيقة مسارها، وتقول: “لم يأت بها أحد، وليس اسمها العائلي هو الذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم، فهي مناضلة تدرجت داخل مؤسسات الحزب، من التأسيس إلى المجلس الوطني ثم المكتب السياسي، واشتغلت أيضا داخل الأمانة الجهوية بمراكش، قبل أن تصل إلى مواقع المسؤولية.”

    وتستحضر عزيزو سنوات البدايات لتؤكد أن الطريق لم يكن مفروشا بالامتيازات، بل بالعمل اليومي والمنافسة، فقد كانت المنصوري تنكب على إعداد وثائق الحزب، وتحضر أشغال البرلمان، وتشارك في أعمال اللجان، وهي عضوة في المكتب السياسي، قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم بعد مسار طويل من التدرج التنظيمي.

    ولعل أكثر ما يعكس علاقتها بالسلطة أنها لم تتعامل مع المسؤوليات باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل باعتبارها امتدادا لمسار من الالتزام الحزبي، لذلك، حين كانت تتقدم إلى الواجهة، كان ذلك غالبا في لحظات احتاج فيها الحزب إلى شخصية قادرة على جمع التوافقات أكثر من حاجته إلى زعامة تبحث عن الأضواء.

    تقول بنزبير “هي لا تحب أن تبقى أسيرة المكاتب، ولا تنجذب إلى بيروقراطية الاجتماعات أو الخطب المنمقة، وتميل إلى الميدان، وإلى لقاء المواطنين والاستماع مباشرة إلى مشاكلهم ومطالبهم، وربما لهذا تحب مراكش كثيرا؛ لأنها تمنحها فرصة الاحتكاك اليومي بالناس”.

    وتضيف “وقتها ليس ملكها، فجزء كبير منه موزع بين شؤون المدينة، والوزارة، والحزب، والناس الذين يلجؤون إليها، وهي من الشخصيات التي يصعب عليها أن تفصل بين المسؤولية وحياتها اليومية”.

    حارسة التوازنات

    إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد عرف، منذ تأسيسه، محطات من التجاذب والانقسام وتغيير القيادات، فإن اسم فاطمة الزهراء المنصوري ظل واحدا من الأسماء القليلة التي حافظت على حضورها بعيدا عن منطق الاصطفافات. فرغم تغير القيادات، وتعاقب الأزمات، واشتداد الخلافات في بعض المحطات، لكنها بقيت على رأس “برلمان الحزب”، في سابقة تعكس حجم الثقة التي راكمتها داخل التنظيم.

    خلال ترؤسها للمجلس الوطني لولايتين، عاصرت ثلاثة أمناء عامين؛ إلياس العماري، فحكيم بن شماش، ثم عبد اللطيف وهبي، قبل أن تقود تجربة القيادة الجماعية لـ”الجرار”.

    وفي ذروة الأزمة التنظيمية التي هددت بتفكك الحزب قبيل مؤتمره الرابع، لم تكن أكثر الوجوه حضورا أمام الكاميرات، لكنها كانت من أكثرها تأثيرا خلف الكواليس، فقد اختارت، كما يروي عدد من قياديي الحزب، أن تلعب دور الجامع أكثر من دور الطرف، وأن تنحاز إلى الحفاظ على تماسك الحزب بدل الانخراط في معارك الزعامة.

    ولعل أكثر ما يلفت في مسارها أنها لم تصل إلى رئاسة المجلس الوطني عبر معارك داخلية، بل أعيد انتخابها وسط توافق واسع، وحتى عندما طرح اسمها لقيادة الحزب سنة 2020، فضلت، وفق روايات متقاطعة داخل “البام”، البقاء في موقع ترى أنه أكثر خدمة للحزب في تلك المرحلة، لتفسح المجال أمام عبد اللطيف وهبي.

    وهبي، يصفها بـ”ضمير الحزب”، لأنها تجمع بين الصرامة في الدفاع عن مبادئها واللين الإنساني العميق، أما داخل الحزب، فيرى كثير من مناضليه أن “الرئيسة”، كما يفضلون مناداتها، كانت في أكثر من محطة صمام أمان ساهم في احتواء الخلافات وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما كان الحزب يمر بأصعب اختباراته.

    القناعات تصنع الخصوم

    لم تكن كل محطات صعود فاطمة الزهراء المنصوري هادئة، فداخل حزب الأصالة والمعاصرة، كما في مواقع المسؤولية التي تقلدتها، ارتبط اسمها أحيانا بقرارات أثارت الجدل.

    ثباتها على مواقفها لم يمر دائما من دون كلفة، فمنذ السنوات الأولى لمسارها داخل الحزب، وجدت نفسها في قلب محطات تنظيمية وسياسية معقدة.

    فبالرغم من أنها دعمت انتخاب إلياس العمري أمينا عاما سنة 2016، لم تتردد لاحقا في معارضة طريقة تدبير الأزمة التي أعقبت الانتخابات التشريعية لتلك السنة قبل استقالته من الأمانة العامة. وفي خضم تلك المرحلة، انسحبت من اللجنة المكلفة بتدبير المرحلة الانتقالية، وهو موقف وضعها في مواجهة مع قيادة الحزب آنذاك.

    ولم تكن تلك المحطة سوى محطة في مسار سياسي اتسم بالتمسك بما تعتبره أولوية للمؤسسة على الأشخاص؛ ففي أزمة الحزب سنة 2019، وجدت نفسها في قلب محطة أخرى معقدة، حين انخرطت في “تيار المستقبل”، الذي دعا إلى تجاوز الانقسام الداخلي وعقد مؤتمر وطني يعيد ترتيب البيت الحزبي.

     ذلك الخيار وضعها في مواجهة مع القيادة القائمة آنذاك، وعلى رأسها الأمين العام، حكيم بن شماش، قبل أن تنتهي الأزمة بتسوية رأبت الصدع داخل الحزب، وبانتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب.

    تستحضر عزيزو، التي اشتغلت معها لسنوات داخل الحزب، هذه السمة بوضوح، فتقول إن المنصوري كانت معروفة بأنها تعبر عن مواقفها داخل مؤسسات الحزب، لا في الكواليس أو “الصالونات”، وتضيف: “كانت تقول رأيها في الاجتماعات، ولهذا احترمها المناضلون، حتى عندما اختلفوا معها.”

    وترى أن هذا الأسلوب أكسبها لقب “ضمير الحزب” قبل أن يطلق عليها لقب “المرأة الحديدية”، لأنها “كانت تشهد بالحق، وتدافع عما تعتبره مصلحة الحزب، حتى إن لم يرض ذلك بعض أصحاب المصالح الشخصية”.

