كلما وقع حدث سياسي في المغرب، أطرح على نفسي السؤال نفسه: هل ما زالت لدينا صحافة تحلل، أم أصبح لدينا فقط صحافة تعلق؟ السؤال عاد بقوة بعد إعلان التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة.
لم تمر ساعات حتى امتلأت مواقع التواصل، ثم المواقع الإلكترونية، ثم بعض البرامج، بنفس الفكرة، ونفس الجمل، ونفس الاستنتاجات: “لقد حُسمت رئاسة الحكومة”، “لقجع هو رئيس الحكومة المقبل”، “كل شيء مرتب”، “كل شيء محسوم”.
المثير في الأمر ليس أن يقول ذلك مواطن على “فيسبوك”. فمن حق الناس أن يجتهدوا وأن يخطئوا، وأن يبنوا تصوراتهم كما يشاؤون.
لكن عندما يصبح الصحفي نفسه يردد الكلام ذاته، دون تفكيك أو مساءلة أو حتى محاولة لاختبار فرضياته، فإننا لا نكون أمام أزمة حدث سياسي، بل أمام أزمة مهنة.
الصحافة لم توجد لتردد ما يقوله الناس, الصحافة وجدت لتسأل الناس: وهل أنتم متأكدون مما تقولون؟ وهنا يبدأ الفرق بين الصحفي والمؤثر. المؤثر يبحث عن أكثر الروايات انتشارا. أما الصحفي، فمن المفترض أن يبحث عن أكثر الروايات تماسكا.
للأسف، يبدو أن جزءا من الصحافة المغربية اختار الطريق الأسهل: إعادة تدوير المزاج العام ثم تسميته “تحليلا سياسيا”.
وأكثر ما يثير الاستغراب هو أن كثيرا ممن تحدثوا عن “رئيس الحكومة المقبل” تجاهلوا أول قاعدة في النظام الدستوري المغربي: رئاسة الحكومة لا تأتي بالانطباعات، ولا تأتي بتغيير الانتماء الحزبي، ولا تأتي لأن شخصية قوية التحقت بحزب معين. بل تأتي عبر صناديق الاقتراع.
القول إن لقجع سيصبح رئيسا للحكومة، وكأن الأمر أصبح محسوما، يعني ضمنيا أن الانتخابات لم تعد سوى مسرحية شكلية، وأن ملايين المغاربة لن يكون لهم أي دور في تحديد الأغلبية المقبلة.
فإذا كنا نؤمن فعلا بالديمقراطية، فلا يجوز أن نتصرف وكأن نتائجها معروفة سلفا. ثم إن أصحاب هذه القراءات يتجاوزون حقيقة أخرى لا تقل أهمية: في المغرب، ومنذ دستور 2011، أصبح العرف السياسي واضحا، الأمين العام للحزب المتصدر هو من يُكلف بتشكيل الحكومة.
حتى عندما تعذر على عبد الإله بنكيران تشكيل الحكومة سنة 2017، لم يُجلب اسم من خارج قيادة الحزب، بل انتقل التكليف إلى الشخصية الثانية داخله. واليوم، الأمينة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة هي فاطمة الزهراء المنصوري.
هذه ليست وجهة نظر. هذه ليست نظريات مؤامرات مغلفة بمسمى “تحليل”، هذه هي الوقائع. أما إذا كان البعض يريد القول إن هذا العرف سيتغير، فليقدم معطيات سياسية أو دستورية تؤسس لهذا الاحتمال، لا أن يكتفي بترديد عبارة “أكيد الأمور مرتبة”.
فالتحليل لا يقوم على اليقين الوهمي، بل على ترجيح الاحتمالات. هناك أيضا سؤال لا يطرحه أحد: هل المغرب، وهو يعيش أكبر تحول رياضي في تاريخه، ويستعد لتنظيم كأس إفريقيا، ثم كأس العالم، ويعزز حضوره داخل الفيفا والكاف، مستعد فعلا للتخلي بسهولة عن الشخصية التي أصبحت أحد أهم وجوه هذا المشروع؟
ليس المقصود هنا أن ذلك مستحيل. بل المقصود أن أي تحليل جدي كان يجب أن يناقش هذه المعادلة أيضا. أما أن يتم تجاهلها بالكامل، ثم تقديم سيناريو واحد باعتباره الحقيقة الوحيدة، فذلك ليس تحليلا، بل انتقاء للمعطيات التي تخدم رواية مسبقة.
ومن أكثر ما يثير الاستغراب أيضا أن الأحزاب المغربية تُنتقد باستمرار لأنها لا تستقطب الكفاءات. لكن بمجرد أن تنجح في استقطاب شخصية لها وزنها، يتحول الخطاب فجأة إلى حديث عن “التعليمات” و”الدفع من الفوق” و”الميركاتو السياسي”.
وكأن فوزي لقجع لا يملك إرادة سياسية مستقلة، وكأن الأحزاب عاجزة عن الإقناع، وكأن كل قرار سياسي في هذا البلد لا يمكن أن يكون نتيجة اقتناع، بل لا بد أن يكون نتيجة مؤامرة. هذه ليست قراءة سياسية. هذه ثقافة سياسية.
وثقافة المؤامرة لا تحتاج إلى أدلة، لأنها تفسر كل شيء، ولذلك لا تفسر شيئا. إنها تعفي العقل من التفكير، لأنها تقدم إجابة جاهزة لكل سؤال.
المفارقة أن الصحافة، التي كان يفترض أن تكون أول من يقاوم هذا المنطق، أصبحت في أحيان كثيرة أكبر مروج له. صار بعض الصحفيين يتسابقون نحو التأويل قبل جمع المعطيات، ونحو إطلاق الأحكام قبل طرح الأسئلة، ونحو إرضاء الجمهور بدل محاورته، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن المجتمع يستطيع أن يتجاوز إشاعة على “فيسبوك” لكنه يصعب عليه أن يتجاوز إشاعة تحمل توقيع صحفي أو محلل سياسي.
أما أنا، فأرحب بانضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة. ليس لأن الرجل فوق النقد، ولا لأن الحزب لا يخطئ، بل لأن الأحزاب التي تريد أن تحكم مطالبة باستقطاب الكفاءات لا بطردها.
أما رئاسة الحكومة، فلا تزال، كما كانت دائما، معركة سياسية وانتخابية ستقودها الأمينة العامة للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، والكلمة الأخيرة فيها ليست للمحللين، ولا لليوتيوبرز، ولا للمنشورات المتداولة… بل لجلالة الملك أولا، وللناخب المغربي.