    ولعل أبرز اختبار لهذا النهج كان قرار تجميد عضوية صلاح الدين أبو الغالي من القيادة الجماعية للحزب، في خضم أزمة داخلية حظيت باهتمام واسع، فقد دافعت القيادة الثلاثية، وعلى رأسها المنصوري، عن القرار باعتباره مرتبطا باحترام ميثاق أخلاقيات الحزب، بينما اعتبره منتقدون قرارا سياسيا قاسيا.

    وبالنسبة إلى من يعرفونها، ممن تحدثوا للجريدة عن شخصية المنصوري، فلم يكن أسلوبها دائما الطريق الأيسر، لكنه كان جزءا من الطريقة التي اختارت بها ممارسة السياسة.

    وبعد نحو عقد من العمل إلى جانبها، تلخص إيمان انطباعها بعبارة واحدة: “فاطمة الزهراء المنصوري من السياسيات القليلات اللواتي ما زلن يمارسن السياسة بالأخلاق، ففي زمن أصبح فيه قول الحقيقة يعد جرأة، كانت هي تعتبره جزءا طبيعيا من نبل العمل السياسي”.

    قيادة خارج النموذج التقليدي

    اختارت المنصوري، في حزب عرف بتقلبات قيادته، أن تكون “حارسة” التنظيم أكثر من صانعة الزعامة، لذلك لم يكن اختيارها منسقة للقيادة الجماعية معزولا عن المسار الذي راكمته.

    داخليا، وحتى في أعين المنافسين، لم يكن الرهان سهلا، فقد شكك كثيرون في قدرة ثلاثة أشخاص على قيادة “جرار” واحد، وتوقع البعض أن تتحول القيادة الجماعية إلى مصدر جديد للخلافات، أو في أفضل الحالات إلى صيغة انتقالية سرعان ما ستنتهي بالعودة إلى منطق الزعيم الواحد.

    لكن مع دنو التجربة من عامها الثالث، تبدو الصورة مختلفة، فقد استمر الحزب في أداء أدواره التنظيمية والسياسية، وواصل هيكلته التنظيمية الجديدة، وقوى حضوره في الحكومة والبرلمان، حتى أضحت التكهنات تضعه على رأس المرشحين لتصدر استحقاقات 23 شتنبر المقبل.

    لكن ذلك لم يمنع ظهور صراعات وهزات داخلية اختبرت النموذج الجديد للقيادة، على رأسها تجميد عضوية صلاح الدين أبو غالي، الذي عوض لاحقا بفاطمة السعدي، وقضية “إسكوبار الصحراء”، التي سُلّت شوكة الاتهامات للحزب بتجميد قبلي لعضوية المتهمين في الملف المنتمين للحزب.

    خارج حدود الحزب

    حين كلفها الملك محمد السادس في نهاية أكتوبر 2024 برئاسة البعثة الشرفية المرافقة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكن الاختيار يختزل في إتقان اللغات، بل في القدرة على تمثيل صورة المغرب في بعدها السياسي والثقافي والحضاري، فمثل هذه المناسبات لا تختبر فيها فقط المعرفة ببروتوكول الدولة، بل أيضا سعة الثقافة، والقدرة على إدارة حوار يتجاوز الملفات السياسية إلى التاريخ والمجتمع والفنون والهوية.

    لم يكن اختيار المنصوري لتكون أول امرأة يكلفها الملك محمد السادس لمرافقة رئيس دولة خلال زيارته الرسمية للمملكة مجرد إجراء بروتوكولي، بل محطة تعكس مسارا راكمت فيه ثقة داخل الحزب، ثم داخل الحكومة، وصولا إلى تمثيل الدولة في مناسبة دبلوماسية رفيعة.

    “عندما يتعلق الأمر بتمثيل المغرب، تظهر شخصية أخرى؛ أكثر رسمية، تستند إلى تكوينها القانوني، وإتقانها للفرنسية والإنجليزية، وثقافتها العامة الواسعة، فالنقاش في مثل هذه المناسبات لا يقتصر على السياسة أو الأحزاب، بل يمتد إلى الثقافة والمجتمع والتاريخ، وهي فضاءات تتحرك فيها بثقة”، تؤكد مقربة من المنصوري.

    وربما لهذا يصعب اختزالها في شخصية سياسية فقط؛ فهي تحمل في حديثها أثر المحامية، وفي قراراتها أثر المسيرة المحلية، وفي حضورها الخارجي أثر تكوين ثقافي جعلها تتحرك بين عوالم القانون والسياسة والثقافة بسلاسة.

    هل تكون امرأة المرحلة المقبلة؟

    في فبراير 2020، حملها مناضلو حزبها على الأكتاف عند انتخابها رئيسة للمجلس الوطني للمرة الثانية، ثم تكرر المشهد مع اختيارها منسقة للقيادة الجماعية، وبالنسبة إلى كثيرين داخل الحزب، لم تكن تلك مجرد لحظة احتفالية، بل إشارة إلى صعود سياسي متواصل، جعل اسمها يتردد كلما فتح النقاش حول الأجدر بقيادة الحكومة المقبلة.

    ويرى مقرب منها أن جمعها بين مسؤوليات ثلاث ثقيلة؛ وزيرة، وعمدة لمراكش، ومنسقة للقيادة الجماعية للحزب، جعلها نموذجا يثير، داخل عالم سياسي ذكوري، قدرا من التوجس لدى بعض الحريصين على مواقعهم، لأن نموذجا مماثلا للمنصوري لا يتكرر داخل الأحزاب الأخرى، حتى بين الرجال.

    ويؤكد أن شخصيتها متفردة في قدرتها على الجمع بين التدبير المحلي، والمسؤولية الحكومية، والقيادة الحزبية، من دون أن تتخلى عن طريقتها الخاصة في العمل، والحديث عن فرصها في ترؤس الحكومة لم يكن يوما من منظور مقاربة النوع، بل لأنها اليوم الأكفأ لتولي هذا المنصب.

    لكن المنصوري نفسها تتجنب استباق الأحداث، ولا تعلن طموحها، كما لا تبني خطابها على الوعود الشخصية، وتكتفي بالتأكيد أن الوطن أكبر من المناصب، وأن المسؤولية ليست غاية في ذاتها، وهي مستعدة لخدمة بلدها من أي موقع كان.

    ويجمع المقربون منها على عدم اختزالها في لقب “المرأة الحديدية”، فهي أقرب إلى سياسية تراهن على الهدوء أكثر من الشعبوية، وعلى المؤسسة أكثر من الشخص، وعلى القناعة أكثر من الطموح، واختارت أن تترك لمسارها، بكل ما فيه من نجاحات وانتقادات، مهمة التعريف بها. لذلك، ربما يكون أهم ما حققته فاطمة الزهراء المنصوري، حتى الآن، ليس المناصب التي تقلدتها، بل الصورة التي صنعتها، ليتحول السؤال من: من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟ إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا المسار السياسي؟

  • تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.. بين حصيلة الإنجازات وأسئلة الرهانات

    بعد مرور أكثر من عقد على الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، عاد ملف تفعيل طابعها الرسمي إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل تسارع الإجراءات الحكومية الرامية إلى إدماجها في مختلف مناحي الحياة العامة.

    ويعد القانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر سنة 2019، المرجع الأساسي لتحديد مراحل وكيفيات إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والفضاءات العمومية، غير أن بداية الولاية الحكومية الحالية في أكتوبر سنة 2021 كانت تتسم بمحدودية التفعيل الميداني، سواء على مستوى خدمات الاستقبال والتوجيه، أو حضور الأمازيغية في التشوير والمواقع المؤسساتية.

    ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، تبرز مؤشرات جديدة تعكس تسارع وتيرة تنزيل هذا الورش، من خلال إحداث آليات مؤسساتية وتمويلية مخصصة، وتوسيع حضور اللغة الأمازيغية داخل المرافق العمومية واعتمادها بشكل متزايد في عدد من الخدمات والفضاءات الرسمية.

    أين وصل تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟

    ويؤكد عبد الله بادو، عضو المكتب التنفيذي للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، أن الولاية الحكومية الحالية شكلت مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بعد الانتقال من حالة الجمود إلى الشروع في تنزيل إجراءات عملية مدعومة باعتمادات مالية مخصصة، همت تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاءات وبعض الخدمات العمومية.

    وفي هذا السياق، تبرز حصيلة وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الحكومة اتجهت إلى إرساء إطار مؤسساتي ومالي خاص بورش الأمازيغية في محاولة لتجاوز محدودية التنزيل، إذ كانت الإدارات العمومية تفتقر إلى خدمات استقبال مهيكلة باللغة الأمازيغية، كما كان حضورها شبه غائب في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية، فضلا عن غياب إطار ميزانياتي مخصص لهذا الورش أو بنية مؤسساتية مكلفة بتتبعه، إلى جانب محدودية الأدوات والمصطلحات الإدارية باللغة الأمازيغية.

    وأدرجت الوزارة دعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي، إلى جانب إصدار نصوص تنظيمية تحدد معايير الاستفادة من هذا الدعم بالنسبة للقطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، فضلا عن الجمعيات والقطاع الخاص.

    وتم أيضا إحداث مديرية مخصصة ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، مكلفة بتطوير استعمال اللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية وتتبع هذا الورش وتنسيق تنزيله بين مختلف القطاعات، في خطوة تعكس انتقال ملف الأمازيغية من بعده الرمزي والثقافي إلى مستوى السياسات العمومية المهيكلة.

    إدماج الأمازيغية في الإدارات العمومية

    وأبرز تقرير حصيلة وزارة الانتقال الرقمي برسم الولاية الحكومية 2021-2026 تسجيل تقدم على مستوى تقريب الخدمات العمومية من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، بعد سنوات من محدودية حضور هذه اللغة داخل المرافق الإدارية.

    وفي هذا الإطار، تم توظيف 491 عونا متخصصا لتأمين خدمات الاستقبال والتوجيه باللغات الأمازيغية بتنويعاتها الوطنية الثلاث؛ تاريفيت وتاشلحيت وتامازيغت، على مستوى المصالح المركزية واللاممركزة، إلى جانب تعبئة 1387 عونا إضافيا من خلال اتفاقيات خاصة، فضلا عن تخصيص 75 عونا للاستقبال الهاتفي باللغة الأمازيغية على مستوى 11 مركزا للاتصال تعرف ضغطا مرتفعا من حيث طلبات المواطنات والمواطنين.

    وشهدت السنوات الخمس الماضية بدء الإدارات العمومية في اعتماد التشوير ثنائي اللغة، من خلال نشر أكثر من 3153 لوحة ولافتة مدمجة للغة الأمازيغية على مستوى ثماني إدارات، مع وجود أكثر من ألفي لوحة إضافية في طور الإنتاج، إلى جانب برمجة إدماج الأمازيغية داخل المحطات الطرقية والمطارات والموانئ والطرق والطرق السيارة.

    ويؤكد لحسن أمقران، أستاذ اللغة والثقافة الأمازيغية، أن توظيف أعوان للاستقبال واعتماد التشوير الثنائي والترجمة الرقمية يمثل “خطوات مهمة لكسر الحاجز النفسي واللغوي بين الإدارة والمواطن”، خاصة بالنسبة لسكان المناطق القروية والجبلية وكبار السن الذين يواجهون صعوبات في التواصل مع الإدارة.

    وشدد أمقران على أن حضور الأمازيغية، بحروف “تيفيناغ” في الإدارات، يحمل بعدا رمزيا يتمثل في تعزيز شعور الناطقين بها بالتمثيل داخل الفضاء العام.

    وتبرز الحصيلة أن هذا الورش امتد ليشمل وسائل النقل والمركبات العمومية، حيث تم جرد 20 ألفا و385 مركبة تابعة للمديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والدرك الملكي والوقاية المدنية والمفتشية العامة للقوات المساعدة. كما تم إدراج الكتابة بالأمازيغية على 512 مركبة تابعة للأمن الوطني ووزارة الصحة، مع برمجة تعميمها على 19 ألفا و402 مركبة إضافية خلال السنوات المقبلة، في إطار تعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء العمومي وترسيخ هويتها البصرية داخل المرافق والخدمات التابعة للدولة.

    وعلى المستوى الرقمي، شهدت المواقع المؤسساتية بدورها خطوات نحو اعتماد ثنائية اللغة، من خلال ترجمة 310 آلاف و292 كلمة تهم محتويات المواقع الإلكترونية ووثائق التواصل الخاصة بـ12 مؤسسة، من بينها رئاسة النيابة العامة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة النقل واللوجستيك، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والصندوق المغربي للتقاعد، فضلا عن إنجاز دراسة لتقييم مستوى إدماج اللغة الأمازيغية في المواقع الإلكترونية الرسمية وإعداد خارطة طريق عملية لتنزيلها.

    وموازاة مع ذلك، عملت “وزارة السغروشني” على دعم التكوين والمصطلحية الإدارية، من خلال تكوين 130 موظفا في مجال التواصل باللغة الأمازيغية، وإعداد معجم إداري يضم 7949 مصطلحا بالأمازيغية، بهدف تيسير استعمال الأمازيغية داخل الإدارة وتعزيز التواصل الثنائي بين اللغتين الرسميتين للمملكة.

    الأثر على المواطن الناطق باللغة الأمازيغية

    تمثل الولاية الحكومية 2021-2026، وفق معطيات الحصيلة، مرحلة انتقالية في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مستوى الولوج التدريجي إلى خدمات عمومية متاحة باللغة الأمازيغية.

    وبهذا الصدد، شرعت مجموعة من الإدارات والمؤسسات العمومية في السنوات الأخيرة في تعزيز حضور الأمازيغية داخل الفضاء الإداري، سواء من خلال تعبئة ما يقارب ألفي عون للاستقبال والتوجيه باللغة الأمازيغية، أو عبر إدماجها في اللوحات واللافتات ومركبات الخدمة العمومية.

    واتجهت المواقع الإلكترونية الرسمية تدريجيا نحو اعتماد ثنائية اللغة، بما يتيح للمواطنين الناطقين بالأمازيغية الولوج إلى المعلومات والخدمات الرقمية بلغتهم، في حين أصبح بإمكانهم متابعة الجلسات العامة للبرلمان والندوات الصحفية الحكومية باللغة الأمازيغية.

    وامتد أثر هذا الورش إلى الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين، إذ تتيح الآليات الجديدة لدعم تفعيل الأمازيغية إمكانية تمويل مشاريع تروم إدماج “تيفيناغ” في الخدمات والوسائط التواصلية، بما يساهم في توسيع استعمالها خارج المجال الإداري والثقافي.

    وعلى مستوى تدبير الشأن العام، انتقلت الأمازيغية تدريجيا من كونها موضوعا ذا بعد رمزي وثقافي إلى مكون يندرج ضمن السياسات العمومية.

    ويعكس إعداد 25 مخططا قطاعيا وإطلاق تجربة نموذجية على مستوى 40 جماعة ترابية تشمل الاستقبال، والتكوين، وحملات التحسيس، والمواقع الإلكترونية، وإدراج اللغة الأمازيغية على علامات 12.725 مركبة، تشمل سيارات الإسعاف، ونقل الأموات، والنقل المدرسي، إضافة إلى التشوير داخل 30 محطة طرقية، (يعكس) توجها نحو إرساء مقاربة مؤسساتية تروم التعميم التدريجي لهذا الورش في أفق سنة 2030.

    ورغم هذه المؤشرات التي تعكس تقدما في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، يرى عدد من الفاعلين والباحثين في الشأن الأمازيغي أن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على الحياة اليومية للمواطنين الناطقين باللغة الأمازيغية لا يزال محدودا، وأن هذا الورش يواجه مجموعة من التحديات.

    وفي هذا السياق، أشار أمقران إلى وجود عدد من التحديات التي تحد من الأثر الفعلي لهذه الإجراءات، معتبرا أن خدمات الاستقبال باللغة الأمازيغية لا تزال في كثير من الأحيان “حبيسة البوابة”، في ظل عدم توفر أطر تتقن الأمازيغية في مختلف مراحل المسار الإداري.

    وأشار المتحدث إلى استمرار تأخر إدماج الأمازيغية في بعض القطاعات الحيوية، لاسيما قطاع العدالة، بسبب غياب مترجمين معتمدين ومحلفين داخل المحاكم، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بتمكين المتقاضين من التواصل بلغتهم الأم.

    ومن جهته، أكد عبدالله بادو أن هذه الإجراءات لم تنعكس بعد بشكل كامل على الحياة اليومية لجزء من المواطنين الناطقين بالأمازيغية، خاصة في المناطق القروية، معتبرا أن العديد منهم لا يزالون يواجهون صعوبات لغوية عند الولوج إلى عدد من المرافق والخدمات العمومية.

    وفي تقييمه للحصيلة، اعتبر بادو أن بعض التدابير المتخذة ما تزال تتسم بطابع جزئي، إذ يرتكز جزء منها على حلول مؤقتة، من قبيل الاستعانة بأعوان استقبال ومقدمي خدمات، بدل إرساء مأسسة شاملة تدمج الأمازيغية داخل مختلف مستويات الوظيفة العمومية.

    وأشار إلى أن حضور الأمازيغية في عدد من المنصات والخدمات الرقمية ما يزال في كثير من الأحيان شكليا، إذ لا يشمل مختلف الخدمات والوثائق والمساطر الرقمية، فضلا عن محدودية حضورها في عدد من المنصات الوطنية الكبرى، مثل منصات الدعم الاجتماعي المباشر والسجل الاجتماعي الموحد وبعض البوابات القانونية والإدارية الموجهة للمواطنين.

     ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز آليات الحكامة والتتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    2030 ورهان تعميم الأمازيغية في مختلف المرافق العمومية

    وتعي الحكومة حجم التحديات التي تواجه ورش تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، لذلك تُراهن خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2030 على الانتقال إلى مرحلة التعميم التدريجي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

    وتشمل هذه المرحلة توسيع تنزيل الورش ليشمل مجموع الجماعات الترابية، ومواصلة إدماج الأمازيغية في المركبات العمومية، وإطلاق منصة للتعليم عن بعد مخصصة للغة الأمازيغية، إلى جانب مواصلة ترجمة النصوص التشريعية وإعداد معجم قانوني متخصص.

    وفي هذا الإطار، أشار لحسن أمقران إلى أن الانتقال من “التدابير الترقيعية” إلى “المأسسة الشاملة” يقتضي التركيز على ثلاثة أوراش أساسية، تتمثل في تسريع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في السلكين الابتدائي والإعدادي، وتعزيز تكوين الموارد البشرية، إلى جانب دعم حضور الأمازيغية في مسار التحول الرقمي من خلال تطوير تطبيقات وخدمات حكومية رقمية تدعم حرف “تيفيناغ” وتيسر الولوج إلى الخدمات الرقمية التفاعلية لفائدة الناطقين بالأمازيغية.

    ودعا إلى تسريع وتيرة ترجمة النصوص التشريعية والقانونية، بما في ذلك الدساتير والقوانين التنظيمية ومدونة الأسرة وقانون الالتزامات والعقود، معتبرا أن “القوانين لا تحمي من لا يفهمها”.

    وفي السياق ذاته، يؤكد عبدالله بادو أن إنجاح المرحلة المقبلة يقتضي الانتقال من منطق التدابير القطاعية إلى مأسسة فعلية للأمازيغية داخل مختلف السياسات العمومية، وذلك من خلال مأسسة حضورها داخل الوظيفة العمومية، وتسريع تعميم تدريسها وتأهيل الموارد البشرية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني وتعزيز آليات التتبع والتقييم.

    وشدد بدوره على ضرورة تعزيز حضور الأمازيغية في مجالي العدالة والإعلام، والانتقال من حضورها الرمزي في الفضاء العام إلى استعمالها كلغة وظيفية تضمن الولوج الفعلي للمواطنين إلى الخدمات والحقوق.

    ومن هذا المنطلق، ورغم ما تحقق من تقدم في مسار تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وانتقاله من مستوى الاعتراف الدستوري إلى مرحلة التفعيل المؤسساتي، يبقى الرهان الأساسي للحكومة المقبلة متمثلا في ضمان استفادة المواطنين الناطقين بالأمازيغية من خدمات عمومية متاحة بلغتهم بشكل فعلي ومتوازن على مختلف جهات المملكة، بما يترجم المقتضيات الدستورية إلى ممارسات يومية ملموسة.

  • كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    كثافة التشريع.. حصيلة إصلاح العدالة بين الجرأة وكلفة الجدل

    ظلت أوراش كبرى لإصلاح العدالة لسنوات حاضرة في النقاش المؤسساتي والقانوني بالمغرب، فيما بقيت نصوص أساسية تنتظر المراجعة أو الحسم، رغم التحولات التي عرفها المجتمع وتطور انتظارات المواطنين والمهنيين.

    وبين تعقيد المساطر، وتراكم القضايا، وتحديات السياسة الجنائية، وضغط التحول الرقمي، استمر سؤال تحديث منظومة العدالة، مع الحفاظ على التوازن بين النجاعة القضائية وضمان الحقوق والحريات، يطرح نفسه بقوة.

    وسط هذا المشهد، تولى عبد اللطيف وهبي حقيبة العدل في أكتوبر 2021، ليجد أمامه تراكما من المشاريع والقوانين والمطالب المهنية التي امتد بعضها عبر حكومات متعاقبة.

    وغير أن أوراش الإصلاح بدأت قبل الحكومة الحالية، فالسمة التي طبعت الولاية الحالية تمثلت في فتح عدد من الملفات الثقيلة، والدفع بها من دائرة الانتظار إلى مراحل التشريع والتنفيذ.

    من المسطرتين المدنية والجنائية إلى العقوبات البديلة، ومن تنظيم المؤسسات السجنية إلى إعادة تأطير المهن القانونية والقضائية، ارتبط اسم وهبي بأوراش أثارت نقاشات واسعة واحتجاجات مهنية وخلافات انتقلت، في بعض المحطات، من طاولات الحوار إلى البرلمان ووسائل الإعلام.

    وفي أكثر من مناسبة، بدا الجدل حول شخصية الوزير وتصريحاته أعلى صوتا من النقاش حول طبيعة التحولات التي كانت تتحرك داخل الوزارة. ومع الاقتراب من نهاية الولاية الحكومية، يصبح السؤال المحوري حول الحصيلة التشريعية، ماذا تحقق؟ وهل تعبر كثافة النصوص التي تم إخراجها عن تحول فعلي في منظومة العدالة، أم عن إنتاج تشريعي سيظل أثره رهينا بقدرة المؤسسات على التنفيذ؟

    المسطرة المدنية.. من تراكم الملفات إلى فتح الأوراش الثقيلة

    تكشف قراءة حصيلة وزارة العدل عن تحرك الإصلاح على ثلاثة مستويات متوازية؛ قوانين دخلت حيز التنفيذ، ومشاريع قطعت مراحل متقدمة من المسطرة التشريعية، وأوراش ما تزال في طور الإعداد أو التفاوض.

    ولا تكمن خصوصية هذه الحصيلة في العدد وحده، وإنما في طبيعة المجالات التي مستها، فقد تحرك الإصلاح من قواعد التقاضي المدني والجنائي إلى فلسفة العقوبة وظروف تنفيذها، ومن التنظيم القضائي إلى المهن المرتبطة بالمحكمة، بالتوازي مع تحديث البنية التحتية والموارد البشرية وتوسيع الخدمات الرقمية.

    ويتقدم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قائمة الأوراش الكبرى التي طبعت هذه المرحلة، الذي يحدد الطريق الذي تسلكه الدعوى منذ ولوجها إلى المحكمة، مرورا بالتبليغ والإجراءات والطعن، وصولا إلى صدور الحكم وتنفيذه.

    وتنبع أهمية مراجعة هذا النص من كون قواعد التقاضي المدني ظلت تواجه تحديات مرتبطة بطول الآجال وتعقيد بعض المساطر وصعوبة تنفيذ الأحكام، بالتوازي مع الحاجة إلى إدماج التكنولوجيا في العمل القضائي.

    وقد مر القانون بمسار دستوري وتشريعي دقيق، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، التي صرحت بتاريخ 4 غشت 2025، بعدم مطابقة بعض مقتضياته للدستور. وبعد تعديل النص وترتيب الأثر على القرار، صودق على الصيغة الجديدة، قبل نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026.

    ولا تقتصر أهمية المسطرة المدنية الجديدة على تحديث الإجراءات التقليدية، بل تمتد إلى توفير سند تشريعي للتحول الرقمي، إذ إن بناء محكمة رقمية لا يمكن أن يتم عبر التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنح الإجراءات والوثائق الإلكترونية حجيتها القانونية وتنظم موقع التكنولوجيا في مختلف مراحل التقاضي.

    المسطرة الجنائية.. الإصلاح في منطقة الحقوق والحريات

    وبموازاة ذلك، شكل القانون رقم 03.23 المعدل للمسطرة الجنائية واحدا من أكثر الأوراش حساسية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحرية الفردية والحراسة النظرية والبحث والتحقيق والمحاكمة وحقوق الدفاع.

    وقد نشر القانون في الجريدة الرسمية في 8 شتنبر 2025، حاملا مقتضيات تتعلق بالتسجيل السمعي البصري للمشتبه فيهم الموضوعين تحت الحراسة النظرية في بعض الجرائم، وتنظيم ظروف تغذيتهم، وإحداث قاعدة بيانات مركزية للسجل العدلي، إلى جانب تدابير تراعي وضعية الأطفال الموجودين في تماس مع القانون.

    وتكمن حساسية النص في المعادلة التي تحكم كل سياسة جنائية، أي منح الدولة الوسائل الضرورية للبحث عن الجرائم وحماية المجتمع، مع إحاطة هذه السلطة بضمانات تحمي حقوق الأشخاص وتصون شروط المحاكمة العادلة.

    وبهذا المعنى، لم تمثل مراجعة المسطرة الجنائية تعديلا تقنيا لبعض المواد، وإنما محاولة لإعادة ترتيب جوانب من العلاقة بين سلطة البحث وحقوق الأفراد، فيما سيظل الاختبار الحقيقي مرتبطا بكيفية تنزيل الضمانات وتوحيد تطبيقها داخل مختلف المحاكم.

    وفي قراءة لطبيعة هذه الدينامية التشريعية، يرى خليل عبد العزيز، المحامي بهيئة الرباط والخبير القانوني، أن ولاية عبد اللطيف وهبي تميزت بإعطاء دفعة قوية لعدد من الأوراش الإصلاحية، في إطار تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز سيادة القانون، وتسريع البت في القضايا، وتقريب العدالة من المواطن.

    ويعتبر عبد العزيز أن الوزارة قادت ورشا تشريعيا واسعا شمل إصلاح المسطرة الجنائية، وتعزيز حقوق الدفاع، وتوسيع نطاق العقوبات البديلة، وتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بموجب القانون رقم 46.21، إلى جانب أوراش مرتبطة بالتوثيق والأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية.

    ويرى أن أهمية هذه الإصلاحات لا تكمن فقط في عدد النصوص، وإنما في اتصالها المباشر بحقوق المواطنين ومصالحهم، سواء تعلق الأمر بضمانات المحاكمة، أو تنفيذ الأحكام، أو حماية المعاملات القانونية والعقارية وتحسين البيئة الاستثمارية.

    لكن قياس أثر هذه الدينامية لا يمكن أن يتوقف عند النصوص، فالقانون لا يتحول إلى إصلاح بمجرد نشره، وإنما حين تبدأ مقتضياته في تغيير الممارسة، ومن بين مختلف الأوراش المفتوحة، تقدم العقوبات البديلة نموذجا يسمح بقياس المسافة بين إخراج القانون وبدء إنتاج أثره.

    العقوبات البديلة.. ثورة في قلب السياسات الزجرية

    يعد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة أحد أبرز النصوص التي ميزت هذه المرحلة، ليس فقط لأنه أضاف أنواعا جديدة من العقوبات، بل لأنه أعاد طرح السؤال حول فلسفة الجزاء الجنائي نفسها.

    فبعدما ظل السجن العقوبة المركزية في التعامل مع عدد واسع من الجرائم، فتح القانون المجال أمام بدائل تستهدف تحقيق التناسب بين الجريمة والجزاء، وتشجيع إعادة الإدماج، وترشيد اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

    وتشمل هذه البدائل الغرامة اليومية، والعمل لأجل المنفعة العامة، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى المراقبة الإلكترونية.

    وبعد ثمانية أشهر من دخول القانون حيز التنفيذ، كشف وزير العدل، في جواب عن سؤال كتابي للنائبة البرلمانية لطيفة أعبوث، أن عدد العقوبات البديلة الصادرة بلغ، إلى غاية 14 أبريل 2026، ما مجموعه 2605 عقوبات.

    وتصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ1075 مقررا، أي 41 في المئة من المجموع، تلاها العمل لأجل المنفعة العامة بـ1027 عقوبة، بنسبة 39 في المئة، ثم تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية بـ483 مقررا، أي 19 في المئة، فيما ظل اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية محدودا في 20 عقوبة فقط، بما يمثل واحدا في المئة.

    ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في عدد الأحكام فقط، وإنما في أثرها المباشر، فقد مكن تطبيق القانون، وفق معطيات الوزير، من الإفراج عن 1578 معتقلا، كما جنب 90 شخصا مدانا كانوا يتابعون في حالة سراح دخول المؤسسات السجنية.

    وبالنسبة إلى مئات الأسر، أصبحت العقوبات البديلة تغييرا فعليا في مسار تنفيذ العقوبة، فيما يمكن أن تساهم، بالنسبة إلى المؤسسات السجنية، في الحد من الاكتظاظ وتوجيه الإمكانات والبرامج التأهيلية نحو الحالات التي تقتضي طبيعة جرائمها تنفيذ عقوبات سالبة للحرية.

    غير أن الأرقام تكشف أيضا حدود التنزيل، فاستحواذ الغرامة اليومية والعمل لأجل المنفعة العامة على معظم الأحكام، مقابل محدودية المراقبة الإلكترونية، يعكس استمرار صعوبات مرتبطة بتفعيل بعض العقوبات ذات الطابع التقني.

    وقد أقر وهبي بوجود تحديات تتعلق بتتبع تطبيق المقررات القضائية، وتنوع الوضعيات الإجرائية، وحالات رفض التنفيذ أو الإخلال بشروطه، إلى جانب ضعف تفعيل بعض العقوبات، داعيا إلى تعزيز الآليات القانونية والتنظيمية وتقوية العدالة التصالحية والوساطة الجنائية.

    كما طالب بتوسيع نطاق الجرائم القابلة للاستفادة من العقوبات البديلة، مع مراعاة طبيعة الجريمة وخطورتها وشخصية مرتكبها وإمكانية جبر الضرر.

    من العقوبة إلى السجن وإعادة الإدماج

    لم يتوقف إصلاح السياسة العقابية عند إيجاد بدائل للسجن، بل امتد إلى ظروف تنفيذ العقوبة من خلال القانون رقم 10.23 المتعلق بتنظيم وتدبير المؤسسات السجنية، الصادر سنة 2024.

    وتنبع أهمية النص من كونه ينقل الإصلاح من قاعة المحكمة إلى مرحلة تنفيذ الحكم، لأن العدالة لا تنتهي بصدور العقوبة، وإنما تشمل أيضا ظروف الاعتقال وحماية كرامة السجين وإعداده للعودة إلى المجتمع.

    ويتقاطع هذا التوجه مع تطور اللجوء إلى الإفراج المقيد بشروط، إذ ارتفع عدد المستفيدين من 13 شخصا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نهاية 2021، إلى 160 سنة 2022، ثم 204 سنة 2023، و420 سنة 2024، وصولا إلى 447 مستفيدا إلى غاية 14 أكتوبر 2025.

    كما أبرمت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط ومساعدتهم على الاندماج في النسيجين الاجتماعي والاقتصادي.

    وتكشف هذه الدينامية توجها نحو توسيع أدوات السياسة الجنائية خارج منطق السجن وحده، من خلال الجمع بين العقوبات البديلة والإفراج المقيد بشروط وإعادة الإدماج. غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطا بقدرة المؤسسات على مواكبة المستفيدين اجتماعيا واقتصاديا حتى لا تتحول البدائل القانونية إلى حلول مؤقتة.

    الرقمنة.. إصلاح لا يرى في القانون فقط

    إذا كانت المسطرتان المدنية والجنائية والعقوبات البديلة تمثل الواجهة التشريعية للإصلاح، فإن الرقمنة شكلت وجهه التنفيذي الأكثر اتصالا بالحياة اليومية للمرتفقين.

    فقد تجاوزت نسبة الطلبات الإلكترونية للسجل العدلي 80 في المئة، فيما ناهزت طلبات شهادة الجنسية المغربية المقدمة عن بعد 90 في المئة من مجموع الطلبات المعالجة.

    كما تم إطلاق بوابة إلكترونية لطلبات العفو والإفراج المقيد، وخدمة الأداء الإلكتروني للغرامات، وتطبيق “محاكم”، والبوابة الإلكترونية للشكايات، والمكتبة القانونية الرقمية “عدالة”، ومنصة الحماية الإلكترونية “e-Himaya”، إلى جانب خدمات تتبع الملفات وجدول الجلسات وأداء مخالفات السير.

    وامتدت الرقمنة إلى العلاقة بين المحاكم والمهن القانونية والمؤسسات، من خلال منصات للتبادل الإلكتروني مع المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء، وأخرى لتتبع تنفيذ الأحكام الصادرة في حق أشخاص القانون العام، مفعلة لفائدة 17 وزارة و20 مؤسسة عمومية، فضلا عن التبادل الإلكتروني مع الأبناك وشركات التأمين وعدد من الإدارات.

    وخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2024، خصصت الوزارة أكثر من 124.6 مليون درهم للمشاريع الرقمية على مستوى الإدارة المركزية، ونحو 315.5 مليون درهم على المستوى الإقليمي.

    وبالنسبة إلى المواطن، يفترض أن يترجم هذا التحول إلى تقليص عدد التنقلات نحو المحاكم، وتبسيط الحصول على الوثائق والخدمات، وتقليص زمن الانتظار، فيما يمنح المهنيين إمكانية تتبع الملفات وتبادل المعطيات بشكل أسرع.

    وفي هذا السياق، يعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن ورش الرقمنة وإرساء تصور المحكمة الرقمية الموحدة يمثلان أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية خلال ولاية وهبي، بالنظر إلى ما تتيحه الخدمات الرقمية من إمكانات لتتبع الملفات القضائية ومواعيد الجلسات والإجراءات والأحكام عن بعد.

    ويرى أن المشروع، القائم على التنسيق بين وزارة العدل والسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة وهيئات المحامين، يمكن أن يشكل أداة مهمة لتعزيز الشفافية ومحاربة بعض مظاهر الفساد والبيروقراطية، من خلال التتبع الفوري والدقيق للعمليات القضائية والإدارية.

    حلقات متكاملة في مسار العدالة

    لم تقتصر الدينامية على قواعد التقاضي والعقوبة، بل امتدت إلى المؤسسة القضائية نفسها، من خلال القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي وتعديله بموجب القانون رقم 73.24.

    ويؤطر هذا الورش أصناف المحاكم وبنياتها واختصاصاتها والإدارة القضائية، فيما جرى، في إطار تنزيله، تحديث الخريطة القضائية للمملكة، في محاولة لتقريب الخدمات من المواطنين ومراعاة التحولات الديمغرافية والمجالية.

    كما شملت الدينامية قوانين تنظيمية مرتبطة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، في سياق استكمال البناء المؤسساتي للسلطة القضائية بعد تكريس استقلالها.

    لكن فعالية العدالة لا تتوقف عند القاضي أو صدور الحكم، لأن مسار القضية يمر عبر مهن تضطلع بالتبليغ والتنفيذ والخبرة والترجمة والتوثيق والدفاع. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم 46.21 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين، وهي مهنة ترتبط مباشرة بتبليغ الإجراءات وتنفيذ الأحكام، فالحكم لا يحقق غايته إذا تعثر تبليغه أو تنفيذه، ما يجعل إصلاح هذه الحلقة مرتبطا مباشرة بقدرة المواطن على الحصول فعليا على الحق الذي أقره له القضاء.

    كما شمل الورش الخبرة القضائية من خلال القانون رقم 44.22، إلى جانب إعداد مشروع قانون جديد لتنظيم مهنة الخبراء القضائيين، فضلا عن صدور القانون رقم 52.23 المتعلق بمهنة التراجمة المحلفين المقبولين لدى المحاكم.

    وفي مجال التكوين، صدر القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء، في تأكيد أن تغيير القوانين يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استيعابها وتطبيقها.

    وامتدت الحصيلة إلى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي يؤطر وسائل بديلة لتسوية المنازعات خارج القضاء التقليدي، بما يمكن أن يخفف الضغط على المحاكم ويوفر آليات أكثر مرونة، خصوصا في النزاعات التجارية والاستثمارية.

    كما شمل الإصلاح القانون رقم 71.24 المتعلق بمقتضيات الشيك، وهو مجال تتقاطع فيه السياسة الجنائية مع حماية الثقة في المعاملات الاقتصادية، حيث يرتبط الرهان بإيجاد توازن بين ضمان حقوق المستفيد وعدم الإفراط في توظيف العقوبة السالبة للحرية.

    وامتدت الإصلاحات إلى الأمن التعاقدي وحماية الحقوق العينية، من خلال الاشتغال على سجل الوكالات الرسمية وتنظيم دورات تكوينية للتعريف به وضمان حسن استعماله، بما يوفر إمكانية أفضل للتحقق من الوكالات ويعزز الثقة في المعاملات القانونية والعقارية والبيئة الاستثمارية.

    بين المنجز والأوراش المفتوحة

    إلى جانب القوانين النافذة، تضم حصيلة الوزارة مشاريع لم تستكمل جميع مراحلها، في مقدمتها مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي صادق عليه مجلس الحكومة في 8 يناير 2026، قبل مواصلة دراسته بالبرلمان بغرفتين والمصادقة عليه، قبل إحالته على المحكمة الدستورية، المنتظر منها حسم الجدل الذي رافق مشروع القانون بسبب رفض المحامين له.

    ويكتسي القانون حساسية خاصة بالنظر إلى موقع المحاماة في منظومة العدالة وارتباطها بحقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة، وهو ما يفسر النقاش المهني الواسع الذي رافقه.

    كما يوجد مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، الذي صادق عليه مجلس النواب في أبريل 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 58.24 المتعلق بمهنة التوثيق، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالأمن التعاقدي وتوثيق الحقوق والمعاملات الأسرية والعقارية والمالية.

    وتشمل المشاريع كذلك مشروع القانون رقم 53.23 المتعلق بالرسوم والمصاريف القضائية، وهو نص يرتبط بكلفة الولوج إلى العدالة، إلى جانب مشاريع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية، ومراجعة بعض مقتضيات مدونة الأسرة، ومراجعة مجموعة القانون الجنائي.

    التنفيذ.. من النص إلى المؤسسة

    منذ بداية الولاية، باشرت الوزارة 118 مشروعا في مجالي البناء والتهيئة بمختلف الدوائر القضائية، منها 35 مشروعا مدشنا بكلفة 1.35 مليار درهم، و20 مشروعا جاهزا للتدشين، و13 ورشا مفتوحا، إضافة إلى 50 مشروعا في طور الدراسة.

    كما تم إحداث وتجهيز 39 خلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، إلى جانب 23 فضاء أزرق داخل أقسام قضاء الأسرة، صممت لتوفير ظروف أكثر ملاءمة للأطفال أثناء تفاعلهم مع النظام القضائي.

    ولا يتعلق الأثر هنا بتحديث المباني وحدها، بل بتحسين ظروف استقبال المتقاضين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، داخل فضاء العدالة.

    وعلى مستوى الموارد البشرية، شهدت الولاية نقل المناصب المالية والوضعيات الإدارية للقضاة والملحقين القضائيين إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتخصيص 450 منصبا ماليا على مدى ثلاث سنوات لدعم أقسام قضاء الأسرة، وإحداث المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية.

    كما أشرفت الوزارة على برامج تكوينية لفائدة أطرها ومديريها الإقليميين والمساعدين الاجتماعيين، خصوصا في ما يتعلق بالعقوبات البديلة والمستجدات التشريعية، وعقدت، وفق معطيات الحصيلة، 42 جلسة مع الفرقاء الاجتماعيين بين سنة 2021 وماي 2026.

    غير أن الخصاص في الموارد البشرية يظل من أبرز التحديات، إذ يقدر بنحو 4500 موظف، وهو خصاص ترافع وزير العدل من أجل تقليصه عبر إحداث مناصب مالية جديدة.

    ويعتبر المحامي خليل عبد العزيز أن الاستثمار في التكوين والعنصر البشري يمثل شرطا أساسيا لإنجاح الإصلاحات، لأن المحكمة الرقمية تحتاج إلى موظفين قادرين على تشغيلها، والعقوبات البديلة إلى أطر تتولى تتبعها، فيما تتطلب القوانين الجديدة تكوينا مستمرا يضمن حسن فهمها وتطبيقها.

    ويخلص الخبير القانوني، في تقييم أكاديمي، إلى أن حصيلة عبد اللطيف وهبي تعكس “قيادة عملية وطموحة” نجحت في إعطاء دفعة قوية لإصلاح منظومة العدالة، خصوصا من خلال الرقمنة وتحديث التشريعات والانكباب على قضايا تمس في جوهرها حقوق المواطنين ومصالحهم.

    ومع ذلك، يعتبر أن الخصاص في الموارد البشرية وتحديات التنسيق المؤسساتي يحتاجان إلى معالجة أسرع، حتى تتمكن المنظومة من استيعاب الترسانة القانونية التي أخرجت خلال هذه الولاية، ويرى أن الدينامية التي أطلقها وهبي يمكن أن تشكل إرثا إصلاحيا مهما، شرط ضمان استمرارها وتسريع التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة.

    كلفة الإصلاح.. بين منطقي التصادم والحسم

    وتكشف حصيلة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل عن مرحلة اتسمت بكثافة الأوراش وتعدد مستوياتها، ولا يعني ذلك أن جميع هذه الأوراش بدأت مع وهبي أو أنها اكتملت كلها خلال ولايته؛ فالإنصاف يقتضي الاعتراف بتراكمات الحكومات والوزراء السابقين، والتمييز بين القوانين النافذة والمشاريع التي لم تستكمل مسارها بعد.

    لكن السمة الأبرز لهذه المرحلة تظل في الدفع بعدد كبير من الملفات الثقيلة إلى واجهة التشريع والتنفيذ خلال فترة متقاربة، بدل الاكتفاء بتدبير الشؤون اليومية للقطاع أو تأجيل الأوراش المثيرة للخلاف.

    ولم تكن كلفة هذه الأوراش قانونية وتقنية فقط، بل كانت سياسية ومهنية أيضا، فكل تعديل يمس قواعد التقاضي أو صلاحيات المهن القانونية يعيد توزيع الأدوار والمصالح داخل منظومة شديدة الحساسية، وهو ما يفسر انتقال الخلاف، في بعض الملفات، من النقاش التقني حول مواد القوانين إلى توترات مفتوحة بين الوزارة والهيئات المهنية.

    وقد جعلت هذه المقاربة الجدل جزءا من الولاية، فكلما اقترب الإصلاح من قواعد التقاضي أو العقاب أو شروط ممارسة المهن القانونية، اتسعت دائرة المتأثرين به وتعددت المواقف بشأنه.

    ويكشف ذلك أن اختيار فتح هذه الملفات خلال ولاية واحدة لم يكن قرارا إداريا محضا، بل توجها سياسيا وقبولا لتحمل كلفة الجدل بدل الاستمرار في تأجيل مشاريع ظلت معلقة لسنوات. غير أن الجرأة في فتح الملفات لا تعفي من تقييم جودة التشاور، ومدى استيعاب ملاحظات المهنيين، وقدرة الوزارة على بناء توافقات تضمن سهولة التنفيذ لاحقا.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل اصطدام دليلا على فشل الإصلاح، كما لا يمكن تقديم الجدل وحده دليلا على الجرأة والنجاح، فالمعيار الأكثر دقة يوجد في مضمون النصوص، وطريقة إعدادها، ومستوى التشاور بشأنها، ثم قدرتها على إنتاج أثر بعد دخولها حيز التنفيذ.

    وقد قدمت العقوبات البديلة أول نموذج واضح لهذه المعادلة؛ كونه قانونا انتقل إلى التطبيق واستفاد منه آلاف الأشخاص، لكنه كشف أيضا عن صعوبات في التنفيذ وضعف اللجوء إلى بعض العقوبات التقنية.

    أما التحدي الأكبر الذي تضعه هذه الحصيلة أمام المرحلة المقبلة، فيتمثل في قدرة المنظومة على استيعاب هذا الحجم من التحولات، وإصدار النصوص التنظيمية الضرورية، وتكوين الموارد البشرية، وضمان استمرار الإصلاح بعد نهاية الولاية الحكومية.